صنعاء: سوق سوداء لـ«كورونا» تتاجر بالموت وتخفي الغذاء والدواء

أسعار القبور ترتفع... ومعاناة السكان تتضاعف

كوادر طبية تجري فحص حرارة ليمنيين في صنعاء (أ.ب)
كوادر طبية تجري فحص حرارة ليمنيين في صنعاء (أ.ب)
TT

صنعاء: سوق سوداء لـ«كورونا» تتاجر بالموت وتخفي الغذاء والدواء

كوادر طبية تجري فحص حرارة ليمنيين في صنعاء (أ.ب)
كوادر طبية تجري فحص حرارة ليمنيين في صنعاء (أ.ب)

لم يكن مشهد تجارة القبور في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين سوى مؤشر لسوق سوداء نجمت عن الإجراءات المصاحبة لتفشي فيروس كورونا المستجد؛ هذا ما كشفه سكان وموظفون في مؤسسات تسيطر عليها الجماعة.
من خلال متابعة لتصرفات الميليشيات، فإن أزمات اليمنيين المعقدة المتلاحقة تحولت إلى بوابات عبور لخلق مزيد من الأسواق السوداء، بغية التربح والثراء على حساب وجع ملايين السكان الذين يصرخون وينزفون يومياً بصمت، في مواجهة بنادق مسلحي الجماعة وصرخاتهم وهم يهتفون بحياة قائدهم الحوثي.
وألقت جائحة «كورونا» أيضاً بدلوها خلال الأسابيع الماضية، لتجعل من جيوب اليمنيين مصدراً إضافياً لأموال الميليشيات التي كانت قد فرضت على التجار والمؤسسات والشركات دفع مبالغ طائلة، بحجة المساهمة المجتمعية في التصدي للوباء. وكان من أبرز تجليات هذه المعضلة تناسل أشكال جديدة للأسواق السوداء برعاية حوثية.
تجارة موت؟
رغم أن الجماعة وقادتها يصرون على التكتم على الأعداد الحقيقية للإصابات بالفيروس والوفيات، فإن وسائل الاتصال ومواقع التواصل الاجتماعي ومواكب الجنائز والمصادر الطبية والتصريحات الأممية، كل ذلك ساهم في إعطاء صورة واضحة عن حجم المأساة التي فضلت الجماعة الاستثمار فيها، بدلاً من التخفيف منها.
ومع تزايد أعداد الوفيات في الأيام الماضية على نحو غير مسبوق في صنعاء، أمر قادة الجماعة -وفق ما أفادت به مصادر محلية وشهود لـ«الشرق الأوسط»- بإغلاق كثير من المقابر الرئيسية أمام عشرات الوفيات التي تتدفق يومياً، والتي يرجح أن أغلبها بسبب الإصابة بـ«كورونا»، في مسعى لخلق أزمة قبور، وتحويل المقابر إلى سوق سوداء تفتح أبوابها لمن يدفع أكثر، في مشهد وصفه يمنيون بأنه «تجارة موت».
يقول شهود في العاصمة المختطفة إن قادة الجماعة المسؤولين عن قطاع الأوقاف في صنعاء وجهوا القائمين على مقبرة «خزيمة»، وهي من أكبر وأقدم المقابر وسط العاصمة، بعدم استقبال أي وفيات للدفن في المقبرة، وهو ما حدث بالفعل، إذ تم تعليق إشعار على باب المقبرة نفسها يعتذر عن استقبال أي وفيات. وأفادت مصادر مطلعة على ما يدور في أروقة حكم الميليشيات بأن قادتها تلقوا تعليمات بعدم إتاحة الدفن في المقبرة إلا لذوي النفوذ، ومقابل دفع أموال ضخمة، في حين لا يجد البسطاء من الناس مكاناً لدفن موتاهم إلا بالتوجه إلى المقابر الموجودة في أطراف العاصمة.
واضطر يمني اكتفى بالترميز إلى اسمه بـ«محمد ن.»، وهو موظف سابق في قطاع الكهرباء عاطل عن العمل حالياً، لدفع مبلغ 150 ألف ريال يمني مقابل الحصول على قبر لوالدته التي وافاها الأجل قبل 3 أيام في أحد أحياء مديرية شعوب بصنعاء (الدولار نحو 600 ريال). والمبلغ يعد ضخماً، مقارنة بالمبالغ المتعارف عليها التي كانت تتراوح بين 5 و10 آلاف ريال، قبل حلول «الجائحة الحوثية» في أواخر 2014.
ويكشف «محمد» أن هذه المبالغ زادت أيضاً في بعض المقابر الأخرى في صنعاء، لتصل إلى نحو 300 ألف ريال، إذ يعتقد -ومعه آخرون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»- أن القائمين على المقابر يقومون باقتسام هذه الأموال مع مشرفي الجماعة الحوثية، فضلاً عن الرسوم التي يتقاضونها مقابل استخراج شهادات الوفاة والتصريح الأمني بالدفن.
ومن جهته، قال مسؤول محلي في أحد الأحياء في صنعاء، حين طلبت منه «الشرق الأوسط» التعليق على ما يشاع عن أزمة القبور، إن قادة الجماعة الحوثية رفضوا مقترحاً سابقاً لإيجاد تسعيرة موحدة للقبور تراعي الظروف المعيشية للسكان.
ويعتقد المسؤول المحلي الذي فضل عدم ذكر اسمه لاعتبارات تتعلق بسلامته، أن الجماعة الحوثية ليست في وارد تخفيف معاناة الناس، بقدر ما يعمل مشرفوها على ابتكار مزيد من الطرق لجني المال وإذلال السكان.
اختفاء المعقمات
ومن قبل أن تتفاقم أخيراً أزمة المقابر في صنعاء، كانت الميليشيات الحوثية التي تسيطر عبر الموالين لها على سوق الدواء المحلي والمستورد، قد وجدت في الجائحة «الكورونية» بوابة لخلق سوق سوداء للأدوات الصحية المساعدة على الحماية والوقاية كافة، بما في ذلك الكمامات والقفازات الطبية وعقار «فيتامين سي»، وحتى أقراص الإسبرين التي تضاعف سعرها بالتزامن مع اختفائها في كثير من الصيدليات.
وأفاد لـ«الشرق الأوسط» بهذا الخصوص كثير من السكان في صنعاء بأن أغلب الصيدليات خالية من الكمامات، في حين يلجأ أغلب السكان إلى السوق السوداء للحصول عليها، بعد أن وصل سعر الكمامة العادية إلى قرابة 500 ريال.
ويتهم عاملون في القطاع الصحي في صنعاء، في حديث مع «الشرق الأوسط»، قادة الجماعة الحوثية المشرفين على هذا القطاع بالتواطؤ مع تجار الأدوية والمستلزمات الصحية لخلق السوق السوداء، ويستغربون من اختفاء أبسط الأدوية المطلوبة للوقاية من مختلف الصيدليات، دون وجود أي رقابة أو حلول للمشكلة المستعصية.
وفي حين لم تكن أزمة الأدوية الوقائية وحدها هي المشكلة في هذا الباب، أكد العاملون الصحيون أن المشكلة انتقلت إلى موت المئات من السكان يومياً بأمراض ليس لها علاقة بـ«كورونا»، بسبب رفض المستشفيات الحكومية والخاصة استقبال الحالات الطارئة، وصمت الجماعة الحوثية على ذلك.
وتتعاضد هذه الشهادات مع ما كان قد أكده ناشطون يمنيون على مواقع التواصل الاجتماعي، من وفاة أقارب لهم في صنعاء بسبب أمراض «الكلى» أو «الربو» أو «السكر»، نتيجة عدم حصولهم على الرعاية الطبية في المستشفيات الخاضعة للجماعة التي يتم في الأغلب تجهيز متطلباتها من مساعدات المنظمات الدولية.
إخفاء الغذاء
وفي السياق ذاته، ساهم سوء إدارة الجماعة الحوثية للأزمة في صنعاء وغيرها من المناطق في خلق «سوق سوداء» أخرى في بعض السلع والمواد الغذائية التي شاع بين الناس أنها ترفع المناعة، وتساهم في الوقاية من الإصابة بالفيروس المستجد.
ويؤكد السكان في صنعاء أن سعر الليمون -على سبيل المثال- وصل إلى أرقام قياسية، بعد أن شاع أنه يحتوي على «فيتامين سي»، وهو ما جعل سعر الكيلو منه يصل إلى قرابة 3 آلاف ريال (نحو 5 دولارات)، بعد أن كان لا يتعدى 500 ريال فقط.
أحد ملاك المتاجر الخاصة ببيع الخضراوات والفاكهة في سوق «شميلة»، جنوب العاصمة، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أن عدم وجود رقابة من قبل الجماعة الحوثية على الأسواق لضبط الأسعار كان سبباً رئيسياً في تحول بعض السلع إلى «سوق سوداء»، كما هو الحال مع الليمون.
ولم يستبعد التاجر الذي رمز لاسمه بـ«ن. ج.» أن يكون المشرفون الحوثيون هم أنفسهم من يقومون بالاتجار في مثل هذه السلع واحتكارها لجهة الحصول على مزيد من الأموال، دون مراعاة لأحوال الناس.
ترويج الأوهام
ومقابل حالة الهلع التي تسيطر على الشارع في صنعاء وبقية مناطق الجماعة خشية الإصابة بالوباء، خاصة في ظل تكتم الميليشيات على الأرقام الحقيقية، ومغادرة الطواقم التابعة للمنظمات الدولية، والتعامل مع المصابين وذويهم على أنهم «مجرمون»، سارعت الجماعة إلى ترويج كثير من الأوهام على لسان قادتها بخصوص واقع الوباء والتعامل معه.
ومن هذه الأوهام التي أثارت سخرية الشارع اليمني ما روجه وزير صحة الجماعة طه المتوكل عن وجود حركة حثيثة -على حد زعمه- في المختبرات والصيدليات والمراكز الخاضعة للجماعة من أجل التوصل إلى دواء لـ«كورونا» في القريب العاجل، فضلاً عن مزاعمه عن أن أفضل احتواء للمرض هو عدم الوقوع في أخطاء الدول الكبرى بذكر الأرقام عن الإصابات والوفيات.
وتقدر مصادر طبية في صنعاء وناشطون أن الإصابات في مناطق سيطرة الجماعة باتت بالآلاف، والوفيات بالمئات، في وقت صار فيه أغلب الناس يفضلون بقاء مرضاهم في المنازل، بعد أن شاع أن الجماعة الحوثية تقوم بتصفية الحالات المصابة في مستشفيات العزل التي خصصتها في صنعاء وذمار وإب، بمجرد وصولها.
يشار إلى أن الجماعة الحوثية التي يرى فيها اليمنيون أكبر جائحة أصابت اليمنيين في تاريخهم المعاصر، كانت قد اعترفت، حتى 18 مايو (أيار) الماضي، بتسجيل 4 حالات بالإصابة بـ«كورونا» فقط، زاعمة أن حالتين منهما تماثلتا للشفاء.
وكان ناشطون في صنعاء قد وثقوا مئات الوفيات خلال الأسبوعين الأخيرين، يرجح أنها ماتت بسبب الإصابة بالوباء المستجد، منهم شخصيات موالية للحوثي، وأطباء وأساتذة جامعيون ومحامون وقضاة ورجال أعمال.


مقالات ذات صلة

«الوديعة» يحبط محاولة تهريب حبوب مخدرة في طريقها إلى السعودية

الخليج أحبطت الكتيبة محاولة تهريب 450 قرصاً من حبوب «بريجابالين» المخدر (كتيبة أمن المنفذ)

«الوديعة» يحبط محاولة تهريب حبوب مخدرة في طريقها إلى السعودية

معظم شحنات المخدرات المضبوطة عبر المنفذ مصدرها مناطق خاضعة لسيطرة ميليشيا الحوثي الإرهابية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تحليل إخباري عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

تحليل إخباري هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي النازحون اليمنيون بمخيمات مأرب يعانون نقصاً شديداً في الغذاء (رويترز)

منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

المشروع يهدف إلى تحسين الظروف المعيشية للنازحين داخلياً والمجتمعات المستضيفة لهم في محافظة مأرب (وسط البلاد).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)

البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يودع دعم معالجة عجز الموازنة اليمنية

وقّع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن اتفاقية مع وزارة المالية اليمنية، للبدء في إيداع الدعم الاقتصادي البالغ 1.3 مليار ريال سعودي؛ إنفاذاً لتوجيهات…

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي مسلحون حوثيون يحاصرون قرية الأغوال في محافظة ذمار ويتسببون بتلف المزروعات (إكس)

ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

لا تكتفي السياسات الحوثية بإضعاف الزراعة، بل تعيد تشكيلها بالجبايات والبذور الفاسدة واحتكار التصدير ورفع تكلفة الوقود، وتتسبب بمواسم خاسرة وتهديد الأمن الغذائي

وضاح الجليل (عدن)

كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)

رفعت الحرب الإيرانية من أعباء الطاقة على مصر، التي تعدُّ أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان، وتستهلك سنوياً قرابة 12 مليون طن من السولار، ونحو 6.7 مليون طن من البنزين، وتحتاج لاستيراد كميات إضافية من الغاز في حدود مليارَي قدم.

وبحسب مسؤولين مصريين سابقين وخبراء بقطاع الطاقة تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإنَّ مصر تعتمد لوجيستياً على تعاقدات رئيسية للطاقة مع السعودية والكويت والعراق والولايات المتحدة، بخلاف الأسواق الفورية، ومع الأزمة الحالية دخلت ليبيا بوصفها مساراً جديداً مؤقتاً، مشيرين إلى أن مصر تموِّل تلك التعاقدات عبر مسارات عدة، مثل عائدات صادرات المشتقات النفطية، وتسهيلات البنوك، ودعم البنك المركزي، وسط أعباء مالية تزداد مع ارتفاع الأسعار العالمية جراء استمرار حرب إيران منذ نحو شهر.

وتستعد مصر لاستيراد مليون برميل على الأقل شهرياً من النفط الليبي لتعويض توقف إمدادات النفط الخام الكويتي؛ نتيجة الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، بحسب ما نقلت وكالة «بلومبرغ» عن مصادر مطلعة في 29 مارس (آذار)، لافتة إلى أن ليبيا سترسل الآن شحنتين شهرياً إلى جارتها الشرقية، بإجمالي 1.2 مليون برميل، وهو ما أكدته مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط».

وتعتمد المصافي المصرية جزئياً على النفط الخام الكويتي، إذ تستورد منه ما بين مليون ومليونَي برميل شهرياً، بالإضافة إلى نحو مليون برميل من شركة «أرامكو السعودية»، لكن بعد اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، خفَّضت الكويت إنتاجها النفطي وعمليات التكرير عندما تباطأت حركة الشحن عبر مضيق هرمز، وأعلنت مؤسسة البترول الكويتية حالة «القوة القاهرة» على مبيعات النفط الخام.

وفي 10 مارس، أكد أحمد كجوك وزير المالية، خلال مؤتمر صحافي آنذاك، أن الحكومة قامت بتأمين نحو 50 في المائة من احتياجاتها من الوقود بأسعار محددة، وهو ما يغطي النصف الأول من العام المالي.

وزير البترول المصري يتفقد قبل أيام سفينة حفر آبار غاز جديدة لصالح «بى بي» و«أركيوس» (وزارة البترول المصرية)

ويقول وزير البترول المصري الأسبق، رئيس لجنة الطاقة في مجلس الشيوخ أسامة كمال، لـ«الشرق الأوسط»: «هناك عقود مبرمة لتوريد الغاز الطبيعي من الولايات المتحدة، وهي عقود مستقرة وتعمل بشكل طبيعي حتى الآن دون معوقات في التدفق»، مشيراً إلى أن «المتغيرات تتركز بشكل أساسي في أسعار الغاز وتكاليف النقل التي تتأثر بالارتفاع العالمي لأسعار النفط».

ووفق تقديرات رسمية، تبلغ احتياجات مصر من الغاز قرابة 6.2 مليار قدم مكعبة يومياً، بينما يصل إنتاجها اليومي إلى نحو 4.2 مليار قدم مكعبة.

كما اتخذت الحكومة حزمة إجراءات احترازية؛ منها تخفيض ساعات العمل المسائية في المحال العامة والمراكز التجارية، وهو إجراء تحوطي لترشيد استهلاك الطاقة، وفق الوزير الأسبق.

وحول كيفية تمويل الواردات البترولية في ظلِّ الارتفاع القياسي للأسعار العالمية، قال المسؤول السابق: «قبل اندلاع الحرب تجاوز الاحتياطي النقدي الأجنبي حاجز الـ52 مليار دولار، والشهر الماضي وحده شهد سحب ما يزيد على مليار دولار لتغطية تكاليف الاستيراد، ومن المتوقع أن تتجاوز فاتورة مارس حاجز المليارَي دولار»، متوقعاً ألا تستمر الأزمة إلى الأسبوع الثالث من أبريل (نيسان) «وإلا ستكون خسارة فادحة للعالم وليس لمصر فقط».

وبمزيد من التفاصيل عن آليات تأمين النفط الخام والمنتجات البترولية، أوضح نائب رئيس «هيئة البترول المصرية للعمليات» سابقاً مدحت يوسف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «مصر تعتمد في الوقت الحالي على واردات الخام من الكويت والعراق بخلاف تعاقدات مستمرة مع شركة (أرامكو السعودية)؛ لتوريد النفط الخام إلى معامل تكرير ميدور والمعامل المصرية الأخرى عبر ميناء ينبع»، مشدداً على أن «(أرامكو) ملتزمة بتعاقداتها مع مصر، وهناك صعوبة تحُول دون زيادة الكميات التعاقدية فوق المتفق عليه، نظراً لالتزاماتها ومصداقيتها مع عملائها الدوليِّين».

وأضاف: «هناك مشكلة تواجه مصر مع الحرب وتأثر توريدات الخام من الكويت والعراق؛ مما دفع للبحث عن بدائل، منها محاولة التعاقد على الخام الليبي، بالإضافة إلى اللجوء إلى السوق الفورية التي تحمل ميزةً وعيباً، حيث توفِّر الخام عالمياً لكنه يُشكِّل ضغطاً مالياً كونه يتطلب سداداً فورياً وبأسعار مرتفعة، على عكس التعاقدات الكويتية مثلاً، التي كانت تمنح مصر تسهيلات مرنة جيدة تصل إلى 9 أشهر».

وأكد يوسف، أن ميناء ينبع السعودي يظل المورد الأكبر لمصر، والالتزامات لا تزال قائمة من خلال مناقصات ربع سنوية وأساليب سداد قائمة أيضاً.

وعن الغاز، كشف يوسف عن أنه «يحمل مشكلة كبيرة مع توقف إمدادات الغاز من الجانب الإسرائيلي مع بدء الحرب»، لافتاً إلى غياب التعاقدات المباشرة بين الدول مثل الإمارات أو قطر، حيث تتم التوريدات عبر موردين عالميِّين ملتزمين بالتوريد، لكن بأسعار مرتبطة بمتغيرات السوق العالمية المرتبطة بسعر غاز «TTF» الهولندي، الذي سجَّل مستويات مرتفعة بلغت 21 دولاراً للتسليم في مصر.

وعدّ أنَّ الميزة الحالية لمصر هي أنَّ الأزمة وقعت في فصل الشتاء، حيث ينخفض استهلاك الكهرباء إلى 29.5 غيغاواط، مقارنة بـ40 غيغاواط في فصل الصيف، محذراً من أنه في حال استمرار الأزمة حتى ذروة الاستهلاك الصيفي، قد تضطر الدولة لتخفيف الأحمال عن بعض الصناعات أو المنازل، أو الاعتماد على بدائل مكلفة جداً مثل المازوت والسولار لتوليد الكهرباء.

وبشأن سبل تمويل هذه الواردات، أوضح يوسف أنَّ الهيئة العامة للبترول تعتمد على مسارات عدة؛ أولها عائد الصادرات عبر تصدير بعض المنتجات البترولية والغاز المسال، وتصدير خام خليط غارب في حدود 65 ألف برميل يومياً، بالإضافة إلى حصيلة صادرات وقود النفاثات وشركات البتروكيماويات.

وأضاف أن تلك العائدات تغطي «جزءاً كبيراً من التمويلات بالخارج، لكنها لا تكفي، وبالتالي تلجأ هيئة البترول لأمرين آخرين بالحصول على تسهيلات من البنوك المصرية ودعم البنك المركزي؛ كي لا يحدث أي اختناق بالسوق المحلية»، محذراً من أنَّ استمرار الحرب سيؤدي إلى مزيد من الاستنزاف الاقتصادي، ما يتطلب جاهزيةً تامةً للسيناريوهات كافة.

وفي 18 مارس الحالي، قال رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، في مؤتمر صحافي، إن فاتورة واردات الطاقة في مصر ازدادت بأكثر من المثلين منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ‌مؤكداً الضغوط المتزايدة على الموارد المالية للبلاد مع ارتفاع أسعار الوقود العالمية.

وبلغت قيمة واردات مصر من الغاز في عام 2025 نحو 8.9 مليار دولار مقابل 4.9 مليار دولار في عام 2024، وفق بيانات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء»، بينما قفزت فاتورة واردات مصر البترولية بنسبة 23 في المائة، لتصل إلى 21 مليار دولار، بنهاية عام 2025.


ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
TT

ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)

قبل أيام من عيد الفطر، استقلَّ السوداني محمد السيد (33 عاماً) حافلةً من حي فيصل، بمحافظة الجيزة المصرية، إلى مدينة أسوان جنوب البلاد، حيث المنفذ البري الرابط بين البلدين، بعد 10 أشهر فقط قضاها في مصر، بينما عائلته في منطقة الجزيرة بالسودان، مرجعاً قرار العودة السريع، دون استكمال علاجه الذي جاء من أجله، إلى «حملات الترحيل المصرية لمخالفي الإقامة».

وتشهد رحلات العودة الطوعية زيادةً لافتةً في الأسبوعين الماضيين، رغم تراجع رحلات العودة المجانية، وفق ما أكدته مصادر سودانية لـ«الشرق الأوسط»؛ وذلك بسبب الحملات الأمنية لترحيل السودانيين ممَّن ليست لديهم إقامات سارية، «ما جعل كثيراً من الأسر تفضِّل الإنفاق على العودة، بدلاً من تحمل تكلفة البقاء في مصر، ودفع إيجار شقة بمبلغ كبير لشهر آخر، مع مواجهة خطر الترحيل»، حسب أمين عام الجالية السودانية في مدينة العاشر من رمضان، شرق القاهرة، إبراهيم عز الدين.

تكدس العائدين في «معبر أرقين» خلال أزمة الضرائب (حملة راجعين لي بلد الطيبين)

وتسبَّبت الحرب بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو 1.5 مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. لكن منذ مطلع 2024 وحتى نهاية 2025، غادر عبر المنافذ البرية أكثر من 428 ألف سوداني، وفق تقديرات سودانية رسمية.

وقال عز الدين لـ«الشرق الأوسط»، إن «أعداد الأسر التي رحلت بعد عيد الفطر، أضعاف من كانت تغادر قبله... وبعد انتهاء امتحانات الشهادة السودانية في مايو (أيار) المقبل، ستتضاعف الأعداد أكثر وأكثر».

الأمر نفسه أكده مؤسِّس حملة «راجعين لي بلد الطيبين»، محمد سليمان، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن لدى الحملة قوائم طويلة مُسجَّلة سيتم تفويجها تباعاً للعودة، لافتاً، إلى «أنَّ الأعداد شهدت زيادةً كبيرةً منذ عيد الفطر وحتى الآن، وأنَّ الرحلات تسير بسلاسة بعدما تداركت السلطات السودانية أزمةً كادت تؤثر على حركة العودة قبل أيام في ميناء أرقين البري».

وكان ميناء أرقين البري، شهد يوم الجمعة الماضي تكدساً للعائدين، بعدما أعلن سائقو الحافلات الإضراب؛ اعتراضاً على زيادة الضرائب المفروضة على حافلاتهم. وافترش العائدون من النساء والأطفال الأرض إلى جانب حقائبهم الكثيرة... وبعد ساعات من الأزمة، قرَّر رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، رفع الضرائب، واستأنف السائقون رحلاتهم إلى الداخل السوداني.

وعلق سليمان: «لو لم تحل الأزمة سريعاً لأثَّر ذلك على أعداد الوافدين يومياً، بعدما شهدت أعدادهم زيادةً ملحوظةً».

والزيادة في أعداد العائدين، أكدها أيضاً مدير معبر أرقين، والمشرف على المعابر، العميد مبارك داؤود سليمان، قائلاً في تصريح صحافي: «إن المعبر يشهد زيادةً مستمرةً في أعداد العائدين عقب عطلة عيد الفطر؛ حيث يتراوح عدد القادمين يومياً ما بين 1500 و2000 مواطن، رغم أن الرحلات المنتظمة لمنظومة الصناعات الدفاعية لم تبدأ بعد».

سودانيون يبحثون عن أسمائهم في قائمة المسافرين ضمن إحدى رحلات قطارات العودة (مجلس الوزراء المصري)

وبعد انتظار لشهور، تفكر السودانية لمياء محمد (32 عاماً) في استبدال الحافلات المدفوعة، بالعودة الطوعية المجانية، في ظلِّ تأخر الأخيرة، وغموض مواعيد رحلاتها، رغم أنَّ تدبير المبلغ الذي تحتاج إليه العودة المدفوعة بعد زيادة أسعارها، ليس سهلاً.

وارتفت أسعار الرحلات نحو ألف جنيه مصري، حسب منسق حملة «راجعين لي بلد الطيبين» عبد الناصر جعفر، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن الرحلات أصبحت بـ3500 جنيه (الدولار نحو 53 جنيهاً) للفرد بعدما كانت بـ2500 جنيه، مرجعاً ذلك إلى زيادة أسعار المحروقات.

تقول لمياء لـ«الشرق الأوسط»، إنها سجَّلت في المرحلة السابقة لـ«العودة الطوعية المجانية» قبل غلق باب التسجيل في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، وظلَّت تنتظر اتصالاً يخبرها بموعد رحلتها، ولم يحدث ذلك، وبعد فتح باب التسجيل مجدداً، حاولت التسجيل، لكنها تفاجأت بالتعقيد في الأمر، سواء من حيث حجم البيانات المطلوبة، أو صعوبة تحميل الموقع.

وأسهمت رحلات العودة المجانية التي انطلقت في يوليو (تموز) من العام الماضي واستمرَّت حتى نهاية العام، في إعادة عشرات الآلاف من السودانيين، لكنها توقَّفت بداية العام في انتظار توفير تمويل لاستئنافها.

وقبل أسبوعين، فتحت الحملة باب التسجيل للراغبين في العودة مجاناً، دون إعلان موعد استئناف تفويج الرحلات، علماً بأن المرحلة الجديدة ستتضمن رحلات بحرية من أسوان إلى ميناء وادي حلفا السوداني.

ترغب لمياء، وعائلتها الكبيرة التي تتكوَّن من 9 أشخاص، في العودة خلال الشهر المقبل، وبحد أقصى قبل نهايته. وتقول: «نخشى حملات الترحيل، وفي الوقت نفسه لا نعلم متى ستستأنف رحلات العودة المجانية... سنحاول تدبير مبلغ العودة المدفوعة».

سيدتان سودانيتان تتجولان في شارع فيصل بمصر (الشرق الأوسط)

وبدأت قوات الأمن المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حملات موسَّعة في مناطق تمركز الوافدين، وفي الطرق، لتدقيق الإقامات وتوقيف المخالفين وفق شهادات متنوعة.

وتستضيف مصر أكثر من 10 ملايين وافد، ما بين مهاجر ولاجئ وطالب لجوء، من 62 جنسية مختلفة، في مقدمتهم السودانيون والسوريون. ويكلّف ذلك الدولة أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، حسب تقديرات حكومية مصرية.

وقال مدير عام «هيئة وادي النيل البحرية»، العقيد محمد آدم محمد أبكر، لـ«الشرق الأوسط»، «إن العمل في ميناء وادي حلفا البديل، يجري على قدم وساق، وسيكون جاهزاً خلال أسبوعين»، متوقعاً أن تُستأنف رحلات العودة الطوعية منتصف أبريل (نيسان)، لكنه أشار في الوقت نفسه، إلى أنَّ ذلك، «ليس موعداً نهائياً».


«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
TT

«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)

أعلنت المهمة البحرية الأوروبية (أسبيدس) تعزيز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن، ودعت سفن الشحن إلى توخي أقصى درجات الحذر، تحسباً لأي هجمات محتملة.

وتشير تقارير دولية -من بينها ما صدر عن مجموعة الأزمات الدولية- إلى أن توقيت دخول الحوثيين في المواجهة بين إيران وأميركا وإسرائيل يحمل دلالات سياسية؛ إذ يسعى إلى تعزيز موقف إيران التفاوضي، عبر فتح جبهة إضافية تزيد الضغط على الولايات المتحدة وحلفائها.

كما توضح هذه التقارير أن امتناع الحوثيين حتى الآن عن استهداف السفن بشكل مباشر، قد يكون مرتبطاً برغبتهم في عدم خرق تفاهمات سابقة مع واشنطن بشأن الملاحة.

حسابات استراتيجية

وفي خضم التصعيد الإقليمي المتسارع، يبرز انخراط الجماعة الحوثية في الهجمات الموجهة نحو إسرائيل، بوصفه جزءاً من حسابات استراتيجية أوسع تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة.

وتشير تقديرات مسؤولين يمنيين ومحللين إلى أن الهجمات الحوثية الأخيرة -رغم رمزيتها- لا تمثل سوى واجهة لتحركات أكثر خطورة تمنح طهران ورقة تفاوضية حساسة، في أي حوار مع الولايات المتحدة أو القوى الغربية.

وعلى الرغم من تبنِّي الحوثيين أولى هجماتهم بالصواريخ والطائرات المُسيَّرة باتجاه إسرائيل، فإن هذه العمليات تُوصف بأنها محدودة التأثير من الناحية العسكرية، وسبق أن جرى اختبار نمطها خلال الحرب في قطاع غزة.

الحوثيون استبقوا دخول الحرب إلى جانب إيران بمناورات ونقل أسلحة قرب سواحل البحر الأحمر (رويترز)

ويرى محللون أن الهدف منها ليس إحداث تحول ميداني؛ بل تأكيد الحضور ضمن ما يُعرف بمحور «المقاومة»، وإرسال رسائل سياسية محسوبة.

تحركات ميدانية

ويرى الباحث اليمني في شؤون الجماعة الحوثية عدنان الجبرني، أن التحرك الحوثي يرتبط بما يسميه «الضرورة العملياتية» التي تحددها غرفة عمليات مشتركة تضم أطرافاً من «الحرس الثوري» الإيراني وحلفائه في المنطقة.

الحوثيون خسروا سابقاً أبرز قادتهم العسكريين وفي مقدمهم رئيس أركانهم محمد الغماري (إعلام محلي)

ويصف الجبرني الهجمات الأخيرة بأنها «تمهيدية وتجريبية» تهدف إلى اختبار القدرات وتنسيق الهجمات المتزامنة، بما يسمح بإدخال الجماعة كطرف فاعل في أي تصعيد واسع. ويضيف أن الحوثيين يمثلون «خط الدفاع الأخير» لإيران؛ خصوصاً في حال توسعت الحرب أو تعرضت طهران لضغوط مباشرة.

وفي هذا السياق، سبقت الجماعة انخراطها الحالي بسلسلة من التحركات الميدانية، شملت نقل أسلحة إلى مناطق قريبة من الساحل الغربي، وتنفيذ مناورات بحرية، إضافة إلى تكثيف تدريبات وحدات الصواريخ والطائرات المُسيَّرة، ما يعكس استعداداً واضحاً لمرحلة تصعيد محتملة.