«الزراعة الداخلية» لإنتاج أطعمة طازجة داخل المدن

«الزراعة الداخلية» لإنتاج أطعمة طازجة داخل المدن

قفزة نحو مستقبل أفضل لتأمين الغذاء
الاثنين - 2 شوال 1441 هـ - 25 مايو 2020 مـ رقم العدد [ 15154]
واشنطن: لوري زانتيسون

تتجه الزراعة اليوم إلى الأماكن الداخلية والمقفلة للمساعدة في إنتاج أطعمة طازجة في البيئات المدنية، وتأمين حاجات العالم الغذائية بشكل فعّال ومستدام ونظيف. ولأجل تلبية الحاجات الغذائية الكاملة للأعداد المتزايدة من سكان العالم، تحتاج الممارسات الزراعية الحالية ذات التكلفة العالية إلى بعض التغيير.
واليوم تتحمّل الزراعة «الصناعية»، مسؤولية استهلاك ما يقارب 70 في المائة من المخزون المائي العالمي، ومئات ملايين الكيلوغرامات من المبيدات الحشرية في الولايات المتحدة وحدها، إلى جانب خسارة مساحات واسعة من الأراضي الصالحة للزراعة، وإنتاج كثير من الانبعاثات الكربونية. وفي المقابل، تعد الزراعة الداخلية بحلّ كثير من هذه التحديات. صحيح أنّها لا تقدّم علاجاً نهائياً لجميع مشاكل الزراعة العصرية، ولكنّها تشكّل دون شكّ قفزة نحو مستقبل أفضل للزراعة والإنتاج الغذائي.
زراعة مقفلة
> ما هي الزراعة الداخلية؟ إنها زراعة النباتات والمحاصيل في أماكن مقفلة. يشيع هذا النوع من الزراعة عادة على شكل دفيئة صغيرة أو قبو في المنازل، ولكنّها في حقيقتها تتعدّى هذا المشهد إلى زراعة تجارية شائعة على نطاق واسع في المدن الكبرى التي يصعب العثور فيها على الأراضي الزراعية، أو زراعة المحاصيل الغذائية الصحية. تُستخدم المواقع المُدنية اليوم لتقديم منتجات طازجة ومحلية للمجتمعات التي تفتقر إليها عادة.
ويعتمد كثيرون هنا على المزارع العمودية (جدران خضراء متعدّدة المستويات) التي تساعد على زيادة حجم نباتات تنمو في بقعة صغيرة لتقديم إنتاج أكبر من ذلك الذي تقدّمه المزارع التقليدية التي تعتمد على التربة.
تختلف وسائل الزراعة الداخلية عن بعضها البعض، ولكنّ الزراعات المائية، والهوائية، والأضواء الصناعية شائعة الاستخدام لتزويد النباتات بالأغذية والضوء الضروري لنموّها. تستخدم بعض المزارع الداخلية، كالدفيئات، مزيجاً من المصادر الطبيعية والمحاكاة كضوء الشمس الطبيعي والأسمدة السائلة، بينما تخضع مزارع أخرى لسيطرة المُزارعين الكاملة. وفي الزراعة القائمة في البيئات المسيطر عليها، يحدّد المزارعون كميات التعرّض الضوئي التي تتلقاها المحاصيل، ومعدلات الأغذية والرطوبة ودرجة الحرارة. تصلح الزراعة الداخلية في محاصيل متنوعة كالخسّ والأعشاب والطماطم والفواكه، بينما تتعذّر مع أنواع أخرى.
> هل هي صديقة للبيئة؟ تتمتع الزراعة الداخلية بفاعلية أكبر وتستخدم مصادر أقلّ من وسائل الزراعة التقليدية. إذ يقدّم جزء صغير من مساحة الزراعة الداخلية الإنتاج نفسه الذي تقدّمه مساحات زراعية خارجية أكبر بكثير. في الواقع، تقدّم الزراعة الداخلية إنتاجية أكبر بمائة مرّة من الزراعة التقليدية رغم أنّ محاصيل الزراعة الداخلية تحتاج إلى مياه أقلّ (85 إلى 95 في المائة أقلّ)، وتنمو دون مبيدات زراعية، فضلاً عن أنّ نموّها أسرع مرتين نتيجة التحكّم بالمناخ والأحوال الجوية والمواسم. علاوة على ذلك، تتيح الزراعات الداخلية تطبيقها في المدن الكبرى وتتميّز بقربها من المستهلكين، فتوفّر عليهم عبء زيارة البقالات.
غذاء من دون نقل
> تقليل مسافات النقل. يساعد تقصير المسافة التي تقطعها الأغذية للوصول إلى المستهلكين المزارع الداخلية في الحفاظ على انخفاض بصمتها الكربونية. تقول روبن كورّي، مديرة أنظمة الغذاء المستدام في جامعة «بريسكوت كوليدج» في ولاية أريزونا: «عندما تتمركز الدفيئات أو غيرها من أنظمة الزراعة المنزلية بالقرب من المستهلكين، يتراجع استهلاك الوقود وغيره من مصادر الطاقة المستخدمة في نقل وتخزين الأطعمة. ويقود هذا الأمر إلى تبعات إيجابية، ولا سيّما فيما يتعلّق بمسائل شائكة كعوائق الحصول على الطعام وتخزينه في المراكز السكنية المدنية الكبرى».
في العادة، تجري حاليا الزراعة للحصول على المنتجات الزراعية في مناطق رئيسية كبرى، ثمّ تُشحن إلى مخازن مبرّدة، ثم تُصدّر إلى أنحاء مختلفة من البلاد قبل وصولها مؤخراً إلى الأسواق. وفي المقابل، تقضي الزراعة الداخلية على الانبعاثات الملوِّثة التي يتسبب بها نقل الأطعمة.
> استهلاك كثير من الطاقة. تؤدي أنظمة الزراعة الداخلية التي تعتمد على تقنيات متطورة للإضاءة والتسخين والتبريد والزراعات المائية التي تستهلك كثيرا من الطاقة، إلى ارتفاع الكلفة البيئية بحسب المناخ المسيطر على مكان تطبيقها. وقد وجدت دراسة نُشرت عام 2015 في دورية «كلينر برودكشن» أنّ تسخين مشاريع الدفيئة في فرنسا استهلك كثيرا من الطاقة، حيث إن البصمة الكربونية لمحاصيل الطماطم التي أنتجتها كانت أعلى من بصمة الطماطم المستوردة من دولة المغرب، حيث زُرعت هناك في دفيئات دون تسخين. وتوافق كورّي على رأي الدراسة فيما يتعلّق بالطاقة، ولكنّها في المقابل تقول: «في ظلّ توقّعات نموّ الزراعة الداخلية بنسبة 14 في المائة سنوياً وارتفاع تكاليف استهلاكها للطاقة بنسبة تقارب 30 في المائة من كلفة التشغيل العامة، لا شكّ في أّنّ الشركات ستدرس موضوع الطاقة وستجد حلاً لمسألة فاعلية الكلفة».
> التأثير الصحي. يدّعي المزارعون الذين يعتمدون الزراعة الداخلية أنّ التحكّم بالظروف البيئية كأشعّة الشمس والأسمدة المغذية وعدم استخدام المبيدات الحشرية يحسّن المحاصيل لجهة الصحة والتغذية والنوعية والطعم. علاوة على ذلك، تساعد البيئة الزراعية المقفلة على تخفيف خطر الأمراض التي تنتقل إلى الغذاء من عوامل كبراز الحيوانات أو المياه الجوفية الملوّثة التي تضرب المحاصيل الزراعية عادة.


مقارنة غذائية بين الزراعتين الداخلية والتقليدية
> يعتمد «المحتوى الغذائي لأي نبتة على عاملين أساسيين هما: الجينات والظروف البيئية»، كما تقول روبن كورّي. وتضيف الخبيرة أنّ محتوى فيتامين إيه A في مجموعة من صنف معين من نبات الفلفل يختلف عن محتواه لدى مجموعة من صنف آخر بعامل يقارب 20000. تحصل النباتات على غذائها من التربة، أو في حالة الزراعة الداخلية، من وسيلة النمو البديلة للتربة. وترى كورّي أنّ «الزراعة غير المستدامة تتسبب غالباً في استنزاف التربة تاركة القليل من الأغذية للنباتات الصغيرة. أمّا الزراعة المستدامة التي تنمو في أتربة صحيحة، فتُنتج نباتات صحية تحتوي على معدلات أعلى من الأغذية الدقيقة من تلك التي تحتوي عليها مجموعة نباتية مماثلة نمت في تربة مستنزفة». لذا، وبناءً على نسبة الإشباع الغذائي، فإنّ النباتات التي تتغذّى من أسمدة الزراعة المائية قد تحتوي على المستوى نفسه من الأغذية أو ربّما أكثر من النباتات المزروعة في التربة.
ومن شأن الاتجاه نحو الزراعة الداخلية ذات البصمة الكربونية المتواضعة التي تستخدم التقنية لإنتاج طعام صحي بطريقة مستدامة وتوفّر الإنتاج المحلّي لعدد أكبر من البشر، أن يساهم دون شكّ في تغيير أسلوب التغذية حول العالم. ويعتمد الاختيار بين محاصيل الزراعة الخارجية المستدامة ومحاصيل الزراعة الداخلية على عوامل عديدة، ولكن يبقى الهدف في الحالتين واحدا وهو توفير الطعام الطازج والمغذّي للجميع.


- «نشرة إنفايرومنتال نيوتريشن الإخبارية»،
- خدمات «تريبيون ميديا»


أميركا الولايات المتحدة

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة