«طالبان» والولايات المتحدة وماراثون الحرب الطويلة

مخاوف من نجاح الحركة في إرهاب المفاوضين الأفغان للحصول على حصة مهيمنة في الحكومة المقبلة

مجموعة من مقاتلي «طالبان» على تل في ولاية لغمان (نيويورك تايمز)
مجموعة من مقاتلي «طالبان» على تل في ولاية لغمان (نيويورك تايمز)
TT

«طالبان» والولايات المتحدة وماراثون الحرب الطويلة

مجموعة من مقاتلي «طالبان» على تل في ولاية لغمان (نيويورك تايمز)
مجموعة من مقاتلي «طالبان» على تل في ولاية لغمان (نيويورك تايمز)

في ظلال إحدى شجرات التوت على مقربة من مقبرة تحمل شواهد قبورها رايات حركة «طالبان»، اعترف أحد كبار القادة العسكريين بالحركة في شرق أفغانستان بأنها قد تكبدت الكثير من الخسائر إثر الغارات الأميركية المدمّرة فضلاً عن العمليات العسكرية الحكومية على مدى السنوات العشر الماضية.
بيد أن هذه الخسائر لم تغيّر سوى القليل للغاية من الواقع على أرض القتال، إذ تواصل الحركة المتمردة استبدال القتلى والجرحى بين صفوفها باستقدام المقاتلين الجدد ومواصلة ارتكاب أعمال العنف الوحشية.
وقال مولوي محمد قيس، رئيس الجناح العسكري لحركة «طالبان» في ولاية لغمان بشرق أفغانستان، فيما كان ينتظر العشرات من رجاله ومقاتليه بالقرب من أحد التلال: «القتال عبادة بالنسبة لنا، ولذلك إذا سقط أخ لنا قتيلاً، فلن يتردد الأخ الثاني في تنفيذ مشيئة الله، ولسوف يسير على خطى من سبقوه».

كان ذلك في شهر مارس (آذار) الماضي، وكانت حركة «طالبان» قد وقّعت لتوّها على اتفاق سلام مع الولايات المتحدة يضع الحركة على عتبة بلوغ أشد غاياتها اشتياقاً ألا وهي: المغادرة الكاملة للقوات الأميركية من تراب أفغانستان.
وبذلك، تكون حركة «طالبان» قد تجاوزت القوة الأميركية العظمى عبر 19 عاماً تقريباً من الحرب الطويلة الطاحنة. وسلطت عشرات المقابلات التي أُجريت مع مسؤولي «طالبان» ومقاتليها في ثلاث دول، وكذلك مع المسؤولين الأفغان، والمسؤولين الغربيين، الأضواء على مزيج من المناهج والأجيال القديمة والجديدة التي عاونت الحركة كثيراً في بلوغ تلك الغاية. وبعد عام 2001، أعادت «طالبان» تنظيم نفسها كشبكة لامركزية من المقاتلين وقادة المستويات الدنيا والمخولين بتجنيد العناصر الجديدة والعثور على الموارد المحلية، في حين تتابع القيادة العليا للحركة مجريات الأمور وتطوراتها من داخل باكستان المجاورة.
وتحوّلت الحركة المتمردة إلى اعتماد مخطط من العمليات والهجمات الإرهابية التي فرضت ضغوطاً هائلة وشديدة على الحكومة الأفغانية، وبهدف توسيع مجال محركات التمويل غير المشروعة والقائمة على الجرائم وتجارة المخدرات وتهريبها، وذلك رغم آيديولوجية الحركة الضاربة بجذورها في أعماق التعاليم الدينية الصارمة.
وفي الوقت ذاته، لم تغيّر حركة «طالبان» سوى النّزر اليسير من الأسس الآيديولوجية بالغة القسوة لديها في وقت تتأهب للبدء في المحادثات المباشرة بشأن تقاسم السلطة مع الحكومة الأفغانية الحالية. فلم تتراجع الحركة صراحة عن ماضيها المعروف من إيواء العناصر الإرهابية الدولية، ولا هي تراجعت قيد أنملة عن مواصلة الممارسات القمعية تجاه النساء، وتجاه الأقليات التي تعيش في أفغانستان، والتي قيّدت حكومة «طالبان» من نطاق وجودها خلال توليها الحكم في كابل في تسعينات القرن الماضي. وما زالت الحركة المتمردة تعارض بكل قوتها الغالبية العظمى من التغييرات المؤيدة من الغرب والتي جرت في البلاد على مدى العقدين الماضيين.
يقول أمير خان متقي، رئيس أركان الزعيم الأعلى لحركة «طالبان»، في مقابلة نادرة أجرتها معه صحيفة «نيويورك تايمز» في مدينة الدوحة: «نودّ تنفيذ الاتفاق (مع الأميركيين) بالكامل حتى يتسنى لنا تحقيق السلام الشامل، ولكن لا يمكننا التزام الصمت المطبق وسجون أفغانستان مليئة برجالنا وإخواننا، عندما يسير نظام الحكومة الأفغانية على منوال نظم الحكم الغربية، ينبغي على حركة (طالبان) الرجوع والمكوث في المنزل، أليس كذلك؟». ثم أضاف قائلاً: «كلا، لن يبقى كل شيء على حاله بعد كل هذه التضحيات الكبيرة، لا يقبل المنطق السليم ذلك أبداً. الحكومة الأفغانية الحالية ترتكن على الأموال الأجنبية، والأسلحة الأجنبية، والتمويلات الأجنبية في كل شيء».
تلوح ذكريات الماضي الكئيب في الأفق. ففي المرة الأخيرة التي غادرت فيها قوة الاحتلال التراب الأفغاني –عندما تمكن المجاهدون الأفغان المدعومون من الولايات المتحدة من إجبار القوات السوفياتية على الانسحاب من البلاد في عام 1989– أطاحت فصائل المجاهدين بالحكومة الأفغانية القائمة وقتذاك، ثم حوّلت أسلحتها إلى صدور بعضها البعض تتقاتل على ما تبقى من أوصال البلاد ورفات الحكم والسلطة. واستمر هذا التقاتل حتى اعتلت حركة «طالبان» سدة المشهد الدموي العنيف في تلك الأيام.
والآن، حتى مع توقف العمليات العسكرية من طرف الولايات المتحدة والقتالية من طرف حركة «طالبان» داخل أفغانستان راهناً، تواصل الحركة المتمردة تكثيف هجماتها الإرهابية ضد القوات الحكومية الأفغانية قبل تلك الهدنة النادرة التي استمرت لمدة ثلاثة أيام لمناسبة عيد الفطر. ويبدو أن تكتيكات الحركة تشير إلى بث الخوف والذعر بين جموع المواطنين من خلال تلك الهجمات.
ويخشى كثيرون من المواطنين الأفغان أن تنجح الحركة المتمردة في مساعيها من إرهاب المفاوضين الأفغان وإجبارهم على التنازل عن حصة كبيرة ومهيمنة في الحكومة الجديدة –التي تواصل «طالبان» تقويض مؤسساتها واغتيال رجالها ومسؤوليها، بالكمائن تارةً وبالسيارات المفخخة تارةً أخرى.
ولقد أوضح القادة الميدانيون من «طالبان» جلياً أنهم احترموا قرار وقف النار فقط من أجل منح القوات الأميركية ممراً آمناً للانسحاب ومغادرة البلاد، كما قال أحد كبار زعماء الحركة في جنوب البلاد، ولكن ليس هناك من تحفظ بشأن مواصلة شن الهجمات ضد قوات الأمن الحكومية الأفغانية.
وقال قائد شاب من أعضاء «الوحدة الحمراء» وهي قوة النخبة التابعة لحركة «طالبان» في ألينغار (ولاية لغمان): «لقد بدأنا القتال هنا ضد الفساد الحكومي قبل الاحتلال الأميركي لبلادنا. وكان الفاسدون هم من توسلوا لقدوم أميركا إلى أفغانستان لعجزهم عن مواصلة القتال ضدنا». وكان ذلك الشاب اليافع طفلاً صغيراً يلعب عندما بدأ الغزو العسكري الأميركي لأفغانستان، ولقد التقى مع فريق مراسلي صحيفة «نيويورك تايمز» في المنطقة التي تسمح فيها الحكومة الأفغانية بوجود عناصر من الحركة المتمردة.
ثم استطرد القائد الشاب، مجهول الهوية وفق طلبه، قائلاً: «جهادنا مستمر إلى يوم القيامة وحتى إقامة نظام الحكم الإسلامي على أراضي أفغانستان».
التجنيد والسيطرة
وحسب التقديرات الأفغانية والأميركية، تملك حركة «طالبان» راهناً عدداً من المقاتلين يتراوح بين 50 و60 ألف مقاتل عامل، فضلاً عن عشرات الآلاف من المسلحين غير المتفرغين، وسواهم من عناصر الدعم والإمداد المحليين.
ولا يمكن اعتبار حركة «طالبان» منظمة متجانسة متماثلة. إذ عكفت قيادة الحركة المتمردة على بناء آلة حربية من أجزاء متباينة ومترامية الأطراف، ودفعت كل خلية من خلاياها إلى محاولة تحقيق الاكتفاء الذاتي على الصعيد المحلي. وفي المناطق الخاضعة لسيطرة الحركة بالكامل، أو التي يمتد نفوذها وتأثيرها بين أوصال المجتمع، تواصل «طالبان» توفير بعض الخدمات، والوساطة في تسوية المنازعات، وتتخذ من نفسها على الدوام وضعية حكومة الظل غير الرسمية.
يقول تيمور شاران، الباحث الأفغاني البارز والمسؤول الحكومي الكبير السابق: «إنها شبكة متمردة تتسم بقدر كبير من اللامركزية مع امتلاك قادتها المقدرة على تعبئة الموارد وتجنيد الأتباع وتأمين الدعم اللوجيستي على مستويات الولايات في وقت الحاجة. غير أن الأنساق العليا من قيادة الحركة تكتسب شرعيتها من الولاء لزعيم واحد فقط».
وعلى مر السنين، ظلت القيادة العليا للحركة تلتزم أماكنها داخل باكستان المجاورة، حيث دعم جهاز الاستخبارات العسكرية الباكستانية إعادة تشكيل أوصال الحركة الأفغانية المتمردة. وكانت هذه الملاذات الآمنة قد وفرت قدراً من الاستمرارية لقيادات الحركة في الوقت الذي تعاني فيه المستويات الدنيا من عناصرها الخسائر الفادحة داخل أفغانستان.
كانت معدلات الخسائر والضحايا في صفوف الحركة بالغة الارتفاع في بعض الأحيان، لدرجة أنها وصلت إلى سقوط مئات المقاتلين من عناصر الحركة أسبوعياً جراء حملة القصف الجوي الأميركية الشديدة التي أسقطت فيها الطائرات الحربية ما يقرب من 27 ألف قنبلة منذ عام 2013 –حتى إن حركة «طالبان» استحدثت نظاماً جديداً من عناصر الاحتياطي القتالي لمواصلة ممارسة الضغوط في المناطق التي تكبدت فيها كبرى الخسائر، وذلك حسب إفادات القادة الإقليميين من أبناء الحركة.
وكان العام الماضي موجعاً ومدمراً بالنسبة إلى حركة «طالبان» بصورة خاصة، إذ زعم المسؤولون الأفغان أنهم يحصدون رؤوس عناصر الحركة بمعدلات قتالية غير مسبوقة، حيث يسقط أكثر من 1000 مقاتل من عناصرها بصفة شهرية، وربما ربع إجمالي القوات المقدرة للحركة بحلول نهاية العام. وبالإضافة إلى الغارات الجوية التي شنتها القوات الحكومية الأفغانية، أسقطت الغارات الجوية الأميركية 7400 قنبلة، وهو أكبر معدل مسجل لها خلال السنوات العشر الماضية.
وحتى في ذروة الوجود العسكري الأميركي طويل الأمد، ومع الجهود التنسيقية لمعاونة الحكومة الأفغانية على الصعيد المعنوي واستمالة قلوب المواطنين وعقولهم في ريف أفغانستان، كانت حركة «طالبان» قد تمكنت من الاستمرار في تجنيد الأتباع وما يكفي من الشباب لمواصلة القتال. وتواصل الأسر الأفغانية الفقيرة تلبية نداءات «طالبان» والدفع بزهرة شبابها في أتون الحرب المستعرة للمحافظة على تماسك الحركة المتمردة وصمودها رغم التضحيات.
وأوضح مولوي محمد قيس كيف أن جناحه العسكري في لغمان يملك لجنة نشطة للدعوة والإرشاد، حيث يرتاد أعضاؤها المساجد ويحضرون دروس القرآن الكريم بهدف التقاط وتجنيد العناصر الجديدة للقتال. لكنه أشار إلى أن أغلب المجندين الجدد يأتون من طرف المقاتلين الحاليين الذين يعملون بكل دأب على تجنيد الأقارب والأصدقاء وضمهم إلى صفوف الحركة. وتظل الحاجة إلى الدماء الجديدة قائمة ومستمرة لدى «طالبان»، لا سيما خلال السنوات العشر الماضية. واستطرد مولوي قيس يقول: «لقد فقدنا 80 رجلاً دفعة واحدة من وحدتنا القتالية الحالية»، في إشارة إلى الوحدة القتالية التي تتألف من 100 إلى 150 مقاتلاً.
ومع ذلك، ما زال المجندون يواصلون القدوم والانضمام إلى صفوف الحركة، ويرجع ذلك في جزء منه إلى الكراهية العميقة المتأصلة في نفوس الناس ضد المؤسسات الحكومية والقيم الغربية الدخيلة التي اعتمدتها الحكومة الأفغانية من طرف حلفائها في الغرب. وأردف مولوي قيس في هذا الإطار: «مشكلتنا ليست مع لحومهم وعظامهم، وإنما هي مع النظام الذي يوالونه ويخدمونه».
ويقول المسؤولون الأفغان إنه في المناطق التي لا تفرض فيها حركة «طالبان» سيطرتها الكاملة لتجنيد الأتباع، لا تزال الحركة تعتمد بصورة كبيرة على ما يقرب من مليونين من اللاجئين الأفغان الذين يعيشون داخل باكستان المجاورة، كما يعتمدون على المدارس الدينية المنتشرة هناك في استمالة وتجنيد العناصر الجديدة للقتال في الخطوط الأمامية.
ويقول مسؤولو التجنيد والقادة الميدانيون لدى «طالبان» إنهم لا يدفعون رواتب منتظمة للعناصر القتالية. وبدلاً من ذلك، فإنهم يغطون النفقات العائلية للمقاتلين في صفوفهم، الأمر الذي ساعدهم كثيراً خلال السنوات الأخيرة على منح قدر معتبر من الحريات لقادة الحركة في كيفية استخدام الموارد المحلية وإدارة غنائم الحرب. ويجري تحصيل بعض الإيرادات عن طريق فرض الضرائب على السلع. ولكن الحركة أصبحت متشابكة للغاية، وبصورة متزايدة، في أعمال الجرائم المحلية وتجارة المخدرات وتهريبها، الأمر الذي رفع من المحفّزات المالية التي تمكن الحركة من مواصلة ما تعدّه «جهاداً مقدساً»!
يقول الملا باقي زاراوار، قائد إحدى وحدات «طالبان» في ولاية هلمند: «إخواننا الذين يقاتلون معنا في صفوف الجهاد الأمامية لا يحصلون من الحركة على رواتب محددة، ولكننا نعتني بنفقاتهم الشخصية، ووقود دراجاتهم البخارية، ومصاريف أسفارهم إلى أسرهم. وإذا ما وقعت في أيديهم الغنائم، فهذا رزقهم».
وبالنسبة إلى المناطق التي تسيطر عليها «طالبان» بصورة جيدة، فإن العديد من عناصر الحركة، وربما بعض القادة أيضاً، يحتفظون لأنفسهم بوظائف أخرى غير القتال.
توقف مولوي قيس، في أثناء المقابلة الشخصية، للاعتذار عن ملابسه المتسخة، وقال إنه كان يطحن الدقيق طوال الصباح، وتلك هي وظيفته اليومية. ولدى العديد من المقاتلين الآخرين وظائف أخرى عندما لا يقاتلون في صفوف الحركة. ولضمان عدم جفاف منابع التجنيد، منحت الحركة الأولوية لعملية معقدة من جمع المعلومات، وصياغة خطاب الحركة من خلال إنتاج مقاطع الفيديو الدعائية الرائعة، فضلاً عن جناح نشط للغاية على وسائل التواصل الاجتماعي.
وتنتشر عبر مختلف منصات التواصل الاجتماعي مقاطع لحالات الإصابة والضحايا بين المدنيين على أيدي القوات الأميركية أو الأفغانية، سواء كانت حقيقية أو مختلقة، وذلك بالاقتران مع مقاطع فيديو أخرى لتدريبات عناصر «طالبان» وهم يقفزون خلال الحلقات المشتعلة بالنار ويطلقون الرصاص من أسلحتهم. وكانت الرسالة من وراء ذلك واضحة: «الانضمام إلينا يعني حياة البطولة والتضحية والفداء». وكانت لديهم رموز قوية يستشهدون بها في رسالتهم: كانوا يقاتلون تحت راية قائدهم الأعلى مولوي هيبة الله أخوند زاده، والذي أرسل ابنه في عملية انتحارية من أجل نصرة قضية «طالبان» ضد الحكومة الأفغانية التي يدعمها «جيش الغزاة» الأميركيين ويقودها المسؤولون الذين تعيش عائلاتهم وأبناؤهم في خارج البلاد.
وبعد اتفاق الحركة مع الجانب الأميركي، كثّفت «طالبان» من جهودها الدعائية، واعتلت موجة الانتصار العارمة التي تنذر بكل سوء. وفي خطبته السنوية بمناسبة عيد الفطر التي صدرت قبل أيام، تعهد زعيم «طالبان» بالعفو عن الخصوم الذين تخلوا عن ولائهم للحكومة الأفغانية.
وتعد مديرية ألينغار، من ولاية لغمان، مثالاً على ترتيبات «طالبان» على الصعيد المحلي والقيام مقام حكومة الظل في المناطق الخاضعة لسيطرتها. وقال قادة الحركة في المديرية إنهم يجمعون الضرائب، ويرسلون خُمسها تقريباً إلى القيادة المركزية للحركة مع الاحتفاظ بالباقي منها للمقاتلين المحليين. ولديهم أيضاً لجان تشرف على توفير الخدمات الأساسية للمواطنين، بما في ذلك الخدمات الصحية، والتعليم، وإدارة الأسواق المحلية.
ولا تزال الحكومة الأفغانية والجهات الدولية المانحة تدفع تكاليف الإمدادات، ورواتب العيادات الصحية، والمدارس المحلية. لكن حركة «طالبان» تدير الأمور بطريقتها الخاصة –في تسوية تمت على مضض بواسطة المنظمات الإغاثية حيث إن البديل يعني عدم توافر الخدمات على الإطلاق. كما أن منهج الحركة المتمردة إزاء التعليم من أبلغ الأدلة الواضحة على أنها تتمسك تماماً بأساليبها القديمة في قمع النساء، والقضاء على الثقافة والفنون في المجتمع.
ومن بين 57 مدرسة في ألينغار، هناك 17 مدرسة منها مخصصة للفتيات، وفقاً لمولوي أحمد هاكمال، رئيس لجنة التعليم في المديرية. بيد أن عناصر «طالبان» في المقاطعة تصر على وقف تعليم الفتيات تماماً بعد الصف السادس، فيما يتعارض مع المتطلبات الدولية للمساعدات التعليمية في البلاد. ومن حيث المناهج الدراسية، ألغت حركة «طالبان» مادة الثقافة كموضوع دراسي ذلك لأنها تشجع على التهتك والابتذال مثل تعليم الفتيات الموسيقى والفنون.
أبناء الفوضى
بعد استيلاء حركة «طالبان» على السلطة في تسعينات القرن الماضي، وهزيمتها للفصائل المتناحرة الأخرى إثر الفراغ السلطوي في الحكم الذي خلفه انسحاب القوات السوفياتية من البلاد، أبدت الولايات المتحدة قدراً من اللامبالاة بأسلوب الحكم القمعي الذي اعتمدته الحركة. غير أن الأمور تغيّرت تماماً في عام 2001، مع اتخاذ قادة تنظيم «القاعدة» الإرهابي من أفغانستان ملاذاً لهم في أعقاب هجمات سبتمبر (أيلول) الإرهابية على الأراضي الأميركية.
وقضى زعيم تنظيم «القاعدة» أسامة بن لادن وقتاً طويلاً في أفغانستان، ولقد حارب ذات مرة إلى الجانب الأميركي ضد القوات السوفياتية مع نهاية حقبة الحرب الباردة. وكان زعيم «طالبان» آنذاك، الملا محمد عمر، قد سمح لأسامة بن لادن ورجاله بالبقاء في أفغانستان، وتوثقت علاقاتهما منذ ذلك الحين، مع إعلان بن لادن الولاء للملا محمد عمر.
وفي أعقاب الهجمات الإرهابية المريعة، وإثر سعيها الشديد للانتقام والثأر لكرامتها الجريحة، نفد رصيد الصبر لدى الإدارة الأميركية برئاسة جورج دبليو بوش، سيما بعد العديد من طلبات تسليم أسامة بن لادن مباشرةً إلى الحكومة الأميركية التي رفضتها حركة «طالبان»، ومن ثم شرعت الولايات المتحدة في الغزو العسكري لأراضي أفغانستان. وسرعان ما تلاشى نفوذ الحركة التي كانت قد حققت نجاحات باهرة على مختلف الفصائل الأفغانية الأخرى، في مواجهة الغارات الجوية الأميركية الشديدة. وعاد عناصر الحركة إلى ديارهم يجرّون أذيال الخيبة والخسران بعد تفكك «إمارة طالبان» التي كانت تؤويهم. وعبر الكثير من زعماء الحركة الحدود إلى باكستان المجاورة أو ربما انتهى بهم المطاف إلى داخل السجون الأميركية.
وقال العديد من قادة «طالبان»، خلال مقابلات شخصية لأجل هذا المقال، إنه خلال الشهور الأولى التي تلت الغزو الأميركي، كانوا بالكاد يحلمون بيوم يتمكنون فيه من محاربة الجيش الأميركي الغازي. غير أن تلك الآمال تهاوت سيما بعد أن أعادت قيادة الحركة تجميع شتاتها في الملاذات الآمنة التي وفّرها لهم الجيش الباكستاني –حتى في الوقت الذي كانت الحكومة الباكستانية تتلقى فيه مئات الملايين من الدولارات من المساعدات الأميركية.
ومن تلك الملاذات الآمنة، شرعت قيادة الحركة في التخطيط لشن حرب الاستنزاف طويلة الأمد ضد القوات الأميركية في أفغانستان. وبدءاً من الهجمات الإقليمية الأكثر خطورة ودموية في عام 2007، عكفت الحركة المتمردة على إحياء وصقل أساليب الحرب القديمة التي نُفّذت بتمويل من حكومة الولايات المتحدة ضد القوات السوفياتية في نفس الجبال وعلى نفس التضاريس، ولكنها باتت الآن موجهة ضد الجيش الأميركي في البلاد.
* خدمة «نيويورك تايمز»



«صراع الجبابرة» في الشرق الأوسط عند مفترق طرق

خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

«صراع الجبابرة» في الشرق الأوسط عند مفترق طرق

خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

لعل أسوأ السيناريوهات التي كان يتم تخيلها في كواليس صنع القرار حدثت. باغتيال المرشد السابق علي خامنئي، استخدمت واشنطن وتل أبيب أسلوب «الصدمة والرعب» نفسه الذي اتبعته إسرائيل في السنتين الأخيرتين، والذي برهنت التجربة أنه يحقق نجاحاً خارقاً قبل فقدان الزخم مع نهاية الحملة العسكرية.

لكن هذه المرة كسر الرئيس دونالد ترمب المحظور وفتح صندوق باندورا المنطقة على حرب بحجج غير متماسكة ونهاية غير واضحة، وفرض معركة ردع متبادل مع النظام الإيراني الذي خسر صورته في الردع الإقليمي. هذا التوسّع في نفوذ المشروعين في الشرق الأوسط، الذي تراوح بين الصدام والتعايش، وصل إلى مفترق طرق.

المشروع الخامنئي، الذي حكم أربع عواصم عربية لعقود، وتعرّض لنكسات متتالية في العقد الأخير بعد بلوغه ذروته التوسعية بعد «الربيع العربي»، أرهق موارده المحدودة وفتح أعين أميركا عليه كما شهية إسرائيل لمقارعته.

استحالة إدارة هذا التعايش أدت إلى صدام محتوم لم تتعامل الإدارة الأميركية الحالية معه بصبر القوى العظمى الاستراتيجي.

في تدخل عسكري هو الأول من نوعه منذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003، شاب حرب ترمب على إيران عدم وضوح النهاية. خطاب الرئيس مزج منذ بداية الحرب بين أهداف استراتيجية متقلبة وجداول زمنية مرنة للضغط على النظام الإيراني، لكن مع الوقت فقدت إدارته السيطرة الإعلامية والنفسية على الحرب، كما ظلت مترددة في الذهاب بعيداً في خيارات التصعيد العسكري. أدى عدم تمكن واشنطن من تقويض النظام الإيراني سريعاً إلى قناعة بأن الإبقاء على الإيقاع الإسرائيلي يعني توسيع التورط الأميركي.

حضر قائد «الحرس الثوري» الإيراني حسين سلامي (يسار) برفقة قائد «البحرية» الأدميرال علي رضا تنكسيري حفل الكشف عن قاعدة صواريخ تحت الأرض في مكان غير مُعلَن بجنوب إيران (د.ب.أ)

من يتخذ القرار في إيران؟

في المقابل، هناك عدم وضوح حول مَن يتخذ القرارات في طهران التي يبدو أنها تدفع أثمان تبعات اغتيال قاسم سليماني عام 2020 مروراً بإسماعيل هنية وصولاً إلى حسن نصر الله. والآن ستلحق نفسها بسياسة ردعية بعد اغتيال خامنئي الذي كان يحترف اللعب على حافة الهاوية لموازنة الدينامية بين المحافظين والإصلاحيين، بين «الحرس الثوري» والفريق التفاوضي.

يأتي المرشد الجديد مجتبى خامنئي، ليس فقط ليكرّس إشكالية التوريث في الداخل، بل ليعزّز دور المؤسسة الأمنية على حساب الدينية. وهناك تساؤلات لم تتضح بعد حول معالم انتقال السلطة الجديدة في طهران ومن يدين بالولاء لها ومراكز القرار فيها.

هل تتشكل سلطة جماعية ومتنازع عليها في طهران أم يحكِم مجتبى قبضته على مفاصل الدولة؟ في حال طبعاً لم يتعرض لاغتيال. شرعية مجتبى مرتبطة باستمرار الحرب التي يحتاج إليها في المدى المنظور لتكريس موقعه الجديد؛ لأن ما يترتب على انتهاء الحرب، ليس فقط مواجهة التساؤلات حول شرعيته مرشداً، بل حسم قرار كيفية التعامل مع واشنطن على المدى المتوسط لكسر الحصار الجوي على إيران وتوفير الوقت والموارد لترميم ما دمرته الحرب والعقوبات.

لوحة دعائية ضخمة عليها صور لصواريخ إيرانية في طهران (رويترز)

توازن يشابه الردع

اعتقدت واشنطن أن تكلفة الردع الإيراني منخفضة بما يكفي للتدخل العسكري ضدها، وبالتالي خلصت وإسرائيل إلى أن فرصتهما في تحقيق أهدافهما بالوسائل العسكرية أكبر منها بالوسائل الدبلوماسية، وكان ذلك سوء تقدير في حسابات الردع. دمرت أميركا القدرات العسكرية التقليدية للنظام الإيراني، لكنها لا يبدو أنها نجحت في وقف قدرته على إطلاق الصواريخ الباليستية وتقييد الملاحة الدولية في مضيق هرمز الذي أخذته طهران رهينة كردع اقتصادي في «استراتيجية عقابية» كلاسيكية ربطت بين استهداف النظام وإلحاق الضرر بالاقتصاد العالمي. التكلفة جاءت كأكبر اضطراب في الإمدادات في العالم منذ أزمة الطاقة في السبعينات؛ ما أجبر إدارة ترمب على رفع العقوبات مؤقتاً عن النفط الإيراني في محاولة لتخفيف أزمة الطاقة.

استراتيجية الردع الإيرانية مرت في ثلاث مراحل خلال هذه الحرب. الهدف الرئيسي في المرحلة الأولى كان بقاء النظام بما يعنيه منع الانهيار والتفكك الداخلي، وتفادي انتفاضة شعبية. في ظل فراغ منصب المرشد، أطلقت المنظومة الأمنية في طهران العنان لجنون ردعي غير مسبوق، وعندما تداخلت الرسائل الأميركية مع فكرة تغيير النظام تعاملت طهران مع الحرب على أنها مسألة وجودية، على الرغم من إدراكها أنها لا تستطيع كسب حرب تقليدية مع واشنطن.

إيرانيات يتنزهن بحديقة بارديسان في طهران الخميس (رويترز)

في المرحلة الثانية، كانت الاستراتيجية الإيرانية تسعى لزيادة تكلفة الحرب على واشنطن كما على الاقتصاد العالمي. «مصداقية الردع» هي النقطة الأساس حالياً. لأن إيران، ستظهر بمظهر المنهزم استراتيجياً فيما لو تلقت ضربات على مستوى اغتيال خامنئي من دون رد فعل منها، فبذلك تُخاطر بانهيار «الردع الإقليمي»، وفقدان المصداقية لدى الوكلاء، ورد فعل عنيف داخلياً. استخدمت كل من واشنطن وطهران في الأسبوع الأخير ما سماه توماس شيلينغ «دبلوماسية العنف»، أي التهديد العسكري المستمر وسيلةَ ضغطٍ.

الحافز الإيراني الآخر في المرحلة الثانية هو الحفاظ على تماسك النظام الداخلي عبر استمرار حرب خارجية تمنع الانقسامات بحيث يكتسب المتشددون داخل المؤسسات الأمنية نفوذاً إضافياً.

الأسبوع الأخير كان حاسماً في معركة مضيق هرمز والبنى التحتية للطاقة؛ فوصلت المواجهة والتهديدات إلى لحظة الذروة، فكان قرار خفض التصعيد حين امتنع الخصمان عن شن هجوم شامل بعد اقتناع ضمني بقدرة بعضهما بعضاً على إلحاق خسائر انتقامية لا يمكن تحملها في إطار الرد الانتقامي. وبعدما علق الجانبان في دوامة من الإنذارات والردود الانتقامية برزت بوادر خيارات عقلانية، أقرَّت بضرورة فتح شكل من أشكال قنوات الاتصال مع رسم مسبق لخطوط حمراء واضحة.

أمسك ترمب بزمام مبادرة إعلان انطلاق التفاوض؛ ما أربك ليس إيران فحسب، بل فاجأ إسرائيل أيضاً. المناورة انتقلت من الميدان إلى التفاوض، وبالتالي من يصرخ أولاً يفرض شروط انتهاء الحرب.

عمال إنقاذ يعملون على إزالة ركام مبنى دُمّر بغارة إسرائيلية على طهران (رويترز)

وساطة عبر 3 مسارات

في هذا السياق، كانت مصادر دبلوماسية عربية لـ«الشرق الأوسط» أكدت أن هناك وساطة متقدمة و«اتصالات قوية» تقودها كل من باكستان ومصر وتركيا عبر ثلاثة مسارات داخل النظام الإيراني، هي «الحرس الثوري» والخارجية الإيرانية ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف. تستخدم كل من هذه الدول الثلاث قنواتها الخاصة. وتشير المصادر إلى أنه حالياً ليس هناك غير هذه الدول من قد يرغب في القيام بوساطة، سيما وأنها لم تتعرض لهجمات صاروخية إيرانية. كذلك، تؤكد المصادر وجود عروض أميركية متقدمة، ومسعى لإيجاد نوع من الحل الوسط قدر الإمكان. لكن التحدي أن الأميركيين يضغطون في عامل الوقت ويستعجلون الاتفاق، في حين الإيرانيون يرون أن الوقت لا يكفي، خصوصاً أن حركتهم وتواصلهم فيما بينهم صعبان لتفادي رصدهم من الإسرائيليين.

لوحة إعلانية في طهران تحمل صور قائد «الحرس الثوري» السابق عباس نيلفوروشان وأمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله وزعيم «حماس» السابق إسماعيل هنية (أرشيفية - رويترز)

وكلاء إيران والمواجهة الكبرى

الشق الثاني في الردع هو أذرع إيران الإقليمية. كان هناك شيء من الرومانسية في الحديث عن فكرة الجبهات المفتوحة والمتزامنة لوكلاء النظام الإيراني؛ هي فكرة تقوم على أساس أن الهجوم على أحد أطراف المحور يعدّ هجوماً على الكل. لكن هذا الدفاع الجماعي تحقق جزئياً ومرة واحدة فقط بعد عملية «طوفان الأقصى» عام 2023 قبل أن يتعرض المحور بمجمله لضربات متتالية. في الحرب الأولى بين إيران وإسرائيل عام 2025 وقفت أذرع إيران على الحياد، لكنها دخلت عنوة على خط الحرب الدائرة حالياً بعد اغتيال خامنئي.

تعرض المحور إلى إغتيالات مستهدفة متتالية من إسرائيل وأميركا أدت إلى اهتزاز ركائزه، وجاءت العقوبات الأميركية على النظام الإيراني منذ 2019 لتقلّص موارده، كما واجه تحديات في خطوط الإمداد من إيران عبر العراق وسوريا إلى لبنان.

والآن، تدخل أذرع إيران الإقليمية في مرحلة جديدة قد تحدّد مصيرها ووظيفتها في السنوات المقبلة، في معركة تخوضها طهران هذه المرة في الصفوف الأمامية بعدما تقلصت مروحة وكلائها بعد تطورات سوريا وغزة. ويبدو واضحاً أن الاستراتيجية الإيرانية تقوم على توسيع الساحات وليس بالضرورة وحدتها، على أن يكون القرار المركزي في طهران بشكل غير مسبوق. فللمرة الأولى ينسق «الحرس الثوري» عمليات وإطلاق صواريخ متزامنة مع «حزب الله» و«الحشد الشعبي»، أي التركيز على قيادة الردع بالاعتماد على ما تبقى من الوكلاء في لبنان والعراق.

«حزب الله» يقاتل بترسانة مستنفدة وهيكلية في طور إعادة التنظيم وبيئة شعبية منهكة، في حين «الحشد الشعبي» الذي تفادى لسنوات المواجهة المباشرة مع الجيش الأميركي، كسر المحظور أيضاً في استهداف القوات والمصالح الأميركية في بغداد وأربيل ودول الجوار؛ ما يغير معادلة الردع الأميركي وقد يعزز النفوذ الإيراني في العراق إذا استمرت الدينامية الحالية للحرب حتى انتهائها.

لكن «الحشد الشعبي» منقسم بين خلايا مدفوعة آيديولوجياً تواصل شن الهجمات باسم طهران، وأصحاب نفوذ في الدولة العراقية الذين يرون بشكل متزايد أن المواجهة تضرّ بمصالحهم، والنتيجة هي رادع منقسم: بعض الفصائل تقاتل، وأخرى تنسحب؛ ما يضعف مصداقية التهديد ككل.

صورة للأمين العام الأسبق لـ«حزب الله» حسن نصر الله بين أنقاض مبنى لـ«القرض الحسن» دمرته غارة إسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت (إ.ب.أ)

ساحات قتال محلية

كل هذه التطورات تنعكس توتراً أمنياً وسياسياً بين واشنطن وطهران في لبنان والعراق. الأزمة السياسية في لبنان تتفاعل، لكنها لم تخرج عن السيطرة بعد. الصراع الأميركي - الإيراني أكثر حدة في العراق وانتقل إلى المؤسسات الأمنية، لكن الميليشيات المدعومة إيرانياً تستمر بأنشطتها العسكرية، في حين سمحت الحكومة العراقية لقوات الحشد الشعبي بالرد على أي استهدافات.

الوضع مغاير تماماً في قطاع غزة واليمن.

إدارة ترمب تمكنت من تحييد جبهة غزة نسبياً، وبالتالي حسابات حركة «حماس» مغايرة في هذه المرحلة مع تجميد قدرات جناحها العسكري، في ظل السيطرة الأميركية - الإسرائيلية المحكمة على القطاع والانقسامات الداخلية على قيادة الحركة والمرشحة إلى الزيادة حسب كيفية انتهاء هذه الحرب.

من جهة أخرى، اتخذ الحوثيون موقف الحياد النسبي بما يتناسب مع التحولات في الداخل اليمني التي تستدعي التريث. كما يحتفظ النظام الإيراني بالحوثيين ورقةً احتياطية للتهديد المطلق على البحر الأحمر.

ماذا بعد الحرب؟

السؤال الرئيسي اليوم هو عما: إذا كانت طهران ستصر على شمل «حزب الله» في أي مفاوضات لإنهاء الحرب، أم ستتفرغ إسرائيل للحزب وتفرض أمراً واقعاً جنوب الليطاني؟ هذا سيكون أول اختبار لعلاقة النظام الإيراني الجديد مع أذرعه الإقليمية، لا سيما في لبنان والعراق.

فإذا أوقفت أميركا الحرب مع إيران، هل تبقى العصا الإسرائيلية مرفوعة ضد النظام الإيراني لاستخدام الضرورة؟ مهما كان السيناريو النووي الأميركي - الإيراني، حتى الآن يبقى وكلاء طهران تحت الضغوط الأميركية - الإسرائيلية، لكن من دون القدرة على فرض الاستسلام الكلي. هذه الضبابية ستؤدي إلى تقلص تدريجي لوكلاء النظام الإيراني، لكن قد لا تفتح الباب أمام التسويات الكاملة في المدى المنظور. لا المواجهة بين إيران وإسرائيل ولا الهدنة بينهما ستعالج الأزمات المحلية في بلدان هذه الجبهات، ولا المعارك المفتوحة بين إسرائيل ووكلاء إيران الذين يستعدون لمرحلة جديدة.

يقول كارل فون كلوزفيتز: «الحرب ليست سوى استمرار للسياسة بوسائل أخرى». الخروج من الردع إلى التفاوض في حسابات بقاء النظام كانت عبر مؤشرات بدأت تخرج من طهران بعدما هيمن المتشددون في «الحرس الثوري» بشكل مطلق على الاستراتيجية في أول أسبوعين من الحرب.

من ملامح هذه المؤشرات مواقف شخصيات تتمتع بعلاقات واسعة في الأوساط الدينية والسياسية والأمنية، معتدلون ضمن الهياكل المتشددة، محافظون لكن براغماتيين، قادرون على التواصل مع كل من المتشددين والتكنوقراط، وهم مفاوضون استراتيجيون ذوو خبرة في الدبلوماسية.

هؤلاء تسعى واشنطن للتواصل معهم وتحاول إسرائيل اغتيالهم مثلما فعلت مع علي لاريجاني. التحوّل الكبير الآن ليس بين واشنطن وطهران، بل في بداية افتراق المصالح الأميركية - الإسرائيلية في هذه الحرب. ترمب فاجأ تل أبيب بقرار وقف زخم الحرب ودرس احتمالات خفض التصعيد، كما أرسل أكثر الأصوات رفضاً للحرب داخل إدارته لإيصال هذه الرسالة إلى بنيامين نتنياهو، وهو نائب الرئيس جي دي فانس. انتقل الطرفان من الحرب إلى التفاوض بالنار عبر رفع استعراضي لسقف المفاوضات وتحديد متبادل لهويات المفاوض في الطرف الآخر بحيث واشنطن تفضل قاليباف وطهران تفضل جي دي فانس. هذه بداية لاستكشاف النوايا وإعادة بناء الثقة على وقع حرب مستعرة.

تُعرض لافتات تحمل صورة المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي بأحد شوارع طهران وسط الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران (رويترز)

ميزان الربح والخسارة

مفهوم الانتصار نسبي للطرفين؛ فمجرد البقاء على الطاولة ينظر إليه النظام الإيراني على أنه انتصار رغم الخسارات الكبيرة. بعد الحديث عن تغيير النظام في الأيام الأولى، حتى الطرف الإسرائيلي بدأ يتراجع عن هذا الخطاب بإيعاز أميركي بعدما أطلقت طهران العنان لجنونها وأصبحت المنظومة الأمنية تتصرف كميليشيا تستنزف أميركا ومصالحها، في حين إدارة ترمب تقود حرباً عسكرية تقليدية. ترمب الذي كان لا يمكن التنبؤ بأفعاله اعتمد «الحذر الاستراتيجي» في الرد، في حين النظام الإيراني المتردد في الردع أصبح خارج السيطرة. السرديات تغيرت. التركيز أصبح على من يسيطر على مضيق هرمز لا على تغيير النظام الإيراني. ترمب يفاوض بالنار والنظام الإيراني يردع بالبقاء. الجمود الدبلوماسي في «النووي» ينعكس الآن جموداً عسكرياً في الميدان، والخيار يتراوح بين إيجاد حلول عقلانية أو الانتقال إلى خيارات أكثر دراماتيكية. الطرفان يريدان إنهاء الحرب، لكن بشروط تساعدهما على تسويق وقف إطلاق النار داخلياً.

على الضفة الأخرى، من مصلحة موسكو وبكين عدم انتصار ترمب وسيطرته على كل منابع الطاقة وطرق الإمداد الرئيسية، وإيران جزء من هذا النزاع الدولي الأشمل على الموارد والنفوذ. إذا لم يستكمل ترمب المهمة، تخسر واشنطن بعضاً من صورتها بوصفها شرطي العالم وضامن الملاحة الدولية. ترمب لمّح إلى أنه في حال كان هناك اتفاق مع طهران سيدير مضيق هرمز مع المرشد الإيراني الجديد، ما يشبه سيناريو التنافس الاستراتيجي بين الصين والولايات المتحدة في بحر الصين الجنوبي.

لكن نصف تدخل عسكري أميركي مع تردد في التورط وهشاشة في تحمّل التبعات الاقتصادية يعطي الأفضلية للنظام الإيراني في المدى المنظور ويعزز سطوته الداخلية، مع تبعات طويلة الأمد على استعادة القوة والزخم ما لم يحدّه اتفاق واضح مع الغرب.


كوبا تقارع إرث «الكوماندانتي»... وأيتام ثورة رومانسية

كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
TT

كوبا تقارع إرث «الكوماندانتي»... وأيتام ثورة رومانسية

كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)

يقول المؤرخون إن الطاغية الكوبي فلوخنسيو باتيستا الذي هرب إلى الولايات المتحدة بعدما أطاحته الثورة مطلع عام 1959، لم يندم في حياته سوى على قرار واحد وهو العفو عن فيديل كاسترو بعد سنتين من اعتقاله عام 1953 لمشاركته في الهجوم الذي تعرّضت له ثكنة «مونكادا» العسكرية على يد مجموعة من الثوار.

قبل ذلك الهجوم كان فيديل، المتخرج حديثاً من كلية الحقوق في جامعة هافانا، تقدّم بشكوى ضد باتيستا لانتهاكه أحكام الدستور. لكن المحكمة رفضت الشكوى، ما دفع فيديل إلى القول إن ذلك الرفض يعطي شرعية للكفاح المسلح كسبيل وحيد لقلب النظام، وشارك مع مجموعة من رفاقه في التخطيط لسلسلة من الهجمات على عدد من الثكنات العسكرية، تمهيداً للدعوة إلى تمرد شعبي على النظام الذي كانت تدعمه وتموّله الإدارة الأميركية.

مؤيدون للتدخل العسكري الأميركي في كوبا يرفعون لافتة كتب عليها «كوبا التالية. فلنكمل المهمة» في فلوريدا في 24 مارس 2026 (أ ف ب)

بعد فشل تلك الهجمات ألقي القبض على فيديل وأودع السجن ليخرج منه بعد عامين بموجب عفو عام أعلنه باتيستا تحت وطأة الضغط الشعبي، وانتقل لفترة وجيزة إلى الولايات المتحدة حيث أوشك أن ينخرط كلاعب محترف في أحد نوادي البيسبول، لكنه ما لبث أن توجه إلى المكسيك حيث باشر بالتخطيط مع رفاق له لاجتياح عسكري ضد نظام باتيستا. وبعد حصوله على التمويل اللازم من مصادر متنوعة، عاد إلى كوبا على متن اليخت «غرامّا» برفقة 82 من الثوّار المسلحين، بالتنسيق مع مجموعة أخرى في الداخل كانت تخطط للسيطرة على سانتياغو، ثاني المدن الكوبية.

لكن الإنزال البحري فشل، ولم ينجُ من الثوار سوى فيديل وعدد ضئيل من رفاقه، بينهم شقيقه راؤول وتشي غيفارا، وانتقلوا إلى سييرا مايسترا حيث أعادوا تنظيم صفوفهم، وبدأت حرب العصابات ضد النظام، التي برز خلالها تشي غيفارا، خصوصاً في معركة «سانتا كلارا» الشهيرة، إلى أن سقط باتيستا وفرّ من كوبا بعدما انقلب عليه عدد من كبار ضبّاط القوات المسلحة.

بعد سقوط باتيستا، دخل فيديل إلى هافانا فجر اليوم الثامن من عام 1959 دخول الفاتح الذي سينقذ كوبا من «عفن الفساد والتخلف والتبعية المفرطة للولايات المتحدة»، التي كانت حوّلت «لؤلؤة الكاريبي» إلى مرتع لعصابات الإجرام والدعارة والمخدرات وزعماء المافيا مثل لوكي لوتشيانو ورفاقه، حتى قال عنها آرثر شليسنغر مستشار الرئيس الأميركي الأسبق جون كيندي: «كنت شغوفاً إلى حد بعيد بهافانا، لكني شعرت بصدمة كبيرة عندما رأيت هذه المدينة الرائعة وقد تحولت إلى كازينو واسع وماخور لرجال الأعمال الأميركيين الذين كانوا يتجولون في شوارعها برفقة فتيات في الرابعة عشرة من العمر، ويرمون قطع النقود في أقنية الصرف لمجرد مشاهدة الرجال يركضون لالتقاطها. وكان لا بد أن أسأل نفسي السؤال التالي: هل يمكن أن ينظر أهل الجزيرة إلينا إلا بعيون النقمة والحقد؟».

فيدل كاسترو... حاول الأميركيون إطاحته في إنزال خليج الخنازير وبسيجار وقلم مسمومين وببدلة غوص ملوثة ببكتيريا السل (أرشيف نيويورك تايمز)

الصعود إلى السلطة

منذ تسلّمه السلطة في ذلك العام، حتى رحيله خريف عام 2016 بعدما نكث بكل الوعود التي كان قد قطعها في بداية الثورة مثل إجراء انتخابات حرة والتناوب على الحكم، كان فيديل كاسترو قد ترك بصماته العميقة على حياة ثلاثة أجيال من الكوبيين، وألهم عشرات الحركات التحررية في أميركا اللاتينية والعالم، ووضع قطبي الحرب الباردة على شفا أول صدام نووي في التاريخ بعد أزمة الصواريخ الشهيرة التي أشعلت المواجهة السياسية بين واشنطن وموسكو.

حكم كاسترو بلاده بقبضة من حديد، متفرداً في السلطة والقرار، ومستنداً إلى قدرة خطابية نادرة، ورمزية ثورية عالية كانت محط إعجاب اليساريين والحركات الثورية في العالم. وفي عهده، حققت الثورة الكوبية إنجازات مبهرة في مجالات التعليم والصحة والأمن والبحوث، لكنها وقعت أيضاً في فخ الاعتماد المفرط على الاتحاد السوفياتي عندما تعرّضت لحصار أميركي خانق لا يزال مستمراً إلى اليوم، وفشلت في تطوير قطاعاتها الإنتاجية وتنويعها، وتخلّت عن كل الوعود بضمان الحريات الفكرية والسياسية، وتحوّلت أجهزتها الأمنية إلى أدوات ترهيب وقمع تنكّل بالأصوات المعارضة التي تطالب بالمحاسبة.

صور الزعيم الكوبي فيديل كاسترو والرئيس الفنزويلي الأسبق هوغو شافيز عند مدخل مبنى في هافانا (أ ب)

وعندما انطفأ «الكوماندانتي» أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 بعد نصف قرن تقريباً من الحكم المطلق، أي تماماً في الذكرى السنوية الستين لانطلاق الثورة، كان أرسى دعائم نموذج اقتصادي اشتراكي هزيل الإنتاج، وضرب بسيف ستالين كل منافسيه وأعدائه الذين جرّدهم من المال والحرية، وكانت هوية الجزيرة قد ذابت كلياً في صورته ولحيته الشهيرة، وسبابته التي اعتاد أن يرفعها خلال خطبه الطويلة مفاخراً ومتحدياً.

رحل فيديل من غير أن يترجّل يوماً عن صهوة أحلامه «الدون كيشوتية»، محاطاً بهتافات ودموع الذين رفعوه فوق مراتب الشك والمساءلة، وأيضاً بصمت ولعنات الضحايا الذين سقطوا بالآلاف على «طريق الثورة».

شارع في وسط هافانا - كوبا (أ.ف.ب)

آليات صمود «دون كيشوتي»

عاد المراقبون لطرح السؤال نفسه الذي كانوا بدأوا يطرحونه عند مغارب القرن الماضي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وانقطاع الشريان الأبهر الذي كان يمدّ كاسترو بالدعم السياسي والدبلوماسي والمساعدات الحيوية: كيف استطاع النظام أن يصمد طوال تلك الفترة من غير حليفه التاريخي وتحت وطأة الحصار الأميركي؟

كثرت التحليلات السياسية والاقتصادية للإجابة عن هذا السؤال، وتوافقت على مجموعة من الأسباب، أبرزها: أولاً، الطبيعة المحلية الصرفة للثورة التي توفرت كل عناصرها ونضجت في كوبا، ولم تفرضها الدبابات السوفياتية، ما أعطى نظام كاسترو هامشاً واسعاً من الاستقلالية في التحرك الدبلوماسي إزاء موسكو التي كانت تحتاج إليه في الحرب الباردة بقدر ما كان هو يحتاج إليها.

يضاف إلى ذلك أن صيرورة الثروة، بخاصة النصر الذي حققه الثوار على قوات النظام المتفوقة بالعدة والعديد، أضفى عليها مسحة روائية وشبه سينمائية كما كان يقول غابرييل غارسيّا ماركيز. ثانياً، شخصية كاسترو التي لا قرين لها في التاريخ الأميركي اللاتيني، التي تجاوزت شخصيات أخرى تاريخية في المنطقة مثل سيمون بوليفار في فنزويلا أو أميليانو زاباتا في المكسيك. ثالثاً، فشل المحاولات العديدة التي قامت بها الولايات المتحدة لإسقاط النظام، بما في ذلك عشرات المخططات لاغتيال كاسترو كما اعترفت وكالة الاستخبارات الأميركية، والحصار الاقتصادي الخانق الذي ضربته عليها منذ بدايتها. ورابعاً، المساعدات الاقتصادية الضخمة التي قدمها الاتحاد السوفياتي للنظام في العقود الثلاثة الأولى من عمر الثورة وحتى نهاية الحرب الباردة.

عامل نظافة يكنس طريقاً في وسط العاصمة الكوبية هافانا بعد ليلة كاملة من انقطاع الكهرباء التام في الجزيرة (أ.ف.ب)

في سبعينات وثمانينات القرن الماضي لعبت الثورة الكوبية دوراً كبيراً ساعد على ظهور الحركات التحررية في أميركا اللاتينية وبعض دول العالم الثالث، ومدّها بالخبرات العسكرية والمساعدات الاجتماعية في مجالات التعليم والصحة، ما زاد في وهجها وأضفى عليها هالة شبه أسطورية من حيث قدرتها على الصمود. وقد برع النظام الكاستري في بناء هوية وطنية قوية انطلاقاً من وعي قومي كان ضعيفاً وملتبساً، ونجح بنسبة عالية جداً، خلافاً لما حصل في الولايات المتحدة، في صهر روافد الهجرة الأفريقية ضمن هذه الهوية التي تألق في وصفها شاعر كوبا الكبير خوسيه مارتي الذي اقتبس باراك أوباما من إحدى قصائده عبارة «فلنزرع وردة بيضاء»، لافتتاح خطبته الشهيرة في زيارته التاريخية إلى الجزيرة لتطبيع العلاقات ربيع عام 2016، أي قبل أشهر من وفاة فيديل.

درّاجان يعبران بجدارية للزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو وخلفه راوول كاسترو والرئيس الحالي ميغيل دياز كانل في وسط هافانا (أ ب)

تغذية العداء لأميركا

كما نجح كاسترو أيضاً في توظيف المشاعر المناهضة للولايات المتحدة حتى أصبحت عنصراً أساسياً من مكوّنات الهوية الوطنية في كوبا، وبعض البلدان الأخرى في المنطقة، وهو ما كانت فشلت في تحقيقه معظم الدول الأميركية اللاتينية، إما بسبب من بعدها الجغرافي، أو لقربها، مثل المكسيك التي تتوفر فيها كل العوامل التي من شأنها أن تؤجج المشاعر المناهضة للجارة الشمالية بعد الهزائم العسكرية التي أصابتها والأراضي الشاسعة التي اقتطعتها منها الولايات المتحدة. ومع الصورة السلبية التي شاعت عن الولايات المتحدة في مطالع هذا القرن، استمرت المشاعر المناهضة لها مشتعلة في أميركا اللاتينية، ساعد على تأجيجها هوغو تشافيز، ناهلاً من مشارب كاسترو، رغم أنه بقي دون المستوى الذي بلغه الزعيم الكوبي.

من العوامل الأخرى التي ساعدت على صمود الثورة الكوبية، براعة فيديل في قراءة التاريخ السياسي والفكري لكوبا وأميركا اللاتينية برمتها، وما كان له من قدرة على ملء الفراغ الذي عجز عنه بوليفار، إذ لعب دور الأب المؤسس لحركات التحرر في المنطقة، والمشخّص لآفاتها، والمنظّر الذي كان يقدّم الحلول والعلاجات استناداً إلى الإنجازات الاجتماعية الباهرة التي حققتها ثورتها في أصعب الظروف. وكان شعبوياً بقدر ما كان مثقفّاً، استقطب حوله كوكبة من كبار رموز الأدب الأميركي اللاتيني كان أبرزهم صديقه الشخصي المقرّب غابرييل غارسيا ماركيز، رغم أن العديد منهم ابتعد عنه في السنوات الأخيرة من حكمه مثل الراحل فارغاس يوسا. ولم يكن مستغرباً أن معظم خصومه في المنفى كانوا لا يترددون في التنويه بقدرته الفائقة على استغلال مواطن الضعف عند أعدائه.

مواطنون كوبيون يترقبون وصول الباخرة «ماغورو» المبحرة من المكسيك والمحمَّلة بالمساعدات الغذائية في 24 مارس 2026 (أ.ف.ب)

إنجازات دونها حبة «باراسيتامول»

كان كاسترو يفاخر دوماً بالإنجازات التي حققتها ثورته التي أرسلت آلاف الأطباء لمساعدة عشرات البلدان في أفريقيا وأميركا اللاتينية في القضاء على أمراض كثيرة متوطنة، ويتباهى كيف أن مئات الأميركيين والأوروبيين كانوا يسافرون إلى كوبا للمعالجة على يد أخصائيين كوبيين، وكيف أن نظام التعليم في الجزيرة كان يضاهي أفضل النظم في العالم، وكيف أن أطفال كوبا وحدهم في أميركا اللاتينية لا يعانون من نقص التغذية، وكيف كانت كوبا تصنّف بين المراكز العشرة الأولى في الألعاب الأولمبية. لكن الوجه الآخر لهذه العملة البرّاقة، كان أن الدولة التي حققت كل تلك الإنجازات الصعبة بقي اقتصادها هزيلاً ويعتمد بشكل أساسي على المساعدات الخارجية، وفشلت في تحقيق معدلات النمو التي كانت تحققها البلدان المجاورة. والسبب في ذلك، كما اعترف النظام لاحقاً، هو أن تلك الإنجازات لم تترافق مع الارتفاع المناسب في معدلات الاستثمار الصناعي والزراعي والتكنولوجي وفي البنى التحتية، فضلاً عن فشل النظام في توظيف الإنجازات التعليمية لتنشيط عجلة الإنتاج وتحويل الاستثمارات الاجتماعية إلى محرّك لزيادة الإنتاجية، حتى في المرحلة التي كانت لا تزال الاتفاقات قائمة مع الاتحاد السوفياتي.

صور للزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو معروضة في إحدى مدارس هافانا (أ.ب)

لكن بعد عشر سنوات على رحيل «الكوماندانتي»، لم يعد العالم يتساءل كيف تمكنت الثورة الكوبية من الصمود كل هذا الوقت في الظروف الصعبة التي نعرفها، بل متى سينهار نهائياً هذا النظام كالثمرة الجافة من شجرة التاريخ؟ وما الذي بقي من كاسترو وأسطورته؟

شوارع هافانا تضجّ بالفراغ والعتمة منذ أشهر، فيما سكانها يجرّون أنفسهم كل يوم وراء سراب الرزق المجبول بعقود من العذاب والشحّ في كل شيء، والشعارات التي بهتت من كثرة ما اجترّها النظام لتبرير فشله في الحفاظ على منجزات كان العالم يوماً يحسده عليها، مصرّاً على قمع كل الحريات التي وعدت بها تلك الثورة التي أضاءت دروب الملايين وأصبحت اليوم جسماً متهالكاً ينتظر من يوقّع شهادة وفاته أمام الجار الأميركي الذي يُحكم آخر فصول الحصار على الجزيرة المتمردة. حياة الكوبيين اليومية باتت أشبه بجلجلة من الحواجز والتعقيدات التي لا نهاية لها، بحثاً عن الطعام، أو سعياً وراء وسيلة نقل، أو معلومات لمعرفة ماذا سيحصل في اليوم التالي. النظام لا يفصح عما إذا كان يتفاوض أو لا مع الإدارة الأميركية، ولا أحد يعرف متى سيعود التيار الكهربائي، أو إذا كانت الجزيرة ستغرق في كارثة إنسانية إذا لم تصل شحنات الوقود الموعودة، أو إذا كانت البلاد على شفا تغيير للنظام، أو إصلاحه تدريجياً بفعل الضغط الأميركي، أو إذا كانت كوبا هي التالية بعد فنزويلا وإيران.

مواطنون كوبيون ينتظرون دورهم لتعبة مياه الشفة في هافانا خلال انقطاع تام للكهرباء في كافة أنحاء البلاد (أ ف ب)

لم يعد في كوبا شيء من الذي كان تشي غيفارا يتغنّى به، أو من الذي كان غارسيّا مركز يمتدحه في مقالاته، ولا مما كان يفاخر به أمام العالم فيديل كاسترو الذي لم يتبقّ منه ومن إرثه الثوري سوى شذرات أسطورة لن يحكم التاريخ بالبراءة عليها بعد أن ذابت فيها الثورة، وإنجازاتها، وأحلامها.

وقبل أن تغادر الجزيرة التي اخترت يوماً أن تكون أطروحتك حول ثورتها وقائدها الملهم، يعترضك كهل في طريق العودة إلى الفندق ليسألك إن كنت تحمل أقراص «باراسيتامول» لمداواة آلام الركب... تلك هي نهاية الفيلم الكوبي الرومانسي الطويل.


القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
TT

القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)

دخل قرار الحكومة اللبنانية القاضي بحظر النشاط العسكري والأمني لـ«حزب الله» مرحلة التطبيق العملي، عبر قيام القضاء العسكري بفتح ملفات قضائية بحق عناصر ضُبطوا وهم ينقلون أسلحة غير مرخصة وصواريخ باتجاه الجنوب. ويعكس هذا المسار تحوّلاً قضائياً في مقاربة الدولة لملف السلاح غير الشرعي، بعد تعثر الأسبوع الماضي أدى إلى الإفراج عن موقوفين بكفالات رمزية، ما انعكس على العلاقة بين الأجهزة القضائية.

وفي خطوة اعتبرت مؤشراً على بدء مرحلة مختلفة، ادعى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم، الاثنين، على أربعة عناصر من الحزب، بعد توقيفهم أثناء نقل أسلحة وصواريخ، وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول القاضية غادة أبو علوان لاستجوابهم واتخاذ الإجراءات المناسبة بحقهم.

هامش قضائي واسع

في الشكل، قد تبدو هذه الإجراءات روتينية ضمن صلاحيات النيابة العامة العسكرية، إلا أن مضمونها يعكس تبدلاً في أسلوب التعامل القضائي مع ملفات ترتبط بـ«حزب الله». فالقضاء الذي كان يتحرك بحذر شديد في قضايا تمسّ الحزب أو حلفاءه، يبدو اليوم أمام هامش أوسع، في ظل القرار السياسي الذي صنّف النشاط العسكري والأمني للحزب خارج إطار الشرعية القانونية.

ادعاء مفوض الحكومة على عناصر «حزب الله» الأربعة استناداً إلى المادة 72 من قانون الأسلحة التي تعاقب على نقل وحيازة الأسلحة غير المرخصة، يبدو مفهوماً في بعده القانوني. إلا أن اللافت في الادعاء كان توجيه اتهام أشد خطورة لاثنين من الموقوفين استناداً إلى المادة 288 من قانون العقوبات، وهي مادة جنائية تعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة كل من يقوم بأعمال من شأنها تعريض لبنان لخطر أعمال عدائية أو الإضرار بعلاقاته مع دولة أجنبية.

لبناني يرفع علم «حزب الله» في بلدة النبي شيت في شرق لبنان حيث قام الجيش الإسرائيلي بإنزال وأمطر البلدة بقصف كثيف موقعاً عشرات القتلى والجرحى (أ.ف.ب)

وتنصّ المادة 288 من قانون العقوبات على «المعاقبة بالاعتقال المؤقت لكل من يخرق التدابير التي اتخذتها الدولة للمحافظة على حيادها في الحرب، أو يقدم على أعمال أو كتابات أو خطب غير مجازة من الحكومة من شأنها تعريض البلاد لخطر أعمال عدائية أو تعريض اللبنانيين لأعمال ثأرية». ويعطي إدراج هذه المادة في الادعاء بعداً سيادياً للملف، إذ يضع القضية في إطار «الجرائم التي تمس أمن الدولة»، وليس فقط ضمن إطار حيازة السلاح غير المرخص.

نقل صواريخ

وفي تبرير لاتهام عنصرين للحزب بجناية، يؤكد مصدر قضائي لـ«الشرق الأوسط» أن اثنين من الموقوفين الأربعة «أوقفا في بلدة كفرحونة في جبل لبنان، بعدما ضبطت بحوزتهما 21 صاروخاً في طريقها إلى الجنوب، في خطوة اعتُبرت مخالفة صريحة لقرارات الحكومة والقوانين المرعية الإجراء».

ويشير المصدر إلى أن القاضي كلود غانم «اعتمد هذه المرة مقاربة مختلفة في مسار الملاحقة، إذ ادعى على الموقوفين الأربعة وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول طالباً استجوابهم وإصدار مذكرات توقيف وجاهية بحقهم، استناداً إلى مواد الادعاء»، لافتاً إلى أن هذه الآلية القضائية «ستؤدي عملياً إلى إطالة مسار الإجراءات، ما يعني إبقاء المدعى عليهم قيد التوقيف إلى حين استكمال التحقيقات».

ويأتي هذا المسار مختلفاً عمّا حصل في ملف سابق شمل عنصرين من الحزب، حيث جرى الادعاء عليهما وإحالتهما مباشرة إلى المحكمة العسكرية، حيث اكتفت الأخيرة بتغريم كل منهما مبلغ 10 دولارات أميركية وإطلاق سراحهما فوراً، في إجراء أثار انتقادات واسعة.

توسيع دائرة التحقيقات

بحسب المصدر القضائي، فإن الهدف من إحالة الملف إلى التحقيق الاستنطاقي «هو توسيع دائرة التحقيقات لكشف ملابسات نقل الصواريخ والأسلحة، ومعرفة ما إذا كان الموقوفون يتحركون بقرار مستقلّ، أو بتكليف مباشر من الجهة الحزبية التي ينتمون إليها»، في إشارة إلى «حزب الله».

وتندرج هذه القضية في سياق سلسلة عمليات نفذتها الأجهزة الأمنية خلال الأسبوعين الماضيين، أسفرت عن توقيف عناصر من الحزب أثناء تنقلهم بأسلحة فردية أو رشاشات أو أثناء نقل عتاد عسكري بين مناطق مختلفة. غير أن التطور الأبرز في الملف الأخير يتمثل في طبيعة السلاح المضبوط، أي الصواريخ.

وترى مصادر حقوقية متابعة للملف أن تكثيف إحالة هذه القضايا إلى القضاء العسكري «يعكس بداية مرحلة مختلفة في علاقة الدولة مع سلاح (حزب الله)، خصوصاً بعد القرار الحكومي الذي وضع إطاراً قانونياً واضحاً لحظر نشاطه العسكري والأمني خارج مؤسسات الدولة». وتؤكد المصادر لـ«الشرق الأوسط»، أن القضاء العسكري «وضع نفسه أمام اختبار حقيقي لمدى قدرته على تطبيق قرارات الدولة وملاحقة المخالفين لها»، مشيرة إلى أن التحقيقات الاستنطاقية التي تجريها القاضية غادة أبو علوان «ستشكل مؤشراً مبكراً على المسار الذي ستسلكه الدولة في التعامل مع ملف السلاح غير الشرعي في المرحلة المقبلة».