جناية التوزيع العادل لرأس المال الثقافي

مفردة «أدب» بكل حمولاتها الإبداعية تراجعت مقابل كلمة «كتابة» بكل دلالاتها المجانية

تزفيتان تودروف  -  هارولد بلوم  -  تيري إيغلتون
تزفيتان تودروف - هارولد بلوم - تيري إيغلتون
TT

جناية التوزيع العادل لرأس المال الثقافي

تزفيتان تودروف  -  هارولد بلوم  -  تيري إيغلتون
تزفيتان تودروف - هارولد بلوم - تيري إيغلتون

الأدب في خطر، صرخة تحذيرية أطلقها تزفيتان تودروف، رثاءً لما تبقى من وجود اعتباري للأدب. الأدب المعبّر عن الكينونة الإنسانية، عندما كانت الأسماء الأدبية تنسج التاريخ الوجداني للبشر وتتموضع في مصاف عباقرة الكيمياء والرياضيات والفلك، وقبل أن يتأرشف أولئك الأدباء وآثارهم الخالدة في رفوف الذكرى. وقد أراد من خلال تلك الانتباهة إدانة فكرة الفصل بين الخطاب الأدبي وحركية الحياة من خلال العملية التربوية التعليمية التي شوهت الأدب واستغنت عنه. والتلويح بخطورة اضمحلال الأثر الأدبي في فهم واقع ومآل البشر، حيث جاءت نداءاته ضمن سياق ممتد في الزمان والمكان لمفكرين استشعروا منذ زمن بعيد حتمية انطفاء جذوة النصوص التأسيسية، ذات الطابع التثقيفي المعرفي، حسب إيتالو كالفينو، الكتب التي تختبئ في ذاكرة ووعي الفرد، الكتب التي تختزن الخبرة والطاقة لإعادة قراءتها. الكتب التي فهرسها هارولد بلوم في كتابه الشهير «المعتمد الغربي»، وأرخ فيها من الوجهة الغربية لعيون التراث الغربي تحت ما سمّاه «الأسفار»، قبل أن تنقلب المعادلة لصالح حركة ثقافية مضادة للنخبوي والمعياري من النصوص والرموز.
كان ت. س. إليوت قد طرح سؤاله المتشظي حول ما تبقى من قيمة للنصوص المعيارية، الاختراقية للزمان والمكان والثقافات، بما تحمله من المعاني المؤجلة، ضمن بحثه عن قوانين لعبة الكمال والخلود للآثار الأدبية الكبرى، حيث اشتغل على مفهوم المعادل الموضوعي. وذلك في إطار السجال حول حُكم القيمة. كما نبّه إلى أن الحفاظ على الطبقات الاجتماعية مهمة لا غنى عنها في عملية نقل وتناقل الثقافة، وأنه بدون «طبقة عليا» لا يمكن ضمان استمرار الثقافة الراقية. وعلى هذا الأساس تنبأ بموت النوع الأدبي الرفيع بالنظر إلى تفكك الطبقات. إذ بانهيار ذلك السلم الاجتماعي، ستتضاءل قيمة الأدب على مستوى الإنتاج والتلقي، وذلك من المنظور الكلاسيكي. وهي نبوءة صارت محل الحقيقية اليوم، إذ لا نصوص معيارية كتلك التي عرفها الإبداع الإنساني في الماضي، حيث أجهزت الدراسات النقدية الثقافية على ما تبقى من ذلك المفهوم بتدمير بُعد القيمة الأدبية لصالح التنوّع والتعدّد والتشظي، واضطراب مفهوم القيمة النوعية والجمالية. وذلك بدخول نصوص الهامش إلى فضائي: القراءة والنقد، على إيقاع ما بعد حداثي. وبذلك تساوى شكسبير مع أي كاتب مدونات اليوم في ميزان القراءة المنفلتة من معايير قيم الجمال المكرّسة.
هكذا انمسحت الخطوط الفاصلة ما بين النخبوي والجماهيري في الثقافة على إيقاع ما سمّاه هربرت ماركوز، موجة «المساواة الثقافية»، وذلك في كتابه «الإنسان ذو البعد الواحد». عندما قال بأن المجتمع المعاصر يميل إلى إلغاء امتيازات الثقافة الإقطاعية والأرستقراطية وميزاتها وإلى إلغاء مضمونها في آن، «فلئن كانت حقائق الفنون الجميلة المتعالية وجماليات الحياة والفكر وقفاً على جمهور غني ومثقف، فهذا لأن المجتمع كان مجتمع قمع». بمعنى أن المزاج الديمقراطي العام نجح في تعميم الثقافة، ومكّن كل الناس من الذهاب إلى المسرح والحفلات الموسيقية من غير اضطرار إلى تلبّس الصفات الأرستقراطية وارتداء الملابس الرسمية. وهو انقلاب في جوهر معنى الحرية الذي صار يسترفد كل نأمة في سياق زحزحة النظام الطبقي. وبذلك تابع الفن حياته على هذا المنوال في القرن التاسع عشر ومستهل القرن العشرين - بتصوره - في إطار «دقرطة وتشعيب الثقافة الرفيعة». أي إنزال ثقافة الصالون والمسرح والأوبرا من عليائها إلى أرضيتها الشعبية الديموقراطية، وإعادة وصلها بالواقع لئلا «تتعالى على التجربة اليومية وتقيِّمها». وبمقتضى ثورات المجتمع التقني ألغيت المسافة ما بين الفنون والنظام اليومي.
في ذلك السياق، تحولت الثقافة إلى قيمة ديموقراطية، في حقل التعليم على وجه الخصوص، حيث تأتت إمكانية الوصول المجاني والمتساوي إلى المعلومة. وبموجب ذلك التحول النوعي، أعيد تقسيم «الرأسمال الثقافي» بتعبير بيير بورديو. إذ صارت آداب السلوك والأفكار متاحة للجميع، بما في ذلك فرصة الحصول على الشهادة، وبالتالي اكتساب «الرأسمال الاجتماعي». بمعنى أن الثروة الثقافية أصبحت ميراثاً مشتركاً. وهو الأمر الذي أدى إلى استخدام الثقافة استخداماً اجتماعياً بغية الوصول إلى مواقع السلطة. والمفارقة هنا - بتصور بورديو - أن الرأسمال الثقافي تكمن قوته في ندرته، أي في تمركزه عند فئة طبقة، إلى أن تمكنت المجتمعات الحديثة من توزيع تلك الثروة، ففقدت تلك الطبقات قدرتها وتمايزها. بمعنى أن الثقافة صارت ملكة عامة. في كل ميادين الهيمنة الثقافية: الفن، والأدب، والإعلام، والجامعات، وصولاً إلى الشارع الذي فرض ثقافته الشعبية الملتبسة بالسوقية.
عند ذلك المفصل أصبح العالم أمام ثقافة الجماهير بكل تجلياتها وأساطيرها الحديثة. وما تلاها من مظاهر مجتمع الاستهلاك. حيث تولدت في إطار ذلك التحول ثقافة «البوب» المتأتية في الأصل من تصغير كلمة «الشعبي» (Popular)، والمتمدد في كل حقول الفن والأدب كالأغنية واللوحة والموضة، إلى أن تحالفت بشكل تلقائي مع مقتضيات الحقل التجاري، على إيقاع الدعم الهائل من وسائل الاتصال الحديثة والتداخل مع الأنظمة التقنية. وصولاً إلى عولمتها ضمن كرنفال كوكبي. كان بمثابة الإعلان عن ثقافة شعبية مقابل ثقافة النخبة، أو تلك الثقافة المعيارية المنذورة للخلود. ثقافة استهلاكية نيئة مستعجلة زائلة، معاندة لثقافة العقلانية والتأمل والتأوين داخل الزمان والمكان. وإن لم تكن تلك الهبّة الشعبية قد صنّفت تمظهراتها الصاخبة في سياق الثقافة.
وبمجرد أن أطل عصر ما بعد الحداثة تبدت الأشكال الاستهلاكية الجديدة كعنوان لها. حيث تم تفكيك الرأسمال الثقافي، وتدمير ما يُعرف بثقافة «المُثُل» من خلال تصعيد فلسفة الشك والحد من سطوة العقلانية. وبذلك برزت ثقافة الشارع بكل تمظهراتها الفاعلة في الفضاء العمومي كرد مؤجل على ثقافة الصالون بكل معانيه التربوية والتعليمية والآيدلوجية والطبقية. بمعنى أن الثقافة الشعبية في طورها ذاك كانت تمثل حالة تمرد فنية ورمزية بقدر ما هي صورة من صور التمرد الاجتماعي. وهنا يكمن السر في رغبتها لتدمير أصنام النخبة في كل الحقول الإبداعية. وقدرتها على احتلال الفضاء العام وطمس مظاهره بهويتها. فالفنون والكتابات التي كان يُنظر إليها كتيارات أدبية وفنية قاصرة، أو هدامة اجتماعياً تم استدماجها في السياسات الوطنية، وغادرت مواقعها كحركات عنف اجتماعي إلى سياق الجماليات الثقافية. وذلك عبر نظام تهجيني ساوى ما بين الآثار الأدبية الخالدة والثقافة الشعبية بشكلها السوقي.
ذلك الاضطراب المعياري الذي تدحرجت السجالات حوله من الصروح الأكاديمية إلى الفضاء العام، هو الذي جرأ قُراء وكُتّاب اللحظة على التعامل بخفة مع تلك النصوص التي ظلت لزمن على درجة من الصلابة الأدبية. حيث بدا ذلك على درجة من الوضوح في الهجوم المجاني المتكرر على ديستويفسكي ونجيب محفوظ ودانتي وغيرهم. وهي غارات تبخيسية موثقة في سجل مدونات الجيل الجديد من القراء، ومواقع التواصل الاجتماعي كـ«فيس بوك» و«تويتر»، ومنصات القراءة المشهورة مثل «غود ريد»، بما تحتويه من تقويمات قرائية استخفافية برموز أدبية كان من الصعب المس بقيمة منجزها. وذلك على إيقاع اختفاء الناقد كوسيط بين القراء والأعمال الأدبية، وضمن لحظة ديموقراطية فرضت سطوتها على كل مناحي الحياة، بما في ذلك حالة التماس مع الأدب. ومع ظهور جيل محقون بأوهام القدرة ليس على تقويم الآثار الأدبية الكبرى وحسب، بل إنتاج نصوص مستمدة من الخواطر واليوميات المعلبة في مدونات تحتفي بالعادي كاستحقاق فرداني لذات متخففة من الآيدلوجيا والبلاغة والجماليات والرصانة الأدبية. وهو مآل لا يقتصر على ميليشيا الثقافة الشبابية وحسب، بل يشمل طقس اللحظة بشكل عام.
بمقتضى ذلك الأفول التدريجي للأصول الأدبية التأسيسية، لم يعد للمعلقات السبع أي قيمة معيارية في الفضاء العام مقابل نصوص نثرية لشاب يتدرب على الكتابة، فقد صار يُنظر إلى أي شكل من أشكال الكتابة بوصفها أدباً، وذلك من المنظور الرثائي الذي أبداه تيري إيغلتون إزاء تلك التحولات الدراماتيكية. لدرجة أن مفردة «أدب» بكل حمولاتها الإبداعية تراجعت مقابل كلمة «كتابة» بكل دلالاتها المجانية. وهذا هو ما يفسر تفشي كتابة السرديات متناهية القصر، التي تضج بها مواقع التواصل الاجتماعي، إلى جانب الفلاشات الشعرية الشذرية، والأفورزمات، والبرقيات، والاستشهاد بعبارات مستلة من الأفلام، وترديد الأقوال السطحية اللاموثقة من مواقع الاقتباسات. إذ لا طاقة لكُتّاب وقراء اللحظة على إنتاج أو استقبال الأعمال الأدبية المعيارية، لولا ذلك الاستثناء القليل، ولا يمكن إعادة الاعتبار لآثار أدبية رفيعة وسط ضجيج الشارع الذي يفرض لغته وأسلوبه وقيمه. حيث يمكن أن يُسجل كل ذلك في سياق انقلاب ديمقراطية الذوق ضد ما عُرف بدكتاتورية الحداثة المفلسة، وإرهاب الأدب الطليعي. بعد تدمير سلطة المتحف والصالون وأرستقراطية الاقتناء، وحتى منطق السوق وضروراته. أي الذهاب إلى تمجيد الزائل وتضئيل قيمة الجليل.
- ناقد سعودي



«نوبل الآداب» للكندية آن كارسون

آن كارسون (رويترز)
آن كارسون (رويترز)
TT

«نوبل الآداب» للكندية آن كارسون

آن كارسون (رويترز)
آن كارسون (رويترز)

تُوّجت الأديبة الكندية آن كارسون بجائزة نوبل للآداب، أمس (الخميس)، لتجربتها التي وُصفت بأنها «متفردة» وتمتد عبر ما يقرب من نصف قرن في الاشتغال على الشعر والترجمة وبحوث اللغة والتاريخ والأدب، فضلاً عن دورها في الحياة الأكاديمية باحثة ومحاضرة متخصصة في الآداب القديمة، لا سيما الأدب الإغريقي.

وبحسب نقاد ومتابعين، فإن أبرز ما يميز تلك التجربة هو براعة كارسون في «تكسير القواعد الأدبية المتعارف عليها»، حيث تخطت الحدود التقليدية التي تفصل بين الأنواع المختلفة، وجاءت أعمالها مزيجاً من القصيدة الشعرية والسرد القصصي وكتابة اليوميات والتأملات المفتوحة.

وتهيمن على نصوص الأديبة الكندية ثيمات الفقد والحزن عبر لغة مرهفة تمس الوجدان وتحلل الواقع المعاصر مع استلهام خاص لأجواء الأساطير اليونانية القديمة، وهو ما عدّه كثيرون «الوجه الآخر» لمسيرتها الأكاديمية الصارمة وبحوثها المخلصة وترجماتها الدؤوبة، وهو ما يتجلى في كثير من أعمالها، لا سيما «نوكس»، و«إيروس» و«الحلو المر».


محمد الفرج... يحمل الأحساء في حقيبة الذاكرة إلى لندن

من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
TT

محمد الفرج... يحمل الأحساء في حقيبة الذاكرة إلى لندن

من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)

محمد الفرج فنان سعودي يحمل موطنه معه في كل أعماله، يعبر عن بيئة الأحساء التي نشأ فيها بالصور والأفلام القصيرة وبالرسم وبالأعمال التركيبية، يرسم نخلات رشيقات بالفحم على الجدران ويستخدم تراب الواحة الغنية ويحوّله لعناصر حية تتشكل أمامنا وتختزل تلك العلاقة الأبدية ما بين الفنان وموطنه.

في معرضه الفردي الأول في لندن، الذي يحمل عنوان «القلب عش طير والعقل شبكة عنكبوت» يعزف محمد الفرج على النغمات الأثيرة لديه وينجح في جذب الزوار لتلك الواحة الغنية التي توجتها الطبيعة بأشجار النخيل الباسقة.

من العنوان يبدأ الفرج في حكاية قصص أعماله التي ينسجها من خيوط الذاكرة والمشاعر والقصص، الجزء الأول من العنوان، «القلب عش الطير»، يعبر عن الدفء والانتماء، بينما العقل، «شبكة العنكبوت»، ينشغل بالأفكار وتشابكاتها وتفريعاتها. بعنوان مثل هذا خارج من قلب الطبيعة يبدأ الفرج الرحلة معنا لاستكشاف معرضه.

من الأعمال في المعرض (الشرق الأوسط)

صور الذاكرة

يتحدث الفنان عن عمل يشغل مساحة ضخمة في العرض وهو عبارة عن مجموعة من الصور الفوتوغرافية الضخمة الموضوعة على الأرض بشكل متسق وفي الخلفية صورٌ أخرى تحتل جدار بأكمله.

تحتل صورة بالأسود والأبيض أغلب مساحة الجدار الخلفي، تصور أحد شوارع مدينته، نرى المباني والأشجار على جانب الطريق، هناك سيارات، ولكنها محجوبة بفعل صور أخرى موضوعة أمامها، تتقاطع صور الشارع مع صورٍ أخرى صغيرة مثبّتة فوقها؛ إحداها لمنظر غروب، وأخرى لطائر، وثالثة لشخص يتسلّق نخلةً لجني ثمارها.

صور من الذاكرة (الشرق الأوسط)

نعبر ببصرنا من الخلفية للمقدمة حيث تتناول بقية الصور مشاهد حياتية منها صور لنساء وأطفال على الشاطئ، رجل يجلس في غرفة تقليدية الطراز ولقطات أخرى.

يحمل العمل عنوان «كل ما أملكه هو هذه الإطارات، وأخشى أن أرمش فأفقدها»، يعبر عن الذاكرة ومحاولة الاحتفاظ بها. يصف الفنان الذكريات بأنها مثل «حفنة الرمل التي تتسرب من بين أصابعنا»، ويلجأ للكاميرا لمحاولة تجميد تلك اللحظات في صور، يقول: «أسرتني فكرة وجود أداة أو جهاز في حياتنا يتيح لنا الإمساك بذلك الشيء الذي نحاول التشبث به، رغم أن محاولاتنا غالباً ما تكون دون فائدة». ثم يضيف: «رغم ذلك أرى أن الكاميرا تمثل أعظم محاولة لالتقاط تلك الجوهرة».

تبدو طريقة عرض الصور أمامنا كمحاولة من الفنان لعيش التجربة مرة أخرى: «يراودني دائماً شعور بالإحباط بسبب الطبيعة ثنائية الأبعاد للصورة الفوتوغرافية، أي طريقة تمثيلها للذاكرة؛ إذ أتمنى لو كان بوسعي الدخول إلى داخل الصورة ورؤية عناصرها واحداً تلو آخر. وفي هذا العمل التركيبي نحاول تجسيد تلك الفكرة؛ حيث توجد صورة قد تظنها للوهلة الأولى، عند دخولك الغرفة، صورةً واحدةً متصلة، لكنك تكتشف عند الاقتراب منها أنها في الواقع مجزأة».

النخلات الباسقات وصورة العائلة (الشرق الأوسط)

الذاكرة تحمل أيضا تأثير المزارع والآبار وأشجار النخيل، تنطبع كلها بشكل أو بآخر في المعرض، تحضر أشجار النخيل في أكثر من عمل مرسومةً بالفحم على الجدران، تبدو نخلاته رشيقة، وتتدلّى ثمارها مثل أقراط الأذن كأنه يصور نساء عائلته، يشير إلى عملٍ أمامنا ويقول: «النخلة هي مثل برج ذاكرة بالنسبة لي؛ تمثل الصمود والقوة، وفيها كثير من العطاء... هي تمثل، بالنسبة إليّ، أشخاصاً من عائلتي».

العمل يصور 4 نخلات ويحمل عنوان «صورة العائلة»، يعلق أنه يجد في النخيل صور الأجداد والجدات ثم يضيف: «... والخالات بالذات، حتى من توفي منهن، أتذكرهن بصورة رومانسية جداً لأنهن من عالم ومن ثقافة مختلفة، ولهن اتصال عجيب جداً بالأرض».

حكاية البلبل

ننتقل لعمل منفصل يعتمد على مستطيل مكون من الرمل على الأرض وتنعكس عليه مشاهد فيلمية، يحمل اسم «تمرة المعرفة». ومرة أخرى نجد أنفسنا في الواحة بنخيلها ورمالها وطيورها، هذه المرة عبر الصورة والصوت والحركة.

يروي الفنان بصوته حكاية العمل ونستمع له خلال العرض عبر السماعات الشخصية، فتغدو التجربة ملموسة جداً، فالفنان - الراوي يحكي لنا شخصياً قصة العمل.

جانب من عمل «تمرة المعرفة» للفنان محمد الفرج (الشرق الأوسط)

لمحمد الفرج شغف بالحكايات والقصص والأمثال الشعبية، شغف يظهر في أعماله المختلفة وفي هذا العمل نعرف أن الحكاية من تأليفه هو شخصياً.

بطل قصته هو البلبل الذي نرى انعكاس صورته وهو يقفز على الرمل أمامنا، يقول الراوي: «يسمع البلبل حكاية متداولة تقول إن في كل نخلة تمرةً واحدة تحمل المعرفة الكونية كلها. مدفوعاً بالرغبة في الحصول على المعرفة يبدأ البلبل في أكل جميع الثمار في النخيل، وبالفعل يجد التمرة المنشودة ويأكلها ويحصل على المعرفة كما أراد، ولكنه يكتشف أن المعرفة حمل ثقيل جداً. عندما نعرف كل شيء تتحول المعرفة إلى نقمة. نفقد الدهشة والاكتشاف والفضول. عندما تعرف كل شيء، لا تعود قادراً على تغيير أي شيء».

يشير الفنان إلى فكرة القصة، خطرت له بعد نقاش مع أبناء شقيقته الذين تفاخروا بأنهم بمقدورهم معرفة كل شيء بفضل «تشات جي بي تي»، ويعلق: «الفيلم رسالة لي قبل أن يكون رسالة للناس، بأن لا تحاول أن تتحكم في كل شيء، واترك الحياة تسير بإيقاعها الطبيعي».

بالنسبة للبلبل كانت المعرفة الكاملة حملاً لم يستطع حمله فقرر التخلص منه ولجأ لصديق من الطيور ليساعده: «قال له صديقه تعال معي لنخرج للبرّ وسوف أعلمك ما يجب أن تفعله، هناك في الصحراء الخالية أشعل الصديق ناراً، وقال للبلبل: غرد بكل ما تعرفه في النار فهي سيدة النسيان»، ويغرد البلبل وينسى كل ما تعلمه.

ما تعبر عنه الرمال

في جانب من العرض 3 صور تلعب الرمال فيها دور البطولة، تُظهر تشكيلات مختلفة من الرمل، يطلق عليها الفنان عنوان «الرمال الزاحفة».

الفكرة خلف العمل أيضاً تأخذنا لعالم يعرفه الفرج جيداً، ويرتبط بذكريات الطفولة بشكل كبير: «الأمر بسيط للغاية؛ تأخذ حفنة من الرمل، وترميها في الهواء، وتلتقط صورة لها وهي تشكّل منحوتةً تدوم لجزءٍ من الثانية. هي مستوحاة من لعبة يمارسها الأصدقاء في لحظات اللهو. تتحول اللعبة البسيطة لدى محمد الفرج إلى سؤال عميق يحتاج لإجابة: تمثل (الرمية) السؤال، بينما تمثل الصورة التي تلتقطها للرمال المتساقطة الإجابة. الأمر أشبه بزيارة قارئة الطالع التي ترمي الحجارة لتخبرك بشيء ما؛ وما يتشكل من أشكال هو ما تبحث عنه... إنها سلسلة مثيرة للاهتمام للغاية بالنسبة لي؛ لأن الأشكال الناتجة عنها مذهلة وغير عادية».

«الرمال الزاحفة» ولهو الطفولة (الشرق الأوسط)

نخرج من المعرض محمّلين بصورٍ ومعانٍ وإحساسٍ بأننا زرنا واحة الأحساء عبر مشاعر محمد الفرج ولقطاته وتصاحبنا كلماته: «أنظر إلى مفهومي (الوطن) و(العائلة) بمعناهما الأوسع؛ فالحشرات هي أقاربي المفقودون منذ زمن بعيد والذين يرغبون في العيش على حسابي، والأبقار جيراني الصاخبون الذين بيني وبينهم (خلافات)، أما الطيور فتسأل عن أحوالي دائماً».


آن كارسون تحصد «نوبل للآداب» عبر «تكسير» القواعد التقليدية

آن كارسون (لجنة نوبل)
آن كارسون (لجنة نوبل)
TT

آن كارسون تحصد «نوبل للآداب» عبر «تكسير» القواعد التقليدية

آن كارسون (لجنة نوبل)
آن كارسون (لجنة نوبل)

الإعلان عن فوز الأديبة الكندية آن كارسون بجائزة «نوبل للآداب»، الخميس، أعاد تسليط الضوء على تجربتها التي تمتد عبر ما يقرب من نصف قرن في الاشتغال على الشعر والترجمة وبحوث اللغة والتاريخ والأدب، فضلاً عن دورها في الحياة الأكاديمية كباحثة ومحاضرة متخصصة في الآداب القديمة، لا سيما الأدب الإغريقي.

وبحسب نقاد ومتابعين، فإن أبرز ما يميز تلك التجربة هو براعة كارسون في «تكسير القواعد الأدبية المتعارف عليها»؛ إذ تخطت الحدود التقليدية التي تفصل بين الأنواع المختلفة، وجاءت أعمالها مزيجاً من القصيدة الشعرية والسرد القصصي وكتابة اليوميات والتأملات المفتوحة.

الأديب البارز محمد سلماوي عدّ آن كارسون بمنزلة «الشاعرة التي حوّلت الكلاسيكيات إلى مختبر للفكر المعاصر كما خلقت منه أشكالاً إبداعية حديثة، ومن ثم جاء فوزها بجائزة (نوبل) تتويجاً لمسيرة تمتد لأكثر من ثلاثة عقود، ترسخ خلالها اسمها كواحد من أكثر الأصوات الأدبية إثارة للتفكير في عصرنا».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «علاقتها بالعالم القديم بدأت في المدرسة الثانوية، عندما وافق مدرس اللاتينية على تعليمها اليونانية خلال استراحة الغداء بناء على طلبها، وقد حصلت على الدكتوراه في الدراسات الكلاسيكية عام 1981، كما درّست الأدب اليوناني واللاتيني في جامعات كبرى مثل ماكغيل وبرينستون».

فوز آن كارسون بجائزة «نوبل للآداب 2026» (لجنة نوبل)

وتهيمن على نصوص الأديبة الكندية «ثيمات» الفقد والحزن عبر لغة مرهفة تمس الوجدان وتحلل الواقع المعاصر، مع استلهام خاص لأجواء الأساطير اليونانية القديمة، وهو ما اعتبره كثيرون بمنزلة «الوجه الآخر» لمسيرتها الأكاديمية الصارمة وبحوثها المخلصة وترجماتها الدؤوبة، وهو ما يتجلى في الكثير من أعمالها، لا سيما «نوكس»، وهي مفردة تعني «الليل» باليونانية القديمة، وتستعيد فيه صدمة فقدها شقيقها المقرب منها.

وأعربت كارسون مراراً، عبر تصريحات إعلامية، عن أنها «لا تسعى إلى مجابهة الموت أو تحديه كقدر محتوم يختطف أحباءنا، وإنما تسعى بكل بساطة لأن تصنع من العجز عن مواجهته حالة أدبية خاصة تتميز بالصدق في التعبير عما يكتنف الروح من جراح لا تبرأ بسهولة».

وُلدت الأديبة المتوجة بـ«نوبل» عام 1950 بمدينة تورنتو، ومن أشهر مؤلفاتها «سيرة ذاتية للأحمر» الذي تتناول فيه وحشاً يظهر في أسطورة «هيركليز» الشهيرة بجناحين حمراوين ويبعث على الخوف، لكنه يتحول عبر سطورها إلى كائن يمتلك مشاعر إنسانية، على نحو يدعو للتعاطف معه.

وأشار الشاعر والمترجم المصري عبد الرحيم يوسف الذي ترجم لآن كارسون كتاب «إيروس- الحلو المر»، الصادر 1986، والمأخوذ عن أطروحتها للدكتوراه بعنوان «أحب وأكره إذن أنا موجود»، إلى أنها «تتناول مفهوم الرغبة والعاطفة عند اليونانيين القدماء»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «عالمها الإبداعي في نفس الوقت لا ينفصل عن إنسان العصر الذي تناقش أزماته الوجودية بعقل الباحثة وروح الشاعرة».

«إيروس» من الأعمال المترجمة لآن كارسون (غلاف الكتاب المترجم)

وعدّ الناشر المصري محمد البعلي، مدير دار «صفصافة» التي صدر عنها كتاب «إيروس»، فوز كارسون بمنزلة «انتصار للأدب الرفيع والجاد والذي يلامس هموماً حقيقية يعاني منها إنسان العصر»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنها «لم تراهن يوماً على البعد التجاري، ولم تلهث أمام (الموضات) الأدبية مثل (الأكثر مبيعاً)، وركزت فقط على التعبير عن مشاعرها بصدق».

وأوضح سلماوي أنه «ربما كان أهم ما يميز الأديبة الكندية هو رفضها القاطع للتصنيفات الأدبية، والتي قد يضع عليها البعض لافتة (رواية) أو (شعر)، حيث نجد أنها تدمج القصيدة بالنثر بالمقال بالترجمة بالتصوير الدرامي... فضلاً عن تعاونها مع فنانين بصريين ومصممي رقص ومخرجي أوبرا».

ولفت إلى أنها «دائماً ما كانت تردد أن الأدب ليس وظيفته (تخدير القارئ) وإنما (تحريك عقله)، وربما لهذا السبب بالضبط، بعد أربعين عاماً من الكتابة، لا تزال نصوصها تشعرنا بأننا نقرأ أدباً مختلفاً لم يُكتب من قبل».