آثار أفريقيا المنهوبة تعرض للبيع في قلب أزمة اقتصادية عالمية

آلاف القطع الفنية الأفريقية داخل المتاحف الفرنسية   -  تمثال «أرهوبو» (نيجيريا) المعروض في مزاد دار «كريستيز»
آلاف القطع الفنية الأفريقية داخل المتاحف الفرنسية - تمثال «أرهوبو» (نيجيريا) المعروض في مزاد دار «كريستيز»
TT

آثار أفريقيا المنهوبة تعرض للبيع في قلب أزمة اقتصادية عالمية

آلاف القطع الفنية الأفريقية داخل المتاحف الفرنسية   -  تمثال «أرهوبو» (نيجيريا) المعروض في مزاد دار «كريستيز»
آلاف القطع الفنية الأفريقية داخل المتاحف الفرنسية - تمثال «أرهوبو» (نيجيريا) المعروض في مزاد دار «كريستيز»

تصطف الآلاف من القطع الأثرية التي نهبت من داخل مدن أفريقية منذ ما يزيد على قرن، داخل متاحف ومؤسسات أوروبية وبريطانية. وبعد عقود من حملات جرى تنظيمها من أجل إعادة القطع الأفريقية الأثرية ـ مثل مجموعة القطع البرونزية الخاصة ببنين ـ إلى أوطانها، بدأت أخيراً بشائر إمكانية إنجاز هذا الأمر تلوح في الأفق.
إلا أنه في خضم أزمة اقتصادية عالمية سببها تفشي وباء فيروس «كورونا» الذي ألحق الدمار باقتصاديات عادة، ظهرت سوقاً جديدة للقطع الأثرية والفنية الأفريقية.
من جهتها، أعلنت دار «كريستيز» البريطانية للمزادات، عن تنظيمها مزاد بعنوان «فنون أفريقيا وأوقيانوسيا وأميركا الشمالية» في باريس يضم قطع أثرية أفريقية مثل رأس «أركان» تراكوتا (غانا) ومجموعة القطع البرونزية الخاصة ببنين وتمثال «أرهوبو» (نيجيريا). وتنتمي القطع الأثرية إلى مختلف أرجاء القارة الأفريقية، بما في ذلك نيجيريا وغانا والغابون وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وتقدر قيمتها بما يتراوح بين 30 ألف و900 ألف يورو.
وتحيط بمزاد «كريستيز» موجة كبيرة من الجدل. وأشارت الدار إلى أن أصل الرأس البرونزي المعروض بين القطع إلى 1890 - 1949 كجزء من مجموعة فريدريك وولف نايز التي جرى عرضها في فيينا ونيويورك.
من جهتها، لم تستجب دار «كريستيز» لطلب تقدمنا به للحصول منها على تعليق.
جدير بالذكر أن المزاد يضم قطعاً أثرية من الغابون ونيجيريا وغينيا الاستوائية تقدر بما يتراوح بين أكثر عن 25 ألف دولار وصولاً إلى نصف مليون دولار. وتشبه الصفائح البرونزية القادمة من بنين التي تعرضها الدار في المزاد صفائح برونزية أخرى معروضة في متحفي سانت بطرسبرغ وبرلين، وهي قطع فنية تتميز بتاريخ موثق وتعد جزءًا من قطع أثرية منهوبة من البلاط الملكي أثناء غزو تعرضت له مدينة بنين عام 1897.
من جهتها، أعلنت دار «سوذبيز» للمزادات في 27 مايو (أيار) عن مزاد طموح لبيع «رأس كليمان فانغ»، تمثال تقدر قيمته بما يتراوح بين 2.5 مليون دولار و4 ملايين دولار وينتمي لمجموعة سيدني وبيرنيس كليمان.
وبصورة إجمالية، من المقرر طرح 32 قطعة أثرية أفريقية من المجموعة عبر سلسلة من المزادات تنظمها «سوذبيز».
جدير بالذكر في هذا الصدد أن تنظيم مزادات لقطع أثرية أفريقية قيمة، بعضها قد يكون مرشحاً لإعادته لوطنه الأم، كان ليثير الجدل في الظروف الطبيعية، لكنه يثير اليوم جدلاً أكبر في خضم الوباء العالمي المتفشي وتداعيات الاقتصادية.
في مارس (آذار)، أعلنت «سوذبيز» أنها تعاين تنامياً في الاهتمام بالمزادات المتعلقة بقطع أثرية أفريقية مع توافر قاعدة عملاء أكثر تنوعاً عبر الإنترنت.
وربما يفترض المرء أن مثل هذه المزادات في طريقها للانحسار في أعقاب التقرير البارز الذي وضعها الكاتب والخبير الاقتصادي السنغالي فيلوين سار والمؤرخة الفرنسية بينيديكت سافوي والذي دعيا من خلاله إلى إعادة آلاف القطع الفنية الأفريقية داخل المتاحف الفرنسية والتي جرى الاستيلاء عليها أثناء الحقبة الاستعمارية، إلى بلدانها الأصلية.
كان التقرير قد جرى وضعه بتوجيهات من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ودعا إلى إدخال تغييرات على القانون الفرنسي تسمح بإعادة الأعمال الثقافية إلى أفريقيا. وخلال لقاء مع عدد من الطلاب في بوركينا فاسو عام 2017. قال ماكرون: «يجب أن يعرض التراث الأفريقي في باريس ـ وكذلك في داكار ولاغوس وكوتونو. وستكون هذه واحدة من أولوياتي. بدءًا من اليوم، وعلى امتداد الأعوام الخمس القادمة، أرغب في العمل من أجل السماح بالعودة المؤقتة أو الدائمة لقطع التراث الثقافي الأفريقي إلى أفريقيا».
الملاحظ أن الكثير من القطع الأثرية والفنية الأفريقية توجد خارج القارة، بينها تماثيل وعروش ومئات الآلاف من القطع التاريخية موجودة في بلجيكا والمملكة المتحدة والنمسا وألمانيا. ويقدر التقرير الفرنسي سالف الذكر أن المتحف البريطاني وحده لديه مجموعة تضم قرابة 69.000 قطعة من أفريقيا.
في هذا السياق، قال كولا توبوسون، عالم لغويات نيجيري وزميل باحث لدى المكتبة البريطانية: «معظم القطع الأثرية تشكل بالفعل جزءً من المشهد الفني العالمي والاقتصاد العالمي وينبغي أن تستمر كذلك. وكان للكثير من هذه القطع تأثيراً على أسلوب مناقشة القضايا الفنية عبر أوروبا في تلك الأيام. كما أنها تمثل فرصاً للاحتفاء بالتطور العالمي، وليس الأفريقي فحسب».
جدير بالذكر أنه عام 1897، دمرت قوات بريطانية جزءً كبيراً من بنين، مدينة تقع جنوب نيجيريا وأحرقت القصر القائم بها ونهبت 4.000 قطعة أثرية منها الرؤوس النحاسية والصفائح البرونزية الشهيرة. اليوم، يضم المتحف البريطاني في لندن حوالي 700 قطعة أثرية تاريخية نيجيرية، ويجري عرض 100 منها تقريباً في معرض مقام تحت الأرض.
ومع تنامي الدعوات العالمية لإعادة القطع الأثرية الأفريقية إلى أوطانها، بما في ذلك تلك التي تخص بنين، لاحت في الأفق بادرة أمل، خاصة مع إعلان المتحف البريطاني عن خطط «لإقراض» بعض القطع الأثرية لديه إلى متحف جديد في مدينة بنين مقرر افتتاحه عام 2021.
كان جزء من التقرير الفرنسي قد أشار إلى أنه فيما عدا الحالات التي من الممكن فيها إثبات الحصول على القطع الأثرية على نحو مشروع، من الواجب إعادة القطع إلى أفريقيا على نحو دائم، وليس على سبيل الإعارة طويلة الأجل. ومع هذا، فإن واحدة من أكبر الانتقادات الموجهة إلى مطالب إعادة القطع الأثرية إلى بلدانها الأفريقية، خاصة نيجيريا، تركزت حول عدم وجود متاحف وثقافة مناسبة لصيانة القطع الأثرية.
وفي الوقت الذي تعمل بعض المعارض الفنية القليلة داخل نيجيريا كحماة للقطع الفنية الأفريقية داخل البلاد، فإن المتاحف الأقدم تتسم بوجه عام بحالة يرثى لها وتعاني نقص التمويل. ومع ذلك، بدأت متاحف جديدة في الظهور حالياً عبر أرجاء أفريقيا، بما في ذلك في داكار حيث المتحف السنغالي للحضارات السوداء ومتحف يميسي شيلون للفنون في لاغوس، لكنها تبقى غير كافية.
تجدر الإشارة هنا إلى أن بعض القطع الفنية والأثرية الأفريقية التي تشملها دعوات إعادتها إلى أوطانها الأصلية تحمل دلالات دينية وتشكل جزءً من شريحة من الثقافة الأفريقية آخذة في الاحتضار. في هذا الصدد، قال توبوسون: «تحمل الكثير من القطع المنهوبة أهمية تتعلق بالطقوس في الأماكن التي سلبت منها. وعندما يصر أصحاب القطع الأثرية على ضرورة عودتها إلى أماكنها، فإن لهم الحق في ذلك، لكن يتعين أولاً إثبات الملكية».
ورغم ذلك، يبدو أن هذه القطع الأثرية تحولت بالفعل إلى جزء من منظومة عالمية تتحرك دون مشاركة أفريقيا. ويعتقد الأمير يميسي شيلون، النيجيري الذي يعمل في جمع القطع الأثرية، أن القيمة التي تحظى بها الكثير من القطع الأثرية الأفريقية اليوم ترتبط بموقعها الحالي.
وأضاف: «هناك صناعة عاملة وبنية تحتية في هذا الشأن تدعم الأعمال الفنية. وبمجرد عودة هذه القطع إلى حوزتنا، ستفقد قيمتها تماماً مثلما الحال مع تلك القطع الموجودة هنا بالفعل. وينبغي أن يرتكز الحديث الدائر هنا حول إثبات الملكية، ثم الحصول على رسوم سنوية من وراء هذه القطع حتى وإن ظلت في أماكنها الحالية».
وأعرب الأمير شيلون عن اعتقاده بأن المنظومة الفنية النيجيرية ليست بالشكل الذي ينبغي أن تكون عليه، خاصة في ظل التشويه الذي كثيراً ما تتعرض له التوجهات المحلية إزاء القطع الأثرية. تجدر الإشارة هنا إلى أن المتحف الذي يحمل اسمه جرى الترويج له باعتباره وجهة محتملة لأي قطع أفريقية تجري إعادتها إلى القارة السمراء.
- خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

«البعثات الأثرية المصرية» في الأقصر يكشف أسرار «المدينة الذهبية»

يوميات الشرق جانب من المدينة الذهبية التي تم اكتشافها في الأقصر سابقاً (وزارة السياحة والآثار)

«البعثات الأثرية المصرية» في الأقصر يكشف أسرار «المدينة الذهبية»

كشف ملتقى للبعثات الأثرية المصرية في الأقصر عن دراسة تتناول تأثير المناخ والجيولوجيا المحلية على العمارة المدنية بمدينة أمنحتب الثالث.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق افتتاح معرض بيبلوس في معهد العالم العربي بباريس (وسائل التواصل)

غسان سلامة: كثافة الآثار اللبنانية ترفع مستوى التحدي خلال الحرب

التراث اللبناني اليوم يقف في مواجهة تهديد وجودي، مع تصاعد الحرب واتساع نطاق المخاطر التي تطال ذاكرة الإنسانية

سوسن الأبطح (بيروت)
يوميات الشرق «توابيت السيرابيوم» ضمن آثار سقّارة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

واقعة «تابوت السيرابيوم» بسقّارة تجدّد الجدل حول تأمين الآثار المصرية

جددت واقعة تسلق سائحتين لأحد التوابيت داخل السيرابيوم بمنطقة سقّارة الأثرية (غرب القاهرة) الجدل حول تأمين المواقع الأثرية المصرية والحفاظ عليها.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق  اكتشاف بقايا دير أثري بمصر يسلط الضوء على تاريخ الرهبنة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

مصر: الكشف عن بقايا دير أثري بوادي النطرون

سلط اكتشاف بقايا دير أثري بوادي النطرون (شمال القاهرة) الضوء على بدايات الرهبنة في مصر والعالم، وتفاصيل الحياة اليومية للرهبان.

عصام فضل (القاهرة )
ثقافة وفنون مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن

محمود الزيباوي

مصر: انتقاد الفنانين القدامى يثير تباينات حول حرية الرأي

الفنان رشدي أباظة في فيلم «الزوجة 13» (يوتيوب)
الفنان رشدي أباظة في فيلم «الزوجة 13» (يوتيوب)
TT

مصر: انتقاد الفنانين القدامى يثير تباينات حول حرية الرأي

الفنان رشدي أباظة في فيلم «الزوجة 13» (يوتيوب)
الفنان رشدي أباظة في فيلم «الزوجة 13» (يوتيوب)

أثار تكرار وقائع انتقاد الفنانين القدامى تباينات حول حرية التعبير في مصر، متى تدخل التصريحات في إطارها... ومتى تتجاوزها لتصبح «إساءة». وكانت أحدث الوقائع جرت أخيراً حين وجَّه الممثل المصري الشاب أحمد عبد الله محمود تصريحات عدّتها أسرة الفنان الراحل، رشدي أباظة، وجمهوره تحمل «إساءة» لـ«دنجوان السينما المصرية».

وحضر أحمد عبد الله محمود جلسة تحقيق بنقابة المهن التمثيلية المصرية؛ بسبب الأزمة التي أثارتها تصريحاته التلفزيونية الأخيرة حول الفنان الراحل رشدي أباظة، والتي عدّها متابعون وأسرته تحمل «إساءة» للفنان الراحل.

وتصدَّر اسم رشدي أباظة قوائم البحث على «غوغل» بمصر، الثلاثاء، مع نشر تصريحات الفنان الشاب بشكل موسَّع حول أسطورة السينما المصرية، الراحل رشدي أباظة. وخلال التحقيقات أكد الفنان الشاب تقديره للفنان الكبير الراحل، ووصفه بأنه «أحد أعمدة الفن العربي»، وشدَّد على أنَّ ما بدر منه لم يكن بقصد الإساءة لتاريخ «الدنجوان»، وفق وسائل إعلام محلية.

وأبدى محمود اعتذاره لأسرة الفنان الراحل، وأكد احترامه الكامل لهم، كما قدَّم اعتذاره للأسرة الفنية، ونقابة المهن التمثيلية.

وسبقت هذه الواقعة وقائع عدة تعرَّض فيها ممثلون شباب لفنانين راحلين، ما عدَّه متابعون إساءةً للفنانين الراحلين، ومن ذلك توجيه الاتهام للفنانَين عمر متولي وزميله الفنان أحمد فتحي بإهانة الفنان الراحل شكري سرحان، ووقتها تقدَّم نقيب الممثلين الدكتور أشرف زكي باعتذار لأسرة الفنان الراحل.

وقبل أسابيع واجه الفنان أحمد ماهر أزمةً مشابهةً خلال حديثه عفوياً عن المخرج الراحل جلال توفيق، والد الفنانَين ياسر ورامز جلال، ما عدّه الفنانان إساءة لوالدهما، وأصدرا بياناً يرفضان فيه هذه التصريحات، وقدَّم لهما ماهر اعتذاراً بعد تدخل نقابة المهن التمثيلية في الأمر، واعتذار الفنان أشرف زكي أيضاً للفنانَين.

رشدي أباظة (موقع السينما دوت كوم)

ويرى الناقد الفني المصري، أحمد سعد الدين، أن أي فنان من حقه أن يقول رأيه في فنان آخر، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن إبداء الرأي بمحبة أو كراهية فنان معين يدخل في إطار حرية الرأي، «لكن المشكلة أننا أصبحت لدينا عصبية غير طبيعية في التعامل مع الأسماء الراحلة»، مشيراً إلى الضجة التي أُثيرت حول عمر مصطفى متولي حين قال عن شكري سرحان إنه أخذ أكثر من حقه، ووصفها بأنه «رأي شخصي، لكنه خرج من جلسة أصحاب على (البودكاست) إلى العلن فأصبح قضية».

وكان الفنان أحمد عبد الله محمود قد أشار للفنان رشدي أباظة بأنه لو كان حياً لحصل على نصف أجره بالأعمال الفنية «سيدات»، الأمر الذي تسبَّب في حالة غضب ورفض لهذه التصريحات من قبل أسرة الفنان وجمهوره، إلى أن تدخلت نقابة المهن التمثيلية للتحقيق في هذا الأمر.

وإن كان سعد الدين يرفض ما يسميه «التجاوز ضد الفنانين الراحلين والتباسط في الحديث عنهم»، فإنه في الوقت نفسه يتساءل عن «السبب في تدخل نقابة المهن التمثيلية في كل موضوع، وإجراء تحقيق، وفي النهاية ينتهي بالتصالح».

وأكد أن الفنانين الشباب الموجودين حالياً «يجب أن يعرفوا أنه لا يصح الكلام عن الجيل الأقدم من الرواد بشكل مسيء في الإعلام، خصوصاً في عالم (السوشيال ميديا)، الذي لم يعد يترك شاردة أو واردة».

ويرى الناقد والمؤرخ الفني المصري، محمد شوقي، أن «الآونة الأخيرة شهدت بالفعل تصريحات مستفزة عن رموزنا الفنية بشكل غير لائق، كما حدث من الفنان محمد ممدوح الذي صرَّح بأنه لا يحب الاستماع لأم كلثوم، والفنان أحمد فتحي من قبل حين قال إن شكري سرحان لا يستحق النجومية التي حصل عليها، وهناك أكثر من شخص تحدَّثوا عن إسماعيل ياسين وأنه لا يمثل ظاهرةً في الكوميديا، وهناك تصريحات نالت من فاتن حمامة تنكر عليها لقب (سيدة الشاشة العربية)».

ويفرِّق شوقي بين حرية الرأي في الفنانين وبين الإساءة لهم قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «التصريحات الأخيرة التي أطلقها الفنان أحمد عبد الله محمود، ابن الممثل الكبير الراحل عبد الله محمود، لا تليق أبداً، خصوصاً مع اللفظ الذي أطلقه وأزعج أسرته وجمهوره والنساء أيضاً».

وأشار المؤرخ الفني إلى أنَّ «رشدي أباظة كان يمثل نموذجاً لابن البلد الخلوق الذي يعرف الأصول ويعتني بكل مَن حوله، ولم يكن يحصل على أجره حتى يطمئن أن عمال موقع التصوير حصلوا على أجورهم، وله كثير من المواقف التي تشير إلى شخصيته الاستثنائية، حتى إنه في مرضه الأخير جاءه عرض سخي من الرئيس السادات لعلاجه على نفقة الدولة فقال (أنا أتعالج على نفقة الجماهير) في إشارة إلى أمواله التي هي من عائد التذاكر عن أعماله السينمائية». وعدَّ شوقي أنَّ «التطاول على الرموز الفنية مرفوض تماماً».

ويعد الفنان رشدي أباظة (1926 - 1980) من أبرز نجوم السينما المصرية وعُرف بألقاب مثل «الدنجوان»، و«فتى الشاشة»، وقدم كثيراً من الأفلام السينمائية الناجحة مثل «تمر حنة»، و«الرجل الثاني»، و«الزوجة رقم 13»، و«وا إسلاماه»، و«صغيرة على الحب»، و«كلمة شرف».


«دموع الفرح»...ما هي؟ وما فوائدها النفسية؟

البكاء يحفّز الجسم على إفراز هرمونات تساعد في تحسين المزاج (بيكسلز)
البكاء يحفّز الجسم على إفراز هرمونات تساعد في تحسين المزاج (بيكسلز)
TT

«دموع الفرح»...ما هي؟ وما فوائدها النفسية؟

البكاء يحفّز الجسم على إفراز هرمونات تساعد في تحسين المزاج (بيكسلز)
البكاء يحفّز الجسم على إفراز هرمونات تساعد في تحسين المزاج (بيكسلز)

أحياناً، يغمرنا شعور بالفرح أو الحزن لدرجة تجعلنا نبكي. عادةً ما نربط الدموع بالحزن أو الألم؛ لذا قد يبدو غريباً أن يبكي الإنسان وهو سعيد. ومع ذلك، للبكاء آثار إيجابية على صحتنا النفسية، ويمكن أن يساعدنا على التحكم بمشاعرنا وتنظيمها، وفقاً لموقع «ويب ميد».

ما دموع «الفرح»؟

لا يُعرف بالضبط سبب ذرفنا دموع السعادة أو الفرح، أو كيف تختلف عن دموع الحزن أو الغضب. لكن بشكل عام، عندما نبكي نتيجة شعور إيجابي أو تجربة ممتعة، يُطلق على هذه الدموع «دموع الفرح».

الدموع ليست مجرد علامة على الحزن، بل يمكن تصنيفها إلى ثلاثة أنواع رئيسية حسب سبب ظهورها:

الدموع القاعدية: تبقى هذه الدموع في العين طوال اليوم، وتعمل كمرطب ومطهر. تحتوي على الماء والملح، إضافة إلى مخاط وزيت يحميان الدموع من التبخر.

الدموع النفسية أو العاطفية: تُذرف استجابةً لأحداث عاطفية، وتحتوي على هرمونات التوتر، وتساعد الجسم على التعامل مع المشاعر المكبوتة.

الدموع المُهيّجة: تنهمر عند دخول جسم غريب للعين أو التعرض لمهيجات، مثل الدموع الناتجة عن تقطيع البصل.

فوائد البكاء

يحفّز البكاء الجسم على إفراز هرمونات تساعد في تحسين المزاج، مثل الأوكسيتوسين والإندورفين. وعادةً ما يؤدي البكاء إلى شعور بالراحة النفسية وتحسن المزاج لاحقاً. لكن محاولة كبت الدموع أو الشعور بالخجل عند البكاء قد يكون له أثر معاكس، ويؤدي إلى تدهور الحالة المزاجية. كما تلعب الثقافة دوراً في تجربة البكاء؛ فالأشخاص في الدول الغنية غالباً ما يشعرون بالراحة والتفاؤل بعد البكاء.

أنواع دموع السعادة

أظهرت دراسة حديثة وجود أربعة أنواع رئيسية من الدموع الإيجابية:

دموع التسلية: تظهر عند الضحك الشديد، أو عندما تستمتع بشيء مسلٍّ إلى درجة لا تستطيع معها كبح دموعك.

دموع المودة: تنهمر عند شعور مفاجئ بالدفء والامتنان، مثل حضور حفل زفاف أو التفاعل العاطفي مع شخص عزيز.

دموع الجمال: تحدث عند الانبهار بمشهد طبيعي ساحر أو موسيقى مؤثرة، فتغمرنا الدهشة والجمال.

دموع الإنجاز: تظهر عند تحقيق هدف مهم أو التغلب على تحدٍّ، لتعكس شعوراً بالفخر والانتصار.

كيف تؤثر دموع الفرح على الصحة؟

تلعب دموع الفرح دوراً مهماً في الحفاظ على التوازن العاطفي. فالأشخاص الذين يبكون فرحاً عند شعورهم بالإرهاق العاطفي قد يتعافون بسرعة أكبر من المشاعر التي دفعتهم للبكاء. كما يمكن أن يشعر الإنسان بعاطفتين متضادتين في آن واحد استجابةً لموقف واحد، وهو ما يُعرف بالتعبير المزدوج. ويساعد هذا النوع من التعبير العاطفي على تنظيم المشاعر ومنعها من السيطرة على سلوك الفرد.


ماري بينيت... إعادة الإعتبار لشخصية من عالم جين أوستن

من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)
من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)
TT

ماري بينيت... إعادة الإعتبار لشخصية من عالم جين أوستن

من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)
من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)

لماذا لا يكتفي الناس بما تركته الروائية الإنجليزية جين أوستن من كتب؟ لماذا لا تنتهي المعالجات الأدبية والفنية لرواياتها؟ لا يبدو ذلك ممكناً، فهناك حالة من التعطش الدائم للبقاء في ذلك العالم الذي خلقته المؤلفة، وتصويرها للحياة في عصر «الريجنسي» (أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر «1787– 1817» والمعروف بعصر الوصاية على العرش «Regency era») وبطلاتها اللواتي تحولن لأيقونات تغالب الزمن، من إليزابيث بينيت في «كبرياء وتحامل» إلى إيما وودهاوس في «إيما» وألينور وماري آن داشوود في «العقل والعاطفة»، وفاني برايس في «مانسفيلد بارك»، وصولاً لآخر وأنضج بطلاتها آن إليوت في «إقناع».

وقع القراء في حب بطلات أوستن، وافتتنت السينما والتلفزيون بهن، فتوالت الأفلام والمسلسلات والكتب المستوحاة من الروايات، ولا يكاد يمر وقت طويل حتى يعلَن عن معالجة درامية جديدة للروايات الشهيرة (لم تنجح أغلب المحاولات، ولكن ذلك لم يوقف الكتاب وصناع الأفلام والمسلسلات عن الدخول لمعترك إعادة روايات تلك الكاتبة للحياة مرات ومرات).

الأخوات بينيت في «الكبرياء والتحامل» عام 2005 (آي إم دي بي)

ميس أوستن

لم تتوقف المعالجات عند الدراما والسينما؛ بل تجاوزت ذلك لتتوالى الروايات الحديثة التي استلهمت موضوعاتها من الروايات «الأوستنية»، ولتتحول بعد ذلك بدورها لمعالجات درامية، لتظل الساحة مشبَّعة بشخصيات جين أوستن؛ سواء تلك التي كتبتها فعلاً، أو بالشخصيات المتخيَّلة التي نُسجت من القماشة ذاتها، وإن كانت النتائج ليست دائمة مقنعة ولا ذات مستوى يرقى لعبقرية جين أوستن.

ملصق مسلسل «ميس أوستن»

ودأب التلفزيون البريطاني على إنتاج الروايات درامياً بشكل مستمر. ومن بعد الروايات الأصلية لأوستن، انطلقت المعالجات الدرامية لوريثاتها. الأحدث في هذه السلسلة التي لا تنتهي كان مسلسل «ميس أوستن» من إنتاج «بي بي سي» الذي عرض قبل أشهر، وهو مأخوذ من رواية بالاسم نفسه للمؤلفة جيل هورنبي، صدرت عام 2020. الكتاب عن كاساندرا أخت جين أوستن، والتي كانت كاتمة أسرارها والعين الساهرة على سمعة أختها الراحلة، لدرجة أنها أحرقت جزءاً كبيراً من الرسائل الشخصية التي كتبتها جين أوستن في حياتها.

الشقيقة الأخرى

وفي انتظار الإنتاج الجديد من «نتفليكس» لرواية «الكبرياء والتحامل» المتوقع صدوره هذا العام، عرضت «بي بي سي» مسلسل بعنوان «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» وهو معتمد على رواية للكاتبة جانيس هادلو صدرت في عام 2020.

بدايةً، لا يمكن إغفال تأثير أسلوب جين أوستن على المؤلفة هادلو، فهي نسجت عالماً جديداً مستمد من عائلة بينيت في الرواية الأصلية. تبدأ أحداث «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» من النقطة نفسها التي انطلقت منها «الكبرياء والتحامل»؛ حيث يدور نقاش عائلي حول وصول رجل أعزب ثري للبلدة، والخطط التي تبدأ الأم في حياكتها لضمانه زوجاً لواحدة من بناتها الست. تتشابه أحداث كثيرة بين الرواية الأصلية ورواية هادلو؛ لكن المختلف في الرواية الجديدة هو أن المؤلفة أخذت شخصية ماري الشقيقة الوسطى لتنسج حولها قصة مختلفة.

في «الكبرياء والتحامل» شخصية ماري هزلية، تعاملها أوستن على أنها شخصية تحب القراءة ومطلعة بشكل كبير، ولكنها تفتقر للجاذبية والجمال اللذين كان المجتمع في ذلك الزمن يتطلبهما من أي فتاة لتصبح جديرة بإعجاب الخُطَّاب. طوال الرواية لا تثير شخصية ماري في القارئ سوى الشفقة أو النفور من تعليقاتها الجافة، وعرضها للمعلومات التي تقرأها كطريقة للتعليق المتعالي على تصرفات شقيقاتها.

رواية «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» لجانيس هادلو

ولكن جانيس هادلو قررت المغامرة بإخراج شخصية ماري من تلك الدائرة التي قبعت فيها. نجد أنفسنا أمام ماري التي تعيش مع التعليقات السلبية لوالدتها وشقيقاتها الأصغر سناً، تسمع بنفسها تعليق لوالدتها بأنها لن تستطيع الزواج بسبب افتقادها للجمال. وتقرر بينها وبين نفسها أن الكتب والقراءة وعزف البيانو هي كل ما يمكنها التميز فيه. ورغم أنها لا تستطيع -أو لا تريد- تحدي والدتها المسيطرة، فإنها تصر على ارتداء نظارة لتحسين نظرها، وهو أمر يعرضها للهجوم من والدتها، ولكن أيضاً للتشجيع من والدها.

في رواية هادلو تتزوج الشقيقات كلهن ما عدا ماري التي تعيش مع والديها، وبعد وفاة والدها تنتقل مع والدتها للعيش مع شقيقاتها؛ جين ثم إليزابيث، وفي الحالتين تجد نفسها محصورة في دور المرافقة لوالدتها المتذمرة دائماً. تحاول الهروب من وضعها لتنتقل للعيش مع عائلة خالها في لندن، وهنا ترى عالماً جديداً، وعائلة ترى فيها الميزات التي عجزت عائلتها القريبة عن رؤيتها وتقديرها. في لندن تتفتح شخصية ماري للحياة كما تتفتح الزهرة، ترى عالماً جديداً يقدِّر فيه الناس ثقافتها وميلها للقراءة، وتتعرف على شخصين يتنافسان على اهتمامها، ورغم يقينها بأن طريقها في الحياة لن يتوَّج بالزواج، فإنها تجد من يجد فيها الزوجة التي يريد.

من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)

الرواية تغامر بالدخول لعالم جين أوستن المعروف، والتقاط الشخصية الأقل تأثيراً على الأحداث، لتصنع منها بطلة، تتعمق في مشاعرها وأحاسيسها، وترينا تطور الشخصية من فتاة منزوية محبطة إلى فتاة ناضجة تتحدث بثقة عن قراءاتها وآرائها، وتدافع عن نفسها عند تطاول البعض عليها.

الرواية والمسلسل ينجحان في إضافة اسم جانيس هادلو في طابور طويل من المتأثرين والمتأثرات بأدب جين أوستن، ولكنها تدخل الطابور برواية لها أسلوب مميز، به مزيج من الفكاهة والجدية والتشويق.

ربما لن ينجح أي كاتب ولا كاتبة في إعادة أسلوب جين أوستن أو رواياتها، ولكن تبقى هناك تلك المساحة الصغيرة التي يمكن للكاتب الماهر تحويلها لملعبه الخاص، وخلق شخصيات لها طابعها الخاص، حتى لو كانت مستوحاة من روايات شهيرة.