السعودية لرفع إغلاق أكبر اقتصاد بمنطقة الشرق الأوسط في يونيو

مختصون لـ «الشرق الأوسط» : 3 أشهر كفيلة بتعويض خسائر الأعمال مع عودة الأنشطة التجارية

السلطات السعودية تبدأ بعد العيد خطوات عودة الحياة الاقتصادية تدريجياً مع تشديد تطبيق إجراءات الوقاية (الشرق الأوسط)
السلطات السعودية تبدأ بعد العيد خطوات عودة الحياة الاقتصادية تدريجياً مع تشديد تطبيق إجراءات الوقاية (الشرق الأوسط)
TT

السعودية لرفع إغلاق أكبر اقتصاد بمنطقة الشرق الأوسط في يونيو

السلطات السعودية تبدأ بعد العيد خطوات عودة الحياة الاقتصادية تدريجياً مع تشديد تطبيق إجراءات الوقاية (الشرق الأوسط)
السلطات السعودية تبدأ بعد العيد خطوات عودة الحياة الاقتصادية تدريجياً مع تشديد تطبيق إجراءات الوقاية (الشرق الأوسط)

في ثالث أيام عيد الفطر ووسط تفاؤل وسعادة شعبية غامرة، أعلنت السعودية، فجر أمس، رفع الإغلاق عن الأنشطة التجارية والقطاعات الحيوية في الاقتصاد الوطني، الذي يعدّ الأكبر في المنطقة، بشكل تدريجي وصولاً إلى فتح كلي في يونيو (حزيران) المقبل، بعد أن استمر منع التجول والإغلاق لما يفوق شهرين مع الإجراءات الاحترازية المشددة والتنظيمات الوقائية الدقيقة في مواجهة تفشي وباء «كوفيد19» وتداعياته الصحية في البلاد.
وجاءت الموافقة الحكومية بناءً على ما رفعته الجهات الصحية المختصة بشأن الإجراءات التي اتخذتها المملكة في مواجهة فيروس «كورونا» المستجد، وكان محتواها تغيير أوقات منع التجول الجزئي وزيادة ساعات العمل مع عودة بعض النشاطات الاقتصادية، مع الالتزام بالإجراءات الاحترازية والتدابير الوقائية.
يأتي ذلك وسط تقديرات مختصين في الشأن الاقتصادي بأن الأشهر الثلاثة الأولى بعد تطبيق القرار بتخفيف الإجراءات الذي اتخذته المملكة بدءاً من الخميس المقبل، كافية لتعويض خسائر القطاع التجاري، في حين سيدفع القرار بعودة أكثر من 50 في المائة من قطاعات الاقتصاد السعودي لوضعها الطبيعي قبل الجائحة.

العيد السعيد
لم تنتظر الحكومة في المملكة للإعلان عن بشائر رفع الإغلاق القهري بسبب الفيروس حتى نهاية أيام العيد، بل بادرت قبل انتهائها أمس إلى الإفصاح عن خطة عودة الحياة إلى مجاريها في الشأن الاقتصادي على 3 مراحل جزئية حتى الفتح الكامل في يونيو المقبل.
وبرز بين القرارات فتح بعض الأنشطة الاقتصادية والتجارية وممارستها أعمالها في فترة السماح التي ستمتد من الخميس المقبل بنظام يوم العمل شبه الكامل، من الساعة السادسة صباحاً وحتى الثامنة مساءً، لمحال تجارة الجملة والتجزئة والمراكز التجارية (المولات)، فيما من الأحد المقبل سيرفع تعليق الحضور لمقار شركات القطاع الخاص، والعودة لممارسة أنشطتها المكتبية وفق ضوابط احترازية تضعها وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، بالتنسيق مع وزارة الصحة.

قطاعات حيوية
من الأحد المقبل، تضمن القرار فتحاً واسعاً لقطاعات حيوية؛ حيث وافقت السعودية على رفع تعليق الرحلات الجوية الداخلية (مع استمرار تعليق الرحلات الدولية) مع الالتزام بالإجراءات الاحترازية والتدابير الوقائية اللازمة التي تحددها الهيئة العامة للطيران المدني بالتنسيق مع وزارة الصحة والجهات الأخرى ذات العلاقة، كذلك؛ رفع تعليق السفر بين المناطق بوسائل المواصلات المختلفة، مع الالتزام بالإجراءات الاحترازية والتدابير الوقائية اللازمة. قطاعياً، جرى السماح بفتح بعض الأنشطة الاقتصادية والتجارية المستثناة للعودة إلى ممارستها أعمالها خلال فترة السماح، وذلك في مجالات الطلبات الداخلية في المطاعم، والطلبات الداخلية في المقاهي مع مراعاة الالتزام بالإجراءات الاحترازية التي تضعها الجهات المختصة.

فتح كلي
بحسب القرارات الصادرة؛ سيكون يوم 21 يونيو (حزيران) المقبل، موعداً لعودة أوضاع الحياة الطبيعية في جميع مناطق المملكة ومدنها إلى ما قبل فترة إجراءات منع التجول، فيما عدا مدينة مكة المكرمة، مع الالتزام التام بالتعليمات الصحية الوقائية والتباعد الاجتماعي.
يأتي ذلك وسط استبشار قطاعات الأعمال في السعودية بعودة الحياة لكثير من القطاعات التجارية التي شملها قرار العمل، كم يقول كريم العنزي، رئيس «اللجنة الوطنية للذهب والمجوهرات» عضو اللجنة التجارية في الغرفة التجارية بالرياض، الذي رأى أن القرارات جاءت في وقت حساس يمر به الاقتصاد السعودي، خصوصاً أن الجائحة كانت لها انعكاسات بسبب توقف كثير من القطاعات استمر أكثر من 10 أسابيع.

النمو التدريجي
وأكد العنزي لـ«الشرق الأوسط» أن النمو سيعود تدريجياً لكثير من القطاعات، «وهذه العودة ستنعكس على الاقتصاد السعودي الذي سيعيد ما نسبته 50 في المائة في الحدود الدنيا مع بدء تنفيذ القرار، بينما ستزداد النسبة مع مرور الوقت»، موضحاً أن «هذه التقديرات مرتبطة بما جرى رصده من حركة وقوة شرائية للمستهلك المحلي خلال فترة عمل كثير من القطاعات التجارية في الفترة المسموح بها طيلة 25 يوماً في شهر رمضان المبارك».
وسيعيد تطبيق رفع منع التجول، وفقاً للعنزي، «وضع الاقتصاد السعودي على ما كان عليه قبل الجائحة؛ وإن كانت هذه العودة ببطء» على حد تعبيره. و«تعتمد على عوامل عدة، منها استمرار عمليات الشراء التي جرى رصدها في وقت سابق، والتي ستحرك الشركات والمصانع بفئاتها (الكبيرة، والصغيرة، والمتوسطة) لارتباطها بشكل مباشر مع البعض بعملية الإنتاج وتغذية السوق من خلال نشاطات التجزئة، والجملة، والتصنيع لعودة دوران العجلة من جديد».
وعن الفترة الممكنة لتغطية الخسائر، قال العنزي، إنه و«من خلال المعطيات ستكون الأشهر الثلاثة الأولى بعد السماح كافية لتغطية ما جرى إنفاقه من تكاليف على أجور العاملين، والإيجارات لمحال ومستودعات ولم يكن لها مردود مالي على تلك الشركات»، مشيرا إلى أنه بعد هذه الفترة ستكون القطاعات التجارية قادرة على إعادة ترتيب أولوياتها في الإنفاق وتحديد المكاسب والخسائر.

قطاع الطيران
من جانبه، يشير خبير طيران سعودي إلى أن القطاع الجوي تضرر بشكل لافت خلال الفترة السابقة، كما يقول الدكتور حسين الزهراني رئيس لجنة الطيران والخدمات المساندة في الغرفة التجارية بجدة، «نتيجة أن الجائحة عصفت بجميع دول العالم الذي فرض وقف حركة الطيران وجميع الأنشطة في المطارات الدولية».
وأوضح الزهراني أن القرار «سيعيد الشغيل الذاتي للشركات، وسيكون هناك بعض الإجراءات لفتح جزئي مع تشديدات على متطلبات الإجراءات الوقاية، وهو ما يكون له تأثير محتمل بتقليص عدد الركاب في الطائرة بحكم التباعد الاجتماعي»، موضحاً أن «الفتح الجزئي سيكون فرصة لشركات الطيران لتقديم خدمات جديدة مختلفة وإعادة النظر في العفش، فبدلاً عن تقديم جميع الخدمات بشكل كامل، ستعمل الشركات على تجزئة الخدمات المقدمة في أسطولها في محاولة لتوفير المصاريف والوقود».
ويرى الزهراني أن قرار العودة بعد نحو أكثر من شهرين من الإغلاق «سيعزز استعادة القطاع عافيته خلال الفترة المقبلة»، مؤكداً في الوقت ذاته أن القرار «جاء في توقيت مهم للغاية؛ حيث لو طالت المدة فستدخل في مرحلة صيانة الطائرات، وسيكون لها انعكاس على الأرباح، والشركات في هذه المرحلة تبحث عن التوازن المالي، وستعمل الشركات للخروج من هذه الأزمة دون خسائر كبيرة».

العودة كاملة
إلى ذلك، يلفت الدكتور لؤي الطيار، الخبير في الشأن الاقتصادي، إلى أن «العودة بشكل كامل وحر لمختلف القطاعات الاقتصادية ينتظر أن تكون منتصف أغسطس (آب) المقبل»، مؤكداً أن «جميع المؤشرات تؤكد أن حكومة السعودية نجحت طيلة هذه الفترة في مواجهة فيروس (كورونا)، والأجهزة المعنية، وفي مقدمتها وزارة الصحة، تعاملت بحرفية، لذلك يعول على أن تكون الأيام المقبلة نقطة انطلاقة صحية للقطاع الاقتصادي والأنشطة التجارية».
وأضاف الطيار أن القرار «جاء في وقت بالغ الأهمية؛ حيث ستكون له انعكاسات كبيرة في تدارك القطاعات التجارية بمختلف نشاطاتها لتعويض خسائرها، خصوصاً مع زيادة ساعات التجول للمواطنين والمقيمين، ما يمكّن كثيراً من الأنشطة في ترويج منتجاتها بشكل أكبر وأوسع، خصوصاً أن الاقتصاد السعودي في الفترة الماضية تأثر جراء الجائحة»، مشدداً على «أهمية الوعي لدعم المستهلك في تنفيذ الاحترازات الوقائية لضمان سلامته في المقام الأول، ولكيلا تكون هناك انعكاسات سلبية على الاقتصاد الوطني».


مقالات ذات صلة

سوق الألعاب السعودية تقترب من 2.4 مليار دولار بنهاية 2025

خاص جانب من منافسات كأس العالم للرياضات الإلكترونية في الرياض (واس)

سوق الألعاب السعودية تقترب من 2.4 مليار دولار بنهاية 2025

بلغ حجم سوق الألعاب الإلكترونية في السعودية نحو 2.39 مليار دولار خلال عام 2025، في وقت تشهد فيه الصناعة تحولاً متسارعاً مدفوعاً بنمو قاعدة اللاعبين.

زينب علي (الرياض)
الاقتصاد ميناء الجبيل التجاري الواقع شرق السعودية (واس)

السعودية: بدء تشغيل محطة الحاويات بميناء الجبيل باستثمارات تتجاوز نصف مليار دولار

أعلنت الهيئة العامة للموانئ (موانئ) بدء تشغيل محطة الحاويات بميناء الجبيل التجاري، باستثمارات ضخمة تتجاوز قيمتها ملياري ريال.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص مستثمران يراقبان تحركات سهم «أرامكو» في السوق السعودية (رويترز)

خاص السوق السعودية تختتم مارس بصعود قوي وسط الصراعات الجيوسياسية

شهد شهر مارس (آذار) أداءً استثنائياً لسوق الأسهم السعودية، حيث واصلت ارتفاعها وسط تراجع معظم بورصات المنطقة، مدفوعاً بقدرة «أرامكو» على استمرار تدفقات النفط.

عبير حمدي (الرياض)
الاقتصاد سعوديات يمارسن أعمالهن في سوق العمل السعودية (واس)

السعوديات يقدن استقرار البطالة بنهاية 2025

في مشهد يعكس التحولات العميقة التي تشهدها سوق العمل في المملكة، برزت السعوديات بوصفهن عاملاً رئيساً في استقرار معدلات البطالة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد صورة جوية للعاصمة السعودية الرياض

صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي بالسعودية ينمو 90 % نهاية 2025

نما صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى السعودية بنحو 90 في المائة خلال الربع الأخير من 2025، في وقت تمضي فيه المملكة قدماً في تحسين بيئة الاستثمار.

عبير حمدي (الرياض)

تنسيق دولي لضمان أمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد المتأثرة بالحرب

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
TT

تنسيق دولي لضمان أمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد المتأثرة بالحرب

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)

اتفقت وكالة الطاقة الدولية، وصندوق النقد والبنك الدوليان، يوم الأربعاء، على تشكيل مجموعة تنسيق تهدف إلى تعظيم استجابة هذه المؤسسات للآثار الطاقية والاقتصادية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط.

وأكد رؤساء المؤسسات الثلاث، في بيان مشترك حول تداعيات الأزمة وآليات العمل المستقبلي، أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطرابات كبيرة طالت الأرواح وسبل العيش في المنطقة، وأدت إلى أحد أكبر أوجه نقص الإمدادات في تاريخ أسواق الطاقة العالمية. وأشار رؤساء المؤسسات إلى أن تأثير هذه الأزمة جوهري، وعالمي، وغير متماثل إلى حد كبير، حيث يتضرر مستوردو الطاقة بشكل غير متناسب، ولا سيما البلدان منخفضة الدخل.

وأوضح البيان أن آثار الأزمة انتقلت بالفعل عبر ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، مما أثار مخاوف جدية بشأن أسعار المواد الغذائية أيضاً. كما تأثرت سلاسل التوريد العالمية، بما في ذلك إمدادات الهيليوم، والفوسفات، والألومنيوم، وغيرها من السلع الأساسية، فضلاً عن تأثر قطاع السياحة نتيجة تعطل الرحلات الجوية في مراكز الطيران الرئيسية بمنطقة الخليج.

وحذر رؤساء المؤسسات من أن تقلبات السوق الناتجة عن ذلك، وضعف العملات في الاقتصادات الناشئة، والمخاوف بشأن توقعات التضخم، تزيد من احتمال اتخاذ سياسات نقدية أكثر تشدداً وتؤدي إلى ضعف النمو الاقتصادي.

مجموعة تنسيق لمواجهة الأزمة

في ظل هذه الأوقات التي تتسم بعدم اليقين الشديد، شدد البيان على ضرورة توحيد جهود المؤسسات الثلاث لمراقبة التطورات، وتنسيق التحليلات، ودعم صناع السياسات لتجاوز هذه الأزمة. ويستهدف هذا التنسيق بشكل خاص الدول الأكثر عرضة للآثار المترتبة على الحرب، وتلك التي تواجه مساحة محدودة للسياسات ومستويات عالية من الديون.

ولضمان استجابة منسقة، اتفق الرؤساء على تشكيل مجموعة عمل تتولى المهام التالية:

  • تقييم حدة الآثار: عبر تبادل البيانات المنسقة حول أسواق الطاقة وأسعارها، والتدفقات التجارية، والضغوط على المالية العامة وميزان المدفوعات، واتجاهات التضخم، والقيود المفروضة على تصدير السلع الأساسية، واضطرابات سلاسل التوريد.
  • تنسيق آلية الاستجابة: التي قد تشمل تقديم مشورة سياساتية مستهدفة، وتقييم الاحتياجات التمويلية المحتملة، وتوفير الدعم المالي المرتبط بها (بما في ذلك التمويل الميسر)، واستخدام أدوات تخفيف المخاطر حسب الاقتضاء.
  • حشد أصحاب المصلحة: إشراك الشركاء الدوليين والإقليميين والثنائيين الآخرين لتقديم دعم منسق وفعال للدول المحتاجة.

واختتم رؤساء المؤسسات بيانهم بالتأكيد على التزامهم بالعمل المشترك لحماية الاستقرار الاقتصادي والمالي العالمي، وتعزيز أمن الطاقة، ودعم البلدان والمتضررين في مسيرتهم نحو التعافي المستدام، والنمو، وخلق فرص العمل من خلال الإصلاحات اللازمة.


صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)

رغم إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحرب تقترب من نهايتها، فإن النقاشات داخل البيت الأبيض تبدو أقل اطمئناناً بكثير. فالمسألة لم تعد محصورة في تكلفة العمليات العسكرية أو في سؤال متى تنتهي الحملة، بل باتت تدور أيضاً حول ما الذي سيحدث إذا بقيت إمدادات الطاقة مختنقة وارتفع النفط إلى 150 دولاراً أو حتى 200 دولار للبرميل. هذا هو جوهر القلق الذي تعكسه المناقشات الأخيرة في الإدارة، بحسب تقرير في «بوليتيكو»، والذي يتحدث عن تعامل داخلي مع 100 دولار بوصفها «خط أساس» لا سقفاً، وعن بحث أفكار طارئة لاحتواء الصدمة الاقتصادية المحتملة.

المفارقة أن الأسواق التقطت، يوم الأربعاء، إشارات ترمب الإيجابية أكثر مما التقطت تحذيرات خبراء الطاقة. فقد تراجع برنت إلى قرب 102 دولار، بل هبط في لحظة ما دون 100 دولار، بعد قوله إن القوات الأميركية قد تغادر خلال «أسبوعين أو ثلاثة». لكن هذا التراجع لا يلغي أن الأسعار كانت قد قفزت بقوة طوال مارس (آذار)، وأن السوق لا تزال تتعامل مع إغلاق أو تعطيل مضيق هرمز باعتباره الخطر الأكبر والأكثر مباشرة على الاقتصاد العالمي.

سيناريو 150 و200 دولار

السبب الأساسي هو أن الخطر لم يعد نظرياً. فمضيق هرمز يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية، ومع استمرار الاختناقات والهجمات على الملاحة والطاقة، بدأت الأسواق تدخل مرحلة مختلفة: مرحلة النقص المادي الفعلي، لا مجرد الخوف النفسي أو المضاربة. وكالة الطاقة الدولية حذرت، الأربعاء، من أن خسائر الإمدادات في أبريل (نيسان) قد تتضاعف مقارنة بمارس، بعدما كان الشهر الماضي يستفيد جزئياً من شحنات كانت قد غادرت قبل تفاقم الأزمة.

هذا يعني أن الأثر الحقيقي قد يكون مؤجلاً لا غائباً. فحتى لو انخفض النفط لساعات أو أيام بفعل تصريحات سياسية، فإن نقص الديزل ووقود الطائرات وارتفاع تكلفة النقل قد يواصلان الضغط على الاقتصاد. لذلك فإن الحديث عن 150 دولاراً لم يعد يُقرأ بوصفه تهويلاً إعلامياً فقط، فيما يبدو سيناريو 200 دولار مرتبطاً خصوصاً باستمرار إغلاق هرمز أو بتوسع الضربات على البنية التحتية للطاقة.

أسعار البنزين معروضة في محطة وقود تابعة لشركة «شل» في أوستن بتكساس (أ.ف.ب)

الخطط المطروحة

المؤكد حتى الآن أن إدارة ترمب لا تعلن خطة واحدة حاسمة، لكنها تبحث سلّة أدوات طوارئ. يشير تقرير «بوليتيكو» إلى بحث «صلاحيات طارئة إضافية» وإلى تنسيق عبر «المجلس الوطني لهيمنة الطاقة»، مع انخراط وزارات الدفاع والطاقة والتجارة والخارجية والداخلية في هذه المناقشات. كما ينقل أن مسؤولين في البيت الأبيض يدرسون كل فكرة يمكن أن تخفف أسعار الطاقة أو تحد من اضطراب سلاسل التوريد.

وعلى المستوى الدولي، تبدو الخيارات الأكثر واقعية هي السحب الإضافي من الاحتياطات الاستراتيجية، وهو أمر قالت وكالة الطاقة الدولية إنها تدرسه بعد سحب قياسي سابق بلغ 400 مليون برميل.

كما يجري الحديث في بعض الدوائر عن إجراءات لخفض الطلب، لا العرض فقط، مثل تشجيع العمل عن بُعد أو تدابير ترشيد استهلاك الوقود إذا تفاقمت الأزمة. لكن المشكلة أن هذه الأدوات تخفف الصدمة ولا تُنهيها، لأن العطب الأساسي يبقى في المرور عبر هرمز وفي سلامة منشآت الطاقة المتضررة.

أما الخيارات الأكثر حساسية سياسياً، مثل تقييد الصادرات النفطية الأميركية لخفض الأسعار المحلية، فهي تظل مثار قلق داخل قطاع الطاقة نفسه، لأنها قد تربك السوق أكثر مما تعالجها. كذلك فإن زيادة الإنتاج الأميركي ليست وصفة سريعة؛ فالولايات المتحدة منتج ضخم فعلاً، لكن توسيع الإمداد بسرعة يواجه قيوداً لوجيستية وتكريرية وسوقية. لهذا تبدو واشنطن، في الجوهر، قادرة على شراء الوقت أكثر من قدرتها على فرض عودة فورية إلى «الوضع الطبيعي».

سفينة شحن ترفع العلم الهندي حاملةً غاز البترول المسال عبر مضيق هرمز لدى وصولها إلى ميناء مومباي (إ.ب.أ)

التداعيات المحتملة

في الداخل الأميركي، الخطر السياسي يوازي الخطر الاقتصادي. فمتوسط البنزين تجاوز 4 دولارات للغالون، وأي قفزة جديدة ستتحول سريعاً إلى عبء على الأسر، خصوصاً الفئات الأفقر، عبر الوقود والنقل وأسعار السلع. وهذا ما يجعل صدمة النفط أشبه بـ«ضريبة» واسعة النطاق على الاستهلاك، تستنزف الدخل المتاح وتضغط على شعبية البيت الأبيض والجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي.

أمّا خارجياً، فالتداعيات أوسع. أوروبا تستعد لاستقبال آثار نقص الإمدادات خلال أبريل ومايو (أيار)، وآسيا تعاني أصلاً شحاً في وقود الطائرات والديزل والغاز النفطي المسال. وقد حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن الأزمة الراهنة قد تتجاوز، من حيث الحجم والتشابك، صدمات طاقة كبرى سابقة، بينما خفضت مؤسسات اقتصادية توقعات النمو في أوروبا بسبب التضخم وتكلفة الطاقة. بعبارة أخرى، لا يهدد نفط الـ150 دولاراً أو الـ200 دولار جيوب المستهلكين فقط، بل يهدد أيضاً النمو، والتضخم، وأسعار الفائدة، واستقرار الأسواق.

لهذا يمكن القول إن لدى إدارة ترمب «خططاً» بالمعنى الإجرائي، لا «حلّاً» بالمعنى الاستراتيجي. هناك أدوات طوارئ، واحتياطات يمكن السحب منها، ومناقشات مستمرة لاحتواء الأسعار. لكن نجاح هذه الأدوات يبقى رهناً بالمتغير الأهم: هل ينتهي القتال فعلاً؟ وهل يُفتح مضيق هرمز بصورة آمنة ومستقرة؟ إذا كان الجواب نعم، فقد يبقى سيناريو 150 أو 200 دولار مجرد كابوس استباقي. أما إذا طال أمد الحرب أو استمر تعطيل الملاحة، فإن البيت الأبيض قد يجد نفسه أمام حقيقة قاسية: الانتصار العسكري وحده لا يكفي إذا كان ثمنه صدمة نفطية عالمية.


مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
TT

مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)

أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية الصادرة الأربعاء، زيادة غير متوقعة وكبيرة في مخزونات النفط الخام بالولايات المتحدة خلال الأسبوع الماضي، في حين سجلت مخزونات البنزين والمشتقات النفطية تراجعاً ملحوظاً.

وقفزت مخزونات الخام بمقدار 5.5 مليون برميل لتصل إلى 461.6 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 27 مارس (آذار)، وهو رقم تجاوز بكثير توقعات المحللين في استطلاع «رويترز» التي كانت تشير إلى زيادة متواضعة قدرها 814 ألف برميل فقط. كما ارتفعت المخزونات في مركز التسليم الرئيسي في كوشينغ بولاية أوكلاهوما بنحو 520 ألف برميل.

وحافظت أسعار النفط على خسائرها المسجلة في وقت سابق من الجلسة عقب صدور هذه البيانات؛ حيث تراجع خام برنت العالمي إلى 101.85 دولار للبرميل (بانخفاض قدره 2.12 دولار)، بينما هبط خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى 99.32 دولار للبرميل (بانخفاض 2.06 دولار).

نشاط المصافي والمشتقات

سجل التقرير انخفاضاً في عمليات تكرير الخام بنحو 219 ألف برميل يومياً، مع تراجع معدلات تشغيل المصافي بنسبة 0.8 في المائة. وفيما يخص المنتجات النهائية:

  • البنزين: تراجعت المخزونات بمقدار 0.6 مليون برميل لتصل إلى 240.9 مليون برميل.
  • المشتقات (الديزل وزيت التدفئة): سجلت انخفاضاً أكبر من المتوقع بمقدار 2.1 مليون برميل، مقابل توقعات بتراجع طفيف قدره 0.6 مليون برميل فقط.

كما أشار التقرير إلى انخفاض صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام بمقدار 209 آلاف برميل يومياً خلال الأسبوع الماضي.