الاحتجاجات الأميركية تسيّس الجيش للمرة الأولى منذ حرب فيتنام

ظهور أكبر جنرال أميركي بجانب ترمب في الكنيسة يثير انتقادات كبار الضباط

الجنرال ميلي (يمين) يرافق الرئيس من البيت الأبيض إلى الكنيسة في زي قوات الحرس الوطني (أ.ف.ب)
الجنرال ميلي (يمين) يرافق الرئيس من البيت الأبيض إلى الكنيسة في زي قوات الحرس الوطني (أ.ف.ب)
TT

الاحتجاجات الأميركية تسيّس الجيش للمرة الأولى منذ حرب فيتنام

الجنرال ميلي (يمين) يرافق الرئيس من البيت الأبيض إلى الكنيسة في زي قوات الحرس الوطني (أ.ف.ب)
الجنرال ميلي (يمين) يرافق الرئيس من البيت الأبيض إلى الكنيسة في زي قوات الحرس الوطني (أ.ف.ب)

يواجه الجيش الأميركي الذي يمثله الجنرال مارك ميلي، ما يمكن أن يكون أسوأ انشقاق بين صفوف الشعب الأميركي منذ سنوات الحرب الفيتنامية.
لم تكن هناك نية أن يصبح الجنرال مارك ميلي كبير المستشارين العسكريين للرئيس ترمب. فما حدث هو أن وزير الدفاع السابق جيم ماتيس أرسله إلى البيت الأبيض في أواخر عام 2018، لإجراء مقابلة قبل تعيينه في أعلى منصب عسكري أميركي في دول حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وهو منصب القائد الأعلى لقوات الحلفاء في أوروبا. كان ماتيس يريد شخصاً آخر هو الجنرال ديفيد غولدفين الذي ينتمي لسلاح الجو، ليكون ثاني رئيس لقيادة الأركان المشتركة في عهد ترمب. ومع تعكر صفو العلاقة بين الرئيس ترمب وماتيس، تراجعت فرص الجنرال غولدفين. وخلال الاجتماع، سأل الرئيس الذي أحب بالفعل سلوك الجنرال ميلي، عن الوظيفة الأنسب له، وبهذا أصبح رئيس هيئة الأركان المشتركة، يعني الضابط الأعلى في البلاد، وكبير المستشارين العسكريين للرئيس. لكن الأيام الماضية، بعد مرافقته الرئيس من البيت الأبيض إلى كنيسة في زيه الذي يميز قوات الحرس الوطني، أصبح الجنرال ميلي وجهاً لما اعتبره الأميركيون خروج الجيش من الجنة إلى مستويات لم نشهدها منذ حرب فيتنام.
وفي هذا الصدد، قال مايكل هايدن، الجنرال المتقاعد في القوات الجوية الذي يدير كلاً من وكالة الأمن القومي ووكالة المخابرات المركزية، عبر منصة «تويتر»، إنه «كان على الجنرال ميلي ألا يسير إلى الكنيسة برفقة ترمب. لقد شعرت بالصدمة لرؤيته في زيه القتالي».
وقال بول دي إيتون، اللواء المتقاعد المخضرم في حرب العراق، إن قرار الجنرال ميلي الانضمام إلى ترمب «كان عرضاً فاضحاً للحكم السيئ في أحسن الأحوال. وفي أسوأ الأحوال، يبدو ميلي مرتبكاً بشأن القسم الذي أداه دعماً للدستور والدفاع عنه وليس عن الرئيس. أتمنى أن يتخلص الجنرال سريعاً من حالة الارتباك تلك أو يستقيل».
ويقول أصدقاؤه إن الجنرال ميلي عانى من أحداث الأسبوع الماضي؛ لكنه نجح أيضاً في إقناع ترمب بعدم التذرع بقانون «مكافحة التمرد» الصادر عام 1807، لنشر قوات الخدمة الفعلية في جميع أنحاء البلاد لقمع الاحتجاجات.
جلس الجنرال وجهاً لوجه مع رئيسه الاثنين الماضي، في جلسة ساخنة في المكتب البيضاوي، لمناقشة ما إذا كان سيتم إرسال قوات إلى الشوارع، وفقاً لمصادر حضرت الاجتماع. وجادل الجنرال بقوله إن أحداث الحرائق المتناثرة والنهب في بعض الأماكن قد تضاءلت بسبب الاحتجاجات السلمية. ربح الجنرال ميلي المعركة المباشرة يوم الاثنين؛ لكن بعد فترة وجيزة كان وسط حرب مختلفة، ذلك النوع من الحروب السياسية البعيدة عن الجيش.
ويقول مسؤولو وزارة الدفاع إن الجنرال ميلي يعتقد أنه كان يرافق ترمب ومرافقيه لتفقد قوات الحرس الوطني وغيرهم من أفراد إنفاذ القانون خارج «لافاييت بارك». فهو لم يكن يعرف أن الحديقة قد تم تطهيرها من الاحتجاجات السلمية من قبل قوات الأمن باستخدام الغاز المسيل للدموع، وأن فريقاً إخبارياً أسترالياً قد تعرض للضرب على يد الشرطة التي تستخدم الهراوات في مواجهة البث التلفزيوني المباشر، وأن المراهقين المذعورين كانوا يبكون رعباً على بعد أمتار.
وشبه مسؤول في وزارة الدفاع، الجمعة، سير الجنرال ميلي عبر الحديقة بمن يسير وسط النار مرتدياً ملابس داخلية مشبعة بالبنزين. أياً كانت الحالة، بحسب المقطع المصور الذي تم بثه مراراً وتكراراً، فقد ظهر ترمب يحيط به الجنرال ميلي في زيه القتالي الذي يرتديه كل يوم في العمل، ومجموعة من الرجال غالبيتهم من البيض، يعبرون حديقة تم إخلاؤها للتو من المحتجين. بمجرد وصول ترمب إلى كنيسة «سانت جون» حاملاً كتاباً مقدساً، بات واضحاً أن اللحظة كانت مجرد صورة تذكارية، اختفى بعدها الجنرال ميلي عن المشهد. لم يره أحد بعدما طلب الرئيس من مسؤولين آخرين الانضمام إليه لالتقاط صورة؛ حيث ظهر وقد أحاط به سكرتيره الصحافي، ووزير الدفاع، ومستشار الأمن القومي، والمدعي العام.
الضرر قد حدث بالفعل، فبحسب تغريدة مايكل ماكفول، السفير الأميركي السابق في روسيا في عهد الرئيس باراك أوباما: «كان المشهد مثيراً للسخرية. فالجنرال ميلي الذي أحترمه قد أحرج نفسه». ويقول مسؤولو «البنتاغون» إن الجنرال ميلي أصيب بالرعب بعد ذلك، ولم يظهر أمام الكاميرات منذ ذلك الحين.
يمتلك الجنرال ميلي مظهراً خارجياً صلباً، يناسب تماماً فكرة ترمب عما يجب أن يكون عليه الجنرال.
وفي حديثه للقوات في أفغانستان في نوفمبر (تشرين الثاني)، في سياق تعليقاته حول التعليم الأكاديمي للجنرال ميلي، عبَّر ترمب عن شكوكه المعتادة في التعليم، قائلاً: «كما تعلم، لقد تخرج في جامعة (برينستون)، وبعد ذلك جامعة (كولومبيا). لست متأكداً إن كان ذلك أمراً جيداً أم سيئاً؟ لا أدري».
على الرغم من أن وزير الدفاع مارك إسبر هو المسؤول الأعلى في وزارة الدفاع التي يقودها مدنيون، فإن ترمب يعامل الجنرال ميلي كرئيس فعلي للجيش (رغم أنه ليس كذلك، فهو أكبر مسؤول في الجيش؛ لكن قطاع الخدمات يقوده مديرون ورؤساء يتبعون جميعهم وزير الدفاع والرئيس).
وأخبر الجنرال ميلي زملاءه أنه عندما يتعامل مع ترمب، فإنه (الرئيس) ينصت. لكن عندما يكون الرئيس في اجتماع وسط مجموعة كبيرة -بحسب ميلي- قد تكون الأجواء أكثر توتراً، ويحاول ترمب الظهور في دور القائد.
يتمتع الجنرال ميلي الذي سيتم 62 عاماً الشهر الجاري، بعلاقات ودية مع إسبر، (56 عاماً)؛ لكن المسؤولين الذين حضروا اجتماعات مع الاثنين يقولون إن الجنرال ميلي -وهو جنرال من فئة أربع نجوم تولى قيادة القوات العسكرية الخاصة وقاد القوات في العراق وأفغانستان- يعامل إسبر أحياناً كأنه لا يزال ضابطاً صغيراً بالجيش.
الاثنين الماضي، بعد أن قال ترمب إن الجنرال ميلي كان «مسؤولاً» عن التعامل مع الاحتجاجات، أرسل النائب روبن جاليجو، عضو الحزب الديمقراطي عن ولاية أريزونا، والمجند السابق الذي شهد قتالاً عنيفاً في العراق، برسالة من سطر واحد إلى الجنرال ميلي يسأل فيها: «هل تنوي طاعة الأوامر غير القانونية من الرئيس؟».
في الساعات والأيام الصاخبة التي أعقبت السير عبر الحديقة، عانى الجنرال ميلي كثيراً في سبيل تخفيف الأضرار. في الواقع، كان الجنرال غولدفين ضابط القوات الجوية، هو أول قائد كبير في «البنتاغون» يكسر الصمت بشأن إسبر، وأول من يعلق على الأحداث غير العادية بشأن مقتل فلويد.
الأربعاء الماضي، أصدر الجنرال ميلي رسالته الخاصة التي ذكَّرت القوات بأن الجيش هو المنوط به حماية حرية التعبير. وفي ورقة بخط اليد ملحقة بالرسالة، أضاف: «كلنا كرسنا حياتنا لفكرة أميركا. سنبقى أوفياء لهذا اليمين وللشعب الأميركي».
وبينما جاءت هذه الرسالة بعد أكثر من أسبوع من مقتل فلويد، قال جيمس ستافريديس، الأدميرال المتقاعد والقائد الأعلى السابق لقوات التحالف في أوروبا، في رسالة بالبريد الإلكتروني: «إنها بداية. لقد وضع جميع قادة ومديري الخدمات أيضاً إرشادات ضد التمييز العنصري. أعتقد أن الأمر يتعلق بالنطاق الذي يمكنهم التحرك فيه من دون ارتداء الزي العسكري دون الحاجة إلى الاستقالة».
ووصف ديفيد لابان، المتحدث السابق باسم وزارة الأمن الداخلي في إدارة ترمب، خطاب الجنرال ميلي بالشكلي، وأنه «كان بإمكانه أن يقول ذلك قبل أسبوع».
في الساعات التي تلت التقاط الصورة، سار الجنرال ميلي الذي كان لا يزال في ثيابه القتالية، في شوارع وسط مدينة واشنطن، وتحدث إلى قوات الحرس الوطني والمتظاهرين، وبقي في الخارج حتى منتصف الليل.
* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

ترمب سيحضر مجدّداً عشاء رابطة مراسلي البيت الأبيض

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب بين زوجته ميلانيا ورئيسة رابطة مراسلي البيت الأبيض ويجيا جيانغ في العشاء ليلة 25 أبريل (أ.ف.ب)

ترمب سيحضر مجدّداً عشاء رابطة مراسلي البيت الأبيض

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عزمه على المشاركة وإلقاء كلمة في عشاء رابطة مراسلي البيت الأبيض الذي أعيدت جدولته الشهر المقبل.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ يتيح القرار لشركات مثل «أوبن إيه آي» و«غوغل» منحَ الحكومة إمكان الوصول إلى أقوى نماذجها قبل موعد طرحها بـ30 يوماً (رويترز)

ترمب يوقع أمراً تنفيذياً يتيح للحكومة الاطلاع على نماذج الذكاء الاصطناعي قبل طرحها

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً أتاح بموجبه إنشاء إطار طوعي يسمح لمطوّري الذكاء الاصطناعي بمشاركة نماذجهم المتطوّرة مع الحكومة قبل طرحها.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماع في البيت الأبيض بواشنطن الثلاثاء (د ب أ)

ترمب: المحادثات مع إيران مستمرة

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن التقارير التي تحدثت عن توقف الاتصالات بين الولايات المتحدة وإيران منذ عدة أيام «كاذبة وخاطئة».

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد ترمب يتحدث خلال اجتماع بالبيت الأبيض (أرشيفية-د.ب.أ)

ترمب يوقّع أمراً تنفيذياً لتعزيز ابتكارات وأمن الذكاء الاصطناعي المتقدم

أصدر الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يوم الثلاثاء، أمراً تنفيذياً جديداً يهدف إلى تعزيز ابتكارات الذكاء الاصطناعي المتقدم وحمايته الأمنية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ اشتباك عناصر إنفاذ القانون مع متظاهرين مؤيدين لترمب اقتحموا مبنى الكابيتول في 6 يناير 2021 (رويترز)

ترمب يتراجع عن تخصيص صندوق بقيمة 1.8 تريليون دولار لمناصريه

أعلنت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، مساء الاثنين، امتثالها لحكم قضائي فيدرالي، بتعليق مؤقت لصندوق تعويض ضحايا التسليح السياسي.

هبة القدسي (واشنطن)

حروب اليوم... عندما يُقاس النصر بعدم سقوط النظام

صورة نشرها التلفزيون الرسمي الإيراني لإطلاق صواريخ باليستية في بداية الحرب (أ.ف.ب)
صورة نشرها التلفزيون الرسمي الإيراني لإطلاق صواريخ باليستية في بداية الحرب (أ.ف.ب)
TT

حروب اليوم... عندما يُقاس النصر بعدم سقوط النظام

صورة نشرها التلفزيون الرسمي الإيراني لإطلاق صواريخ باليستية في بداية الحرب (أ.ف.ب)
صورة نشرها التلفزيون الرسمي الإيراني لإطلاق صواريخ باليستية في بداية الحرب (أ.ف.ب)

يقول كثير من الخبراء الاستراتيجيّين إن عالم اليوم هو عالم اللاتماثل بامتياز (Asymmetry). عالم يمرّ في مرحلة انتقالية بين نظام عالميّ لم يعد ناجعاً، وعالم مُنتظر ما زال في طور التبلور؛ عالم لا مرجعيّة فيه سوى فوّهة البندقيّة. عالم تغيب فيه الدبلوماسيّة التقليديّة؛ عالم تصبح فيه الحرب الإعلاميّة تسير جنباً إلى جنب مع المعركة الفعليّة في ساحات الحرب لترسم صورة نصر قد لا تكون حقيقيّة؛ عالم تتبدّل فيه نظريات النصر.

ماذا يعني، مثلاً، أن تُعلن دولة ما انتصارها تحت شعار «ربحنا لأننا لم نخسر»؟ فهل يُقاس النصر استناداً إلى نسبة ما حقّق العدو من أهدافه المُعلنة؟ هل يُقاس النصر بعدم سقوط النظام ولو كان على حساب الدولة والمجتمع؟

لقطة من حرب أوكرانيا (أرشيفية - أ.ف.ب)

في مثل هذا العالم أصبح «المُعطّل» (Disruptor) يتحكّم بديناميكيّة العلاقات الدوليّة وحركيتها. عالم مترابط «رقميّاً» (Digital) إلى حدّ الذوبان، لكنه مُفتّت فعلياً على مستوى العلاقة بين الدول، وعلى مستوى سلاسل التوريد. في هذا العالم، ماذا يعني ميزان القوى؟ تتمثل عناصر قوّة الدولة بـ: القوة العسكريّة، القوة الاقتصاديّة، القوة السياسيّة، وكذلك القوة التكنولوجيّة، ولكن ماذا يعني ذلك عندما تصبح تكلفة الحرب مُتدنّية جدّاً، بحيث تسمح للاعب من خارج الدولة أن يستحصل على التكنولوجيا المتطوّرة ذات الاستعمال المزدوج (Dual use)، وتحويلها عند الحاجة سلاحاُ فتّاكاً؟

انطلاقاً من ذلك، بات يُطرح سؤال عما هو فنّ الحرب في عالم اليوم، وكيف يتم تطبيقه. يقول المفّكر الفرنسي جيرارد شاليان في كتابه «فن الحرب الجديد»، إن العالم الغربي أصبح في حاجة إلى فن حرب جديد، بعد أن كشف باقي العالم (المُستعمَر) أسرار هذا الفنّ ووسائله. فبدل النصر المُطلق الذي كان ولا يزال يعتمده الغرب، أصبح فن الحرب الجديد لا يقوم على تدمير الخصم فقط، بل على تعطيل نظامه، وإرباك إدراكه، وضرب شبكاته الحيوية بأدوات رخيصة ولا متماثلة. تنطبق أكثر ما تنطبق هذه المعادلة على الفريق الأضعف في الحرب. أما الأقوى، فلا يزال يعتمد على استعمال القوّة المفرطة، حتى تصل إلى حدّها الأقصى، لتنتقل الحرب بعدها، وفي حال صمود الأضعف، إلى مرحلة الانسداد (Stalemate). في هذه الحالة، لا يمكن للأقوى الحسم الكامل والشامل، خاصة إذا قرر الأضعف عدم التنازل عن أي شيء.

صورة نشرتها وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» من إطلاق قذائف صاروخية من قارب سريع خلال مناورات حربية في مضيق هرمز (أرشيفية)

في هذا الإطار، كتب الصحافي البريطاني، جنان غانيش، في «فاينانشال تايمز» مقالاً تحت عنوان «قرن الانسداد»، قال فيه إن الانسداد هو سيّد الموقف في عالم اليوم، حتى مع القوى العظمى: روسيا غارقة في أوكرانيا. أميركا حائرة ماذا تفعل في الخليج. وفي الوقت نفسه، تأخذ الصين الدروس من هاتين التجربتين لرسم الاستراتيجيّة المستقبليّة تجاه تايوان. لكن الفكرة الأهم التي وردت في المقال ترتكز على معنى الاستقرار (Stability) في العصر الحالي مقابل القرن الماضي. ففي القرن العشرين، كان الاستقرار ينتج من انتصار فريق على فريق آخر. هكذا حصل في الحرب العالميّة الثانية. لكن تعريف الاستقرار اليوم، في القرن الـ21، قد يرتكز على فكرة «الانسداد»، أو على مبدأ «لا غالب ولا مغلوب»، وعلى قبول الأفرقاء بالواقع والتعايش معه، وكأنه الحالة الطبيعية. يعيد ذلك التذكير بالتجربة الكورية من عام 1950 وحتى اليوم: منطقة عازلة؛ وقف للنار، لكن دون معاهدة سلام. ومن الواضح أن هناك جهوداً اليوم لتكرار شيء شبيه بالتجربة الكورية في أوكرانيا، وتحديداً ما يخص إقليم الدونباس في شرق البلاد، الذي تسعى روسيا إلى إكمال سيطرتها عليه.

تفرض هذه الخلفية طرح تساؤلات حول كيف يُفكّر المُنظّرون الجيوسياسيّون اليوم في النظريّات التي وضعها مفكّرو الغرب بعد الثورة الصناعيّة. فهل لا تزال نظريات البريطاني هالفورد ماكندر، حول أهميّة السهل الأوراسيّ (هارتلاند) قائمة في القرن الحادي والعشرين؟ كان ماكندر يرى أن من يسيطر على أوروبا الشرقية يسيطر على الهارتلاند، ومن يسيطر على الهارتلاند يتحكّم بمصير العالم. وماذا عن الريملاند (Rimland)، أو الحافة الساحلية لأوراسيا والتي نظّر فيها المفكر الأميركي نيكولا سبايكمان قائلاً إن من يسيطر على الحافة الساحلية لأوراسيا يسيطر على أوراسيا، ومن يسيطر على أوراسيا يسيطر على العالم. فأين أصبحت هذه النظريات؟

عندما رسم الرئيس الصيني شي جينبينغ مشروعه الكوني «الحزام والطريق» أراد جمع نظريتيّ كل من ماكندر وسبايكمان، أي الهارتلاند والريملاند، على أن تكون الصين مركز الثقل الأساسيّ. حالياً، يعاني الريملاند، المفترض أن يُشكّل خط الاحتواء للصين بعد أن كان خطّ الاحتواء للاتحاد السوفياتي خلال الحرب الباردة، من صعود الهند وباكستان، ومن تداعيات الحرب الحالية مع إيران. وفي الوقت نفسه، يتوطّد مسار الهارتلاند بين روسيا والصين بشكل يمكن القول فيه إنه للسيطرة على الهارتلاند ليست هناك ضرورة للسيطرة على أوروبا الشرقية، بعكس ما نظّر ماكندر. فأوروبا الشرقية أصبح أغلبها ضمن حلف «ناتو» المترنّح. وتبدّلت المعادلة الآن على الشكل التالي: بدل السيطرة على أوروبا الشرقية كنقطة انطلاق للسيطرة على السهل الأوراسي، قد يمكن البدء من شرق آسيا، ومن الصين بالتحديد، والتمدّد نحو أوروبا الشرقيّة للسيطرة على السهل الأوراسيّ. فهل بدأ التحول لتكون الصين أولى بين متساوين؟ والجدير ذكره هنا، أن التأثير الصيني قد وصل إلى أوروبا الشرقيّة، عبر روسيا، بحيث استفادت الصين من الأخطاء الجيوسياسيّة التي ارتكبها الغرب، سواء ما يتعلق بتوسعة حلف «ناتو»، أو الحرب الروسيّة على أوكرانيا. ولكن ماذا لو فُتحت طريق الشمال بعد ذوبان الجليد القطبي بحيث تصبح الطريق سالكة على مدار السنة: هل ستستمرّ النظريات الجيوسياسيّة الغربيّة القديمة في تأثيرها، أم لا بد من البحث عن تعديلات جذريّة لأنه لا يمكن الهرب من قدريّة الجغرافيا، خاصة في السهل الأوراسيّ؟

طائرات تنطلق من على سطح حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» خلال الحرب على إيران 3 مارس 2026 (رويترز)

تماهي الخطوط في الحرب والسلم

لا يزال المفكرون العسكريون يتحدّثون عن ثلاثة مستويات للحرب هي: الاستراتيجيّة، العملانيّة، والتكتيك. في هذه المعادلة، تعوّدت الجيوش على وضع الاستراتيجيّات، وتمريرها إلى المستوى التكتيكي، وعبر المستوى العملانيّ كي تُختبر ميدانيّاً. وبعد الاختبار، لا بد من أخذ الدروس، تحليلها، ومن ثم القيام بالتعديلات اللازمة. كانت هذه الدورة (Cycle) تأخذ وقتاً طويلاً للتحليل، واقتراح اللازم، ثم إدراجها في العقيدة القتاليّة. لم يعد هذا الأمر قائماً. فالمُصنّع والمقاتل أصبحا معاً في أرض الميدان خلال القتال. يختبر المقاتل السلاح الجديد إلى جانب المهندس الميكانيكي، أو مهندس الكمبيوتر، أو المُبرمج (Coder). وبذلك تكون هذه الدورة، قد تقلّصت إلى أيام وأسابيع بعدما كانت تُقاس بالسنين.

غيّر الفيلسوف الأميركي الفيزيائي الراحل، توماس كون، فهمنا لتاريخ العلوم. فهو كان قد نظّر حول مفهوم الثورات العلميّة، ونقد الفهم القديم التراكميّ والتدريجيّ في التطوّر العلميّ. ففي الثورة العلمية، حسب كون، تسقط النظريات القديمة لتحلّ مكانها نماذج فهم جديدة. هكذا هي حال عالم اليوم، خاصة وأن النماذج العلميّة القديمة لم تعد تقدّم الحلول الناجعة، وتحديداً في الحروب الحديثة. فالعقيدة العسكريّة القتاليّة ترتكز عادة على الوسائل المتوافّرة. وكلّما قدّم العلم وسائل جديدة، ارتقت العقيدة العسكريّة مع هذا التحوّل. ومن يُهمل هذا التحوّل العلميّ سيدفع الأثمان الكبيرة. هكذا هي حال أوروبا وحلف «ناتو» بعد الإهمال الأميركيّ. في عالم اليوم، انتقلت صناعة الأسلحة إلى القطاع الخاص بكل أبعادها. وبدأت الشركات الناشئة تقدّم الحلول للعسكر بسرعة فائقة، أو حتى أصبحت هذه الشركات تقدّم الحلول العسكريّة. بكلام آخر، أصبح العالم مُعسكراً بكل أبعاده (Militarized)، حسب ما يقول المفّكر الأميركيّ، ستيفن بيتر روزن. وبذلك، تحوّل كل إنجاز إلى الاستعمال المزدوج (Dual Use). فالذكاء الاصطناعي الذي من المفروض أن يسهِم في كشف الأمراض والمساعدة على شفائها، أصبح يُستعمل في المُسيّرة الانتحاريّة. كذلك الأمر، سقطت القوانين الدوليّة التي من المفروض أن تحمي الإنسان خلال الحرب، لتصبح المدينة الحضريّة (Urban) هي المسرح الأساسيّ للحرب. هكذا الحال في قطاع غزّة، وكذلك في لبنان. ففي الحالتين تُمارس عقيدة الأنقاض (Rubble Doctrine)، حسب ما قال بعض الخبراء العسكريّين.

لقطة من فيديو وزَّعه «حزب الله» تُظهِر عنصراً منه يجهّز مسيّرات لإطلاقها باتجاه الأراضي الإسرائيلية

يُصنّف عالم اليوم على أنه الأكثر شفافيّة (Transparent) من حيث انتشار الأفكار، التكتيكات والوسائل العسكريّة. فما ينجح في مكان مُحدّد، يأخذه مكان آخر، يُدخل عليه التعديلات اللازمة كي يتلاءم مع محيطه المباشر وحربه الخاصة. وهكذا دواليك.

في الختام، قد يمكن القول إن كل هذه التحوّلات إنما تحصل على حساب الدولة - الأمّة التي أصبحت عاجزة عن أداء مهامها الأساسيّة، خاصة في مجال «احتكار» استعمال وسائل العنف، كما بشّر ماكس ويبر. فهل نحن أمام ظاهرة «الحرب الدائمة، والمنخفضة الحدّة والتكلفة»؟ وهل انضمّ اللاعب «المُعطّل» واللاعب «اللادولتيّ» إلى مجال العلاقات الدوليّة على حساب الدولة- الأمّة، أو بصفته شريكاً لها؟


الأمم المتحدة تتوقع ارتفاع درجات الحرارة بفعل ظاهرة النينيو

تجربة تشغيل نظام ضباب تبريد في وسط مدينة بوسان بكوريا الجنوبية استعداداً لموجة الحر الصيفية (إ.ب.أ)
تجربة تشغيل نظام ضباب تبريد في وسط مدينة بوسان بكوريا الجنوبية استعداداً لموجة الحر الصيفية (إ.ب.أ)
TT

الأمم المتحدة تتوقع ارتفاع درجات الحرارة بفعل ظاهرة النينيو

تجربة تشغيل نظام ضباب تبريد في وسط مدينة بوسان بكوريا الجنوبية استعداداً لموجة الحر الصيفية (إ.ب.أ)
تجربة تشغيل نظام ضباب تبريد في وسط مدينة بوسان بكوريا الجنوبية استعداداً لموجة الحر الصيفية (إ.ب.أ)

توقعت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية التابعة للأمم المتحدة، الثلاثاء، حدوث ظاهرة النينيو بقوة متوسطة أو ربما شديدة؛ ما قد يؤدي إلى ارتفاع درجات الحرارة العالمية وزيادة مخاطر التعرض لظواهر جوية متطرفة خلال الأشهر المقبلة.

ووفقاً للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية، فإن ظاهرة النينيو هي ارتفاع دوري في درجات حرارة سطح الماء في وسط المحيط الهادئ وشرقه، وتستمر عادة ما بين تسعة أشهر و12 شهراً.

وقالت المنظمة إن مياه المحيط الدافئة تغذي تطور ظاهرة النينيو، وتوقعت درجات حرارة أعلى من المتوسط في معظم أنحاء العالم من يونيو (حزيران) إلى أغسطس (آب). ورجّحت المنظمة استمرار الظاهرة حتى نوفمبر (تشرين الثاني)، وفقاً لما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

شخص يحتمي تحت مظلة خارج كاتدرائية نوتردام وسط موجة حر شديدة في باريس (رويترز)

وقالت الأمينة العامة للمنظمة سيليسي ساولو: «علينا الاستعداد لظاهرة النينيو التي قد تكون قوية؛ ما سيؤدي إلى تفاقم الجفاف وهطول الأمطار الغزيرة وزيادة مخاطر موجات الحرارة، سواء على اليابسة أو في المحيط». وأضافت ساولو أن ظاهرة النينيو الأحدث، التي شهدها العالم في 2023 -2024، أسهمت في جعل عام 2024 الأشد حرارة على الإطلاق. وذكرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أنه لوحظ تغير في المنطقة الواقعة على جانبي خط الاستواء في المحيط الهادئ؛ إذ ارتفعت درجات حرارة سطح المحيط بسرعة من أواخر أبريل (نيسان) إلى منتصف مايو (أيار)؛ ما يشير إلى تطور ظروف ظاهرة النينيو.

أحد الركاب الهنود يرتشف ماء الليمون البارد خلال ظهيرة يوم حار في كلكتا (إ.ب.أ)

ومن المعروف أن هذا النمط يؤثر في ظروف المناخ الإقليمية؛ إذ قد يؤدي إلى زيادة هطول الأمطار في جنوب الولايات المتحدة وأميركا الجنوبية وأجزاء من القرن الأفريقي وآسيا الوسطى، في حين يتسبب بجفاف في أستراليا وأميركا الوسطى وإندونيسيا وأجزاء من جنوب آسيا. وقالت المنظمة إنه يمكن أن يسبب ارتفاع درجات الحرارة عالمياً، ويؤجج الأعاصير في وسط المحيط الهادئ وشرقه.

يستمتع الرجال بالبحر بجوار ميناء دوفر في بريطانيا بينما صدرت تنبيهات صحية برتقالية اللون بجميع أنحاء المملكة المتحدة تحسباً لموجة حرّ (رويترز)

وقال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش: «يجب على العالم أن يتعامل مع الأمر على أنه تحذير مناخي ملح. ستؤجج ظروف النينيو الاحترار العالمي»، وحث على التحول من الوقود الأحفوري إلى الطاقة المتجددة.


انتقادات واشنطن تختبر تماسك «الناتو»

هيغسيث برفقة نظيريه الأسترالي والبريطاني خلال مؤتمر صحافي في سنغافورة يوم 30 مايو (رويترز)
هيغسيث برفقة نظيريه الأسترالي والبريطاني خلال مؤتمر صحافي في سنغافورة يوم 30 مايو (رويترز)
TT

انتقادات واشنطن تختبر تماسك «الناتو»

هيغسيث برفقة نظيريه الأسترالي والبريطاني خلال مؤتمر صحافي في سنغافورة يوم 30 مايو (رويترز)
هيغسيث برفقة نظيريه الأسترالي والبريطاني خلال مؤتمر صحافي في سنغافورة يوم 30 مايو (رويترز)

صعّدت الولايات المتحدة لهجتها تجاه حلفائها في حلف شمال الأطلسي خلال عطلة نهاية الأسبوع في سنغافورة، لكنّ مسؤولين من أوروبا الغربية شدّدوا على أن الحلف لا يزال متماسكاً.

وفي كلمة أمام «حوار شانغريلا»، أشاد وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث بالشركاء الآسيويين لزيادة إنفاقهم الدفاعي واصطفافهم الوثيق مع واشنطن، في ظل تصاعد التوترات مع الصين. وقال: «عندما تتوافق مصالحنا، نتحرك معاً بعزم مركّز». وأضاف: «عندما تتباعد مصالحنا، نكيّف مواقفنا بواقعية، من دون دراما أو وعظ. أعتقد أن أوروبا الغربية قد تستفيد من ملاحظة ذلك». وتابع: «أمام أوروبا و(الناتو) قرارات كبيرة ينبغي اتخاذها».

زيادة الإنفاق الدفاعي

اتهمت إدارة الرئيس دونالد ترمب مراراً الحكومات الأوروبية بعدم الاستثمار بما يكفي في جيوشها، وبالاعتماد المفرط على الحماية الأميركية، في وقت حضّت فيه كلاً من أوروبا والحلفاء الآسيويين على زيادة الإنفاق الدفاعي إلى 3.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

جانب من جلسات «حوار شانغريلا» في سنغافورة يوم 31 مايو (أ.ف.ب)

وأعلنت واشنطن في مايو (أيار) خططاً لسحب 5 آلاف جندي من ألمانيا، فيما هدّد ترمب بالانسحاب من «الناتو». وسعى مسؤول رفيع في «الناتو» إلى التقليل من شأن سحب القوات الأميركية، قائلاً إن الخطوة كانت مقرّرة سلفاً، وإن تماسك الحلف لم يتأثر، كما نقلت وكالة «رويترز».

وقال الأدميرال جوزيبي كافو دراغوني، رئيس اللجنة العسكرية في «الناتو»: «في تحالف ناضج، إذا احتاج أحد الحلفاء (...) إلى إعادة توجيه بعض القوة إلى مكان آخر، فبوسعه أن يفعل ذلك، وعلى الآخرين أن يكونوا قادرين على سدّ الفراغ».

بدوره، قال نيلس هيلمر، وزير الدولة في وزارة الدفاع الاتحادية الألمانية، إن برلين تسرّع استثماراتها العسكرية بصرف النظر عن الانتشار الأميركي مستقبلاً. وأضاف: «ما نعرفه على وجه اليقين... هو أنه ستكون هناك تحولات في هذا المجال». وتابع: «لهذا السبب نحن بصدد تولّي أمننا بأيدينا».

«مصداقية الناتو» وترابط المسارح

استخدم وزراء أوروبيون المنتدى أيضاً لطمأنة الشركاء الآسيويين إلى أن «الناتو» لا يزال يحظى بالمصداقية خارج جواره المباشر.

وقالت وزيرة الدفاع الفرنسية كاترين فوتران في كلمة أمام المندوبين إن «مصداقيتنا في آسيا تعتمد أيضاً على صلابتنا في أوروبا، في الدفاع عن أوكرانيا في مواجهة العدوان الروسي».

هيغسيث يتوسط نظيريه الأسترالي والبريطاني خلال مؤتمر صحافي في سنغافورة يوم 30 مايو (رويترز)

وقال وزراء دفاع أوروبيون آخرون إن مسارح الأمن باتت أكثر ترابطاً على نحو كبير. وقال وزير الدفاع النرويجي توري ساندفيك، مشيراً إلى أن قوات كورية شمالية تقاتل في أوكرانيا، إن «المسرحين الأوروبي - الأطلسي والهندي - الهادئ أصبحا غير قابلين للفصل». وأضاف: «ستكون الولايات المتحدة منشغلة في مسارح أكثر».

لكن، على الرغم من كل الانتقادات الصادرة عن البنتاغون، قال عدد من أعضاء مجلسَي الشيوخ والنواب الأميركيين إنهم يسعون إلى طمأنة الحلفاء الأوروبيين والآسيويين إلى أنهم يحظون بدعم الحزبين في الكونغرس.

وقالت السيناتورة الأميركية تامي داكوورث: «سمعت القلق نفسه من الجميع، وليس فقط في المنطقة». وأضافت: «هناك بالفعل حلفاء في (الناتو) قلقون بشأن التزام أميركا بمنطقة المحيطين الهندي والهادئ».

ومع ذلك، لا يزال التشكيك قائماً بين مندوبين آخرين بشأن وتيرة التحرك الأوروبي للاستثمار في الأمن الجماعي. وقال بافلو كليمكين، الزميل الأول غير المقيم في «مؤسسة كارنيغي»، ووزير الخارجية الأوكراني السابق: «على أوروبا أن تتعلم كيف تصبح لاعباً». وأضاف: «لا سبيل للالتفاف على ذلك. لكنه قد يكون مفيداً للغاية لشراكتها مع الولايات المتحدة، لأن الولايات المتحدة ستحترم مثل هذا الزخم الأوروبي».