الاحتجاجات الأميركية تسيّس الجيش للمرة الأولى منذ حرب فيتنام

ظهور أكبر جنرال أميركي بجانب ترمب في الكنيسة يثير انتقادات كبار الضباط

الجنرال ميلي (يمين) يرافق الرئيس من البيت الأبيض إلى الكنيسة في زي قوات الحرس الوطني (أ.ف.ب)
الجنرال ميلي (يمين) يرافق الرئيس من البيت الأبيض إلى الكنيسة في زي قوات الحرس الوطني (أ.ف.ب)
TT

الاحتجاجات الأميركية تسيّس الجيش للمرة الأولى منذ حرب فيتنام

الجنرال ميلي (يمين) يرافق الرئيس من البيت الأبيض إلى الكنيسة في زي قوات الحرس الوطني (أ.ف.ب)
الجنرال ميلي (يمين) يرافق الرئيس من البيت الأبيض إلى الكنيسة في زي قوات الحرس الوطني (أ.ف.ب)

يواجه الجيش الأميركي الذي يمثله الجنرال مارك ميلي، ما يمكن أن يكون أسوأ انشقاق بين صفوف الشعب الأميركي منذ سنوات الحرب الفيتنامية.
لم تكن هناك نية أن يصبح الجنرال مارك ميلي كبير المستشارين العسكريين للرئيس ترمب. فما حدث هو أن وزير الدفاع السابق جيم ماتيس أرسله إلى البيت الأبيض في أواخر عام 2018، لإجراء مقابلة قبل تعيينه في أعلى منصب عسكري أميركي في دول حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وهو منصب القائد الأعلى لقوات الحلفاء في أوروبا. كان ماتيس يريد شخصاً آخر هو الجنرال ديفيد غولدفين الذي ينتمي لسلاح الجو، ليكون ثاني رئيس لقيادة الأركان المشتركة في عهد ترمب. ومع تعكر صفو العلاقة بين الرئيس ترمب وماتيس، تراجعت فرص الجنرال غولدفين. وخلال الاجتماع، سأل الرئيس الذي أحب بالفعل سلوك الجنرال ميلي، عن الوظيفة الأنسب له، وبهذا أصبح رئيس هيئة الأركان المشتركة، يعني الضابط الأعلى في البلاد، وكبير المستشارين العسكريين للرئيس. لكن الأيام الماضية، بعد مرافقته الرئيس من البيت الأبيض إلى كنيسة في زيه الذي يميز قوات الحرس الوطني، أصبح الجنرال ميلي وجهاً لما اعتبره الأميركيون خروج الجيش من الجنة إلى مستويات لم نشهدها منذ حرب فيتنام.
وفي هذا الصدد، قال مايكل هايدن، الجنرال المتقاعد في القوات الجوية الذي يدير كلاً من وكالة الأمن القومي ووكالة المخابرات المركزية، عبر منصة «تويتر»، إنه «كان على الجنرال ميلي ألا يسير إلى الكنيسة برفقة ترمب. لقد شعرت بالصدمة لرؤيته في زيه القتالي».
وقال بول دي إيتون، اللواء المتقاعد المخضرم في حرب العراق، إن قرار الجنرال ميلي الانضمام إلى ترمب «كان عرضاً فاضحاً للحكم السيئ في أحسن الأحوال. وفي أسوأ الأحوال، يبدو ميلي مرتبكاً بشأن القسم الذي أداه دعماً للدستور والدفاع عنه وليس عن الرئيس. أتمنى أن يتخلص الجنرال سريعاً من حالة الارتباك تلك أو يستقيل».
ويقول أصدقاؤه إن الجنرال ميلي عانى من أحداث الأسبوع الماضي؛ لكنه نجح أيضاً في إقناع ترمب بعدم التذرع بقانون «مكافحة التمرد» الصادر عام 1807، لنشر قوات الخدمة الفعلية في جميع أنحاء البلاد لقمع الاحتجاجات.
جلس الجنرال وجهاً لوجه مع رئيسه الاثنين الماضي، في جلسة ساخنة في المكتب البيضاوي، لمناقشة ما إذا كان سيتم إرسال قوات إلى الشوارع، وفقاً لمصادر حضرت الاجتماع. وجادل الجنرال بقوله إن أحداث الحرائق المتناثرة والنهب في بعض الأماكن قد تضاءلت بسبب الاحتجاجات السلمية. ربح الجنرال ميلي المعركة المباشرة يوم الاثنين؛ لكن بعد فترة وجيزة كان وسط حرب مختلفة، ذلك النوع من الحروب السياسية البعيدة عن الجيش.
ويقول مسؤولو وزارة الدفاع إن الجنرال ميلي يعتقد أنه كان يرافق ترمب ومرافقيه لتفقد قوات الحرس الوطني وغيرهم من أفراد إنفاذ القانون خارج «لافاييت بارك». فهو لم يكن يعرف أن الحديقة قد تم تطهيرها من الاحتجاجات السلمية من قبل قوات الأمن باستخدام الغاز المسيل للدموع، وأن فريقاً إخبارياً أسترالياً قد تعرض للضرب على يد الشرطة التي تستخدم الهراوات في مواجهة البث التلفزيوني المباشر، وأن المراهقين المذعورين كانوا يبكون رعباً على بعد أمتار.
وشبه مسؤول في وزارة الدفاع، الجمعة، سير الجنرال ميلي عبر الحديقة بمن يسير وسط النار مرتدياً ملابس داخلية مشبعة بالبنزين. أياً كانت الحالة، بحسب المقطع المصور الذي تم بثه مراراً وتكراراً، فقد ظهر ترمب يحيط به الجنرال ميلي في زيه القتالي الذي يرتديه كل يوم في العمل، ومجموعة من الرجال غالبيتهم من البيض، يعبرون حديقة تم إخلاؤها للتو من المحتجين. بمجرد وصول ترمب إلى كنيسة «سانت جون» حاملاً كتاباً مقدساً، بات واضحاً أن اللحظة كانت مجرد صورة تذكارية، اختفى بعدها الجنرال ميلي عن المشهد. لم يره أحد بعدما طلب الرئيس من مسؤولين آخرين الانضمام إليه لالتقاط صورة؛ حيث ظهر وقد أحاط به سكرتيره الصحافي، ووزير الدفاع، ومستشار الأمن القومي، والمدعي العام.
الضرر قد حدث بالفعل، فبحسب تغريدة مايكل ماكفول، السفير الأميركي السابق في روسيا في عهد الرئيس باراك أوباما: «كان المشهد مثيراً للسخرية. فالجنرال ميلي الذي أحترمه قد أحرج نفسه». ويقول مسؤولو «البنتاغون» إن الجنرال ميلي أصيب بالرعب بعد ذلك، ولم يظهر أمام الكاميرات منذ ذلك الحين.
يمتلك الجنرال ميلي مظهراً خارجياً صلباً، يناسب تماماً فكرة ترمب عما يجب أن يكون عليه الجنرال.
وفي حديثه للقوات في أفغانستان في نوفمبر (تشرين الثاني)، في سياق تعليقاته حول التعليم الأكاديمي للجنرال ميلي، عبَّر ترمب عن شكوكه المعتادة في التعليم، قائلاً: «كما تعلم، لقد تخرج في جامعة (برينستون)، وبعد ذلك جامعة (كولومبيا). لست متأكداً إن كان ذلك أمراً جيداً أم سيئاً؟ لا أدري».
على الرغم من أن وزير الدفاع مارك إسبر هو المسؤول الأعلى في وزارة الدفاع التي يقودها مدنيون، فإن ترمب يعامل الجنرال ميلي كرئيس فعلي للجيش (رغم أنه ليس كذلك، فهو أكبر مسؤول في الجيش؛ لكن قطاع الخدمات يقوده مديرون ورؤساء يتبعون جميعهم وزير الدفاع والرئيس).
وأخبر الجنرال ميلي زملاءه أنه عندما يتعامل مع ترمب، فإنه (الرئيس) ينصت. لكن عندما يكون الرئيس في اجتماع وسط مجموعة كبيرة -بحسب ميلي- قد تكون الأجواء أكثر توتراً، ويحاول ترمب الظهور في دور القائد.
يتمتع الجنرال ميلي الذي سيتم 62 عاماً الشهر الجاري، بعلاقات ودية مع إسبر، (56 عاماً)؛ لكن المسؤولين الذين حضروا اجتماعات مع الاثنين يقولون إن الجنرال ميلي -وهو جنرال من فئة أربع نجوم تولى قيادة القوات العسكرية الخاصة وقاد القوات في العراق وأفغانستان- يعامل إسبر أحياناً كأنه لا يزال ضابطاً صغيراً بالجيش.
الاثنين الماضي، بعد أن قال ترمب إن الجنرال ميلي كان «مسؤولاً» عن التعامل مع الاحتجاجات، أرسل النائب روبن جاليجو، عضو الحزب الديمقراطي عن ولاية أريزونا، والمجند السابق الذي شهد قتالاً عنيفاً في العراق، برسالة من سطر واحد إلى الجنرال ميلي يسأل فيها: «هل تنوي طاعة الأوامر غير القانونية من الرئيس؟».
في الساعات والأيام الصاخبة التي أعقبت السير عبر الحديقة، عانى الجنرال ميلي كثيراً في سبيل تخفيف الأضرار. في الواقع، كان الجنرال غولدفين ضابط القوات الجوية، هو أول قائد كبير في «البنتاغون» يكسر الصمت بشأن إسبر، وأول من يعلق على الأحداث غير العادية بشأن مقتل فلويد.
الأربعاء الماضي، أصدر الجنرال ميلي رسالته الخاصة التي ذكَّرت القوات بأن الجيش هو المنوط به حماية حرية التعبير. وفي ورقة بخط اليد ملحقة بالرسالة، أضاف: «كلنا كرسنا حياتنا لفكرة أميركا. سنبقى أوفياء لهذا اليمين وللشعب الأميركي».
وبينما جاءت هذه الرسالة بعد أكثر من أسبوع من مقتل فلويد، قال جيمس ستافريديس، الأدميرال المتقاعد والقائد الأعلى السابق لقوات التحالف في أوروبا، في رسالة بالبريد الإلكتروني: «إنها بداية. لقد وضع جميع قادة ومديري الخدمات أيضاً إرشادات ضد التمييز العنصري. أعتقد أن الأمر يتعلق بالنطاق الذي يمكنهم التحرك فيه من دون ارتداء الزي العسكري دون الحاجة إلى الاستقالة».
ووصف ديفيد لابان، المتحدث السابق باسم وزارة الأمن الداخلي في إدارة ترمب، خطاب الجنرال ميلي بالشكلي، وأنه «كان بإمكانه أن يقول ذلك قبل أسبوع».
في الساعات التي تلت التقاط الصورة، سار الجنرال ميلي الذي كان لا يزال في ثيابه القتالية، في شوارع وسط مدينة واشنطن، وتحدث إلى قوات الحرس الوطني والمتظاهرين، وبقي في الخارج حتى منتصف الليل.
* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

لماذا يخشى ترمب فوز الديمقراطيين في الانتخابات النصفية؟

تحليل إخباري الرئيس الأميركي متحدثاً في مؤتمر منتصف الولاية للحزب الجمهوري في دالاس بتكساس يوم 10 سبتمبر 2026 (أ.ب)

لماذا يخشى ترمب فوز الديمقراطيين في الانتخابات النصفية؟

قبل أقل من شهرين على انتخابات التجديد النصفي، تزداد في واشنطن مؤشرات موجة ديمقراطية زرقاء، قد تعيد إلى الأذهان انتخابات عام 2018.

هبة القدسي (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)

ترمب يتوقع انتهاء الحرب مع إيران بعد انتخابات الكونغرس

أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم الأحد، أنه يتوقع انتهاء الحرب مع إيران هذا العام، وربما بعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس ‌المقرر إجراؤها في نوفمبر.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ النائب الأميركي توم تيفاني المرشح الجمهوري لمنصب حاكم ولاية ويسكونسن (رويترز)

طائرة نائب أميركي تهبط اضطرارياً في بحيرة بولاية ويسكونسن

قال النائب الأميركي توم تيفاني، المرشح الجمهوري لمنصب حاكم ولاية ويسكونسن، إنه وقائد طائرة كان يستقلها سبحا حتى وصلا إلى بر الأمان بعد تعطل محرك الطائرة.

يوميات الشرق المنزل الذي شهد طفولة الرئيس الأميركي دونالد ترمب في يناير 2017 (أ.ب)

بيع منزل طفولة ترمب مقابل مليوني دولار

بيع منزل طفولة دونالد ترمب مقابل نحو مليوني دولار، وذلك بعد عملية تجديد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ب) p-circle

زيلينسكي مستعد للقاء بوتين خلال قمة «العشرين»

روسيا تضرب أوديسا مجدداً فيما تضطرب حركة الشحن في البحر الأسود.

«الشرق الأوسط» (لندن)

قمة «بريكس» تطلق عملاً مشتركاً لـ«عالم متعدد وأكثر عدلاً»... وإيران نقطة خلاف

قادة الدول المجتمعون في قمة «بريكس» بنيودلهي في صورة جماعية (رويترز)
قادة الدول المجتمعون في قمة «بريكس» بنيودلهي في صورة جماعية (رويترز)
TT

قمة «بريكس» تطلق عملاً مشتركاً لـ«عالم متعدد وأكثر عدلاً»... وإيران نقطة خلاف

قادة الدول المجتمعون في قمة «بريكس» بنيودلهي في صورة جماعية (رويترز)
قادة الدول المجتمعون في قمة «بريكس» بنيودلهي في صورة جماعية (رويترز)

اختتمت قمة مجموعة «بريكس» أعمالها، الأحد، في نيودلهي بتوافق على إطلاق مرحلة جديدة لتعزيز التعاون بين بلدان المجموعة ووضع تصورات رئيسية لـ«خريطة طريق» تنظم الرؤى المشتركة لـ«عالم متعدد الأقطاب وأكثر عدلاً»، حسبما ورد في الإعلان الختامي للقمة. وعلى الرغم من توافق القادة المجتمعين على الخطوط الرئيسية لمواجهة التحديات التي تعترض خطط تمتين الشراكات داخل المجموعة، كشف التباين الواسع في الأولويات حجم المشكلات التي تواجه التكتل الذي يضم ثلث البشرية ونحو نصف إنتاجها التجاري. وبرغم دعوة الهند والصين أكبر دولتين في التكتل لتسوية سريعة للصراع حول أوكرانيا، لكن هذا الملف غاب عن البيان الختامي للقمة، كما برزت نقطة خلافية كبيرة حول إيران خلال مناقشات الصياغة النهائية للبيان.

أولويات القمة

جاءت المداخلات الختامية للقادة خلال القمة التي حملت تسمية «بريكس بلوس» بسبب مشاركة بلدان من خارج المجموعة، لتعكس التوجهات الرئيسية التي جرى التوافق عليها.

وأكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن «الاهتمام العالمي بأنشطة (بريكس) يتزايد باستمرار، وأن المجموعة تُشارك بفاعلية في صياغة نظام عالمي أكثر عدلاً وتعدداً للأقطاب».

ورأى بوتين أن «(بريكس) أصبحت قوة دافعة مؤثرة في تعزيز التعددية الحقيقية في العلاقات الدولية».

وعلى الرغم من تشديده على أن النظام الأحادي القطب للعلاقات الدولية أصبح من الماضي، لكنه أقر بأن «تشكيل عالم متعدد الأقطاب ليس بالأمر الهين؛ إذ يواجَه بمقاومة شديدة من قِبَل أولئك الذين اعتادوا التفكير بمنطق استعماري».

وأشار الرئيس الروسي إلى أنهم (أي الغرب) «غير مستعدين لتقبّل الواقع المتغير، ويحاولون بكل الوسائل احتواء المنافسين المتنامين». وتُستخدم حروب التعريفات الجمركية، والعقوبات غير المشروعة، ومحاولات الديكتاتورية الاقتصادية، والابتزاز، والتدخل في الشؤون الداخلية، والقوة الغاشمة.

وقال بوتين أمام القمة: «تدعو مجموعة (بريكس) إلى منح جميع الدول، دون استثناء، فرصاً متساوية وغير محدودة لتحقيق نمو اقتصادي واجتماعي مستدام ومتوازن، بما يضمن رفاهية شعوبها، مع الحفاظ في الوقت نفسه على ثقافاتها وتقاليدها الوطنية الفريدة والالتزام بنماذجها التنموية السيادية».

وفاخر بأن «القيم والمبادئ الأساسية التي تتبناها دول (بريكس) تعد جذابة لدول كثيرة». وأشاد الزعيم الروسي بهذا «الالتزام بحل المشكلات بشكل جماعي، استناداً إلى القانون الدولي والأحكام الرئيسية لميثاق الأمم المتحدة».

ووضع بوتين تصوره لتطوير التعاون داخل المجموعة، مشيراً إلى أن دول «بريكس» تستحوذ على ما يقرب من ربع الصادرات العالمية، وتساهم بالجزء الأكبر من نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنحو 49 في المائة.

صورة نشرتها وزارة الخارجية الهندية تظهر كلاً من رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي والرئيسين الصيني شي جينبينغ والروسي فلاديمير بوتين في قمة «بريكس» في نيودلهي (أ.ف.ب)

وأشار إلى أن الدول الأعضاء في المجموعة تشهد نمواً سكانياً متزايداً باطراد، وتعزيزاً للأسواق المحلية، وإنشاء مراكز صناعية وتكنولوجية ومالية وعلمية وتعليمية قوية، فضلاً عن بناء بنية تحتية حديثة للنقل والطاقة والتقنية الرقمية. وقد بلغ حجم التجارة الداخلية داخل المجموعة 1.2 تريليون دولار.

وتحدث عن أهمية تطوير «تكامل اقتصادات الدول الأعضاء» بما يتيح فرصاً واسعة للتعاون وإنشاء سلاسل إنتاج وتقنيات وخدمات وأسواق جديدة، مقترحاً «إنشاء منصة نمو مشتركة لدول (بريكس)، تجمع بشكل طبيعي بين المزايا التنافسية لاقتصاداتنا».

خريطة طريق

عموماً، كانت إعادة هيكلة النظام العالمي - بدءاً من إصلاح مجلس الأمن الدولي والمؤسسات المالية الدولية وصولاً إلى قواعد التجارة الجديدة - الموضوع الرئيسي لقمة «بريكس» في نيودلهي.

وبعد مداولات ولقاءات ثنائية في اليوم الأول، تحول التركيز في ثاني أيام القمة إلى الآفاق المستقبلية وإصلاح نظام الحوكمة العالمية.

رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي لدى وصوله إلى قمة «بريكس» في دورتها الثامنة عشرة والمنعقدة في نيودلهي (أ.ف.ب)

وفي افتتاح الجلسة العامة، اقترح الزعيم الهندي ناريندرا مودي التحرك نحو اتخاذ إجراءات حاسمة. وقال: «لقد حان الوقت لتحويل وحدتنا وتوافقنا داخل مجموعة (بريكس) إلى نتائج ملموسة على الساحة العالمية».

ودعا إلى وضع أجندة جديدة طموحة للمجموعة للعشرين عاماً القادمة، بالإضافة إلى آلية لضمان استمرارية القرارات وتنفيذها.

ورأى مودي أن إصلاح نظام الحوكمة العالمية هو التحدي الرئيسي أمامه. وقال إنه ينبغي تطوير عشر مبادرات بشكل مشترك، ثم صياغتها في «خريطة طريق» يمكن إعدادها للقمة القادمة. وقال إن النظام الحالي يشبه الهرم، حيث تتركز السلطة وصنع القرار في القمة، ولا يستطيع أحد التأثير فيه. ورأى أن هذا الهرم من الامتيازات يجب تحويله إلى منصة للشراكة، حيث يكون لكل دولة صوت مسموع.

«شي» في نيودلهي

وتابع الرئيس الصيني شي جينبينغ هذا النهج. وأشار إلى أن «دول (بريكس) يجب أن تتبوأ الصدارة في تحسين الحوكمة العالمية». كما يجب عليها أن تضطلع بدور ريادي في صون السلام وتحفيز الابتكار.

واقترحت الصين مبادرة لتعزيز التصنيع الجديد باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي. وأكدت بكين استعدادها للتعاون مع دول «بريكس» للحصول على نتائج البحوث العلمية والتطبيقات العملية، فضلاً عن تعميق التعاون في الإنتاج وسلاسل التوريد.

وتُعد زيارة شي إلى نيودلهي في غاية الأهمية. فقد تدهورت العلاقات بين بكين ونيودلهي بشكل ملحوظ بعد الاشتباكات على طول خط السيطرة في جبال الهيمالايا عام 2020. إلا أنه في عام 2025، زار مودي الصين لأول مرة منذ سبع سنوات. وبعد ذلك، استأنف البلدان الرحلات الجوية المباشرة والتجارة عبر الحدود.

قادة الدول المجتمعون في قمة «بريكس» بنيودلهي في صورة جماعية (رويترز)

خلافات على البيان الختامي

وقال شي: «يجب على الصين والهند أن تدعما عالماً يسوده المساواة». علما بأن تباين المواقف بين بكين ونيودلهي ظهر خلال كل مسيرة «بريكس» منذ تأسيسها، وبرز بشكل خاص عند مناقشة ملفات مثل توسيع المجموعة أو أولويات تحركها المشترك حيال الأزمات الإقليمية والدولية.

كما برزت تباينات خلال صياغة البيان الختامي للقمة، وبالإضافة إلى تفضيل القادة عدم التطرق للصراع حول أوكرانيا، برز الملف الإيراني كعنصر خلافي. وقال مساعد الرئيس الروسي لشؤون السياسة الخارجية يوري أوشاكوف إن «الاتفاق على الإعلان النهائي كان صعباً» مع إشارة إلى أن «الوضع المحيط بإيران تسبب في بعض التوتر».

بدوره أجاب مودي عن سؤال حول الخلاف المحيط بمصطلح «الحرب على إيران» الذي احتاج إلى مداولات واسعة بين الأعضاء قبل الاتفاق على صيغة نهائية مبهمة ومرضية للجميع.

وأعربت الوثيقة عن القلق إزاء المخاطر المتزايدة للحرب النووية، ودعت إلى تعزيز الحد من التسلح ومنع الانتشار النووي. كما دعت إلى الإسراع في تنفيذ القرارات التي تُنشئ منطقة في الشرق الأوسط خالية من الأسلحة النووية وغيرها من أسلحة الدمار الشامل. وحذّرت من سباق تسلح في الفضاء، وطالبت برفع العقوبات الأحادية غير القانونية، وأقرّت بإمكانات الذكاء الاصطناعي في تحفيز النمو الاقتصادي.

أعلام البلدان المشاركة في قمة «بريكس» بدورتها الثامنة عشرة والمنعقدة في نيودلهي (إ.ب.أ)

وساطة هندية صينية

إلى ذلك، أعلن المتحدث باسم الرئاسة الروسية ديمتري بيسكوف أن رئيس الوزراء الهندي والرئيس الصيني عرضاً، كل على حدة، على الرئيس الروسي المساعدة في تسوية الأزمة الأوكرانية.

وأفاد بأن الزعيمين طرحا هذه المقترحات خلال محادثات ثنائية مع بوتين على هامش قمة «بريكس»، موضحاً: «خلال الاتصالات الثنائية، أبدى مودي وشي اهتماماً دقيقاً بملف التسوية الأوكرانية، وعرضا مساعيهما للمساعدة في البحث عن حل للمشكلة». وأضاف أن الرئيس الروسي أشاد بهذه المبادرة و«قدم معلومات مفصلة عن الوضع الراهن».

في السياق، قال مساعد الرئيس الروسي، يوري أوشاكوف، إن التوصل إلى اتفاقات بشأن المسألة الإقليمية قد يسهل المضي قدماً في مفاوضات الأطراف في النزاع الأوكراني.

وأشار إلى أنه إلى جانب مسألة التنازلات الإقليمية، لا يزال أمام الأطراف الاتفاق على عدد من الموضوعات الأخرى.

وقال أوشاكوف إن الأميركيين باتوا يتفهمون موقف روسيا على نحو أفضل. وكان الكرملين أعرب عن أمل في أن يعقد لقاء ثلاثياً بشأن أوكرانيا في المستقبل المنظور.

إلى ذلك، قال بيسكوف في تعليق لصحيفة «إزفيستيا» على تصريحات جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي: «نأمل أن يعقد هذا اللقاء (الثلاثي بين روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا) في المستقبل المنظور. ونحن نتفق في هذا الشأن مع السيد كوشنر».

ولفت إلى أنه لا توجد حالياً مقترحات جديدة بشأن التسوية الأوكرانية، مؤكداً أن اللقاء الثلاثي المرتقب هو السبيل للبحث عن خيارات.


قمة «بريكس» تنطلق اليوم في نيودلهي

ملصق ترحيبي بالرئيس الصيني شي جينبينغ في نيودلهي (أ.ف.ب)
ملصق ترحيبي بالرئيس الصيني شي جينبينغ في نيودلهي (أ.ف.ب)
TT

قمة «بريكس» تنطلق اليوم في نيودلهي

ملصق ترحيبي بالرئيس الصيني شي جينبينغ في نيودلهي (أ.ف.ب)
ملصق ترحيبي بالرئيس الصيني شي جينبينغ في نيودلهي (أ.ف.ب)

وصل الرئيس الصيني شي جينبينغ، اليوم (السبت)، إلى نيودلهي، للمشاركة إلى جانب قادة الهند وروسيا وإيران في قمة لمجموعة بريكس تتصدرها ملفات النزاعات والتجارة والطاقة.

ويتوقع أن تهيمن الحرب التي اندلعت في الشرق الأوسط أواخر فبراير (شباط)، إثر الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران، والحرب المستمرة في أوكرانيا منذ بدء الغزو الروسي في 2022، وما نتج عنهما من الاضطرابات في التجارة العالمية وأسعار النفط، على محادثات القمة التي تنطلق السبت وتستمر يومين.

ويشكل حضور شي بحد ذاته حدثاً مهماً؛ إذ ستكون هذه أول زيارة له إلى البلاد منذ 2019، وهي تمثل خطوة كبيرة في مسار التقارب البطيء بين البلدين المتنافسين، بعد 6 سنوات من المواجهة العسكرية الدامية التي دارت بينهما على طول الحدود المتنازع عليها في منطقة الهيمالايا.

أعلام دول «بريكس» في مركز المؤتمرات «بهارات ماندابام» بنيودلهي (أ.ب)

وشهدت العلاقات بين العملاقين الآسيويين المسلّحين نووياً تحسناً تدريجياً عقب موافقتهما على استئناف الرحلات الجوية والاتصالات رفيعة المستوى ومنح التأشيرات، وأكدت بكين الجمعة، أن «الصين مستعدة للعمل مع الهند من خلال تعزيز التواصل وتوطيد التعاون والتعامل مع الاختلافات وفق الأصول».

ومع ذلك، لا يزال انعدام الثقة يخيم إلى حد كبير على العلاقات، على وقع استمرار الخلافات الحدودية، مع احتفاظ البلدين بانتشار عسكري على طول الحدود الممتدة بينهما نحو 3500 كيلومتر عند أطراف منطقة التبت الصينية.

ويجري شي السبت، محادثات مباشرة مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، بحسب «الخارجية» الهندية.

وتظاهر عشرات التبتيين في نيودلهي الجمعة، رافعين لافتات ضدّ زيارة شي، بحسب مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، وهم يعيشون في المنفى مثل زعيمهم الروحي الدالاي لاما الذي انتقل إلى الهند للفرار من حملة قمع صينية عام 1959.

* «بريكس» منذ 2009

أُسس منتدى «بريكس» عام 2009 ليجمع الاقتصادات الناشئة الكبرى؛ البرازيل وروسيا والهند والصين، وانضمت إليه سريعاً جنوب أفريقيا، وذلك خارج إطار التكتلات التي تهيمن عليها الولايات المتحدة والقوى الغربية، مثل مجموعة السبع.

وتوسع التكتل بعد ذلك ليشمل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وإيران، وغيرها.

دورية للشرطة في نيودلهي (إ.ب.أ)

وقبل انعقاد القمة، استقبل مودي الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الذي قال: «حين يتعرض بلد لضغوط سياسية واقتصادية على تجارته وطاقته وبناه التحتية ونظامه المالي، فإن العواقب تتخطى حدوده».

وتغلق إيران منذ اندلاع الحرب مضيق هرمز، الممر المائي الحيوي لإمدادات الطاقة العالمية، ما تسبب في ارتفاع حاد في أسعار النفط. وتخطى سعر برميل برنت مجدداً هذا الأسبوع عتبة 100 دولار.

الرئيس الصيني شي جينبينغ ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي في لقاء سابق عقد في روسيا يوم 23 أكتوبر (تشرين الأول) 2024 (رويترز)

وتثير هذه الحرب انقساماً بين أعضاء «بريكس»؛ إذ تواصل روسيا والصين تعاملهما التجاري مع إيران على الرغم من العقوبات الشديدة التي فرضتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب على طهران والدول المتعاملة معها في إطار حملة تهدف إلى خنق الاقتصاد الإيراني.

وقال هارش بانت المحلل في مركز «أوبزيرفر ريسيرتش فاونديشن» للدراسات القريب من الحكومة الهندية، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «هذا النزاع سيكون خط الانقسام الرئيسي خلال القمة».

ومن جهة أخرى، التقى مودي الجمعة فلاديمير بوتين، بعد 6 أشهر على آخر زيارة للرئيس الروسي إلى الهند، وأكدت نيودلهي أنهما «تبادلا وجهات النظر» بشأن الشرق الأوسط وأوكرانيا، مشيرة إلى أن مودي «أكد مجدداً أن النزاعات لا تحلّ إلا بالحوار والدبلوماسية».

وتعدّ الهند حليفاً تقليدياً لموسكو وواصلت استيراد النفط الروسي رغم العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة، بذريعة أن المداخيل النفطية تسمح لموسكو بتمويل حربها على أوكرانيا.

وساعد ذلك نيودلهي في تجاوز أزمة الطاقة الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط.


البيت الأبيض: مسؤول روسي سيحضر اجتماع مجموعة العشرين في هيوستن

البيت الأبيض (أ.ب)
البيت الأبيض (أ.ب)
TT

البيت الأبيض: مسؤول روسي سيحضر اجتماع مجموعة العشرين في هيوستن

البيت الأبيض (أ.ب)
البيت الأبيض (أ.ب)

قال مسؤول في البيت الأبيض، الجمعة، إن مسؤولاً روسياً سيحضر اجتماعاً للطاقة خاصاً بمجموعة العشرين في هيوستن الأسبوع المقبل.

ورحبت الولايات المتحدة الشهر الماضي بحضور وزير المالية الروسي أنطون سيلوانوف اجتماعاً لدول مجموعة العشرين في ولاية كارولاينا الشمالية، في المرة الأولى التي يحضر فيها وزير المالية الروسي المنتدى شخصياً منذ غزو روسيا لأوكرانيا في 2022.

وسيُعقد الاجتماع الوزاري لمجموعة العشرين بشأن وفرة الطاقة من يوم الاثنين إلى الأربعاء بحضور مسؤولين أميركيين، منهم وزير الداخلية دوغ بورغم، ووزير الطاقة كريس رايت، والمسؤول في البيت الأبيض جارود أجين. ولم يذكر البيت الأبيض بعد من سيحضر اجتماع الأسبوع المقبل من الجانب الروسي، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

ومن المتوقع أيضاً حضور مسؤولين بقطاع الطاقة من أوروبا وآسيا. وقالت محكمة تدقيق الحسابات الأوروبية هذا الشهر إن جهود الاتحاد الأوروبي للتحرر من الاعتماد على النفط والغاز الروسيين تتعثر في وقت يقترب فيه الشتاء مع وجود مخزونات غاز منخفضة بنحو غير معتاد.

وعلى الرغم من اسم الاجتماع، فإن الحربين الدائرتين في أوكرانيا وإيران جعلتا أمن الطاقة مبعث قلق للعديد من الدول، إذ سجل سعر الديزل في الولايات المتحدة رقماً غير مسبوق تجاوز ستة دولارات للغالون هذا الأسبوع، وأُغلق مضيق هرمز أيضاً بنحو شبه كامل أمام شحنات النفط والغاز الطبيعي، ويشكل بناء مراكز البيانات الأميركية ضغطاً على إمدادات الكهرباء.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يوم الأربعاء، إنه أجرى محادثة «رائعة» مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في وقت سابق من الأسبوع، وإن الزعيم الروسي يرغب في التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب في أوكرانيا.

وعلى الرغم من أحدث الزيارات التي قام بها مبعوثون أميركيون إلى موسكو وكييف، يشكك مسؤولو المخابرات في الولايات المتحدة وأوكرانيا وأنحاء أوروبا في جدية بوتين في إنهاء الحرب.

ومن المرجح أن يصوت مجلس النواب الأميركي على فرض عقوبات جديدة على روسيا خلال اجتماع مجموعة العشرين، لكن من غير المؤكد ما إذا كان مشروع القانون سيتم إقراره في ذلك المجلس مثلما حدث في مجلس الشيوخ الأميركي.

وفرضت إدارة ترمب لأول مرة عقوبات على روسيا بسبب حربها في أوكرانيا في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، إذ حجبت المعاملات وجمدت أصول أكبر شركتين نفطيتين فيها، وهما «روسنفت» و«لوك أويل».