ميتش ماكونيل.. عقدة أوباما

السيناتور الجمهوري أتقن معارضة الرئيس في الكونغرس.. وحقق حلمه بتولي منصب زعيم الأغلبية

ميتش ماكونيل.. عقدة أوباما
TT

ميتش ماكونيل.. عقدة أوباما

ميتش ماكونيل.. عقدة أوباما

يبرز السيناتور الجمهوري ميتش ماكونيل كنجم صاعد في سماء الفوز التاريخي للحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس التي جرت الأسبوع الماضي. فمن المتوقع بقوة أن يتم انتخاب ماكونيل ليكون زعيما للأغلبية في مجلس الشيوخ الأميركي عندما يبدأ المجلس جلساته رسميا في 3 يناير (كانون الثاني) المقبل. ويحقق ماكونيل بذلك حلما استمر معه أكثر من 6 عقود منذ كان طفلا صغيرا، وقصة نجاح وصعود داخل الحزب الجمهوري داخل أروقة الكونغرس استمرت 3 عقود.
يستمتع الجمهوريون بموجة الانتصارات التي تحققت لهم بالسيطرة على الكونغرس الذي يحمل رقم 114 في تاريخ الكونغرس الأميركي. وقد فاز الجمهوريون بـ52 مقعدا مقابل 45 للديمقراطيين في مجلس الشيوخ (المكون من 100 عضو) وقد يزيد عدد الجمهوريين وفقا لنتائج الانتخابات في كل من ألاسكا ولويزيانا، وحصل المرشحون الجمهوريون على 242 مقعدا في مجلس النواب مقابل 173 مقعدا للديمقراطيين (الذي يضم 435 عضوا)، وبات نصب أعينهم التحضير للانتخابات الرئاسية لعام 2016.
ويقول المحللون إن الجمهوريين لم يقدموا جدول أعمال ولا خطة أو رؤية جديدة خلال انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، وإنما اعتمدوا في السباق الانتخابي على 3 كلمات فقط هي «سياسات أوباما فاشلة»، بينما أمضى الديمقراطيون الكثير من الوقت والجهد للابتعاد عن أوباما، وسياساته وهو ما كان بارزا في السباق بين ميتش ماكونيل، ومنافسته الديمقراطية اليسون غرايمز.
وسيقود السيناتور الجمهوري عن ولاية كنتاكي ميتش ماكونيل (73 عاما) دفة مجلس الشيوخ في سن القوانين والتشريعات بداية من العام المقبل، وسيكون الرجل الأكثر أهمية في الدوائر السياسية الأميركية كزعيم للأغلبية.
ويواجه ماكونيل السبعيني تحديات على عدة مستويات أولها قدرته على إدارة الحزب الجمهوري، وإظهاره قادرا على إدارة الحكم، وإبقاء الجمهوريين على مختلف توجهاتهم سعداء، وهي مهمة ليست بالسهلة. والتحدي الآخر هو ملاحقة الحزب الديمقراطي وتقليص قدرات الإدارة الأميركية في عدة قضايا. ومن المتوقع أن يشهد المسرح السياسي الأميركي اتفاقا أحيانا وخلافا أحيانا أكثر بين الإدارة والكونغرس.
القضايا التي تجد مساحة من الاتفاق هي التوافق على ضرورة تحفيز الاقتصاد وإبرام الاتفاقات التجارية مع دول العالم وخلق مزيد من فرص العمل والإصلاح الضريبي وتعزيز جهود مكافحة مرض الإيبولا. وقد أعلن السيناتور ميتش ماكونيل أنه لن يكون هناك إغلاق للحكومة الفيدرالية عند مناقشة الكونغرس للميزانية الأميركية وسقف الدين، والتوجه نحو تبسيط الضرائب للشركات والموافقة على خط أنابيب كيستون.
وفي القضايا الخارجية، من المتوقع أن يوافق الكونغرس على التصويت على قوانين تتيح مزيد من التدريب والتسليح للمعارضة السورية والموافقة على تفويض يخول للإدارة الأميركية استخدام القوة ضد تنظيم داعش.
لكن هناك أيضا قضايا خلافية عميقة مثل قانون الرعاية الصحية (أوباما كير) فالجمهوريون ليست لديهم الأصوات الكافية في مجلس الشيوخ لإلغاء قانون «أوباما كير» ويتطلب الأمر 67 صوتا بينما عدد الجمهوريين 52 عضوا فقط في مجلس الشيوخ.
وتعد قضية إصلاح الهجرة من أكبر القضايا الخلافية التي تنذر بالصدام والصراع بين إدارة أوباما والكونغرس. ويرفض الجمهوريون سعي أوباما لتقنين أوضاع ملايين من المهاجرين غير الشرعيين ومنحهم عفوا عن خرق القانون وتعهد أوباما باستخدام سلطته التنفيذية لتعديل قوانين الهجرة.
ويطالب بعض الجمهوريين باستخدام ورقة إغلاق الحكومة الفيدرالية كورقة ضغط لمطالبة إدارة أوباما بتقديم تنازلات بشأن قانون الرعاية الصحية ووقف أوباما عن تنفيذ خططه في إصلاح نظام الهجرة من خلال أمر تنفيذي، لكن بعض المعتدلين من الحزب الجمهوري يرون أن القيام بذلك قد يبدد المكاسب التي حظي بها الحزب وثقة الناخبين.
ومن المتوقع أن تتأثر السياسة الخارجية الأميركية بنتيجة انتخابات التجديد النصفي وسيطرة الجمهوريين على الكونغرس، وسيكون ملف التفاوض الأميركي مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية من أول القضايا التي ستشهد خلافا بين الإدارة والكونغرس، فالحزب الجمهوري يرفض طريقة إدارة أوباما للمفاوضات مع إيران. وقد سبق لمجلس النواب الذي يسيطر عليه الجمهوريون التصويت لصالح فرض مزيد من العقوبات على إيران العام الماضي، وتمكن زعيم الأغلبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ هاري ريد من منع التصويت لصالح فرض هذه العقوبات وإتاحة الفرصة للمفاوضات مع طهران.
لكن سيكون على الحزب الجمهوري أولا توحيد صفوفه وتجميع النواب الجمهوريين الذين ينقسمون ما بين معتدلين ومحافظين وحشد مزيد من الأصوات من الجناح المتطرف لتيار حزب الشاي، لمواجهة خطة أوباما الصحية (أوباما كير) والقيام بمزيد من التقييد على سياسات إدارة أوباما.
السيناتور ماكونيل الذي يعد أبرز مهندسي الحزب الجمهوري في سحق تيار حزب الشاي، عاد وأبدى استعداده للعمل مع غريمه من تيار حزب الشاي تيد كروز. وأعلن استعداد حزبه للتعاون مع إدارة أوباما بما يحقق مصلحة الناخبين الأميركيين. وفي ظل سيطرة الجمهوريين على غرفتي الكونغرس فإنه من المتوقع أن يعمل ماكونيل بشكل متناغم مع رئيس مجلس النواب الجمهوري جون بوينر لتحقيق أهداف الحزب في إصلاح النظام الضريبي، والحد من مشكلة النفقات الحكومية وسن قوانين اقتصادية تحقق النمو.
ويرتبط اسم السيناتور ماكونيل بكثير من المعارك السياسية والقوانين التي تدخل لحصد التصويت لها أو منع التصويت عليها بداية من قوانين حول إنتاج الألبان إلى قوانين تتعلق باستخدام القوة العسكرية الأميركية.
وخلال أكثر من 3 عقود أمضاها ماكونيل في الكونغرس، لم يكن ذلك السياسي المحبوب ذا الشعبية الجارفة بل استمتع ماكونيل بالسمعة التي بناها باعتباره الشخص الشرير وصاحب القبضة الحديدية في خلق الانضباط، واللعب بدهاء في الدوائر السياسية الأميركية.
ويظهر ماكونيل دائما بوجه جامد خال من التعبير، وعيون منتفخة من وراء نظارته، والمرات التي ظهر فيها السيناتور ماكونيل مبتسما وسعيدا كانت اللحظات التي حقق فيها انتصارا في الانتخابات، أو اللحظات التي تمكن فيها من منع الديمقراطيين من تمرير قوانين وقطع الطريق على الرئيس أوباما وسياساته.
وقد فاز ماكونيل في 8 انتخابات، ولم يخسر مرة واحدة مند أن ترشح للانتخابات مسؤولا تنفيذيا في ولاية كنتاكي في السبعينات من القرن الماضي.
وخلال انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأسبوع الماضي، حقق السيناتور ميتش ماكونيل فوزا كبيرا على منافسته الديمقراطية اليسون غرايمز (35 عاما) مسجلا 56 في المائة من الأصوات لصالحة مقابل 41 في المائة لغرايمز، ليصبح بذلك عضو مجلس الشيوخ لـ6 دورات والسيناتور الأطول خدمة في تاريخ ولاية كنتاكي.
وانتصر ماكونيل الرجل العجوز بطيء الحركة، على منافسته الشابة اليسون غرايمز ذات الجمال والكاريزما الطاغية والمتحدثة اللبقة. وكان انتصار ماكونيل مغايرا لكافة الإحصاءات واستطلاعات الرأي التي أكدت قدرة اليسون على الانتصار.
وقد قادت غرايمز حملة شرسة ضد ماكونيل، وشنت حملة إعلانات بمبلغ 50 مليون دولار للهجوم عليه وعلى سياساته، وعقدت 23 مؤتمرا في أنحاء ولاية كنتاكي في الأيام الثلاثة السابقة على الانتخابات مطالبة ماكونيل بالتقاعد، لكنها ارتكبت خطأ عندما رفضت قول ما إذا كانت صوتت لأوباما في الانتخابات الرئاسية عام 2008 أم لا، حيث تشير الإحصاءات إلى انخفاض شعبية أوباما بدرجة كبيرة.
قال الرئيس أوباما معلقا على فوز الحزب الجمهوري بأنه «ليلة عظيمة للجمهوريين» وهي أيضا لحظة عظيمة لميتش ماكونيل الذي أثبت موهبته في تحقيق الانتصارات في الانتخابات، وتطويع الظروف السياسية لصالحه والاقتراب من تحقيق حلم رافقه طوال حياته، وهو أن يكون رئيسا للأغلبية في مجلس الشيوخ.
وقد سخر أوباما في عام 2012 من الحزب الجمهوري ووصفة بأنه «حزب لا» أي أنه حزب يعارض دون أن يملك أفكارا، وتهكم أوباما من الانتقادات لعدم تودده مع أعضاء الكونغرس قائلا: «إنهم يريدونني أن أتناول الشراب مع ميتش ماكونيل!!».
واليوم أصبح على الرئيس أوباما أن يتناول الشراب والغذاء والعشاء مع ميتش ماكونيل وأن يستقبله في البيت الأبيض ويجلس ليتشاور معه ومع بقية قادة الكونغرس حول القضايا المختلفة.
ويقول جون اشبروك المتحدث باسم السيناتور ماكونيل إن السلاح الأقوى في حملة السيناتور الجمهوري كانت زوجته «ايلين تشاو» التي تزوجها عام 1993 وظهرت بجواره في عدد لا يحصى من الإعلانات ووسائل الإعلام والمؤتمرات الانتخابية.
ويقول اشبروك إن تشاو (61 عاما) عقدت 50 مؤتمرا انتخابيا خلال العامين الماضيين لمساندة زوجها وحشد الدعم من الناخبين ونجحت في توفير 30 مليون دولار من التبرعات لدعم ماكونيل، كما قامت بدور البطولة في العديد من الإعلانات للدفاع عن زوجها ضد هجمات منافسته اليسون غرايمز التي اتهمته بأنه معاد للمرأة. وتحدثت تشاو في العديد من الدعايات الانتخابية عن سجل ماكونيل في مساعدة المرأة، وجابت مختلف أنحاء ولاية كنتاكي لحشد الحلفاء السياسيين.
ويضيف اشبروك: «السيناتور ماكونيل كان يعاني من شلل الأطفال في طفولته، مما ترك أثرا يسبب الآلام لظهره، لذا كانت زوجته تشاو تقوم بكثير من مهام التعامل مع الناخبين، وهو أيضا يعاني من صعوبة السمع وعادة لا يسمع ما يقوله الناس إذا كانت الغرفة مزدحمة وصاخبة لذا كانت تشاو تعوض أوجه القصور لدى زوجها».
وتعد إيلين تشاو من الوجوه السياسية البارزة وقد تقلدت منصب وزيرة العمل من عام 2001 إلى 2009 في عهد الرئيس جورج بوش لتصبح أول امرأة أميركية من أصل آسيوي تعين في هذا المنصب. وتملك واحدة من أبرز قصص نجاح المهاجرين حيث هاجرت مع أسرتها من تايوان عندما كانت في الثامنة من عمرها هربا من الثورة الشيوعية في الصين وجاءت إلى الولايات المتحدة عام 1961 على متن سفينة شحن. وحصلت على شهادة البكالوريوس في الاقتصاد ثم ماجستير في إدارة الأعمال من جامعة هارفارد.
وبقدر ما يكره الليبراليون ماكونيل ويعتبرونه شخصا معيقا للعمل، فإن المحافظين أيضا يتشككون فيه ويعتبرونه مستعدا لتقديم التنازلات، وقد برز ذلك خلال عمل ماكونيل مع نائب الرئيس جو بايدن لإبرام اتفاق مالي لتفادي الانهيار الاقتصادي ورفع سقف الدين الأميركي في عام 2013.
ويقول اليك ماكغيليز مراسل صحيفة «واشنطن بوست» السابق، في كتابه الصادر حديثا حول ماكونيل تحت عنوان «المتهكم» (the Cynic) إنه أقوى الجمهوريين داخل ولاية كنتاكي لكنه لا يزال يشكل لغزا ويحتفظ بأوراقه الشخصية بعيدا عن تطفل الباحثين والإعلام وليست لديه اهتمامات خارج الدوائر السياسية.
ويدور الكتاب (140 صفحة) حول بدايات ماكونيل السياسية وأفكاره منذ ترشحه كمسؤول تنفيذي في مقاطعة جيفرسون بولاية كنتاكي عام 1977 وسط منافسة لعدد كبير من المرشحين الديمقراطيين. ويقول ماكغيليز: «في مرحلة ما أدرك ميتش أنه لكي يطول بقاؤه على الساحة السياسية فإن عليه أن يتعامل مع النظام السياسي المثقل بالمصالح المتضاربة ونفوذ المال والمصالح التي تبحث عن الفوز في الانتخابات بدلا من حل مشاكل الناس وأن عليه الفوز بغض النظر عن تكلفة هذا الفوز».
ويقدم ماكغيليز أدلة على ولاء السيناتور ماكونيل لشركات الفحم والشركات الأخرى التي لها صوت عال في واشنطن، بل يذهب الكاتب إلى أن زواج ماكونيل وإيلين تشاو (ابنة أحد كبار رجال الأعمال الصينيين ووزيرة العمل في عهد جورج بوش) ساعد في تدفق التبرعات السخية من رجال الأعمال أصحاب المصالح التجارية الأميركية الصينية.
وخلال عمله زعيما للجمهوريين في مجلس الشيوخ أعلن ماكونيل أن أهم شيء يريد تحقيقه هو أن يكون أوباما رئيسا لفترة ولاية واحدة. ويقول الكاتب إن ماكونيل أتقن معارضة سياسيات أوباما داخل المجلس وعقد الصفقات خلف الكواليس، متمسكا بكل ما يلزم للحفاظ على قبضته على السلطة وتحقيق انتصار آمن في الانتخابات.
ويصف السيناتور الجمهوري السابق غود غريغ شخصية ميتش ماكونيل قائلا: «إنه براغماتي ماهر، بارد الأعصاب مثل لاعب الكوتشينة الذي يترك لك الفرصة أن تلقي بأوراقك معتقدا أنك ستفوز، حتى يأتي الدور عليه فيلقي بأوراقه ويفوز». ويضيف: «هذه البراعة تستدعي صفات مثل القدرة على الالتواء والتلاعب وهدوء الأعصاب».
ويقول العضو الديمقراطي لمجلس النواب عن ولاية كنتاكي جون يارموث: «ميتش ماكونيل كما عرفته لمدة 46 عاما هو نفس الشخص البارد القلب المتعطش للسلطة السياسية، إنه مثل طاحونة الهواء يتجه إلى الاتجاه الذي تسير فيه الرياح، وليس لديه قيم بل يريد أن يكون شيئا ولا يفعل أي شيء».
وتشير حياة ماكونيل المبكرة إلى منعطفات وتحديات تمكن من التغلب عليها، فقد ولد اديسون ميتشل ماكونيل (ميتش ماكونيل) في20 فبراير (شباط) 1942 في مقاطعة شيفيلد بولاية ألاباما، وعانى في طفولته من مرض شلل الأطفال وتمكن من التغلب عليه في شبابه، بفضل والدته التي سعت للحصول على أفضل المشورة الطبية ووضعت برنامجا قاسيا للعلاج الطبيعي.
وفي شبابه، حصل ماكونيل على بكالوريوس في العلوم السياسية عام 1964 وبعد 3 سنوات تخرج من كلية الحقوق بجامعة كنتاكي وتدرب في مكتب السيناتور الجمهوري عن ولاية كنتاكي جون شيرمان كوبر وعمل مساعدا للسيناتور الجمهوري مارلو كوك وانتخب كمسؤول تنفيذي في مقاطعة جيفرسون عام 1977 وأعيد انتخابه عام 1981.
ولم يعرف ماكونيل الهزيمة في أيه انتخابات خاضها منذ بداية حياته، فقد تطلع ماكونيل ليكون عضوا بمجلس الشيوخ الأميركي وفي عام 1984 خاض المنافسة ضد السيناتور الديمقراطي والتر دي هدلستون وفاز ماكونيل بهامش ضئيل بلغ 0.4 في المائة على منافسه. وفي عام 1990 تمكن ماكونيل من إعادة انتخابه والفوز أيضا بفارق ضئيل بلغ 4.4 في المائة. وفي عام 1996 هزم ماكونيل منافسة ستيف باشير بفارق كبير بلغ 12.6 في المائة وفي عام 2002 حقق ماكونيل فوزا كبيرا ضد منافسه لويس كومز وينبرغ بفارق 26.4 في المائة مسجلا أكبر أغلبية لصالح الجمهوريين في تاريخ ولاية كنتاكي. وفاز ماكونيل مرة أخرى في عام 2008 ثم حديثا في انتخابات التجديد النصفي لعام 2014.
أما أفكاره ومواقفه السياسية، فوفقا لصحيفة «نيويورك تايمز» كان ماكونيل في سنواته الأولى كسياسي في ولاية كنتاكي، أكثر ميلا إلى الوسط وفي السنوات اللاحقة اتبع ماكونيل سياسات أكثر تحفظا، وتغيرت آراؤه حول عدد من المواضيع بما في ذلك التخلي عن مواقفه في زيادة الحد الأدنى للأجور التي كان يدعمها في السابق.
فبعد فوزه في انتخابات مجلس الشيوخ لعام 1984 عمل ماكونيل في هندسة قرض من صندوق النقد الدولي لحماية المساعدات الأميركية لمصر وإسرائيل، كما عمل على تشجيع إجراء انتخابات حرة ومعاملة أفضل للمسلمين في ميانمار كمبوديا، لكنه أصبح أكثر تحفظا فيما بعد حول المساعدات الخارجية الأميركية.
وينتمي ماكونيل للطائفة المعمدانية وقد تزوج من شيريل ريدمون وأنجب 3 فتيات ثم وقع الطلاق وتزوج لاحقا من إيلين تشاو عام 1993. وفي عام 2010 اعتبرته مجلة «أوبن سيكريت» واحدا من أغنى أعضاء مجلس الشيوخ بعد الأموال التي تلقاها من والد زوجته جيمس تشاو والتي تقدر ما بين 5 إلى 25 مليون دولار.
وتقدر القيمة الصافية لثروة السيناتور ماكونيل ما بين 9 ملايين دولار و44 مليون دولار في عام 2010 ويحتل المرتبة الـ11 بين أغنى أعضاء مجلس الشيوخ.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.