آثار أفريقيا المنهوبة تعرض للبيع في قلب أزمة اقتصادية عالمية

آلاف القطع الفنية الأفريقية داخل المتاحف الفرنسية   -  تمثال «أرهوبو» (نيجيريا) المعروض في مزاد دار «كريستيز»
آلاف القطع الفنية الأفريقية داخل المتاحف الفرنسية - تمثال «أرهوبو» (نيجيريا) المعروض في مزاد دار «كريستيز»
TT

آثار أفريقيا المنهوبة تعرض للبيع في قلب أزمة اقتصادية عالمية

آلاف القطع الفنية الأفريقية داخل المتاحف الفرنسية   -  تمثال «أرهوبو» (نيجيريا) المعروض في مزاد دار «كريستيز»
آلاف القطع الفنية الأفريقية داخل المتاحف الفرنسية - تمثال «أرهوبو» (نيجيريا) المعروض في مزاد دار «كريستيز»

تصطف الآلاف من القطع الأثرية التي نهبت من داخل مدن أفريقية منذ ما يزيد على قرن، داخل متاحف ومؤسسات أوروبية وبريطانية. وبعد عقود من حملات جرى تنظيمها من أجل إعادة القطع الأفريقية الأثرية ـ مثل مجموعة القطع البرونزية الخاصة ببنين ـ إلى أوطانها، بدأت أخيراً بشائر إمكانية إنجاز هذا الأمر تلوح في الأفق.
إلا أنه في خضم أزمة اقتصادية عالمية سببها تفشي وباء فيروس «كورونا» الذي ألحق الدمار باقتصاديات عادة، ظهرت سوقاً جديدة للقطع الأثرية والفنية الأفريقية.
من جهتها، أعلنت دار «كريستيز» البريطانية للمزادات، عن تنظيمها مزاد بعنوان «فنون أفريقيا وأوقيانوسيا وأميركا الشمالية» في باريس يضم قطع أثرية أفريقية مثل رأس «أركان» تراكوتا (غانا) ومجموعة القطع البرونزية الخاصة ببنين وتمثال «أرهوبو» (نيجيريا). وتنتمي القطع الأثرية إلى مختلف أرجاء القارة الأفريقية، بما في ذلك نيجيريا وغانا والغابون وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وتقدر قيمتها بما يتراوح بين 30 ألف و900 ألف يورو.
وتحيط بمزاد «كريستيز» موجة كبيرة من الجدل. وأشارت الدار إلى أن أصل الرأس البرونزي المعروض بين القطع إلى 1890 - 1949 كجزء من مجموعة فريدريك وولف نايز التي جرى عرضها في فيينا ونيويورك.
من جهتها، لم تستجب دار «كريستيز» لطلب تقدمنا به للحصول منها على تعليق.
جدير بالذكر أن المزاد يضم قطعاً أثرية من الغابون ونيجيريا وغينيا الاستوائية تقدر بما يتراوح بين أكثر عن 25 ألف دولار وصولاً إلى نصف مليون دولار. وتشبه الصفائح البرونزية القادمة من بنين التي تعرضها الدار في المزاد صفائح برونزية أخرى معروضة في متحفي سانت بطرسبرغ وبرلين، وهي قطع فنية تتميز بتاريخ موثق وتعد جزءًا من قطع أثرية منهوبة من البلاط الملكي أثناء غزو تعرضت له مدينة بنين عام 1897.
من جهتها، أعلنت دار «سوذبيز» للمزادات في 27 مايو (أيار) عن مزاد طموح لبيع «رأس كليمان فانغ»، تمثال تقدر قيمته بما يتراوح بين 2.5 مليون دولار و4 ملايين دولار وينتمي لمجموعة سيدني وبيرنيس كليمان.
وبصورة إجمالية، من المقرر طرح 32 قطعة أثرية أفريقية من المجموعة عبر سلسلة من المزادات تنظمها «سوذبيز».
جدير بالذكر في هذا الصدد أن تنظيم مزادات لقطع أثرية أفريقية قيمة، بعضها قد يكون مرشحاً لإعادته لوطنه الأم، كان ليثير الجدل في الظروف الطبيعية، لكنه يثير اليوم جدلاً أكبر في خضم الوباء العالمي المتفشي وتداعيات الاقتصادية.
في مارس (آذار)، أعلنت «سوذبيز» أنها تعاين تنامياً في الاهتمام بالمزادات المتعلقة بقطع أثرية أفريقية مع توافر قاعدة عملاء أكثر تنوعاً عبر الإنترنت.
وربما يفترض المرء أن مثل هذه المزادات في طريقها للانحسار في أعقاب التقرير البارز الذي وضعها الكاتب والخبير الاقتصادي السنغالي فيلوين سار والمؤرخة الفرنسية بينيديكت سافوي والذي دعيا من خلاله إلى إعادة آلاف القطع الفنية الأفريقية داخل المتاحف الفرنسية والتي جرى الاستيلاء عليها أثناء الحقبة الاستعمارية، إلى بلدانها الأصلية.
كان التقرير قد جرى وضعه بتوجيهات من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ودعا إلى إدخال تغييرات على القانون الفرنسي تسمح بإعادة الأعمال الثقافية إلى أفريقيا. وخلال لقاء مع عدد من الطلاب في بوركينا فاسو عام 2017. قال ماكرون: «يجب أن يعرض التراث الأفريقي في باريس ـ وكذلك في داكار ولاغوس وكوتونو. وستكون هذه واحدة من أولوياتي. بدءًا من اليوم، وعلى امتداد الأعوام الخمس القادمة، أرغب في العمل من أجل السماح بالعودة المؤقتة أو الدائمة لقطع التراث الثقافي الأفريقي إلى أفريقيا».
الملاحظ أن الكثير من القطع الأثرية والفنية الأفريقية توجد خارج القارة، بينها تماثيل وعروش ومئات الآلاف من القطع التاريخية موجودة في بلجيكا والمملكة المتحدة والنمسا وألمانيا. ويقدر التقرير الفرنسي سالف الذكر أن المتحف البريطاني وحده لديه مجموعة تضم قرابة 69.000 قطعة من أفريقيا.
في هذا السياق، قال كولا توبوسون، عالم لغويات نيجيري وزميل باحث لدى المكتبة البريطانية: «معظم القطع الأثرية تشكل بالفعل جزءً من المشهد الفني العالمي والاقتصاد العالمي وينبغي أن تستمر كذلك. وكان للكثير من هذه القطع تأثيراً على أسلوب مناقشة القضايا الفنية عبر أوروبا في تلك الأيام. كما أنها تمثل فرصاً للاحتفاء بالتطور العالمي، وليس الأفريقي فحسب».
جدير بالذكر أنه عام 1897، دمرت قوات بريطانية جزءً كبيراً من بنين، مدينة تقع جنوب نيجيريا وأحرقت القصر القائم بها ونهبت 4.000 قطعة أثرية منها الرؤوس النحاسية والصفائح البرونزية الشهيرة. اليوم، يضم المتحف البريطاني في لندن حوالي 700 قطعة أثرية تاريخية نيجيرية، ويجري عرض 100 منها تقريباً في معرض مقام تحت الأرض.
ومع تنامي الدعوات العالمية لإعادة القطع الأثرية الأفريقية إلى أوطانها، بما في ذلك تلك التي تخص بنين، لاحت في الأفق بادرة أمل، خاصة مع إعلان المتحف البريطاني عن خطط «لإقراض» بعض القطع الأثرية لديه إلى متحف جديد في مدينة بنين مقرر افتتاحه عام 2021.
كان جزء من التقرير الفرنسي قد أشار إلى أنه فيما عدا الحالات التي من الممكن فيها إثبات الحصول على القطع الأثرية على نحو مشروع، من الواجب إعادة القطع إلى أفريقيا على نحو دائم، وليس على سبيل الإعارة طويلة الأجل. ومع هذا، فإن واحدة من أكبر الانتقادات الموجهة إلى مطالب إعادة القطع الأثرية إلى بلدانها الأفريقية، خاصة نيجيريا، تركزت حول عدم وجود متاحف وثقافة مناسبة لصيانة القطع الأثرية.
وفي الوقت الذي تعمل بعض المعارض الفنية القليلة داخل نيجيريا كحماة للقطع الفنية الأفريقية داخل البلاد، فإن المتاحف الأقدم تتسم بوجه عام بحالة يرثى لها وتعاني نقص التمويل. ومع ذلك، بدأت متاحف جديدة في الظهور حالياً عبر أرجاء أفريقيا، بما في ذلك في داكار حيث المتحف السنغالي للحضارات السوداء ومتحف يميسي شيلون للفنون في لاغوس، لكنها تبقى غير كافية.
تجدر الإشارة هنا إلى أن بعض القطع الفنية والأثرية الأفريقية التي تشملها دعوات إعادتها إلى أوطانها الأصلية تحمل دلالات دينية وتشكل جزءً من شريحة من الثقافة الأفريقية آخذة في الاحتضار. في هذا الصدد، قال توبوسون: «تحمل الكثير من القطع المنهوبة أهمية تتعلق بالطقوس في الأماكن التي سلبت منها. وعندما يصر أصحاب القطع الأثرية على ضرورة عودتها إلى أماكنها، فإن لهم الحق في ذلك، لكن يتعين أولاً إثبات الملكية».
ورغم ذلك، يبدو أن هذه القطع الأثرية تحولت بالفعل إلى جزء من منظومة عالمية تتحرك دون مشاركة أفريقيا. ويعتقد الأمير يميسي شيلون، النيجيري الذي يعمل في جمع القطع الأثرية، أن القيمة التي تحظى بها الكثير من القطع الأثرية الأفريقية اليوم ترتبط بموقعها الحالي.
وأضاف: «هناك صناعة عاملة وبنية تحتية في هذا الشأن تدعم الأعمال الفنية. وبمجرد عودة هذه القطع إلى حوزتنا، ستفقد قيمتها تماماً مثلما الحال مع تلك القطع الموجودة هنا بالفعل. وينبغي أن يرتكز الحديث الدائر هنا حول إثبات الملكية، ثم الحصول على رسوم سنوية من وراء هذه القطع حتى وإن ظلت في أماكنها الحالية».
وأعرب الأمير شيلون عن اعتقاده بأن المنظومة الفنية النيجيرية ليست بالشكل الذي ينبغي أن تكون عليه، خاصة في ظل التشويه الذي كثيراً ما تتعرض له التوجهات المحلية إزاء القطع الأثرية. تجدر الإشارة هنا إلى أن المتحف الذي يحمل اسمه جرى الترويج له باعتباره وجهة محتملة لأي قطع أفريقية تجري إعادتها إلى القارة السمراء.
- خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

واقعة «تابوت السيرابيوم» بسقّارة تجدّد الجدل حول تأمين الآثار المصرية

يوميات الشرق «توابيت السيرابيوم» ضمن آثار سقّارة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

واقعة «تابوت السيرابيوم» بسقّارة تجدّد الجدل حول تأمين الآثار المصرية

جددت واقعة تسلق سائحتين لأحد التوابيت داخل السيرابيوم بمنطقة سقّارة الأثرية (غرب القاهرة) الجدل حول تأمين المواقع الأثرية المصرية والحفاظ عليها.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق  اكتشاف بقايا دير أثري بمصر يسلط الضوء على تاريخ الرهبنة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

مصر: الكشف عن بقايا دير أثري بوادي النطرون

سلط اكتشاف بقايا دير أثري بوادي النطرون (شمال القاهرة) الضوء على بدايات الرهبنة في مصر والعالم، وتفاصيل الحياة اليومية للرهبان.

عصام فضل (القاهرة )
ثقافة وفنون مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن

محمود الزيباوي
يوميات الشرق لوحات تعبر عن الأبراج السماوية في المعرض الأثري (وزارة السياحة والآثار المصرية)

معرض أثري في برلين يكشف «افتتان الفراعنة» بالأبراج السماوية

تحت عنوان «القدر في النجوم: بدايات الأبراج» افتتح المعرض الأثري بالمتحف المصري في العاصمة الألمانية برلين.

محمد الكفراوي (القاهرة )
المشرق العربي صورة تُظهِر الموقع الأثري لهيبودروم (ميدان سباق الخيل) الروماني في مدينة صور جنوب لبنان

مواقع أثرية بمدينة صور اللبنانية تحت رحمة الغارات الإسرائيلية

في موقع البصّ في مدينة صور في جنوب لبنان، تتصدّر علامة «الدرع الأزرق» مدخل المَعلم المُدرج على قائمة التراث العالمي، في محاولة لحمايته من الغارات الإسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

«كامبريدج» تُقدِّم دورة في علم النبات ألهمت داروين

نبات التوت البري من رسم جون ستيفنز هينسلو وتُنشر لأول مرة (جامعة كامبريدج)
نبات التوت البري من رسم جون ستيفنز هينسلو وتُنشر لأول مرة (جامعة كامبريدج)
TT

«كامبريدج» تُقدِّم دورة في علم النبات ألهمت داروين

نبات التوت البري من رسم جون ستيفنز هينسلو وتُنشر لأول مرة (جامعة كامبريدج)
نبات التوت البري من رسم جون ستيفنز هينسلو وتُنشر لأول مرة (جامعة كامبريدج)

من المقرر استعانة الحديقة النباتية التابعة للجامعة بمواد دراسية وضعها جون ستيفنز هينسلو، مُعلّم داروين، قبل مائتي عام، ويأتي ذلك بعد استخراج عينات نباتية ومواد تعليمية، ألهمت تشارلز داروين وأهَّلته للعمل بوصفه عالماً مختصاً في علم الطبيعة على متن سفينة «إتش إم إس بيغل»، من أرشيف في كامبريدج. وستجري الاستعانة بها للمرة الأولى، لتعليم الطلاب المعاصرين في مجال علم النبات.

وتعود هذه العينات الهشة، والرسومات بالحبر، والرسومات المائية للنباتات، إلى أستاذ داروين ومُعلِّمه، البروفسور جون ستيفنز هينسلو. وقد جرى حفظها في معشبة جامعة كامبريدج لما يقرب من مائتي عام.

ويُعتقد أن بعض الرسومات المائية والرسومات «النادرة للغاية» التي نُشرت لأول مرة في صحيفة «الغارديان» البريطانية، تعد أقدم رسوم توضيحية نباتية وضعها هينسلو لتعليم طلابه، بينما تُعدُّ رسومات أخرى عينات من نباتات اطلع عليها داروين بنفسه.

في هذا الصدد، قالت الدكتورة رافايلا هول، القائمة بأعمال رئيس قسم التعليم بحديقة جامعة كامبريدج النباتية: «عندما وصل داروين إلى كامبريدج، درس علم النبات بشكل رسمي للمرة الأولى. وقد استمتع بدورة هينسلو، لدرجة أنه التحق بها ثلاث سنوات متتالية. وقد عرَّفه هينسلو على مفهوم التباين، ليرسي بذلك الأساس لنظرية التطور التي صاغها داروين لاحقاً».

وتولى هينسلو جمع العينات وتصميم الرسوم التوضيحية، ليتمكن من تقديم دورة سنوية في علم النبات لطلاب كامبريدج الجامعيين عام 1827.

وعندما وصل داروين إلى كامبريدج عام 1828، أصبح من أوائل الطلاب الذين التحقوا بدورة هينسلو الرائدة التي استمرت 5 أسابيع. وكان لدى داروين بالفعل اهتمام بالعالم الطبيعي، وقد ازداد اهتمامه به من خلال مجموعة التاريخ الطبيعي التي انضم إليها خلال دراسته للطب في جامعة إدنبره. إلا أنه ترك دراسة الطب بعد عامين، لإدراكه أنه لا يريد أن يسير على خطى والده ليصبح طبيباً، واتجه بدلاً من ذلك إلى كامبريدج، عاقداً العزم على أن يصبح رجل دين.

واصطحب هينسلو داروين وزملاءه الطلاب في «رحلات استكشافية للنباتات»، إلى مستنقعات كامبريدجشير، وعلمهم كيفية تحديد النباتات وتصنيفها وجمعها، مع مراقبة تكيفات أنواع النباتات المختلفة مع بيئتها في بريطانيا بشكل منهجي.


منزل عبد الحليم حافظ يُغلق أبوابه مؤقتاً... ويفتقد «أحضان الحبايب»

العندليب يستعد لإحدى حفلاته (أسرته)
العندليب يستعد لإحدى حفلاته (أسرته)
TT

منزل عبد الحليم حافظ يُغلق أبوابه مؤقتاً... ويفتقد «أحضان الحبايب»

العندليب يستعد لإحدى حفلاته (أسرته)
العندليب يستعد لإحدى حفلاته (أسرته)

في زاوية متسعة من شارع بهاء الدين قراقوش، كانت نسمات الصباح المُنعشة تضفي على أجواء حي الزمالك الشهير جمالاً استثنائياً، وأمام عمارة «زهراء الجزيرة»، التي غادرها الفنان الكبير الراحل عبد الحليم حافظ منذ نحو 5 عقود، وقفت 3 فتيات جزائريات مقيمات في فرنسا، في انتظار «موعد غرام»، بعدما غلبهن الشوق لزيارة بيت «العندليب».

لافتة توثق إقامة عبد الحليم بعمارة زهراء الجزيرة (الشرق الأوسط)

وفيما كانت إحداهن تُدندن: «لو حكينا يا حبيبي نبتدي منين الحكاية»، كانت الفتاتان الأخريان تُلحِّان على الحارس، أملاً في السماح لهن بتحقيق حلمهن بزيارة منزل «أعز الناس».

يؤكد حارس العقار أنه يجد نفسه يومياً في مثل هذا الموقف، إذ يقصده محبو «حليم» من مختلف الجنسيات العربية، طلباً لزيارة منزله.

ورغم مرور الوقت، فإن الفتيات الجزائريات تحلَّين بصبرٍ لافت، حتى تحقق حلمهن أخيراً بالصعود إلى «مركب الأحلام» في الطابق السابع، حيث شقة «العندليب الأسمر». وما إن فُتح باب المصعد، حتى انكشف الستار عن «حكاية حب» الناس لحليم، رغم رحيله عن دنيانا منذ 49 عاماً، في مثل هذا التوقيت.

تطغى كلمات الحب والغرام على جدران مدخل الشقة، حتى تكاد تُخفي لونها الأصلي. وقد منحت عفوية الزائرين المصريين والعرب، وتباين أقلامهم وخطوطهم وتعبيراتهم، هذه الجدران مَلمحاً تشكيلياً مميزاً.

وأُتيحت لـ«الشرق الأوسط» فرصة زيارة شقة «العندليب»، قبيل إغلاقها مؤقتاً من قبل الأسرة أمام الزوار.

ردهة الاستقبال بشقة عبد الحليم (الشرق الأوسط)

«ومين ينسى، ومين يقدر في يوم ينسى حليم، حبيبنا أعز الناس»، «فعلاً جبار يا حبيب الملايين»، «يا حليم يا عبقري يا أسطورة»، «تلميذك تامر حسني... 2008»، «حبيبي الغالي، ستظل في وجداني إلى الأبد»، «إنسان بسيط من الصعيد يدعو لك بالرحمة»... هذه الكلمات غيضٌ من فيض، تُعبِّر عن مدى الحب الجارف لـ«العندليب الأسمر» من أجيال لم تتح لها فرصة الاقتراب منه أو رؤيته خلال حياته، فجاءت إلى هنا لتستعيد صورته الأسطورية.

وما إن يُفتح باب شقة «مدَّاح القمر»، حتى ينكشف الستار عن «ليالي الحب» وأيام حليم «الحلوة» وأخرى «حزينة». وتتصدر صورة كبيرة لحليم ردهة الاستقبال، التي تقود إلى صالة المنزل الفسيحة. ويكسر اللون الداخلي للشقة، المائل إلى الزرقة، ديكورٌ أبيض منمَّق، ولوحات قرآنية، ونجف حائط، ولوحات زيتية تُجسِّد «العندليب»، إلى جانب ركن مضيء يضم مزهريات وتحفاً فنية مميزة.

صالة منزل عبد الحليم (الشرق الأوسط)

الصالة الفسيحة، التي تتميز بأثاثها الكلاسيكي وإضاءاتها الصفراء، وأرضيتها الباركيه وسجادها الملوَّن، مقسّمة إلى 3 أقسام؛ يقود أحدها إلى ممر الغرف الداخلية للشقة، في حين يفضي القسم الآخر إلى باب الشرفة المُطلَّة على حديقة الأسماك.

وتستحضر الخضرة الكثيفة للحديقة أجواء أغنيات حليم المبهجة، ومشاهده السينمائية الرومانسية التي جمعته بنجمات الزمن الجميل، من بينهنَّ فاتن حمامة، وشادية.

تضم هذه الشرفة، التي احتفى بها صاحب «لحن الخلود» في كثير من الصور، «أباليك يدي حليم»، وهي الأثر الجسدي الوحيد له، ومن أجمل القطع الموجودة في منزله. ولشغفه بالجمال والفن، طلب من نحَّات إيطالي شهير القدوم إلى مصر، لرفع مقاسات يديه ونحتهما على هيئة أباليك إضاءة.

بيت عبد الحليم في الزمالك يتمتع بمساحته الفسيحة (الشرق الأوسط)

ووفقاً لأسرته، التي ذكرت عبر حسابها على «فيسبوك»، فإن «شقيقته عليّة شبانة كانت تواظب دائماً على لمس هذه الأباليك بمجرد خروجها إلى الشرفة، فتتذكره وتبكي في بعض الأحيان».

يتخيّل زائر الشقة «العندليب» وهو جالس في الصالون، يتحدث عبر الهاتف مع بليغ حمدي، أو الشاعر محمد حمزة، أو «موسيقار الأجيال» محمد عبد الوهاب، ولسان حاله يقول: «لو مريت في طريق مشينا مرة فيه، أو عديت بمكان كان لينا ذكرى فيه... ابقى افتكرني... حاول تفتكرني».

ولاستغلال دقائق الزيارة المعدودة، فتحت الفتيات الجزائريات، اللواتي حالفهن الحظ بزيارة المنزل قبيل إغلاقه مؤقتاً، عدسات هواتفهن الجوّالة، وطُفن في أرجائه ذهاباً وإياباً. بل إن إحداهن أجرت اتصالاً بوالدتها في فرنسا، لتُريها عبر بث مباشر جميع مقتنيات الشقة.

تقول، والفرحة تغمر وجهها: «والدتي ألحت علي لزيارة منزل العندليب خلال زيارتي القصيرة للقاهرة؛ فقد نشأت على أغنياته وتعشقه كثيراً، وجعلتني أحبه مثلها. وهذه الزيارة هي أهم (يوم في عمري)».

يلعب على العود (أسرته)

يتكوّن الجزء الداخلي من الشقة من غرف عدَّة، ودورة مياه، ومطبخ. وتحرص أسرة «العندليب» على إبقاء كل شيء في الشقة على حاله؛ لدرجة أن روب الاستحمام لا يزال معلقاً على الشماعة داخل دورة المياه كما تركه.

غرفة نوم عبد الحليم حافظ هي الجزء الأكثر إثارة للشجن في الشقة؛ إذ لا تزال آثار استلقائه على السرير لساعات طويلة أثناء تلقيه جرعات العلاج مطبوعة على سطحه، كأنه غادره بالأمس، في مشهد يبدو توثيقاً حيّاً للآلام التي عاناها قبل الوداع. وإلى جوار سريره يقبع الهاتف المنزلي المذهَّب العتيق، بالحالة نفسها التي تركه عليها، إلى جانب جهاز التلفزيون القديم، وآلات العود الخاصة به.

لا ينقص هذه الغرفة شيء منذ 30 مارس (آذار) 1977، سوى عبد الحليم، الذي رحل عن دنيانا عن عمر ناهز 47 عاماً. ومنذ ذلك الحين، بقيت الوسادة خالية؛ وكان يُعدُّها «سجناً انفرادياً»، ويرفض النوم فيها ليلاً، خوفاً من تعرضه لمضاعفات صحية خطيرة أثناء نومه بمفرده.

جهاز تلفاز قديم في غرفة نومه (الشرق الأوسط)

وكان لا يخلد إلى النوم قبل السادسة صباحاً، وفق ما ذكره مقرَّبون منه لصحف مصرية، لتنطبق عليه تماماً الكلمات التي غنَّاها: «شغلوني وشغلوا النوم على عيني ليالي... ساعة أبكي وساعة يبكي علي حالي».

وفي الغرفة المجاورة لغرفة النوم، تقع غرفة أخرى تضم أجهزة تسجيل موسيقية من بين مقتنيات حليم، وقد شهدت تسجيل صوته خلال البروفات مع رفاق دربه من الملحنين والشعراء.

وكانت الأسرة قد كشفت مؤخراً عن ورقة بخط يد «العندليب» للمرة الأولى، تُبرز كواليس جديدة من فترة مرضه؛ إذ كانت ترافقه هذه الورقة باستمرار أثناء سفره للعلاج، وكان يضعها تحت وسادته في المستشفيات والمنزل، وتتضمن آيات قرآنية وأدعية.

آثار استلقائه لمدة طويلة تظهر بوضوح على السرير خلال فترة مرضه (الشرق الأوسط)

تُخيِّم على الشقة حالة من الهدوء، لا يكسرها سوى صوت تلاوة القرآن الكريم المنبعث من راديو عتيق من مقتنيات حليم، يُضبط في معظم الأوقات على محطة إذاعة القرآن الكريم. وفي ختام الزيارة، كان قارئ الإذاعة يصدح بقوله تعالى: «كل من عليها فانٍ ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام».

ودشَّنت أسرة حليم مؤخراً موقعاً إلكترونياً للمنزل، يضم تراث «العندليب» وأرشيفه الثري، ويُتاح من خلاله حصراً حجز زيارات المنزل مجاناً.

ويقول المهندس عبد الحليم الشناوي، نجل السيدة زينب الشناوي، ابنة شقيقة «العندليب»، لـ«الشرق الأوسط»، إن «المنزل أُغلق أمام الزائرين خلال شهر رمضان فقط، وكان من المقرر إعادة فتحه مجدداً في الذكرى الـ49 لرحيل حليم، بيد أن هذا القرار أُجِّل تضامناً مع الشعوب العربية الشقيقة التي تعاني في ظل الحرب. وبعد انتهائها، سيتاح الحجز عبر الموقع الإلكتروني».

صورة توثق فترة مرض عبد الحليم (أسرته)

وأكدت الأسرة، في تصريحات سابقة، أنها تواجه تحديات كبيرة في إدارة منزل عبد الحليم، لا سيما مع كثرة الزوار الذين يتوافدون يومياً لرؤيته، ما يشكّل عبئاً مالياً وإدارياً عليها. وقد اقترحت تحصيل رسوم رمزية لتغطية نفقات الصيانة وتشغيل تطبيق الحجز، الأمر الذي عرَّضها لانتقادات حادة.

لكن الكاتب والناقد الفني المصري طارق الشناوي لا يرى أي مشكلة في فرض رسوم مالية لزيارة المنزل، مشدداً على أنه «لا يمكن لأحد منع الورثة من الاستفادة من مورّثهم، لا سيما أن المنزل هو ملكية خاصة لا عامة، ولا يمكن فتحه على مدار الساعة أمام الزوار».

ويضيف، في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «يُمكن بالطبع تحديد رسوم غير مبالغ فيها، مع وضع استثناءات لبعض الفئات، مثل ذوي الهمم والطلاب، على أن تُوجَّه هذه الإيرادات للإنفاق على المنزل وصيانته».


«درنة» يتناولها الملايين منذ قرون تُعدّ الآن «غذاء خارقاً»

«اليام» درنة نشوية تدخل في إعداد الأطباق الصحية (شاترستوك)
«اليام» درنة نشوية تدخل في إعداد الأطباق الصحية (شاترستوك)
TT

«درنة» يتناولها الملايين منذ قرون تُعدّ الآن «غذاء خارقاً»

«اليام» درنة نشوية تدخل في إعداد الأطباق الصحية (شاترستوك)
«اليام» درنة نشوية تدخل في إعداد الأطباق الصحية (شاترستوك)

«اليام» درنة نشوية تدخل في إعداد «يخنات» الكاريبي، وكذلك طبق «الفوفو» في غرب أفريقيا، وتنتشر بشكل متزايد في متاجر البقالة الأميركية. المثير أنها بدأت تظهر في الأبحاث العلمية لسبب بسيط: يكتشف الباحثون باستمرار مركبات في «اليام» ربما تؤثر على كيفية تعامل الجسم مع السكر، وكيفية حماية الدماغ وإعادة بنائها، حسب موقع «إي سي أو نيوز».

يُذكر أن الادعاء الرئيسي، هنا، ليس أن «اليام غذاء خارق»، بل في أن الأبحاث الأولية، بما في ذلك تجربة سريرية صغيرة على البشر، تشير إلى أن بعض مستخلصات «اليام» قد تُحسّن، بشكل طفيف، بعض جوانب التفكير والذاكرة، بينما تشير دراسات أخرى إلى تحسين التحكم في مستوى السكر في الدم في ظروف محددة.

والآن: ما الصحيح؟ وما هو مجرد احتمال؟ وما الذي يجب تجاهله؟ في الولايات المتحدة، يُستخدم مصطلح «يام» غالباً للإشارة إلى البطاطا الحلوة ذات اللب البرتقالي ـ نبات مختلف تماماً. في المقابل، ينتمي «اليام» الحقيقي إلى مجموعة الديوسكوريا، ويتميز بقشرة أكثر خشونة، ولب أكثر نشوية من معظم أنواع البطاطا الحلوة.

لنبدأ إذن بالمعلومات الأساسية: بحسب مركز بيانات الغذاء التابع لوزارة الزراعة الأميركية، تحتوي حصة 3.5 أونصة من «اليام» النيئ على 118 سعرة حرارية، ونحو 28 غراماً من الكربوهيدرات، و4.1 غرام من الألياف، و1.5 غرام من البروتين.

وأوضح المصدر نفسه أن «اليام» غني، على نحو خاص، بالبوتاسيوم. ويحتوي على 816 ملليغراماً لكل 3.5 أونصة، بالإضافة إلى فيتامين «سي» وفيتامين «ب6». ويرتبط البوتاسيوم بتنظيم ضغط الدم، ويدعم فيتامين «سي» وظائف المناعة. وعليه، يمكن اعتبار «اليام» أكثر من مجرد مصدر «كربوهيدرات رخيصة» في النظام الغذائي.