«كورونا» سلّط الضوء على عدم المساواة في كرة القدم الإنجليزية

فجوة مالية هائلة بين الدوري الممتاز والبطولات الثلاث التالية

الدوري الإنجليزي الممتاز لم يسبق له أن أذاع أي مباراة مجاناً على الهواء مباشرة منذ عام 1992 (غيتي)
الدوري الإنجليزي الممتاز لم يسبق له أن أذاع أي مباراة مجاناً على الهواء مباشرة منذ عام 1992 (غيتي)
TT

«كورونا» سلّط الضوء على عدم المساواة في كرة القدم الإنجليزية

الدوري الإنجليزي الممتاز لم يسبق له أن أذاع أي مباراة مجاناً على الهواء مباشرة منذ عام 1992 (غيتي)
الدوري الإنجليزي الممتاز لم يسبق له أن أذاع أي مباراة مجاناً على الهواء مباشرة منذ عام 1992 (غيتي)

ألقت كارثة فيروس كورونا الضوء على الجوانب المالية لكرة القدم الإنجليزية. ومثلما كانت هناك دعوات لإجراء تحسينات كبيرة بهدف التغلب على عدم المساواة في العديد من القطاعات في البلاد، عندما ينتهي هذا الوباء، ينصب التركيز الآن على عدم المساواة الموجود أيضاً في كرة القدم، ومدى استمرار هذا الأمر الغريب بعد ذلك. لقد اتسعت الفجوة المالية بين الدوري الإنجليزي الممتاز وبقية المسابقات في إنجلترا، بشكل كبير على مدار الـ28 عاماً الماضية، بالتحديد منذ أن انفصلت أندية دوري الدرجة الأولى (الدوري الإنجليزي الممتاز حالياً) عن مشاركة الأمور المالية مع الدوريات الثلاثة الأخرى، لكن هذه الفجوة أصبحت تتسم بالوحشية الآن.
وفي الوقت الذي يسعى فيه الدوري الإنجليزي الممتاز جاهداً لاستئناف مبارياته، من أجل الالتزام ببنود تعاقداته مع جهات البث التلفزيوني التي تمنحه أموالاً طائلة مقابل بث المباريات، والسعي للحصول على دعم حكومي من خلال الزعم بأنه يوزع أموالاً كثيرة على باقي النظام الكروي في البلاد، فإن أندية دوري الدرجة الثانية ودوري الدرجة الثالثة تشعر بالقلق الشديد من عدم قدرتها على الوفاء بالتزاماتها المالية في الوقت الحالي. جدير بالذكر أن الأندية الألمانية الأربعة المشاركة في دوري أبطال أوروبا لكرة القدم قررت تقديم مبلغ 20 مليون يورو (21.7 مليون دولار) لدعم الأندية الأخرى في الدوري الألماني (بوندسليغا)، ودوري الدرجة الثانية، التي تضررت إثر أزمة انتشار فيروس كورونا المستجد (كوفيد - 19). وذكرت رابطة الدوري الألماني، في وقت سابق، أن أندية بايرن ميونيخ وبوروسيا دورتموند ولايبزغ وباير ليفركوزن، ستتخلى عن مبلغ 12.5 مليون يورو من عائدات البث التلفزيوني المحلي، لم يوزع بعد، وستضيف إليه مبلغ 7.5 مليون يورو من صناديقها الخاصة من أجل دعم الأندية الأخرى. وستتولى رابطة الدوري آلية توزيع تلك المبالغ على الأندية. وقال كريستيان شايفرت رئيس الرابطة، «هذه الحملة تؤكد أن التضامن في الدوري الألماني ودوري الدرجة الثانية ليس مجرد أمر شفهي. الرابطة ممتنة للغاية للأندية الأربعة المنافسة في دوري الأبطال».
ويمتلك ريك باري، رئيس رابطة أندية الدرجات من الثانية إلى الرابعة، خبرات هائلة، كما أنه كان «المهندس» المدبر لانفصال الدوري الإنجليزي الممتاز عن باقي دوريات المحترفين في إنجلترا، وكان أول رئيس تنفيذي للدوري الإنجليزي الممتاز بعد انفصاله، لكنه رغم ذلك يعتقد أن الفجوة المالية بين الدوري الإنجليزي الممتاز وباقي الدوريات الإنجليزية قد اتسعت أكثر من اللازم. وخلال هذه الأزمة، تلقى وزير الثقافة البريطاني، أوليفر دودن، ووزير الرياضة، نايغل هودلستون، بعض المعلومات السريعة عن حقائق الشؤون المالية لكرة القدم، واقترحا خطوتين أساسيتين للتغلب على العقبات الموجودة في هذا الصدد.
جاءت الخطوة الأولى بعد أن أعلن دودن نفسه في البرلمان، الشهر الماضي، عن رغبته في استئناف مباريات الدوري الإنجليزي الممتاز مرة أخرى «في أقرب وقت ممكن»، مشيراً إلى أن هذا «سيساعد في تحرير الموارد المالية لبقية النظام الكروي في البلاد». من المفهوم أن باري سرعان ما تساءل عن هذا الأمر، كما أخبرت رابطة أندية الدرجات من الثانية إلى الرابعة، دودن، بأن الدوري الإنجليزي الممتاز قد قدم بالفعل نصف «أموال التضامن» الصغيرة نسبياً المخصصة للموسم المقبل للدوريات الأدنى من الدوري الإنجليزي الممتاز، وبالتالي فإنه لن يدفع المزيد من الأموال إلى تلك الدوريات عندما يستأنف الدوري الإنجليزي الممتاز مباريات هذا الموسم.
أما الخطوة الثانية، التي أغضبت الكثير من لاعبي كرة القدم، فكان تأكيد الدوري الإنجليزي الممتاز على الملأ أنه يدفع حوالي 400 مليون جنيه إسترليني في الموسم الواحد للدوريات الأدنى من الدوري الممتاز. ويشمل هذا المبلغ 273 مليون جنيه إسترليني، أي نحو 70 في المائة من المبلغ الإجمالي تقريباً، في صورة أموال تدفع للأندية التي تهبط من الدوري الإنجليزي الممتاز، حتى تكون قادرة على تدعيم صفوفها والعمل على الصعود للدوري الإنجليزي الممتاز مرة أخرى، وهو الأمر الذي يضرب الاستقرار المالي وعدالة المنافسة في دوري الدرجة الأولى.
ونظراً لأن دودين وهودليستون ما زالا جديدين في منصبيهما، فيبدو أنهما لم يفهما بعد كيف يتم حساب تلك الحصص المالية، إذ إن إجمالي أموال «التضامن» التي تتم مشاركتها مع جميع أندية الدوريات الأدنى من الدوري الإنجليزي الممتاز، التي يتم الحصول عليها من عائدات البث التلفزيوني لمباريات الدوري الإنجليزي الممتاز، والتي وصلت إلى 8.65 مليار جنيه إسترليني، خلال الفترة بين عامي 2019 و2022، تصل إلى 98 مليون جنيه إسترليني لكل الموسم، بما يعادل 3.4 في المائة فقط من إجمالي عائدات البث التلفزيوني. وقد تم إنفاق 100 مليون جنيه إسترليني إضافية خلال السنوات الأخيرة على المرافق الشعبية والمشروعات المجتمعية، وهو عمل جيد ومثير للإعجاب، ويتم الإعلان عنه على الملأ كثيراً، لكنه لا يمثل أيضاً سوى 3.4 في المائة من إجمالي عائدات البث التلفزيوني.
لذا يدعي الدوري الإنجليزي الممتاز أن استئناف المباريات سوف يسمح مرة أخرى بـ«تحرير الموارد المالية» من خلال النظام الكروي في البلاد. والآن، هناك أزمة مالية حقيقية تظهر في الأفق، خصوصاً في القطاع الصحي، وبالتالي فإن الحكومة التي تدعم حالياً قطاعات كاملة من الاقتصاد، لن تقدم المساعدة للدوري الإنجليزي الممتاز الذي يحصل على مليارات هائلة من عائدات البث التلفزيوني، ولا يقدم سوى حصة ضئيلة منه للدوريات الأدنى!
وخلال مكالمة الفيديو التي أجراها في وقت سابق، طلب كل من دودن وهدلستون من ريتشارد ماسترز، الرئيس التنفيذي للدوري الإنجليزي الممتاز، أن يناقش مع باري والرئيس التنفيذي للاتحاد الإنجليزي لكرة القدم، مارك بولينغهام، كيفية «ضمان استخدام بعض التمويل من المسابقات التي سيتم استئنافها لمساعدة باقي منافسات كرة القدم على النطاق الأوسع». وقالت الحكومة، أيضاً، إن دعمها المثير للجدل لاستئناف مباريات كرة القدم بدون جمهور يجب أن يقابله «توسيع نطاق وصول المشجعين لمشاهدة التغطية الحية للمباريات». ويبدو أن الوزراء يقصدون البث المجاني للمباريات عبر شاشات التلفزيون، لكن الدوري الإنجليزي الممتاز الذي لم يسبق له أن أذاع أي مباراة مجاناً على الهواء مباشرة منذ عام 1992، من غير المرجح أن يفعل أي شيء قد يقلل من العائدات التي يحصل عليها من البث التلفزيوني.
من الواضح أن هناك عقبات كبيرة يجب التغلب عليها إذا كانت كرة القدم تسعى لاستئناف المباريات مرة أخرى، وأكبر هذه العقبات بالطبع هو فيروس كورونا الذي أودى بحياة أكثر من 40 ألف شخص في بريطانيا. من غير الواضح على الإطلاق ما إذا كان استئناف المباريات ممكناً أو آمناً أو مناسباً، أو ما إذا كان سيعزز الروح المعنوية للأمة، كما زعم رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون. وكان تروي ديني هو آخر لاعب في الدوري الإنجليزي الممتاز يشكك في جدوى استئناف المباريات في ظل هذه الظروف! لكن عندما يتم استئناف المباريات أخيراً، وعندما تبدأ بريطانيا في الخروج من هذه الأزمة، ربما يمكن أن يكون هناك «إعادة ضبط» للهياكل المنقسمة وعدم المساواة في كرة القدم الإنجليزية، إلى جانب إعادة بناء جميع القطاعات الضرورية الأخرى التي ستحتاجها البلاد.


مقالات ذات صلة


نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
TT

نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)

أعلنت «نقابة الصحفيين» المصرية تضامنها مع أعضائها الذين قدم ضدهم المدير الفني لمنتخب مصر لكرة القدم، حسام حسن، ومدير المنتخب إبراهيم حسن بلاغات تتضمن اتهامات بنشر أخبار كاذبة و«تحريض الجماهير» على خلفية تناول 3 من النقاد الرياضيين أداء المنتخب خلال الفترة الماضية.

وأعربت «نقابة الصحفيين» المصرية أنها تتابع ببالغ الاستياء ما تم تداوله بشأن قيام الكابتن حسام حسن (المدير الفني للمنتخب الوطني) والكابتن إبراهيم حسن (مدير المنتخب) بتقديم بلاغات ضد الزملاء: أبو المعاطي زكي، وأحمد عبد الباسط، ومحمد المهدي، وذلك على خلفية نشرهم أخباراً ومعلومات تخص الشأن الرياضي.

وأكدت النقابة في بيان نشره النقيب خالد البلشي على صفحته بموقع «فيسبوك» تضامنها الكامل مع الزملاء، وتمسكها بحقهم في ممارسة عملهم الصحافي بحرية ومسؤولية، وأنها تُدين هذه الممارسات التي من شأنها تصعيد الأزمة، وتحويل الخلاف المهني إلى نزاع قانوني.

«نقابة الصحفيين» المصرية (فيسبوك)

وشددت النقابة على أن «النقد الرياضي ليس جريمة، بل هو حق أصيل، وأن تقييم أداء الأجهزة الفنية والقرارات المتعلقة بالمنتخبات الوطنية جزء من الدور، الذي تضطلع به الصحافة الرياضية، مع الالتزام بأصول المهنة ومواثيقها» وأكد البيان أن ما يقوم به الصحافيون الرياضيون هو جزء أصيل من العمل الصحافي، وهم أحد أعمدة الرياضة المصرية، وقد كانوا دائماً السند الحقيقي للمنتخبات الوطنية في مختلف المحافل.

وعدَّت النقابة تقديم بلاغات ضد أعضائها الثلاثة بسبب نشر أخبار أو آراء نقدية، حتى إن كانت مخالفة للرأي العام، أو لوجهة نظر الأجهزة الفنية، يمثل خروجاً عن السياق العام للعلاقة بين الجهاز الفني للمنتخب، والصحافة الرياضية. ولفتت إلى أن القانون ومواثيق الشرف الصحافي تؤكد أن الأصل في التعامل مع أي خلاف مهني هو «حق الرد»، وليس اللجوء الفوري للتقاضي.

وأضافت النقابة أن الأولى بحسام وإبراهيم حسن، إذا كان لديهما اعتراض على ما نُشر أو أُذيع، أن يقدما روايتهما والحقائق التي يستندان إليها، أو يتقدما بشكوى إلى «نقابة الصحفيين» بصفتها الجهة المهنية المعنية بفحص الشكاوى المتعلقة بالعمل الصحافي.

وليست هذه هي الواقعة الأولى التي يتقدم فيها حسام حسن وشقيقه إبراهيم حسن ببلاغات أو شكاوى ضد الصحافيين والإعلاميين؛ فقد سبق أن تقدما بشكاوى ضد إعلاميين بسبب تناول بعض التفاصيل الفنية المرتبطة بأداء المنتخب، وكان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، برئاسة المهندس خالد عبد العزيز، قد قرر في أغسطس (آب ) الماضي حفظ الشكوى المقدمة من الكابتن حسام حسن، المدير الفني لمنتخب مصر، ضد بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، بشأن ما تضمنته من تناول لأخبار عدَّها تعدياً على حرمة حياته الخاصة، في واقعة مصوَّرة في مكان عام، ورأى المجلس تدخله ضد وسائل الإعلام في هذه الحالة يمثل مساساً بحرية الصحافة والإعلام المكفولة وفق الأطر القانونية والدستورية.

فيما قرر المجلس في سبتمبر (أيلول) الماضي، اتخاذ إجراءات حيال التناول الإعلامي المتعلق بالحياة الخاصة بأسرة الكابتن حسام حسن، المدير الفني للمنتخب الوطني.

حسام حسن خلال إحدى المباريات (الاتحاد المصري لكرة القدم)

وبينما يُبدي الناقد الرياضي المصري أسامة صقر اختلافه مع بيان النقابة، يفسر ذلك بأن المخالفات ليست مرتبطة بالصحافة والجرائد المقروءة وإنما ببرامج فضائية أو رقمية يطرح خلالها البعض وجهات نظرهم. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «النقابة أصدرت بياناً لدعم زملائنا الصحافيين، وإذا كان هؤلاء الصحافيون اختاروا نشر الأخبار محل الجدل في برامجهم الفضائية التي يتكسبون منها، فلماذا لم يعبّروا عن رأيهم في جرائدهم أو مواقعهم الإلكترونية الصحافية؟».

وتابع أنه «يجب أن تكون هناك ضوابط لنشر الأخبار والمعلومات، وفي ظل الشد والجذب الذي يحدث لم نصل إلى أصل الموضوع؛ هل هذه الأخبار والمعلومات حقيقية أم كاذبة؟ يجب وضع آليات وضوابط لحسم هذه المسألة، فإن لم تكن لدى الصحافي أو الإعلامي معلومة كافية وموثقة ومؤكدة لا ينشرها، ونحن نرى حالياً المعركة الدائرة بين محمود الخطيب ومدحت شلبي للأسباب نفسها وهي عدم التيقن من حقيقة الخبر». فيما طلب الناقد الرياضي المصري، سعد صديق، من المدير الفني لمنتخب مصر حسام حسن، التنازل عن كل القضايا وفتح صفحة جديدة مع النقاد الرياضيين.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «أتمنى منه التركيز في مهمته مع منتخب مصر لأن اتهامه للزملاء قرار غير موفق وعليه أن يكون أكثر هدوءاً في تعاملاته، وأن يعمل على لمّ الشمل مع الإعلام وكذلك مع عدد من اللاعبين على رأسهم محمد الشناوي حارس مرمى نادي الأهلي».


هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
TT

هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)

لم يكد الحِبر الذي كُتب به قرار تحويل بطولة كأس الأمم الأفريقية إلى نظام السنوات الأربع يجفّ حتى خرج رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي ليفجّر مفاجأة من العيار الثقيل، مُعلناً رغبة «الاتحاد» في التراجع والعودة إلى النظام التقليدي التاريخي: إقامة البطولة كل عامين.

هذا التحول الدراماتيكي يعكس صراعاً مكتوماً بين الرغبة في الحفاظ على الهوية الأفريقية الشعبية، والضغوط المالية والروزنامات الدولية التي تفرضها الأندية الأوروبية والاتحاد الدولي «فيفا».

أبعاد القرار... زلزال في الرأس الأخضر يخلط أوراق الأجندة الدولية

تأتي تصريحات موتسيبي، التي أطلقها، اليوم الجمعة، خلال «المؤتمر الاستراتيجي للاتحاد الأفريقي لكرة القدم» بجزيرة «سال» في الرأس الأخضر، بحضور رئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو، ونخبة من خبراء اللعبة، لتؤكد أن القرار القارّي ليس مجرد تنظيم مواعيد، بل هو مسألة استراتيجية ترتبط بمداخيل الاتحادات الوطنية التي تعتمد على هذه البطولة كمصدر تمويل رئيسي لتطوير اللعبة والمنشآت.

ويبدو أن التراجع السريع نحو نظام العامين يكشف عن مراجعة عميقة للتوجه السابق للاتحاد الأفريقي، إذ كان الهدف من ذلك التغيير استيعاب نظام جديد لإقامة بطولة دوري الأمم الأفريقية سنوياً لتملأ الأجندة الدولية، وهو ما قال موتسيبي حينها إنه سيكون أكثر ربحية للمؤسسة القارية والاتحادات التابعة لها. فالتفكير في إلغاء نظام السنوات الأربع يوضح أن «الكاف» استشعر خطورة غياب «الكان» لفترات طويلة على الشغف الجماهيري والقيمة التسويقية للمسابقة القارية الأولى، مفضلاً التمسك بخصوصية قارتهم وعدم التنازل عن إرثهم الكُروي تلبية لرغبات أندية القارة العجوز.

رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي يتابع قمة صن داونز والأهلي المصري من مدرجات ملعب «لوفتوس فيرسفيلد» بجنوب أفريقيا 19 سبتمبر 2026 (رويترز)

تاريخ البطولة... من 3 منتخبات في الخرطوم إلى قمة التنافس القاري

لفهم عمق هذا الإرث، يجب العودة بالذاكرة إلى شتاء عام 1957، حين انطلقت الشرارة الأولى للبطولة في العاصمة السودانية الخرطوم بمشاركة 3 منتخبات فقط هي مصر، والسودان، وإثيوبيا، عقب تأسيس الاتحاد الأفريقي.

ومنذ تلك النسخة التي تُوّج الفراعنة بلقبها الأول، تحولت البطولة إلى تظاهرة ثقافية ورياضية تُعبر عن استقلال الشعوب الأفريقية وتماسكها القاري، حيث استمرت تلعب بانتظام شديد كل عامين، مقدمةً للعالم أساطير كُروية حفرت أسماءها في السجلات العالمية.

وطوال عقود، صمد هذا الموعد الثابت أمام كل التحديات السياسية والاقتصادية، ليصبح بمثابة «الأولمبياد الأفريقي»، الذي لا يمكن لعشاق الساحرة المستديرة في القارة العيش من دونه.

خريطة الأبطال والدول المشارِكة... صراع العمالقة على عرش السمراء

عبر تاريخها الطويل، شهدت البطولة تحولات جذرية في عدد الدول المشارِكة، إذ قفز العدد من 3 منتخبات ليصبح 8 في السبعينيات، ثم 12، و16، وصولاً إلى النظام الحالي الذي يضم 24 منتخباً يتنافسون في نهائيات شرسة تقام على ملاعب القارة.

وتتربع مصر على عرش الأرقام القياسية كأكثر الدول فوزاً باللقب برصيد 7 كؤوس، يليه منتخب الكاميرون «الأسود غير المروَّضة» بـ5 ألقاب، ثم غانا بـ4 ألقاب، وتأتي نيجيريا وساحل العاج في المراتب التالية بـ3 ألقاب لكل منهما، في خريطة تنافسية تعكس تقلب موازين القوى الرياضية بين شمال القارة وغربها ووسطها.

لوائح وقوانين اللعبة... تطور تنظيمي يواكب معايير الاحتراف العالمي

لم يقتصر التطور على عدد المنتخبات، بل امتد إلى القوانين المنظِّمة وتوقيتات المسابقة، فبعد عقود من إقامة البطولة في شهريْ يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) وسط الموسم الكُروي الأوروبي، مما كان يثير أزمات حادة مع الأندية الكبرى التي تضم النجوم الأفارقة، اتجه «الكاف»، في السنوات الأخيرة، إلى ترحيل البطولة لتقام في فصل الصيف تماشياً مع الأجندة الدولية، وإن كانت بعض النسخ تعود للشتوية لظروف الطقس الاستوائي.

وتخضع المسابقة راهناً لأحدث قوانين الاتحاد الدولي، بما في ذلك تطبيق تقنية الفيديو المساعد «VAR» منذ الأدوار الأولى، ونظام المجموعات الست التي يتأهل منها المتصدر والوصيف وأفضل أربعة ثوالث إلى دور الستة عشر، وهي حزمة من القوانين التي نقلت «الكان» من العشوائية التاريخية إلى قمة الاحترافية التنظيمية العالمية.


لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
TT

لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)

انطلقت في العاصمة البريطانية لندن، أعمال قمة «أسبوع القادة الرياضي» (Leaders Week London) الممتدة على مدار يومين في معقل نادي تشيلسي الإنجليزي «ستامفورد بريدج»، وسط حضور استثنائي يضم أكثر من 100 متحدث من كبار الرؤساء التنفيذيين والمستثمرين وصناع القرار في قطاع الرياضة والأعمال حول العالم.

وتأتي نسخة هذا العام لتناقش ملفات ساخنة تُعيد رسم خريطة الاقتصاد الرياضي العالمي، وفي مقدمتها تدفقات رؤوس الأموال الجريئة، والتحولات الرقمية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، بجانب القفزات التجارية غير المسبوقة التي تشهدها الرياضة النسائية.

ثقل سعودي في المشهد الرياضي الدولي

وتتجه أنظار المراقبين والمشاركين في القمة نحو المشاركة السعودية الحيوية، التي تجسد العمق الاستراتيجي للمملكة كقوة تحولية في صناعة الرياضة العالمية. ويبرز اسم صندوق الاستثمارات العامة (PIF) كأحد أهم محاور النقاش في أروقة القمة، نظراً للدور المحوري الذي يلعبه الصندوق في صياغة نماذج استثمارية مستدامة عابرة للقارات.

وتأتي هذه المشاركة في وقت نجحت فيه الرياضة السعودية في فرض نفسها كمركز جذب رئيسي للأحداث الرياضية الكبرى عالمياً، تماشياً مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» التي وضعت القطاع الرياضي كأحد الروافد الأساسية لتنويع الاقتصاد، وبناء الشراكات الدولية، وتعزيز جودة الحياة.

إعادة تعريف «اقتصاد الرياضة» والاستثمار الجريء

وتشهد جلسات القمة نقاشات موسعة حول صعود صناديق الثروة السيادية ومجموعات الملكية الخاصة، حيث يستعرض قادة قطاع المال والرياضة آليات تقييم الأندية والبطولات وتطوير البنية التحتية للمسابقات.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن النموذج السعودي في الاستثمار الرياضي، والقائم على الموازنة بين الاستحواذات الدولية النوعية وتطوير المواهب المحلية، بات يشكل مرجعية دراسية في كيفية تحويل الرياضة من مجرد نشاط ترفيهي إلى قطاع اقتصادي منتج ومستدام.

الذكاء الاصطناعي ومستقبل البث الرقمي

المحور التقني لم يغب عن الأجندة؛ حيث تفرد القمة مساحات واسعة لبحث دمج الذكاء الاصطناعي في تحليل الأداء الرياضي وتخصيص تجربة المشجعين. وتناقش الجلسات كيف يمكن للأندية والاتحادات الكبرى الاستفادة من البيانات الضخمة لتعزيز الإيرادات التجارية وتطوير البث الرقمي عبر منصات العرض المباشر للمستهلك (DTC)، وهي خطوة تسعى من خلالها المؤسسات الرياضية إلى جذب الأجيال الجديدة التي باتت تفضل المحتوى الرقمي التفاعلي والقصير على حساب البث التلفزيوني التقليدي.

استدامة مالية ونمو تاريخي للرياضة النسائية

وفي سياق متصل، تسلط القمة الضوء على «الانفجار التجاري» للرياضة النسائية، وميلاد عهد جديد يعتمد على فصل الحقوق التجارية والرعايات للأندية النسائية عن فرق الرجال. ويبحث المجتمعون سبل الحفاظ على وتيرة هذا النمو التاريخي، وتطوير البنى التحتية الإدارية والفنية لتواكب القيمة السوقية المتصاعدة للبطولات النسائية حول العالم.

وتختتم القمة أعمالها ببحث التوسع الجغرافي للمسابقات الكبرى، وبناء الشراكات العابرة للحدود، في وقت يجمع فيه خبراء المال والرياضة على أن لغة الاستثمار الرياضي باتت المحرك الأساسي للدبلوماسية الناعمة وبناء الجسور الاقتصاديّة بين شرق العالم وغربه.