«نهايات الليل»... كائنات تعيش تراجيديا العزلة والوحدة

ترجمة مغربية لقصص المكسيكي إدواردو أنطونيو

«نهايات الليل»... كائنات تعيش تراجيديا العزلة والوحدة
TT

«نهايات الليل»... كائنات تعيش تراجيديا العزلة والوحدة

«نهايات الليل»... كائنات تعيش تراجيديا العزلة والوحدة

في مجموعته القصصية «نهايات الليل»، يزج بنا الكاتب المكسيكي إدواردو أنطونيو بارا بين أتون «مغامرات مفعمة بطعم القسوة والعنف، في مدن المكسيك المتاخمة للولايات المتحدة»، لتصير «نهايات الليل» بهذا المعنى، كما يقول عنها مترجمها المغربي أحمد الويزي «رواية في تسع حلقات عن ليل الهوامش والهامشيين: الشواذ والمنبوذين والهاربين من وعيد الانتقام وإنذار الخيانة؛ هؤلاء السهارى والسكارى والمصابين بلوثة الحزن والحنين الذين يعيشون بمفردهم ليلاً آخر مضاعفاً من العزلة والوحدة والضياع، في مدن تخومية بلا قلب».
لم يكتفِ الويزي بترجمته للمجموعة القصصية للكاتب المكسيكي، الصادرة عن دار النشر الأردنية «خطوط»، متضمنة قصصاً ساحرة «تشد على خناق القارئ منذ الأسطر الأولى»، وهي «القسم» و«لذة الموت» و«لحظات ليلية هاربة» و«فراغ ذريع» و«البئر» و«كيف تمضي الحياة» و«القناص» و«المتاهة»، بل عمل على تحفيز القارئ، من خلال مقدمة انطلق فيها من الصُّدفة التي أفضت به إلى التعرّف على العالم القصصي المميّز لكاتبها الذي ينتمي إلى الاتجاه الأدبي الذي أبدع فيه على نحو مدهش مواطنه خوان رولفو صاحب المجموعة القصصية الفريدة «سهل الإليانو المحترق» الذي يُعد بحق أبدع رواد المدرسة الأدبية الطبيعية الإيبيرو-أميركية في كتابة القصة القصيرة والرواية خلال النصف الثاني من القرن العشرين.
يشدد الويزي، في مقدمة ترجمته لـ«نهايات الليل»، على أن «أول ما يلفت الانتباه في هذه المجموعة الرائعة هو التوليفة الموضوعاتية التي تجمع بين قصصها كافة، إذ اختار لها بارا إطاراً دينامياً واحداً يُهيْكلها، هو زمن الليل، أو بالأحرى زمن نهاية الليل». ولذلك، جاءت ليلية بامتياز، تقع فيها الأحداث الحاسمة ضمن «اللحظات الفارقة من عمر الليل المكسيكي». ومن ثم، فـ«ليس من قبيل الاعتباط أن يركز عنوان المجموعة على لحظة الـنهاية، باعتبارها حداً فاصلاً بين زمنين: الليل والنهار».
وإلى جانب الإطار المميز الذي يحيل على «زمن البيْن-بيْن المفعم بالالتباس والتوتر» لأن «نهاية الليل هي فترة فاصلة بين زمن الظلمة والنور»، بمعنى «تأطرها ضمن اللحظات الأخيرة التي ينزع فيها الليل إلى الموت، بينما يندفع أثناءها النهار إلى التولد، عبر توليفة رمادية رفيعة يختلط فيها الضوء بالعتمة، والسواد بالبياض»، يشير الويزي إلى أن بارا «اختار إطاراً مكانياً مشبعاً كذلك بدلالة البيْن-بيْن، تحبل تربته بعدة تفاعلات وتجاذبات واضطرابات، وذلك باختيار مدن مكسيكية متاخمة للولايات المتحدة مسرحاً للقصص: مونتيري وسيوداد خواريز الواقعتين في الشمال خاصة»، حيث «طبع هذا الاختيارُ شخوصَ المجموعة بسمته البارزة، وجعلها كائنات تعيش أوضاعاً ليلية تمور بالقلق والاضطراب والتقلب»، بحيث يُلاحَظ أن شخصيات «نهايات الليل» كافة هي تقريباً «شخصيات نواسة، تعيش قلقاً محموماً بين الهنا والهناك، يعمقه تقلبها الحرون بين لحظة الآن ولحظة ما قبل الآن، بين الواقع والذاكرة والحلم المفتوح على الرغبة التي قد تتحقق، وكثيراً ما لا تتحقق».
وبناء على هذا التأرجح القلق بين عوالم الزمان والمكان المتقابلة، يضيف الويزي: «يلعب الزمن النفسي المتموج المتقلب، متمظهراً في عناصر الرغبة والذاكرة والحلم وهواجس الخوف، دوراً محورياً في قصص هذه المجموعة، وإليه يؤول الحسم النهائي في كثير من الأحيان، إذ سرعان ما ينقلب السرد المتوالي الاطراد في عدة قصص إلى ارتدادات استرجاعية، ويغدو الحوار مجرد مونولوغ هذياني، لأن لحظة الحاضر غالباً ما ترتهن للماضي، فتتحول بذلك مصائر الشخصيات القصصية إلى مجرد نهايات تراجيدية تكون قد تقررتْ سلفاً، بالدم والإصرار على الثأر، لا يمكن لأي شخصية منها أن تهرب من الحتمية المقضية».
وإلى جانب ذلك، تتميز هذه الشخوص الليلية كافة بكونها «كائنات تعيش تراجيديا العزلة والوحدة القاتلة في أمكنة تعج بالآخرين»، تلوك «هذيانها المحموم بمفردها، حتى إن ظل المكان الذي يأويها يجمع بينها وبين أشباهها من (خفافيش) الليل الباحثة عن المتعة والصحبة والسمر. وكأن الكل يحيا في خلية تعج بالنسخ والأشْباه، إنما ضمن عزلة الخُرْنوب الخاص الذي هو خرنوب الذاكرة الموارة والوحدة القاتمة».
يتعلق الأمر بشخصيات استثنائية، بقدر ما هي «مسكونة بالخشونة والغلظة والفظاظة والعنف»، تبقى «أسيرة لمشاعر رقة وتحنن آسرة، تنتهي بجعل القارئ يتعاطف معها حتى في أشد حالات القسوة التي تصدر عنها». ومن ذلك ما تطالعنا به قصة «البئر»، حيث نقرأ: «إذن، أنتَ بهذا تخاف من الظلام؟ يا لسوء حظك، يا ولدي! يبدو أنك تعودْت على حياة المدينة. هنا، الليالي طويلة. في بعض الأحيان، يمتد الليل ليصل إلى اثنتي عشرة ساعة، فيلقنك بأن الأسوأ هو الضوء، والشمس، وامتداد النهار السحيق. هذا، نعم، إنه خطير: يعمي الأبصار، ويقتل. يُذهب ببطء بَشَرَتك وحنجرتك ولسانك، وينتهي بك إلى الموت على نار هادئة. عكس الظلمة تماماً، فهي رطبة وممتعة، ويمكنك التنقل بين أحضانها، مثلما تتنقل السمكة في الماء. هيا، تقدمْ، ولا تتباطأ. لستُ أدري لماذا لا تسير على نحو مستقيم، ما دام يكفيك أن تتبع مسار الحبل. أنا دليلك. لا تتوقف. انظر إليّ: أنا رجل عجوز وأعرج ورجلاي ملتويتان، ومع ذلك لا أسير مائلاً أبداً، ولا أتهاوى على الأرض. لا، ليس لك عذر. أنت فتى يافع، وبرجلين سويتين. إيه، اسمع... ربما هذه أصوات الذئاب، أليس كذلك؟! لا، إنها من فصيلة الكُيوط. في بعض الأحيان، تقترب من البئر. هيا، قمْ، سنستأنف السير. انهض، انهض... مع انصرام العمر، يأتي على المرء حينٌ من الدهر، لا يكون فيه بحاجة إلى أن يبصر أبداً. لهذا السبب، نصبح نحن الشيوخ بلا شك عمياناً من غير أن نشعر بذلك، إذ نكون قد رأينا الكثير من الأمور، فتشرع العيون في العبوس والتقطيب، ولا ترغب في عدها في رؤية أي شيء، فتعبر بمثل ذلك عن الشكوى. حينها، يتعين علينا تركها لتستريح، وهذا أفضل. أنا اليوم، مثلاً: إذا انتُزعَتْ مني العينان، فلن أقاوم بالكل. إنهما أنجزتا مهمتهما الأخيرة: رؤيتك، والتعرف عليك... أنت لا تصدق، أليس كذلك؟! أما أنا، فهذا ما أعتقده. أنا متأكد من أنه كان يتعين على الظلمة أن تكون عنصراً فعالاً بالنسبة إلى الإنسان».
ويشير الويزي إلى أن الكاتب «استعمل على نحو حاذق مجموعة من عناصر الكتابة السردية السينمائية، حيث يتم التبئير في كثير من القصص على مشاهد وحركات وملامح وأعضاء جسدية بعينها، من خلال تنويع الرؤية وتكثير الإطارات»، إلى جانب «تقنية التقطيع المعتمدة في كتابة السيناريو السينمائي، وخاصة سيناريو الفيلم القصير»، كما أبدع في «وضع النهايات غير المتوقعة لقصصه».
وإدواردو أنطونيو بارا كاتب مكسيكي معاصر، وُلِد بمدينة ليون المكسيكية، سنة 1965، ودرس الآداب الإسبانية بجامعة نويبو ليون، ثم تخرج منها، وعمل في الصحافة الأدبية، وحصل على جائزة خوان رولفو سنة 2000، ثم جائزة أنطونين أرثو سنة 2009، عن «نهايات الليل».



«درنة» يتناولها الملايين منذ قرون تُعدّ الآن «غذاء خارقاً»

«اليام» درنة نشوية تدخل في إعداد الأطباق الصحية (شاترستوك)
«اليام» درنة نشوية تدخل في إعداد الأطباق الصحية (شاترستوك)
TT

«درنة» يتناولها الملايين منذ قرون تُعدّ الآن «غذاء خارقاً»

«اليام» درنة نشوية تدخل في إعداد الأطباق الصحية (شاترستوك)
«اليام» درنة نشوية تدخل في إعداد الأطباق الصحية (شاترستوك)

«اليام» درنة نشوية تدخل في إعداد «يخنات» الكاريبي، وكذلك طبق «الفوفو» في غرب أفريقيا، وتنتشر بشكل متزايد في متاجر البقالة الأميركية. المثير أنها بدأت تظهر في الأبحاث العلمية لسبب بسيط: يكتشف الباحثون باستمرار مركبات في «اليام» ربما تؤثر على كيفية تعامل الجسم مع السكر، وكيفية حماية الدماغ وإعادة بنائها، حسب موقع «إي سي أو نيوز».

يُذكر أن الادعاء الرئيسي، هنا، ليس أن «اليام غذاء خارق»، بل في أن الأبحاث الأولية، بما في ذلك تجربة سريرية صغيرة على البشر، تشير إلى أن بعض مستخلصات «اليام» قد تُحسّن، بشكل طفيف، بعض جوانب التفكير والذاكرة، بينما تشير دراسات أخرى إلى تحسين التحكم في مستوى السكر في الدم في ظروف محددة.

والآن: ما الصحيح؟ وما هو مجرد احتمال؟ وما الذي يجب تجاهله؟ في الولايات المتحدة، يُستخدم مصطلح «يام» غالباً للإشارة إلى البطاطا الحلوة ذات اللب البرتقالي ـ نبات مختلف تماماً. في المقابل، ينتمي «اليام» الحقيقي إلى مجموعة الديوسكوريا، ويتميز بقشرة أكثر خشونة، ولب أكثر نشوية من معظم أنواع البطاطا الحلوة.

لنبدأ إذن بالمعلومات الأساسية: بحسب مركز بيانات الغذاء التابع لوزارة الزراعة الأميركية، تحتوي حصة 3.5 أونصة من «اليام» النيئ على 118 سعرة حرارية، ونحو 28 غراماً من الكربوهيدرات، و4.1 غرام من الألياف، و1.5 غرام من البروتين.

وأوضح المصدر نفسه أن «اليام» غني، على نحو خاص، بالبوتاسيوم. ويحتوي على 816 ملليغراماً لكل 3.5 أونصة، بالإضافة إلى فيتامين «سي» وفيتامين «ب6». ويرتبط البوتاسيوم بتنظيم ضغط الدم، ويدعم فيتامين «سي» وظائف المناعة. وعليه، يمكن اعتبار «اليام» أكثر من مجرد مصدر «كربوهيدرات رخيصة» في النظام الغذائي.


دواء فعّال لحماية مرضى السكري من النوبات القلبية

خفض الكوليسترول بشكل مبكر يسهم في وقاية مرضى السكري من النوبات القلبية (مستشفى ماس جنرال بريغهام)
خفض الكوليسترول بشكل مبكر يسهم في وقاية مرضى السكري من النوبات القلبية (مستشفى ماس جنرال بريغهام)
TT

دواء فعّال لحماية مرضى السكري من النوبات القلبية

خفض الكوليسترول بشكل مبكر يسهم في وقاية مرضى السكري من النوبات القلبية (مستشفى ماس جنرال بريغهام)
خفض الكوليسترول بشكل مبكر يسهم في وقاية مرضى السكري من النوبات القلبية (مستشفى ماس جنرال بريغهام)

أظهرت دراسة سريرية أميركية أن إضافة دواء يخفض الكوليسترول بشكل مكثف إلى العلاج القياسي يمكن أن يقلل بشكل كبير من خطر حدوث أول نوبة قلبية أو سكتة دماغية لدى مرضى السكري المعرضين للخطر.

وأوضح الباحثون في مستشفى ماس جنرال بريغهام بالولايات المتحدة، أن النتائج تظهر فائدة خفض الكوليسترول بشكل مبكر في وقاية مرضى السكري من النوبات القلبية، ونُشرت النتائج، السبت، بدورية «JAMA».

ويمكن لمرض السكري أن يزيد بشكل كبير من خطر الإصابة بأمراض القلب والنوبات القلبية، إذ يؤدي ارتفاع مستويات السكر في الدم لفترات طويلة إلى تلف الأوعية الدموية والقلب، ويسهم في تراكم الدهون والكوليسترول داخل الشرايين. كما أن مرضى السكري غالباً ما يعانون من ارتفاع ضغط الدم أو اختلال الدهون في الدم، ما يزيد من احتمالية انسداد الشرايين وحدوث أزمات قلبية. ومن أهم خطوات الحد من هذه المخاطر، التحكم بمستويات السكر، واتباع نظام غذائي صحي، وممارسة النشاط البدني بانتظام.

وشملت التجربة السريرية 3655 مريضاً يعانون من سكري عالي الخطورة، مثل المرضى الذين يعانون من السكري لأكثر من 10 سنوات، أو يحتاجون إلى الأنسولين يومياً، أو لديهم أمراض الأوعية الدقيقة. وتلقى المشاركون إما حقن «إيفولوكوما» الخافضة للكوليسترول كل أسبوعين وإما دواء وهمي، مع استمرار جميع المشاركين على العلاج القياسي للكوليسترول، بما في ذلك «الستاتينات» و«إزيتيميب».

دواء «إيفولوكوما»

وبعد 48 أسبوعاً، تبين أن دواء «إيفولوكوما» خفّض مستويات الكوليسترول الضار بنسبة تقارب 60 في المائة، ما أسهم في تقليل خطر حدوث أول نوبة قلبية أو سكتة دماغية أو الوفاة بسبب أمراض القلب بنسبة 31 في المائة مقارنة بالعلاج القياسي وحده.

وعلى مدى متابعة استمرت نحو خمس سنوات، سجلت مجموعة «إيفولوكوما» معدل حدوث أحداث قلبية وعائية أولى بنسبة 5 في المائة مقابل 7.1 في المائة في مجموعة الدواء الوهمي.

وأظهرت الدراسة أن معدلات الآثار الجانبية كانت متقاربة بين المجموعتين، ما يشير إلى أن العلاج كان جيد التحمل لدى هذه الفئة من المرضى.

وأشار الباحثون إلى أنه على مدار أكثر من عقد، كان استخدام العلاجات المكثفة لخفض الكوليسترول يقتصر على المرضى الذين لديهم أمراض قلبية معروفة.

وأضافوا أن هذه النتائج تظهر أن خفض الكوليسترول المبكر يمكن أن يمنع أول نوبة قلبية أو سكتة دماغية لدى مرضى السكري المعرضين للخطر، حتى قبل ظهور تصلب الشرايين الكبير. وقد يؤدي استخدام «إيفولوكوما» أو علاجات مكثفة مشابهة إلى تعديل التوصيات الطبية للوقاية من أمراض القلب والأوعية الدموية في الفئات عالية المخاطر.

ونوه الفريق بأن تطبيق هذا العلاج على نطاق أوسع يمكن أن يقلل معدلات الوفاة والأمراض القلبية الخطيرة لدى ملايين مرضى السكري حول العالم.


لوكينو ڤيسكونتي... الوجه الأول للواقعية الجديدة

«الفهد» (تاتيوس فيلمز)
«الفهد» (تاتيوس فيلمز)
TT

لوكينو ڤيسكونتي... الوجه الأول للواقعية الجديدة

«الفهد» (تاتيوس فيلمز)
«الفهد» (تاتيوس فيلمز)

من الأخطاء الشائعة، قصداً أو عن جهل، أن أول فيلم ضمن السينما الإيطالية الواقعية في الأربعينات كان «سارقو الدراجات» لڤيتوريو دي سيكا سنة 1948. والحال أن هذا الفيلم هو من الأعمال التي أسست فعلاً لما يُعرف بالسينما الواقعية الجديدة، لا بدايتها؛ إذ إن السينما الإيطالية، على وجه الخصوص، وكذلك سينمات أخرى عديدة، لم تعرف الواقعية بوصفها منهجاً مستقراً، بل تجلت في أفلام متباعدة وقليلة؛ ما يدفع الناقد إلى إعادة طرح السؤال عن سبب تسميتها «جديدة» إذا لم يكن هناك «قديمة».

البداية الفعلية للواقعية الجديدة

من «هاجس» أول أفلام المخرج (أجاي فيلم)

لكن، بعيداً عن هذه النقطة التي قد تُثير جدلاً يستحضر أعمال السينما الإيطالية الاجتماعية في الفترة الصامتة وما بعدها، هناك فيلم يسبق «سارقو الدرّاجات»، أنجزه لوكينو ڤيسكونتي عام 1943 بعنوان «هاجس» (Obsession). وهو فيلم درامي اجتماعي تدور أحداثه في أتون الحياة في القاع، حول رجل وزوجته ودخيلٍ يقتحم حياتهما، بما يترتب على ذلك من عواطف متشابكة، وما يعقبه من شعور بالذنب والضعف.

بعد انتهاء لوكينو ڤيسكونتي (توفي قبل نحو 50 عاماً) من تصوير بعض مشاهد «هاجس» (بالأبيض والأسود)، أرسل ما صوّره إلى المونتير ماريو سيراندراي، الذي كتب له بعد مشاهدتها: «أحببت هذه المشاهد. لا أعرف كيف أعرّف هذا النوع الجديد من السينما، إلا بأنه واقعية جديدة».

ورد ذلك في كتاب لغايا سرڤاديو الصادر سنة 1983 بعنوان «لوكينو ڤيسكونتي: سيرة»، وعزّزه المؤلف هنري باكون في كتابه الصادر سنة 1998 «ڤيسكونتي: استكشاف الجمال والانحلال» (Visconti: Explorations of Beauty and Decay).

المخرج لوكينو ڤيسكونتي (IMDB)

وسرد ڤيسكونتي هذه الواقعة بنفسه في بعض مقابلاته، مؤكداً أن هذا النعت («واقعية جديدة») لم يكن قد استُخدم من قبل.

والفيلم نفسه ينطق بذلك من خلال واقعية الشخصيات ومشاعرها، وإبقاء الدراما كامنةً غير مُعلنة أو مباشرة. كما يتجلى ذلك في مواقع التصوير ضمن البيئات الفقيرة في المدينة.

أثار الفيلم استياء بعض مشاهديه من أوساط الحكومة الفاشية في عهد بنيتو موسوليني، فغادر بعضهم القاعة قبل انتهاء العرض، واصفين الفيلم بأنه معادٍ لإيطاليا. وأعقب ذلك صدور قرار بمنع عرضه، والحجز على ما أمكن من نسخه.

ثلاثي مختلف

كان لوكينو ڤيسكونتي يساريَّ التوجّه ومعادياً للفاشية، علماً بأنه وُلد عام 1906 في كنف عائلة أرستقراطية مرفّهة وذات تأثير سياسي. خدم في الجيش الإيطالي لمدة عامين (1926-1928)، ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية ودخول إيطاليا فيها، اختار أن يتخذ موقفاً معادياً للفاشية.

لكن قبل اندلاع تلك الحرب، قصد ڤيسكونتي فرنسا، حيث تعرّف إلى المخرج جان رينوار، الذي استعان به مساعداً في بعض أفلامه، أولها «يوم في الريف» (A Day in the Country) سنة 1935. واستمر التعاون بينهما حتى مطلع الحرب العالمية الثانية، وهي فترة كانت كافية ليتشرّب خلالها المخرج الإيطالي تأثير أحد أبرز صناع السينما الفرنسية آنذاك.

قد يلاحظ بعض من يشاهد النسخة المتوفرة من «هاجس» تأثيراً آخر؛ فمن قرأ رواية جيمس م. كاين «ساعي البريد يرن مرتين دائماً» (The Postman Always Rings Twice) فسيجد تشابهاً بين العملين. وكان رينوار هو من أعطى الرواية لڤيسكونتي لقراءتها. وتدور أحداثها حول شاب يصل، في خضم أزمة اقتصادية في الولايات المتحدة، إلى محطة بنزين ريفية يملكها رجل متقدّم في السن وزوجته الشابة. يعمل الشاب في المحطة، وسرعان ما تنشأ علاقة بينه وبين الزوجة وتنتهي بقتل الزوج.

غير أن ڤيسكونتي لم ينقل أحداث الرواية كما هي في فيلمه «هاجس»، بل اكتفى بثلاثية الشخصيات مع اختلاف في الوقائع وتوجهاتها العاطفية. ويكفي هنا التأكيد على أن رواية كاين كانت ذات طابع عاطفي - جنائي، في حين جاء فيلم ڤيسكونتي عاطفياً - اجتماعياً.

من الأرض إلى القصر

«موت في ڤينيسيا» مع ديرك بوغارد (ألفا سينماتوغرافيكا)

بعد هذا الفيلم، واصل المخرج مسيرته السينمائية محققاً نجاحاً فنياً كبيراً. وقد برع منذ البداية في معالجة شخصياته وفي إحكام سيطرته على كل تفاصيل العمل، كما يتضح في «الأرض تهتز» (La Terra Trema) سنة 1948. ومع ذلك، فإن هذه الصرامة الإخراجية تبلورت لاحقاً، حين ابتعد عن إنجاز الأفلام ذات التوجهات اليسارية المباشرة، من دون أن يتخلى عن خلفيته الفكرية.

يتناول «الأرض تهتز» حياة صيادين في قرية يواجهون هيمنة التجّار على أرزاقهم، وكيف يستجيب بعضهم بالخضوع، فيما يختار آخرون المقاومة. ورغم أن ڤيسكونتي لم يتخلَّ عن الواقعية التي أرساها منذ أفلامه الأولى، فقد بدأ ينسج أسلوباً فنياً أكثر تركيباً لطرح موضوعاته. ويُعدّ روبرتو روسيلليني الأقرب إليه في هذا المجال؛ إذ انطلق بدوره ضمن تيار الواقعية الجديدة، في حين بدأ ڤيتوريو دي سيكا في هذا المنهج ثم ابتعد عنه لاحقاً، من دون أن يقدّم عملاً يتجاوز أهمية «سارقو الدراجات».

في الستينات، اتجهت أفلام ڤيسكونتي نحو عناية جمالية أعلى، مع نقل الأحداث إلى عوالم القصور والبُنى الطبقية، كما في «الفهد» (The Leopard) عام 1963، و«ساندرا» (1965)، و«الغريب» (عن رواية ألبير كامو، 1967)، ثم «الملعونون» (The Damned) 1969.

وليس من الدقة القول إن هذه الأفلام (وسواها) على مستوى واحد من الجودة، غير أن السمة الأبرز في هذا التحول من حكايات الشوارع والبلدات الصغيرة إلى العالم الأرستقراطي تتجلى بوضوح في «الفهد» و«الملعونون»، ولاحقاً في «موت في ڤينيسيا» (Death in Venice) سنة 1971، المأخوذ عن رواية توماس مان، ثم «لودڤيغ» (1973)، الذي يتناول سيرة ملك باڤاريا في أحداث تمتد بين عامي 1864 و1886.