شيوخ الحرف التراثية يدخلون عالم الورش الافتراضية

شيوخ الحرف التراثية يدخلون عالم الورش الافتراضية

النسيج اليدوي و{الكروشيه} والتطريز الأكثر انتشاراً
الأحد - 15 شوال 1441 هـ - 07 يونيو 2020 مـ رقم العدد [ 15167]
القاهرة: نادية عبد الحليم

لا يزال الاحتفاء بتعليم الحرف اليدوية مستمراً في مصر رغم الحظر المفروض بسبب الإجراءات الاحترازية لمنع تفشي فيروس «كورونا»، لكن إتاحة تعليمها «عن بعد» بهذا الشكل المكثف والمنتظم يحدث لأول مرة، بفعل الجائحة. تقديم هذه الورش لا يقتصر على المراكز الخاصة الهادفة للربح أو شباب الحرفيين الذين ربما يكونون قد اعتادوا على استخدام شبكة المعلومات ومواقع السوشيال ميديا إنما انضم إليهم أيضاً شيوخ المهن اليدوية و«أسطواتها».

في ورشته بمنطقة «مصر القديمة» بالقاهرة اعتاد عم أيمن عبد العال قضاء ساعات طويلة في صنع قطع فنية يدوية من «الزجاج المعشق»؛ فتتنقل عيناك وهما تتأملان براعة يديه وسلاسة حركتهما أثناء تصنيع التحف من الزجاج المعشق بأنواعه الأربعة: «الرصاص والمعشق كابر، والمعشق موزاييك، والمعشق إكريلك» إلى جانب فنون أخرى كالبراويز الأنتيك. وقبل الجائحة كان يفاجئ متابعيه من محبي هذا الفن من حين إلى آخر بتصويره مقاطع فيديو تعليمية يبثها «لايف» على صفحاته على مواقع التواصل الاجتماعي، بهدف التعريف بحرفته التي ورثها عن أجداده، انطلاقاً من إحساس فطري بالمسؤولية تجاهها وخوفاً من اندثارها، لكن بعد فرض الحظر «تطور الأمر».

رأى عم أيمن الشهير بـ«أيمن براويز» أنه في ظل تراجع عدد ساعات العمل بالورشة بسبب حظر التجول، أصبحت المسؤولية أمامه أكبر؛ فقد أصبح لديه متسع من الوقت لتحقيق جزء من حلمه وهو نقل هذه الحرفة للأجيال القادمة، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «مرت الشهور، ولا أحد يعرف متى سينتهي الوباء، وتعود الحياة إلى طبيعتها، ومن هنا ازداد قلقي على حرفة أجدادي، خصوصاً أنه كان ولايزال لهذا الفن التراثي في مصر طابع خاص يجعله مختلفاً عن مثيله في الدول الأخرى، ومن هنا قررت تنظيم عدد كبير من الورش أون لاين».

يقدم براويز في ورشه مبادئ صناعة الزجاج المعشق، ويتضمن ذلك سبل التصميم الزخرفي، وخطوات تقطيع الزجاج الملون إلى أجزاء بأداة تسمى «الألماظة»، ثم يعيد أمام جمهوره تجميعها وتعشيقها على أضلاع رفيعة من الرصاص.

وتتوقف طويلاً أثناء الورشة أمام روعة وأصالة أشكال النباتات أو الطيور والأشكال الهندسية التي يقدمها، وتستمر تتابع سائر الخطوات مثل «تحفيف الزجاج وتعشيقه ولحامه». ومن الطريف أن براويز يقدم ورشة تحت شعار: «عندما يحب أي شخص مشاهدة أعمالك الفنية التي ستنتجها عليه أن يرفع رأسه فوق؛ لأنها غالية وعالية... هي تراث بلادك».

وإذا كان هناك العديد من الحرفيين الآخرين قد أطلقوا ورشاً مماثلة انطلاقاً من وعي ذاتي بضرورة استثمار الوقت في وجود الحظر المنزلي في إشباع رغبتهم في المحافظة على موروثهم الفني، فربما يكون الأسلوب الذي اختاره الباحث المصري مصطفى كامل مؤسس مبادرة «يالا على الورشة» في الاحتفال باليوم العالمي للتراث هذا العام والذي صادف يوم 18 أبريل (نيسان)، الماضي، قد ساهم في التوسع في تنفيذ هذه الفكرة وانتشارها الملحوظ.

حيث احتفل به «أون لاين»، نظراً للظروف التي تمر بها مصر والعالم. وقام مصطفى الشهير بـ«الطوّاف» ببث مجموعة من «الفيديوهات» لعدد من الحرف اليدوية ومنها صناعة الكليم بخطواته، والتطعيم بالصدف والنقش على النحاس والحصير والأدوات المصنوعة من الخوص وغيرها، وذلك كله كبديل لزياراته الميدانية المعتادة مع مجموعات من محبي الحرف اليدوية لورش الحرفيين في أماكنها على مدار اليوم في السنوات السابقة.

ويعلق كامل على هذه الورش قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «استمرار الورش التي كنا قد بدأناها في اليوم العالمي للتراث عبر الإنترنت إلى الآن، يدل على وعي (أسطوات مصر) وخوفهم على اندثار التراث الذي يُعد مرادفا للهوية المصرية».

تتنوع مجالات الورش الافتراضية بشكل غير مسبوق، حتى تكاد تغطي مختلف الحرف والفنون التراثية واليدوية ما بين الخزف وورق البردي والنقش على النحاس والمشغولات الجلدية بالدق والضغط اليدوي والنحت على الخشب والنحت على الرمل الحجري وصناعة التماثيل الفرعونية، لكن ربما الأكثر انتشاراً وإقبالاً على تعلمها هي النسيج اليدوي والكروشيه والتطريز السيناوي والسيوي والحقائب المستلهمة من التراث، وترجع نصرة حسن مدربة النسيج اليدوي المعتمدة لدى العديد من الجهات والمراكز الثقافية بمصر ذلك إلى «تعلم هذه الحرف أسهل وأكثر واقعية، وبالتالي أكثر وأسرع ربحاً، لا سيما في ظل انتشار التسويق الإلكتروني واحتراف كثير من السيدات مبادئه؛ ما يساعدهن على زيادة دخلهن، كما أن هذه الحرف اليدوية لا تتطلب أدوات وخامات ضخمة أو مرتفعة الثمن أو ممنوع تواجدها في المنزل كالأفران مثلاً». منة علي، طالبة جامعية مصرية، تشارك في التعلم «عن بعد» لفن التطريز السيناوي اليدوي تقول: «استثمرت وقتي بعد تقديم الأبحاث المطلوبة مني وإلغاء الامتحانات في متابعة الورش بشغف شديد، تعلمت الكثير، حيث أشاهد الفيديو الواحد مرات ومرات، ما يسمح لي بإتقان الغرز، الأكثر من ذلك أن المدربة تتلقى الأسئلة وتجيب عنها باستفاضة».


مصر Arts أخبار مصر فيروس كورونا الجديد

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة