أكرم التوم يقود معركة السودان ضد «كورونا» بنظام صحي منهار

الوزير الخريج من «جونز هوبكنز» انتصر في مواجهاته مع «الكوليرا» و{حمى الوادي المتصدع» و{الإخوان»

أكرم التوم يقود معركة السودان ضد «كورونا» بنظام صحي منهار
TT

أكرم التوم يقود معركة السودان ضد «كورونا» بنظام صحي منهار

أكرم التوم يقود معركة السودان ضد «كورونا» بنظام صحي منهار

حوّلت تصريحات عفوية لوزير الصحة السوداني الدكتور أكرم علي التوم، إلى «بطل» عند البعض لشفافيته الصادمة، وإلى «فاشل» مثير للغضب عند سودانيين رأوا فيها استفزازاً غير مسبوق. وكان كلام الوزير قد جاء في أحد إيجازاته اليومية، وفيه حذّر المواطنين من انتشار فيروس «كوفيد - 19»، إذ قال: «هذا مرض لا علاج له، كل ما نفعله هو أن نصرف لك محاليل وريدية (دربات) ومسكّن للألم (بنادول)، وإذا اختنقتَ نعطيك أكسجين، وإن ضاقت عليك فستموت».

تصريحات الوزير أكرم التوم الصادمة حول جائحة «كوفيد - 19» شغلت وسائل الإعلام الدولية والإقليمية، التي اعتبرتها بعضها «شفافية مطلوبة». وفي المقابل، داخل السودان، بينما اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي ناقمة على هذه الصراحة المُفرطة، واستقبلها بعض السودانيين بموجة من السخرية، اعتبرها آخرون جدية غير معهودة في المسؤولين السودانيين، وغرّد عدد من النشطاء المؤيدين للتوم. ومن بين التغريدات تغريدة لناشط في موقع «تويتر» جاء فيها: «في كل الأزمات والأوبئة من الملاريا إلى الكورونا (الكوفيد - 19)، فإن سعادة الوزير كان واقعياً وقوياً ومقاتلاً وإنسانياً، بذات البساطة والسماحة والاحترام».

«سوابق» صراحة الوزير

في الواقع كلام التوم الجريء والصادم لم يبدأ بتصريحه المخيف بشأن الجائحة، فلقد سبق له أن صدم التقاليد الصحية السودانية، عندما أعلن بعد زهاء شهر من تسميته وزيراً للصحة عن وصول الأوضاع في ولاية النيل الأزرق (جنوب الخرطوم) مع بلوغ مرض الكوليرا مرحلة الوباء، وأبلغ «منظمة الصحة العالمية» بأمر المنطقة الموبوءة، فتدخلت وقدمت المساعدات لوزارته، وقضت على الكوليرا المزمنة في تلك الولاية... مع العلم بأن السلطات الصحية في عهد حكم المعزول عمر البشير كانت تقلل من شأنها، وتعتبرها مجرد «إسهال مائي».
أيضاً، «صدم» الوزير التوم في أكتوبر (تشرين الأول) أوساط مصدّري اللحوم السودانيين بكشفه عن تفشي «حمّى الوادي صالمتصدع» في القطيع الحيواني في ولاية نهر النيل (شمال البلاد)، صوهو القرار الذي لقي استهجاناً كبيراً للخسائر التي سببها لرعاة الماشية ومصدّري اللحوم والماشية، استغله إعلام الجماعات الإسلامية في شن حملات مناوئة قاسية ضده، إلا أنه لم ينحنِ لها، بل واصل جهوده لمواجهة الوباء مستعيناً بعلاقاته بالمنظمات الدولية. وبالفعل بعد أشهر قليلة أفلح الرجل في مواجهة الوباء، وكان أن أعلنت «منظمة الصحة العالمية» خلو القطيع السوداني من «حمى الوادي المتصدع» التي تصيب الإنسان والحيوان، وعادت صادرات اللحوم والمواشي السودانية إلى أسواقها مجدداً.

خلفية عائلية

بالمناسبة، تعدّ حاجة كاشف، والدة أكرم التوم، واحدة من أشهر النساء اللاتي تبنين قضية المرأة في السودان، وبسبب شهرتها تحوّلت إلى «أيقونة» في الاتحاد النسائي السوداني، الذي تُعد واحدة من مؤسساته إلى جانب فاطمة أحمد إبراهيم وخالدة زاهرة وأخريات من الرائدات.
وشكلت هذه النخبة من الرائدات أول مكتب تنفيذي للاتحاد، وبما يخصها، تقديراً لجهودها التعليمية وفي قضية المرأة، منحت درجة وزير.
أما والده علي التوم، الذي تُوفي في عام 2005، ونقلت نعيه «الشرق الأوسط» في حينه؛ فهو أحد خبراء الاقتصاد السوداني، وشغل إلى جانب ذلك منصب وزير الزراعة في إحدى حكومات الرئيس الأسبق جعفر النميري. ويُعدّ أحد رواد الحركة الوطنية السودانية، وشغل عدداً من الوظائف في «منظمة الأغذية العالمية».
واختير أكرم المولود وسط هذه الأسرة المستنيرة والمتنفذة وزيراً للصحة، ليكمل تسلسل الاستيزار الموروث في أسرته، كأنه وزير بالوراثة يصدق عليه قول الشاعر الشهير سيف الدين الدسوقي: «مُذ كنتُ غراماً في عيني أمي وأبي... وحملتُ الحُبّ معي بدمي».
وفي يوم 9 سبتمبر (أيلول) 2019 أدى «الوزير الابن» اليمين الدستورية وزيراً للصحة في الحكومة الانتقالية برئاسة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، ليتوّج وزيراً ابن وزير وابن وزيرة.

البداية والنشأة

ولد الوزير أكرم على التوم في أم درمان 18 سبتمبر (أيلول) 1961. وتخرج بشهادة بكالوريوس الطب والجراحة في جامعة الخرطوم عام 1985، وعمل طبيبا عمومياً في السودان، قبل أن ينال منحة «فولبرايت» للدراسات العليا في 1993. ويحصل على الماجستير في الصحة العامة من جامعة جونز هوبكنز الأميركية الشهيرة 1993.
وحقاً، يحتكم الرجل على سيرة باذخة في مجاله، فلقد عمل في «منظمة الصحة العالمية»، ونال جائزة أفضل مدير للصحة في إقليم أفريقيا عام 2009، ثم انتخب عام 2015 «زميلاً متميزاً» في كلية الصحة العامة، في الكلية الملكية للأطباء الباطنيين في المملكة المتحدة.
اشتهر أكرم التوم بأنه الشخص الذي تولّى صياغة «استراتيجية الصحة للقارة الأفريقية 2016 - 2030. لصالح (منظمة الصحة العالمية)، التي أجازها وزراء الصحة الأفارقة، واعتمدت كاستراتيجية صحية لأفريقيا من قبل رؤساء دول الاتحاد الأفريقي».
عمل التوم طبيباً لمدة 6 سنوات في السودان، ولمدة 24 سنة في مجال الصحة العامة مع «منظمة الصحة العالمية». وإبان فترة عمله هناك، كان من الملتزمين بمشاريع «التنمية المستدامة» في بلاده وفي أفريقيا، إضافة إلى نشر التغطية الصحية الشاملة للفئات المهمّشة والمُستَلبة في المجتمع، من خلال عمله في تطوير وتنسيق وسن السياسات الصحية في المجتمعات الأفريقية، بما فيها إجراء إصلاحات في سياسات الصحة العامة والتخطيط الصحي الاستراتيجي.
‏وللوزير التوم خبرات ثرية في مجالات برامج الصحة الإنجابية المتكاملة، وصحة الأم والطفل والمراهقين، والتغذية، ومكافحة الأمراض السارية وغير السارية، بالإضافة إلى خبرته في إدارة البرامج الصحية والتنموية، وتقديم الاستشارات الفنية لبلدان ثرية وأخرى منخفضة ومتوسطة الدخل، بجانب الدول الهشة في مجال الصحة، في أفريقيا والشرق الأوسط وآسيا وأوروبا وأميركا الشمالية.
فضلاً عما تقدم، اشتغل التوم خلال عمله مع «منظمة الصحة العالمية» في العديد من دول العالم، وعمل مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، و«اليونسيف» و«البنك الدولي» و«صندوق الأمم المتحدة للسكان» و«برنامج الغذاء العالمي». وكذلك عمل التوم مع الجهات المانحة مثل «الأمم المتحدة»، و«الصندوق العالمي لمكافحة الإيدز والسل والملاريا»، فضلاً عن الحكومة الأميركية، وغيرها. ومن ثم، أسهم في استقطاب الموارد للدول الفقيرة من المانحين، وأنشأ شراكات استراتيجية بين القطاعين العام والخاص في المجال الصحي في الدول التي عمل بها.

نظام صحي مهترئ

أما في السودان، فقد ورث التوم نظاماً صحياً مهترئاً خربه النظام المعزول، وقضى تماماً على قطاعه العام لصالح سماسرته من «تجار الصحة». وهو ما فرض على الوزير الجديد منذ أيامه الأول الاصطدام مع «لوبيات» الاتجار في الدواء... وتعهَّد بإعادة العافية إلى القطاع الصحي العام، وإنشاء بنية صحية مؤسسية تتيح العلاج المجاني للمواطنين، وتفكيك «كارتيلات» الإسلاميين الصحية الخاصة.
ولكن قبل أن يكمل التوم مخططه، داهمت السودان والعالم جائحة «كوفيد - 19»، فأربكت حسابته الصحية وخططه. إذ تركته الجائحة، التي شلت الأنظمة الصحية في بلدان العالم المتقدمة والثرية، شبه أعزل، سلاحه مثلوم، والمؤسسات الصحية في البلاد تفتقر إلى كل شيء. لكنه قاد بصراحته المعهودة مواجهة الجائحة. ومع أنه لقي ما لقي من عنت، فإنه أفلح في استقطاب دعم مقدّر.
لم تعجب طريقته المتحدّية في إدارة الشأن الصحي الكثيرين، فسارع كثيرون، وبالأخص، قطاع المستثمرين في الصحة والدواء من أنصار النظام القديم، لوضع الحواجز أمامه، وإثارة الحنق ضده. غير أن الرجل صمد في المواجهة، إلى أن جاءت الطامة الكبرى، حين تسرّبت شائعات عن وجود «اتفاق» بين مكوّنات الحكم الانتقالي لإقالته من الوزارة.

شائعات الإقالة

لقد دأب التوم على تسمية تدابيره لمواجهة الجائحة الحالية، ففي 12 مايو (أيار) الحالي، نقلت «العين الإخبارية» عن مصادر أن اجتماعاً لشركاء الحكم (مجلس السيادة، مجلس الوزراء، قوى إعلان الحرية والتغيير) أوصى بإقالته بعد حملته الفاشلة في مواجهة أزمة تفشي الجائحة، بيد أن «قوى الحرية والتغيير» نفت أن تكون قد أوصت بذلك، فسارع مجلس السيادة إلى نشر خبر في مواقعة الرسمية على الإنترنت، وأكد فيه توافق الأطراف الثلاثة على إقالته، ثم سُحب الخبر من المواقع، وبعدما أعلن رئيس مجلس الوزراء عبد الله حمدوك ومجلسه تجديد ثقتهما في وزير الصحة، ونفيا عزمهم على إقالته، أعاد المجلس السيادي نشر الخبر مجدداً.
جاء هذا الارتباك حول الخبر، لصالح أكرم التوم. إذ أعلنت «لجان المقاومة» (تنظيمات شبابية في الأحياء نظمت المواكب التي أسقطت نظام البشير) دعمها غير المحدود للرجل، وهدّدت بخرق حظر التجوال والإجراءات الاحترازية التي قررتها وزارة الصحة، وتسيير المواكب الاحتجاجية وحرق الإطارات في الشوارع تضامناً مع الوزير، باعتباره أحد وزراء حكومة الثورة... بل وخرجت مواكب احتجاجية محدودة في بعض أنحاء العاصمة الخرطوم لتأييد الوزير.
أكثر من هذا، اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي دعماً للتوم، ونشط «تريند» في موقعي «تويتر» و«فيسبوك» تحت «هاشتاغ»: «شكراً دكتور أكرم، شكراً لجيشنا الأبيض»، معتبرين إقالته مؤامرة من «فلول نظام الإسلاميين»، وتضمّنت تغريدات من قبيل «دكتور أكرم من ضمن أفضل الأطباء حول العالم، من الذين استطاعوا التصدي لفيروس كورونا».
في المقابل، أخذ عليه أنصار النظام السابق تصريحات إبان الأيام الأولى لبدء تفشي الجائحة قال فيها: «نحن قدرنا على نظام البشير، ولن تغلبنا (الكورونا) الصغيرة هذه». ولكن، حين انتشر الوباء في البلاد، اتخذوا منها مادة سخرية للتقليل منه ضمن صراعهم مع الحكومة الانتقالية، واستغلوا تهديده بالموت لمصابي الجائحة حال عدم الالتزام بالحظر، بمقولة منسوبة لوزير الصحة السابق بحر أبو قرادة قال فيها: «نحن نصرف أموالاً طائلة على مرضى السرطان، وفي الآخر يموتون».
وهكذا انقسم المغردون إلى فريقين: الأول ضمّ منتقدين رفضوا تصريحاته الصادمة وكونها أول مرة ينتقد فيها وزير المواطنين بهذه الطريقة (وعلى الوسائط كافة)، ومع هؤلاء جماعات رأوا فيها محاولة لتغطية عجز الحكومة عن وقف انتشار الوباء. والثاني، ضم فئة مناصرة له اعتبرته أفضل وزير يمكن أن يتوفر للبلاد، استناداً إلى دوره في صياغة استراتيجية الصحة العالمية في أفريقيا، وجائزة بوصفه أفضل مدير طبي في الإقليم.
وبينما تتباين الآراء بشأن الوزير، وتسخر من ضعف نظامه الصحي، جاءت التوم «تزكية غير متوقعة» من «منظمة الصحة العالمية»، إذ جرى انتخابه واحداً من نواب الجمعية «العامة لهيئة الصحة العالمية»، ممثلاً لمنطقة الشرق الأوسط ولمدة عام، في دورتها الـ73، وقالت المنظمة إنه أحد 34 شخصاً يمتلكون مؤهلات فنية في ميدان الصحة معيّنين من قبل دولة عضو انتخبوا لعضوية المجلس من قبل جمعية الصحة.
ولكن، رغم هذا، ومع كل خبراته، فإن مستقبل الوزير أكرم التوم مرتبط بمدى نجاحه في الحد من انتشار «كوفيد - 19»، مثل فارس بلا جواد؛ إذ انتشرت الجائحة في كل ولايات البلاد، وتصاعدت أعداد المصابين بصورة كبيرة خلال فترة الحجر الصحي، بينما يقلل أعداد من السودانيين من مخاطر المرض، ولا يقيمون اعتباراً للإجراءات الصحية، بما فيها حظر التجوال وإغلاق العاصمة الخرطوم... ويقف على رأسهم رموز النظام المعزول الذين خرجوا في مظاهرة احتجاجية هتفوا خلالها «ما في كورونا... ما تغشونا»، وتهدف لإضعاف الحكومة الانتقالية، من خلال استهداف الوزير.
أيضاً لقي التوم انتقادات حادة على طريقة إدارته للأزمة وطريقة تعامله مع عائدين إلى البلاد، سُمِح لهم بالدخول دون الخضوع للإجراءات الصحية رغم إغلاق المطارات والمعابر والموانئ. ومن ناحية ثانية، يواجه التوم أزمة السودانيين العالقين خارج البلاد، الذين رفض السماح لهم بدخول البلاد، خاصة من مصر، وهو أحد محرّكات تصريحه المثير للجدل، الذي قال فيه: «لن أسمح بعودة العالقين في مثل هذه الظروف، ولو رغبتم في عودة أحبائكم، فعليكم بالالتزام بالحظر والإغلاق».
ولأن التحدّي مثل تنين يضع هدية على فمه، وضع التوم كمّامته الطبية على فمه، مواجهاً الصعاب التي تعيشها حكومة «الفترة الانتقالية»، والجائحة التي فاقمتها، وغدر بعض الرفاق الذين أداروا له الأكتاف الباردة.
وحتى الآن، ظَلّ الوزير، ابن الوزيرة حاجة كاشف، وابن الوزير علي التوم، محتفظاً بكرسيه القَلِق رغم أنف الراغبين بإزاحته.


مقالات ذات صلة

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

الولايات المتحدة​ سُجّل نحو 840 ألف وفاة بكورونا في شهادات الوفاة خلال عامي 2020 و2021... لكن فريقاً من الباحثين قدّر أن ما يصل إلى 155 ألف وفاة إضافية غير معترف بها ربما حدثت خلال تلك الفترة خارج المستشفيات (رويترز)

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

أظهرت دراسة جديدة أن حصيلة الوفيات في المراحل الأولى من جائحة كورونا كانت أعلى بكثير من الأرقام الرسمية في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك مكملات فيتامين «د» تبدو واعدة في تقليل خطر الإصابة بـ«كوفيد طويل الأمد» (أرشيفية- رويترز)

دراسة: مكملات فيتامين «د» قد تساعد في تخفيف أعراض «كوفيد طويل الأمد»

تشير دراسة حديثة إلى أن مكملات فيتامين «د» قد توفر مؤشرات جديدة تساعد الباحثين على فهم الأعراض التي تستمر لدى بعض المصابين بعد التعافي من «كوفيد-19».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم عاملون مختبريون يفحصون عينات فيروس «كوفيد» ميدانياً

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

الفيروسات تتطور بشكل عادي لدى الحيوانات، إلا أنها تتطور بشكل جذري عند إصابتها الإنسان.

كارل زيمر (نيويورك)
صحتك اللقاح يُعطى عن طريق الأنف عبر رذاذ أنفي (أرشيف - أ.ب)

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

طوَّر باحثون أميركيون لقاحاً جديداً قادراً على الوقاية من عدة فيروسات في آنٍ واحد، بما في ذلك «كوفيد-19» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

التطعيم يحمي الأم ووليدها

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.