أدوار عدلية ومهنية للمرأة السعودية في صناعة التحكيم التجاري

تقارير دولية تشير إلى جهود تمكين القيادات النسائية لتوسيع شمول القوى العاملة في المملكة

شهادات دولية تشير إلى تمكين المرأة السعودية لا سيما في الوظائف العدلية ومهن المحاماة (الشرق الأوسط)
شهادات دولية تشير إلى تمكين المرأة السعودية لا سيما في الوظائف العدلية ومهن المحاماة (الشرق الأوسط)
TT

أدوار عدلية ومهنية للمرأة السعودية في صناعة التحكيم التجاري

شهادات دولية تشير إلى تمكين المرأة السعودية لا سيما في الوظائف العدلية ومهن المحاماة (الشرق الأوسط)
شهادات دولية تشير إلى تمكين المرأة السعودية لا سيما في الوظائف العدلية ومهن المحاماة (الشرق الأوسط)

كشفت تقارير دولية حديثة أن سياسة تمكين المرأة في السعودية قبل فترة أزمة فيروس كورونا المستجد واستمرارها بعد الأزمة الراهنة ستعزز شمول القوى العاملة في البلاد، مؤكدة أن المرأة السعودية وجدت فرصة واعدة كقوة بشرية كبيرة للمشاركة في ظل وجود محفزات بنية اقتصادية متكاملة.
وأشارت تقارير متعددة إلى جهود سعودية مكثفة لتشجيع وتهيئة أدوار عدلية ومهنية لصناعة بدائل تسوية المنازعات التجارية في خطوة تؤكد مستوى التأهيل العلمي والمهني في مجالات المحاماة والقانون التي تتمتع بها السعوديات حاليا.
وكان البنك الدولي أشاد أواخر العام المنصرم بالتنفيذ الناجح للسياسات الاقتصادية الوطنية الاستراتيجية للحكومة في السعودية وما أفرزه من آثار لتلك السياسات ساهمت بشكل مفيد ونافع في تحويل تنوع القوة العاملة.
يأتي ذلك وسط توقعات أبداها تقرير صادر عن مؤسسة التحكيم الدولية من أن يعزز تمكين المرأة بعد جائحة كورونا القوى الاقتصادية الشاملة بالسعودية، فيما يؤكد تقرير دولي صدر أمس عن «غلوبال اربيترييشن رفيفيو» بالتعاون مع المركز السعودي للتحكيم التجاري – اطلعت «الشرق الأوسط» عليه - أن السيدات يلعبن دورا تتزايد أهميته في القوة العاملة السعودية. إلى تفاصيل أكثر في هذا التقرير:

فجوة التوظيف
في وقت بدأ العديد من القطاعات تخضع للتحكيم والتسويات، وجدت المرأة في السعودية فرصة كبيرة كقطاع بشري ينشط بقوة للمشاركة في البناء الاقتصادي ومناشط حركة التجارة والصناعة في مختلف المجالات، حيث أكدت دراسة دولية ارتفاع نسبة توظيف السعوديات في القطاع العام بنسبة تبلغ 40.3 في المائة مقلصة الفجوة بين القطاع النسائي ونظيره الرجالي بنسبة تبلغ 37 في المائة.
ووفقا لدراسة البنك الدولي، أسفرت الوتيرة الملحوظة والحجم الكبير للإصلاحات عن تحسينات سريعة في مشاركة القوة العاملة النسائية، حيث ازدادت النسبة من 18 في المائة في عام 2017 إلى 23 في المائة في عام 2018. بحسب إحصاءات البنك الدولي. ومع استمرار هذا الاتجاه، ستمكن هذه السياسة من تحسين القدرة التنافسية للاقتصاد السعودي وإنتاجيته، الأمر الذي سيؤدي بدوره إلى جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية.

محكمات دوليات
وفيما يتعلق بالتحكيم بين المستثمرين والمركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار، بين تقرير «غلوبال اربيترييشن رفيفيو» أن السعودية قامت بتعيين محكمات دوليات بارزات، مشيرا إلى أنه في إحدى القضايا الأخيرة التابعة للمركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار، رشحت السعودية محكّمة معترف بها دوليا باعتبارها المحكّمة المعيّنة من طرفها.
ولفت التقرير إلى المبادرات الهيكلية متعددة المستويات، مبينا أنه من بين الجهات التي ساهمت في إحداث هذا التغيير وزارة العدل السعودية بدورها البارز في تمكين المرأة في القوة العاملة، مع التأكيد على زيادة عدد السيدات ليس فقط بين موظفي وزارة العدل، ولكن أيضاً ضمن المحامين وكتاب العدل. وفي عام 2019. أطلقت وزارة العدل مبادرة جديدة لزيادة أدوار ومشاركة السيدات في الوزارة والمهن القانونية.

بدائل نسائية
وعن القيادات النسائية، لفت التقرير إلى استفادة بدائل تسوية المنازعات في المملكة بدرجة كبيرة أيضاً من التعلم من النماذج التي يُحتذى بها والاستفادة من خبرات القيادات النسائية الملهمة اللاتي يعشن في المملكة، مع التركيز على خلفياتهن المتنوعة، والتحديات التي تغلبن عليها وقصص نجاحهن.
ووفق التقرير، تتيح المنتديات العديدة المشاركة بين المهنيين من الرجال والنساء علاوة على التجمعات الخاصة النسائية بالكامل، حيث يمكن لهؤلاء المهنيات المشاركة في مناقشة مفتوحة تتيح للجماهير فرصة للتعلم والاتصال وتوفير الدعم لبعضهن البعض؛ وبذلك يتم التوصل لحلول ملموسة لمجموعة من المشكلات التي تواجهها السيدات في تطوير خبراتهن وممارساتهن المهنية من خلال شبكة العلاقات الواسعة، والتي تمتد في الغالب عبر المملكة، وعبر المنطقة ككل، وأبعد من ذلك.
وأضاف التقرير أن هناك عدد متزايد من القانونيات السعوديات اللاتي يُعتبرن من النماذج التي يُحتذى بها في شركات ومكاتب المحاماة السعودية والمناصب القيادية عبر القطاعات المختلفة بل وحتى في دول أخرى، مفيدا، على وجه الخصوص، أصبح القطاع القانوني لاعبا مهما في تمكين المرأة.
وقال: «يلتزم المركز السعودي للتحكيم التجاري بالمساهمة في هذا النجاح عن طريق بذل كل ما في وسعه لتحسين دور المرأة في صناعة بدائل تسوية المنازعات، على النحو الذي يتم عالمياً، مع زيادة الجهود لتشجيع القيادة والريادة النسائية».

إطار مهني
وتأتي صناعة قيادات نسائية لتسوية المنازعات، وفق تقرير «غلوبال اربيترييشن رفيفيو»، في إطار البرنامج المهني الاستراتيجي الشامل لتطوير الكفاءات في صناعة بدائل تسوية المنازعات في المملكة، وما تضمنه من مبادرات يزيد عددها على 50 مبادرة، تشمل آلاف المتقدمات من السيدات ذوي العلاقة بصناعة بدائل تسوية المنازعات وما يزيد على 1400 سيدة شاركن بشكل فاعل في هذه الفعاليات.
وبحسب التقرير، يلعب التنوع الآن دورا حيويا في تيسير الوصول إلى النظام القانوني ونظام بدائل تسوية المنازعات وجعلهما أكثر استجابة، مشيدا بمنافسات التحكيم التجاري الطلابية في السعودية حيث يعد بين أهم المساهمات في التطوير والارتقاء بمنظومة التحكيم في المملكة وزيادة التنوع ومزيد من الدفع لتمكين للمرأة.
ودشن المركز التحكيم التجاري في السعودية مبادرتين مهمتين في هذا السياق تتعلقان بمناسبات مهنية لطلاب وطالبات كليات الشريعة والقانون والأنظمة.

تميز الأداء
من ناحيته يقول الدكتور حامد ميرة الرئيس التنفيذي الرئيس التنفيذي للمركز السعودي للتحكيم التجاري لـ«الشرق الأوسط»: «تواؤماً مع رؤية المملكة 2030 وما تتضمنه من دعم كبير للمرأة وتمكينها وتعزيز دورها، أخذ المركز على عاتقه العمل على مزيد مشاركة للمرأة في جميع أنشطته، وتمكينها في صناعة بدائل تسوية المنازعات، وذلك من خلال عددٍ من المبادرات».
ومن ذلك، بحسب ميرة، تشجيع السيدات على الانضمام لقائمة المركز من المحكمين والوسطاء، وإتاحة الفرصة للمشاركة في جميع برامج المركز النوعية التي تُعقد بشراكة دولية، وبالإضافة إلى ذلك خصص المركز لهن برامج تدريبية متقدمة ونوعية مع شركاء دوليين.
وأضاف ميرة «أثمرت نتائج مشجعة في أرض الواقع؛ حيث أثبتت المرأة أداء متميزاً في القضايا التي أدرنها وحققن تسوية بين الأطراف متنازعة في وقت قياسي كان أسرعها قضية حققت إحدى وسيطات المركز (وهي محامية سعودية) تسوية ناجحة لنزاع تجاري خلال 40 دقيقة من بدء إدارتها لجلسة الوساطة»، مستطرد «كان من المصادفة أن كلا طرفي النزاع تُمثِّلُه محامية سعودية كذلك؛ فكان نجاحاً نسائياً سعودياً بامتياز».
وأشار ميرة إلى أن أكثر من ثلثي فريق مستشاري القضايا في المركز من السيدات، حيث يثبتن عملياً نجاحهن وتميز أدائهن، لافتا إلى أن الجهود التي يبذلها المركز السعودي للتحكيم التجاري تنعكس على تعزيز تطور عجلة التنمية وتهيئة بيئة جاذبة للاستثمار الأجنبي والوطني.


مقالات ذات صلة

ميامي تستضيف قمة «مستقبل الاستثمار» غداً وتناقش تأثير رأس المال في التحولات العالمية

خاص محافظ صندوق الاستثمارات العامة ياسر الرميان خلال مشاركته في قمة سابقة لمبادرة مستقبل الاستثمار في ميامي (الشرق الأوسط)

ميامي تستضيف قمة «مستقبل الاستثمار» غداً وتناقش تأثير رأس المال في التحولات العالمية

تستعد مدينة ميامي الأميركية لاستضافة النسخة الرابعة من قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار– الأولوية» (FII PRIORITY) خلال الفترة من 25 إلى 27 مارس (آذار) الحالي.

مساعد الزياني (ميامي (الولايات المتحدة))
الاقتصاد مدينة جدة (واس)

إرجاء اجتماع المنتدى الاقتصادي العالمي في السعودية بسبب التطورات

أعلن المنتدى الاقتصادي العالمي بعد التنسيق مع وزارة الاقتصاد والتخطيط السعودية، إعادة جدولة الاجتماع الدولي الذي كان من المقرر عقده في جدة شهر أبريل.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد رافعة تحمل شعار «أديس» (الشركة)

«أديس» السعودية تعلق مؤقتاً عمل منصات حفر بحرية في الخليج وسط حرب إيران

علّقت شركة «أديس القابضة» السعودية عمل بعض منصات الحفر البحرية التابعة لها في دول مجلس التعاون الخليجي بشكل مؤقت، في ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد ميناء جدة الإسلامي (واس)

السعودية تُعلق الشروط الملاحية لـ30 يوماً دعماً لتدفق الأعمال البحرية في الخليج

علّقت السعودية تطبيق شرط سريان الشهادات والوثائق المطلوبة لإصدار أو تجديد التراخيص الملاحية، دعماً لتدفق الأعمال البحرية في الخليج.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص العاصمة الرياض (واس)

خاص مرونة السياسات وشرايين النقل... «درع» الاقتصاد السعودي في وجه أزمة «هرمز»

في وقتٍ يغرق العالم في أتون اضطراب غير مسبوق، وبينما تترنح سلاسل التوريد تحت وطأة إغلاق مضيق هرمز، برز الاقتصاد السعودي كنموذج استثنائي للصمود والمرونة.

فتح الرحمن يوسف (الرياض)

بنك اليابان يركز على رفع الفائدة وتأثير ضعف الين

مقر البنك المركزي في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
مقر البنك المركزي في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
TT

بنك اليابان يركز على رفع الفائدة وتأثير ضعف الين

مقر البنك المركزي في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
مقر البنك المركزي في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)

أظهر محضر اجتماع شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، الذي نُشر يوم الأربعاء، أن عدداً من صانعي السياسة النقدية في بنك اليابان رأوا ضرورة مواصلة رفع أسعار الفائدة. ودعا البعضُ إلى اتخاذ إجراءات فورية لمواجهة الضغوط التضخمية المتزايدة، مما يسلّط الضوء على توجههم المتشدد، حتى قبل أن تؤدي الحرب الإيرانية إلى ارتفاع أسعار النفط.

كما دعا أعضاء بالمجلس إلى زيادة اليقظة بشأن تأثير ضعف الين على التضخم، الذي رأوا أنه أصبح أكبر من ذي قبل مع قيام الشركات بتمرير ارتفاع تكاليف الاستيراد والعمالة بشكل أكثر فاعلية.

ونُقل عن أحد الأعضاء قوله: «بالنظر إلى أن معالجة ارتفاع الأسعار تُعدّ أولوية مُلحة في اليابان، فينبغي لبنك اليابان المركزي ألا يُضيّع كثيراً من الوقت في دراسة آثار رفع أسعار الفائدة في الماضي، وأن يُباشر رفع سعر الفائدة التالي في الوقت المناسب».

وأظهرت محاضر الاجتماع أن عضواً آخر قال إن على بنك اليابان المركزي رفع أسعار الفائدة على فترات لا تتجاوز بضعة أشهر، مُضيفاً أن رفع أسعار الفائدة في الوقت المناسب هو الوصفة الوحيدة للسياسة النقدية لكبح ضعف الين غير المرغوب فيه، الذي يُؤدي إلى ارتفاع تكاليف الاستيراد.

وأظهرت المحاضر أيضاً أن «عدداً من الأعضاء قالوا إن آلية ارتفاع الأجور والأسعار بشكل مُعتدل مُتزامن أصبحت راسخة في اليابان، ومن المُرجّح أن تُسفر مفاوضات الأجور، هذا العام، عن زيادات كبيرة في الأجور لمجموعة واسعة من الشركات».

وتُؤكد هذه الملاحظات عزم بنك اليابان المركزي على المُضي قُدماً في تشديد السياسة النقدية، حيث أعرب عدد من أعضاء مجلس الإدارة عن ثقتهم في أن ارتفاع سعر الفائدة الأميركية سيُسهم في تحسين الوضع. ولم تُشكّل الرسوم الجمركية ورفع أسعار الفائدة سابقاً عبئاً كبيراً على الاقتصاد حتى الآن.

وأدى الصراع في الشرق الأوسط، الذي اندلع على أثر الهجمات الأميركية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، إلى تشويش التوقعات السياسية، حيث أضاف ارتفاع أسعار النفط ضغوطاً تضخمية، وعاق، في الوقت نفسه، اقتصاداً يعتمد، بشكل كبير، على واردات الوقود.

وبعد أن رفع بنك اليابان أسعار الفائدة في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أبقى سعر الفائدة الرئيسي ثابتاً عند 0.75 في المائة في يناير، لكنه أبقى على توقعاته المتشددة للتضخم. وأظهرت محاضر الاجتماع أن عدداً من الأعضاء أشاروا إلى أن التضخم الأساسي، أو تحركات الأسعار التي تعكس الطلب المحلي والتي يعدُّها بنك اليابان أساسية لتوقيت رفع أسعار الفائدة، يقترب من هدف البنك المركزي البالغ 2 في المائة.

وفي اجتماع لاحق خلال مارس (آذار) الحالي، أبقى بنك اليابان أسعار الفائدة دون تغيير، مع الإبقاء على ميله نحو سياسة نقدية أكثر تشدداً، حيث إن ارتفاع أسعار النفط يُنذر بتفاقم الضغوط التضخمية.

وظل التضخم الأساسي لأسعار المستهلكين أعلى من هدف بنك اليابان البالغ 2 في المائة لما يقرب من أربع سنوات، مدفوعاً بارتفاع تكاليف المواد الخام والعمالة، قبل أن يتباطأ إلى 1.6 في المائة خلال فبراير، ويعود ذلك، بشكل رئيسي، إلى الدعم الحكومي السخيّ للوقود. ومع وجود عوامل استثنائية متعددة تُشوّه مؤشر أسعار المستهلك، اقترح أحد الأعضاء إيلاء مزيد من الاهتمام لمؤشرات التضخم الأساسي، مثل وتيرة نمو الأجور وأسعار الخدمات، بالإضافة إلى توقعات التضخم، وفقاً لمحضر الاجتماع. كما اقترح عدد من الأعضاء تحسين التواصل بشأن كيفية تقييم بنك اليابان التضخم الأساسي وسعر الفائدة المحايد في اليابان، وفقاً لمحضر الاجتماع. ومن المرجح أن تكون هذه المقترحات قد أدت إلى قرار البنك في مارس بالكشف، بحلول الصيف، عن مؤشر جديد للتضخم وتقدير محدَّث من قِبل فريق العمل بشأن سعر الفائدة المحايد. وفي حين أن الصراع في الشرق الأوسط قد زاد من حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية، لا تزال الأسواق ترى احتمالاً بنسبة 60 في المائة تقريباً لرفع سعر الفائدة في أبريل (نيسان) المقبل.


الصين توسّع تعاونها في أفريقيا وتلوّح بالرد على المكسيك

حاويات وسفن بضائع في ميناء قينغداو شرق الصين (أ.ف.ب)
حاويات وسفن بضائع في ميناء قينغداو شرق الصين (أ.ف.ب)
TT

الصين توسّع تعاونها في أفريقيا وتلوّح بالرد على المكسيك

حاويات وسفن بضائع في ميناء قينغداو شرق الصين (أ.ف.ب)
حاويات وسفن بضائع في ميناء قينغداو شرق الصين (أ.ف.ب)

تتحرك الصين على مسارين متوازيين يعكسان ملامح استراتيجيتها التجارية الجديدة في بيئة دولية أكثر اضطراباً، ما بين توسيع الشراكات الاقتصادية مع أفريقيا، وفي الوقت نفسه التشدد في مواجهة القيود التجارية التي تفرضها بعض الدول على صادراتها واستثماراتها. ففي يوم واحد، أعلنت بكين استعدادها لتعميق التعاون مع الكاميرون في مجالات البنية التحتية والطاقة والزراعة، بالتزامن مع إعلان كينيا استكمال مفاوضات اتفاقية تجارية مع الصين، بينما أكدت وزارة التجارة الصينية حقها في اتخاذ إجراءات مضادة ضد المكسيك بعد رفع الرسوم الجمركية على واردات صينية.

هذا التزامن ليس تفصيلاً عابراً، بل يعكس اتجاهاً أوضح في السياسة الاقتصادية الصينية يقوم على تعويض الضغوط الكبيرة في بعض الأسواق الخارجية عبر تعزيز الحضور في الأسواق النامية، خصوصاً في أفريقيا، مع الإبقاء على خيار الرد التجاري في مواجهة ما تعده بكين إجراءات حمائية تستهدفها.

ومن منظور بكين، فإن القارة الأفريقية لم تعد مجرد شريك سياسي أو ساحة نفوذ جيوسياسي، بل باتت سوقاً واعدة للصادرات والاستثمارات ومجالاً حيوياً لبناء سلاسل توريد وعلاقات طويلة الأمد.

وفي هذا السياق، برز الإعلان الصيني عن الاستعداد لتعزيز التعاون مع الكاميرون في البنية التحتية والطاقة والزراعة، وهو ما يعكس استمرار الرهان على القطاعات التقليدية التي لطالما شكلت أساس الحضور الاقتصادي الصيني في أفريقيا. فالبنية التحتية تمنح الشركات الصينية فرص تنفيذ وتمويل كبيرة، والطاقة تمثل قطاعاً حيوياً في الاقتصادات الأفريقية الصاعدة، بينما يكتسب التعاون الزراعي أهمية كبيرة في ظل سعي الدول الأفريقية إلى تحسين الأمن الغذائي ورفع الإنتاجية.

كما أن اختيار هذه القطاعات الثلاثة معاً يعكس مقاربة صينية شاملة لا تقتصر على التجارة السلعية، بل تشمل بناء النفوذ عبر الاستثمار والتمويل ونقل الخبرات.

الرئيس الصيني شي جينبينغ لدى استقبال نظيره الكيني ويليام روتو في بكين أبريل الماضي (رويترز)

• اتفاق كينيا

في شرق أفريقيا، جاءت كينيا لتضيف بُعداً آخر لهذا التوسع. فقد أعلن الرئيس الكيني ويليام روتو أن بلاده أنهت هذا الأسبوع مفاوضات اتفاقية تجارية مع الصين، بعد شهرين فقط من الإعلان عن اتفاق مبدئي يمنح 98 في المائة من صادرات كينيا دخولاً معفى من الرسوم إلى السوق الصينية.

وتمثل هذه الخطوة تطوراً مهماً بالنسبة إلى نيروبي، التي تسعى إلى تقليص العجز التجاري الكبير مع بكين والاستفادة بصورة أكبر من السوق الصينية الضخمة. وتكتسب الاتفاقية أهمية خاصة لأن كينيا تعد أكبر اقتصاد في شرق أفريقيا، كما أنها تحاول الموازنة بين شراكاتها التقليدية مع الغرب وعلاقاتها المتنامية مع الصين.

وقد حرص روتو على الدفاع عن هذا التوجه، مشيراً إلى أن تعزيز الصادرات الكينية إلى الصين ضرورة اقتصادية، لا سيما في ظل اختلال الميزان التجاري لمصلحة بكين. كما أشار روتو إلى أن الاقتصاد الكيني أظهر مرونة خلال العام الماضي، مع استقرار التضخم والعملة، وتجاوز تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر حاجز ملياري دولار للمرة الأولى في 2025، بزيادة تتجاوز 15 في المائة عن العام السابق.

• صرامة مع المكسيك

لكن الوجه الآخر للتحرك الصيني بدا أكثر صرامة في التعامل مع المكسيك. فقد خلصت وزارة التجارة الصينية، بعد تحقيق في الإجراءات التجارية المكسيكية، إلى أن رفع الرسوم الجمركية والإجراءات الأخرى التي اتخذتها مكسيكو تشكل عوائق أمام التجارة والاستثمار، مؤكدة أن للصين الحق في اتخاذ إجراءات مضادة. ووفق التقديرات الصينية، فإن هذه الرسوم تؤثر على صادرات تتجاوز قيمتها 30 مليار دولار، وقد تتسبب في خسائر تقارب 9.4 مليار دولار في قطاعي الميكانيكا والكهرباء. ويبدو أن أكثر القطاعات تعرضاً للضرر هو قطاع السيارات وقطع الغيار، إذ تشير بكين إلى أن نحو 9 مليارات دولار من الخسائر ستتحملها هذه الصناعة، في وقت كانت فيه المكسيك أكبر وجهة لصادرات السيارات الصينية في عام 2025. وهذا يعني أن النزاع لا يتعلق فقط برسوم جمركية عابرة، بل يمس أحد أهم مجالات التوسع الصناعي الصيني في الأسواق الخارجية، ولا سيما في الصناعات ذات القيمة المضافة الأعلى التي تراهن عليها بكين في المرحلة المقبلة. وتشير خلفية الخلاف إلى أن المكسيك رفعت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي الرسوم على واردات من الصين ودول أخرى لا تربطها بها اتفاقيات تجارة حرة، لتصل إلى 35 في المائة على معظم المنتجات. ويرى محللون أن هذه الخطوة جاءت في جزء منها تحت ضغط الحسابات المرتبطة بعلاقتها الاقتصادية مع الولايات المتحدة، التي شددت بدورها القيود التجارية على السلع الصينية. ومن هذا المنطلق، تنظر بكين إلى التحرك المكسيكي على أنه امتداد أوسع لمناخ دولي يزداد فيه استخدام الأدوات التجارية والجمركية لكبح تمدد الصادرات الصينية.

سفينة بضائع في ميناء قينغداو شرق الصين (أ.ف.ب)

• إعادة رسم خريطة الأولويات

اقتصادياً، يكشف هذا المشهد عن أن الصين تعيد رسم خريطة أولوياتها التجارية على نحو أكثر مرونة. فهي من جهة تدفع بقوة نحو ترسيخ حضورها في أفريقيا عبر اتفاقات وشراكات تعزز الوصول إلى أسواق جديدة، وتوسع النفوذ الاقتصادي الصيني في القارة. ومن جهة أخرى، تبعث برسالة واضحة إلى الشركاء الآخرين بأنها لن تقف مكتوفة الأيدي أمام القيود التجارية التي تستهدف مصالحها... وهذه الازدواجية بين الانفتاح والردع قد تصبح السمة الأبرز للسياسة التجارية الصينية خلال المرحلة المقبلة. وفي المحصلة، تبدو بكين وكأنها تتحرك بمنطق توسيع البدائل وتقليل الاعتماد على مسارات تجارية واحدة. فالتقارب مع الكاميرون وكينيا يفتح آفاقاً جديدة في أفريقيا، بينما التلويح بإجراءات مضادة ضد المكسيك يهدف إلى حماية المصالح الصينية في الأسواق التي تواجه فيها ضغوطاً كبيرة. وبين المسارين، ترسل الصين إشارة مفادها أنها لا تزال قادرة على الجمع بين الدبلوماسية الاقتصادية الصاعدة والرد الحازم على ما تعده ممارسات تجارية غير عادلة.


أسعار الغاز في أوروبا تتراجع وسط آمال في المفاوضات الأميركية - الإيرانية

انخفض عقد الغاز القياسي الهولندي لأدنى مستوى منذ 13 مارس الحالي (رويترز)
انخفض عقد الغاز القياسي الهولندي لأدنى مستوى منذ 13 مارس الحالي (رويترز)
TT

أسعار الغاز في أوروبا تتراجع وسط آمال في المفاوضات الأميركية - الإيرانية

انخفض عقد الغاز القياسي الهولندي لأدنى مستوى منذ 13 مارس الحالي (رويترز)
انخفض عقد الغاز القياسي الهولندي لأدنى مستوى منذ 13 مارس الحالي (رويترز)

انخفضت عقود الغاز في أوروبا إلى أدنى مستوياتها منذ نحو أسبوعين، في بداية تعاملات الأربعاء، على خلفية أنباء عن مبادرة أميركية لإنهاء الحرب مع إيران عبر المفاوضات، وهي الحرب التي أدت إلى توقف نحو 20 في المائة من إمدادات النفط والغاز العالمية.

وأظهرت بيانات من بورصة «إنتركونتيننتال» أن عقد الغاز القياسي الهولندي لأول شهر في مركز «تي تي إف» انخفض بمقدار 4.44 يورو، ليصل إلى 49.60 يورو لكل ميغاواط/ ساعة بحلول الساعة الـ08:55 بتوقيت غرينيتش. ولامس سعر الغاز لفترة وجيزة 48.75 يورو لكل ميغاواط/ ساعة، وهو أدنى مستوى له منذ 13 مارس (آذار) الحالي.

كما انخفض سعر العقد البريطاني لشهر أبريل (نيسان) بمقدار 11.04 بنس، ليصل إلى 125.31 بنس لكل وحدة حرارية بعد أن سجل أدنى مستوى له خلال تعاملات الأربعاء عند 123.00 بنس لكل وحدة حرارية.

الولايات المتحدة تحرز تقدماً

صرح الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، يوم الثلاثاء، بأن الولايات المتحدة تحرز تقدماً في مفاوضات إنهاء الحرب مع إيران، بينما أكد مصدر أن واشنطن أرسلت إلى إيران مقترح تسوية من 15 بنداً. وقالت إيران إنه لا يوجد اتصال مباشر أو غير مباشر مع الولايات المتحدة، لكنها تأمل في فتح حوار عبر دول ثالثة «صديقة».

وقال محللون في بنك «إس إي بي (SEB)» تعليقاً على تحركات أسواق الطاقة الأوسع، بما في ذلك النفط: «استجابت السوق بارتياح لآفاق السلام غير المؤكدة حتى الآن».

وأدى النزاع إلى توقف شبه تام لشحنات النفط والغاز الطبيعي المسال من منطقة الخليج.

وقال محللون في بنك «آي إن جي»: «مع أن أي وقف لإطلاق النار من شأنه أن يخفف المخاطر المباشرة على تجارة الطاقة العالمية، فإن الأسواق لا تزال متأهبة لانقطاعات مطولة في الإمدادات»، لكنهم أشاروا إلى انخفاض الأسعار نتيجة عمليات جني الأرباح عقب تصريحات ترمب.

وأضافوا أن المشاركين في السوق يراقبون التطورات في مضيق هرمز بعد ورود تقارير تفيد بأن إيران بدأت فرض رسوم عبور على بعض السفن التجارية.

وأعلنت شركة «كوسكو» للشحن، ومقرها شنغهاي بالصين، في مذكرة لعملائها يوم الأربعاء، أنها استأنفت حجوزات حاويات الشحن العامة للشحنات إلى البحرين والعراق والكويت وقطر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة.

ومع ذلك، قال محللو بنك «آي إن جي» إن التعافي السريع لتدفقات الغاز الطبيعي المسال يبدو غير مرجح. وأعلنت «شركة قطر للطاقة» أنها ستضطر إلى إعلان «حالة القوة القاهرة» في عدد من العقود بعد أن ألحقت الهجمات الإيرانية أضراراً بنحو 17 في المائة من طاقتها الإنتاجية للغاز الطبيعي المسال.

وتوقع المحلل ديميتري دوهاليفيتش من «مجموعة بورصة لندن للغاز (LSEG)» ارتفاع الطلب على الغاز في شمال غربي أوروبا بنحو 800 غيغاواط/ ساعة يومياً على المدى القريب؛ نتيجة انخفاض درجات الحرارة. وأضاف أن صادرات الغاز الطبيعي المسال تشهد انخفاضاً تدريجياً يمتد حتى شهر أبريل المقبل.

وبلغت نسبة امتلاء مستودعات الغاز في «الاتحاد الأوروبي» 28.4 في المائة، وهي نسبة لم تشهد أي تغيير يذكر خلال الأسبوع الماضي. وتشير بيانات «هيئة البنية التحتية للغاز» في أوروبا إلى أن هذه النسبة أقل بنحو 5 نقاط مئوية عن مستويات الفترة نفسها من العام الماضي.