وحدات الحماية الكردية تطالب تركيا بالتحقيق في تسرب 4 انتحاريين من أراضيها إلى كوباني

جهات كردية تتهم إسطنبول بالتواطؤ مع عناصر «داعش» في معارك عين العرب.. والجيش التركي ينفي

وحدات الحماية الكردية تطالب تركيا بالتحقيق في تسرب 4 انتحاريين من أراضيها إلى كوباني
TT

وحدات الحماية الكردية تطالب تركيا بالتحقيق في تسرب 4 انتحاريين من أراضيها إلى كوباني

وحدات الحماية الكردية تطالب تركيا بالتحقيق في تسرب 4 انتحاريين من أراضيها إلى كوباني

أكد مسؤول في قوات حماية الشعب الكردي في مدينة كوباني، لـ«الشرق الأوسط»، أن أربعة انتحاريين تابعين لتنظيم داعش عبروا من الأراضي التركية إلى داخل مدينة كوباني، وفجروا أنفسهم على بعد 50 مترا من الحدود، مما أدى إلى اندلاع اشتباكات وصلت إلى المنطقة الحدودية بين سوريا وتركيا لأول مرة منذ بدء الهجوم على كوباني قبل 70 يوما.
وإذ رفض المسؤول الكردي تحميل أنقرة مسؤولية عبور الانتحاريين، دعا حكومتها إلى «فتح تحقيق جدي في تسربهم إلى داخل الأراضي السورية»، و«إيضاح تفاصيل العملية»، مؤكدا أن دخول انتحاريين من الأراضي التركية «غير مستحب، كون (داعش) تنظيما إرهابيا، ويقاتله التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب».
وأعلن «المرصد السوري لحقوق الإنسان» أن أربعة انتحاريين من تنظيم داعش فجروا أنفسهم في مدينة كوباني السورية الكردية على الحدود مع تركيا، وسط اشتباكات تشمل للمرة الأولى منطقة المعبر الذي يصل المدينة بتركيا، أدت إلى مقتل 30 مقاتلا على الأقل.
من جهته، أوضح مسؤول العلاقات العامة في وحدات حماية الشعب الكردي ناصر حاج منصور، لـ«الشرق الأوسط»، أن انتحاريين يقودان سيارتين مفخختين، إحداهما شاحنة، عبرا الأراضي التركية إلى المعبر الحدودي، وفجرا نفسيهما والسيارتين على بعد 50 مترا إلى العمق داخل الأراضي السورية، قبل أن يتبعهما انتحاريان آخران فجرا نفسيهما أيضا في موقع قريب. وأشار إلى مقتل عنصر من قوات «الأسايش» وجرح القيادي في الجيش السوري الحر أبو ليلى الذي يقاتل في كوباني ضمن غرفة عمليات «بركان الفرات»، جراء التفجيرات، إضافة إلى سقوط عدد من الجرحى أصيبوا بجراح طفيفة. كما أشار إلى أن التفجيرات «دمرت المركز الصحي في المنطقة الحدودية»، لافتا إلى اندلاع اشتباكات بين «داعش» والقوات الكردية، عقب حصول التفجيرات.
وذكرت صفحات يديرها مقربون من «داعش» في موضع التواصل الاجتماعي «تويتر» أن متشددين «نفذوا عمليات انغماسية في داخل كوباني»، استهدفوا خلالها الوحدات الكردية. وأكد حاج منصور أن المهاجمين انطلقوا من «داخل الأراضي التركية»، نافيا أي احتمال بأن يكونوا قد انطلقوا من داخل كوباني. وقال «لا نجزم بأن يكونوا عبروا بعلم السلطات التركية، ولا ننفي أيضا احتمال أن يكون الانتحاريون تسربوا رغما عن إرادة السلطات التركية التي تحمي الحدود»، لكنهم «عبروا المعبر الحدودي الرئيسي، مما يتطلب توضيحا من حكومة أنقرة، بعد إجراء تحقيقات في هذا اللغز». وأضاف «لا أتصور أن تتورط تركيا بدعم (داعش) في منطقة يقاتل فيها الائتلاف بشكل مباشر ضد هذا التنظيم الإرهابي»، مشددا على أن الحادث «غير مستحب، ولن نصدق أن هناك تورطا مباشرا من الدولة التركية في دعم (داعش)، لأن ذلك لا يصب في مصلحتها، وقد يكون هناك أشخاص مخترقون لصالح التنظيم».
من جهة أخرى, أكدت السلطات التركية الهجوم بسيارة مفخخة فجر السبت عند مركز مرشد بينار الحدودي قبالة مدينة كوباني السورية (عين العرب)، لكنها نفت بشدة أن تكون السيارة أتت من أراضيها. وأكدت هيئة أركان الجيش التركي في بيان أوردته وسائل الإعلام أن «المزاعم التي تفيد أن السيارة انتقلت عبر تركيا كاذبة. لا تملك أي من السلطات (التركية) عناصر تتيح كلاما من هذا النوع».
وبحسب وسائل إعلام تركية، فإن السيارة المعنية أتت من الجانب التركي. لكن مكتب رئيس الوزراء التركي وصف هذه المزاعم في بيان صادر عنه، بأنها «أكاذيب».
وتسيطر قوات الأمن التركية على الجانب التركي من المعبر الحدودي مع سوريا في كوباني، بينما تسيطر وحدات كردية وأخرى تابعة للجيش السوري الحر على الجانب السوري من المعبر، واحتفظت تلك القوات بالسيطرة على مواقعها، رغم التفجيرات والمعارك التي اندلع لأول مرة على الجانب السوري من الحدود، منذ بدء هجمات «داعش» للسيطرة على كوباني في 16 سبتمبر (أيلول) الماضي. وقال الحاج منصور إن القوات التركية المرابضة على الحدود «شوهدت تتراجع قليلا إلى الخلف إثر اندلاع الاشتباكات».
والى جانب الاشتباكات عند المعبر، ذكر المرصد السوري في بريد إلكتروني أن «معارك طاحنة» تدور أيضا في جنوب ووسط المدينة وعند أطرافها الشمالية، في ظل عمليات قصف من قبل تنظيم داعش شملت إطلاق نحو 90 قذيفة منذ الفجر.
وذكر المرصد السوري أن الاشتباكات اندلعت في أنحاء متفرقة في المدينة، من بينها الجبهة الجنوبية الغربية. وقال إن مقاتلي «داعش» أطلقوا 110 قذائف على الأقل على كوباني، وإنهم يستعينون بدبابات، مشيرين إلى ضربتين جويتين استهدفتا مواقع «داعش» في منطقة صناعية بالشرق. وقال رامي عبد الرحمن، مدير المرصد، إنه تأكد مقتل 30 مقاتلا على الأقل من الجانبين بينهم 21 من مقاتلي «داعش» ويشملون الانتحاريين الأربعة. أما التسعة الباقون فكانوا من القوات الكردية.
وأكد حاج منصور لـ«الشرق الأوسط» أن الاشتباكات تواصلت منذ تنفيذ الهجمات الانتحارية فجر أمس، مشيرا إلى أن قوات تنظيم داعش «لم تستطع التقدم، وبقينا على سيطرتنا على المعبر»، مشيرا إلى أن «المعارك تجددت في المدينة الصناعية بعد انسحاب (داعش) منها أمس (أول من أمس)، وهو ما يظهر أن الانسحاب كان تمويها لتنفيذ عملية اختراق من جهة الحدود».
من جهته، قال مسؤول محلي في كوباني، لوكالة الصحافة الفرنسية، إن «تنظيم داعش صعد هجماته في محيط المعبر، ووقعت هجمات عنيفة فجرا قرب هذا المعبر الذي لا يزال تحت سيطرة وحدات حماية الشعب».
ووجه أنور مسلم رئيس حكومة كوباني نداء إلى أهالي كوباني قال خلالها «مهما حاول البعض مساعدة (داعش) في سعيها لاحتلال كوباني فلن ينجحوا، فإنهم سيفشلون كما فشلوا سابقا في تفجيراتهم 21»، محييا مقاومة «ي ب ك».
من جانبها اتهمت آسيا عبد الله الرئيسة المشتركة لحزب الاتحاد الديمقراطي تركيا بمساعدة «داعش» وقالت في تصريح لها على قناة «روناهي» الكردية إن «(داعش) تهاجم كوباني مباشرة من طرف التركي من البوابة الحدودية بواسطة سيارات مفخخة وبشكل مكشوف وبتواطؤ مباشر من الجيش التركي».
وأضافت «على جميع أبناء شعبنا تصعيد من النضال والاحتجاجات ضد هذه المؤامرة والاعتداء المباشر من طرف تركي.. وعلى العالم التحرك الفوري لوقف عدوان ومؤامرة تركية على كوباني».
وأصدر المركز الإعلامي لوحدات حماية الشعب الكردستاني بيانا أشار فيه إلى أن «هجمات (داعش) الهادفة لاحتلال مقاطعة كوباني تستمر في يومها الـ75»، مضيفة أن «(داعش) أحضرت الدعم من الرقة ومنبج وهاجمت بالأسلحة الثقيلة منذ يوم أول من أمس في الجبهتين الجنوبية والشرقية، وفي صباح أمس هاجمت من جهة الحدود الشمالية على معبر مرشد بنار، ولكن وحداتنا قدمت مقاومة بطولية في جميع الجبهات».
وتابع البيان «هاجمت مرتزقة (داعش) فجر السبت بعربة محملة بالمتفجرات عبر معبر مرشد بنار، ودخلت من الجهة الشرقية على الحدود من منطقة صوامع الحبوب في تركيا وهاجمت وحداتنا من الخلف، وفي المعبر الحدودي فجرت مرتزقة (داعش) عربة محملة بالمتفجرات كما فجر انتحاريان نفسهما، وبعد هذه التفجيرات بدأت المرتزقة بالهجوم واندلعت اشتباكات قوية وجها لوجه بين وحداتنا والمرتزقة، حيث تم إحباط الهجوم على المعبر الحدودي فيما تستمر الاشتباكات في منطقة صوامع الحبوب».
وتتصدى الميليشيا الكردية لمقاتلي داعش منذ أكثر من شهرين في المعركة على المدينة المعروفة أيضا باسم عين العرب، لكن لم يحقق أي من الطرفين تقدما حاسما. وقال مسؤول كردي في كوباني، لـ«الشرق الأوسط»، إن «الخطر على كوباني لا يزال قائما، ولم تتحرر المدينة بعد رغم استعادة السيطرة على مركز المدينة، لكننا انتقلنا من مرحلة الدفاع إلى مرحلة الهجوم في هذا الوقت».
وأوضح «اننا بتنا قادرين على تنفيذ عمليات خلف خطوط العدو على مساحة 30 كيلومترا خارج كوباني، كما تمكنا من قطع طرق إمداد (داعش) بالكامل من حلب إلى ساحة المعركة، وقطع الطرق البرية من شرق حلب إلى كوباني، وهو تطور كبير منع التنظيم من الحصول على الذخيرة والدعم البشري بالمقاتلين». وأشار إلى أن «هذه الإنجازات تحققت بفضل القدرات القتالية عند مقاتلينا، مضافة إلى عوامل أخرى أساسية، أهمها ضربات التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، والدعم العسكري الذي نقلته طائرات أميركية إلى قواتنا، إضافة إلى مشاركة قوات البيشمركة العراقية التي باتت توفر الغطاء الناري البعيد المدى للمقاتلين».
وعلى الرغم من هذا الإنجاز، رأى وزير الخارجية السوري وليد المعلم، في لقاءين صحافيين، أن غارات التحالف الدولي على مواقع تنظيم داعش لم تضعف هذه المجموعة المتشددة. وأضاف «إذا لم تقم الولايات المتحدة وأعضاء مجلس الأمن بجهد حقيقي لإجبار تركيا على ضبط حدودها فإذا كل هذه الحركة وحتى غارات التحالف لن تقضي على (داعش)»، معتبرا أن «المقاتلين الأجانب في صفوف هذا التنظيم دخلوا سوريا عبر الأراضي التركية».
وشنت الولايات المتحدة وحلفاؤها في 23 سبتمبر الماضي أولى غاراتها على مواقع للمسلحين المتطرفين في سوريا، بعد نحو شهر ونصف الشهر من بدء ضربات التحالف الذي يضم دولا عربية ضد أهداف في العراق المجاور. وهذه الغارات التي تمثل التدخل الأجنبي الأول منذ اندلاع النزاع في سوريا تستهدف بشكل خاص تنظيم داعش المتطرف الذي يسيطر على مساحات واسعة من سوريا والعراق.
وبحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، فقد قتل في هذه الغارات منذ بدئها وحتى منتصف ليل الجمعة 963 شخصا، هم 838 من مقاتلي تنظيم داعش، و72 من مقاتلي جبهة النصرة (الفرع السوري لتنظيم القاعدة) و52 مدنيا، ومقاتل إسلامي آخر.



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.