خطة مارشال جديدة للاقتصاد الأوروبي

بعد التبعات الاقتصادية التي خلّفتها كارثة {كورونا}

غلاف كتاب «نحو نهضة صناعية»
غلاف كتاب «نحو نهضة صناعية»
TT

خطة مارشال جديدة للاقتصاد الأوروبي

غلاف كتاب «نحو نهضة صناعية»
غلاف كتاب «نحو نهضة صناعية»

عن دار النشر الفرنسية «ماري» صدر قبل أيام كتاب «نحو نهضة صناعية»، الذي يعيد النظر في التبعات الاقتصادية التي خلّفتها كارثة فيروس كورونا المستجد، وألقت بظلالها على مناحٍ كثيرة في قلب المجتمعات الأوروبية، ليس فقط على مستوى الفرد، لكن أيضاً على مستوى الدولة كلها، أي أن هذه الأزمة - كما يوضح الكتاب - جاءت بمثابة جرس إنذار لهذه المجتمعات لتغير من الأدبيات التي تتبناها في إطار ما يسمى بـ«ما بعد الثورة الصناعية»، التي لا تزال تشهدها أوروبا منذ أكثر من 40 عاماً.
يقع الكتاب في 160 صفحة من القطع المتوسط، وهو بمثابة خريطة طريق واضحة المعالم، أو خطة مارشال جديدة للاقتصاد الفرنسي والأوروبي كي يشرع فوراً في إحداث نهضة صناعية أوروبية تتسق مع التغيير البراغماتي الناتج عن أزمة فيروس كورونا المستجد، وهي الأزمة التي كشفت النقاب عن ضعف أوروبا صناعياً، الأمر الذي ترتب عليه أن أضحت الاقتصاديات الأوروبية تابعة للمعاقل الصناعية في شرق آسيا، بخاصة الصين، وهو ما كشفته أزمة كورونا، على خلفية إغلاق الأسواق الآسيوية، وعلى رأسها الأسواق الصينية، أمام المستهلك الأوروبي.
يتمتع هذا الكتاب بأهمية خاصة في موضوعه، يعززها أن مؤلفيه السيدة إنياس فوي جيليى وأوليفييه ليليانسي خبيران في الاستشارات الصناعية والاقتصادية في فرنسا ولدى المفوضية الأوروبية، كما اعتمدوا خلال صفحات الكتاب على خبراتهم العملياتية. الأمر الذي يُكسبه ميزة نوعية. بالإضافة إلى ذلك، فإن هذا الكتاب يعد الأول من نوعه الذي يبحث في المستقبل الصناعي لفرنسا وأوروبا من خلال التماسك الوطني والسيادة التكنولوجية وإنهاء التبعية الاقتصادية، كما يلقي الضوء على طرق النهضة الصناعية القوية، مع التأكيد على ضرورة تجاوز العقبات التي تواجه قطاع الصناعة اليوم، خاصة أن الأزمة الصحية الراهنة كشفت بوضوح شديد ضعف النسيج الإنتاجي الفرنسي، ما يفرض الآن ضرورة إيجاد حلول ملموسة للقطاع الصناعي، لتأكيد قدرته على الاستدامة، ومن ثم المنافسة.
يؤكد الكتاب على أن فترة الخروج من الأزمة الصحية الراهنة ستكون قدرية لكثير من شركات القطاع الإنتاجي الفرنسي، وهو القطاع الذي ضربته الهشاشة، على خلفية 40 عاماً من البعد عن الصناعة وعدم اكتراث مجتمع ما بعد الصناعة، والأزمة الاقتصادية والمالية التي شهدها العالم في 2008 -2009، بالجانب الإنتاجي والصناعي، الأمر الذي جعل خزائن معظم الشركات خاوية، ومن ثم غير قادرة على المقاومة إلى حد كبير، رغم الرغبة والإرادة الصادقة والمخلصة لإنقاذها.
وفى ظل هذا الوضع الصعب، على خلفية أزمة كورونا، لا يدعو مؤلفا الكتاب فقط إلى سيادة اقتصادية فرنسية، لكن أيضاً إلى تلاحم وطني وقومي، فالمصانع التي أغلقت أبوابها على خلفية هذه الأزمة لن تعاود فتح أبوابها سريعاً، وقد يصل الأمر إلى عدم فتحها مجدداً. على الرغم من أن هذه المصانع تساهم كثيراً في العملية التنموية، ولكن إذا انهارت هذه المصانع، فإن القطاع الصناعي سيكون في مجمله في أزمة حقيقية، وربما يؤدي الحال إلى موجات جديدة من مظاهرات «السترات الصفراء» على خلفية الإهمال وعدم الاكتراث بالبعد القومي.
إضافة إلى ذلك، يفند الكتاب أسباب توجه فرنسا نحو التخلي عن الصناعة، مع التأكيد على ضرورة الكفّ عن إتباع هذا المنطق والتوجه نحو إحداث نهضة صناعية تسهم في تحقيق السيادة الاقتصادية والتلاحم الاجتماعي الفرنسي، ويتم ذلك من خلال إقرار استراتيجية صناعية جماعية لفرنسا، لا تكون الدولة وأجنحتها فقط هم عناصرها الأساسية، لكن أيضاً الشركات ذاتها، وبصفتها، على أن تستوعبهم الأراضي الفرنسية جميعاً، أي أن الفكرة يجب أن تتم في إطار جماعي، يكون للجميع دور فيه لإحداث نهضة صناعية حقيقية.
ويرى المؤلفان أنه إذا كانت هناك فرص كثيرة الآن أمام الاقتصاد الفرنسي، فإن من الأهمية والضرورة أولاً التخلي عن المفاهيم السالفة البالية المتعلقة بما يسمى مجتمع «ما بعد الصناعة» لأنه لا يمكن بناء المستقبل دون الاستفادة من الماضي الذي اعتمد كثيراً على اقتصاد الخدمات وتحقيق ثروات طائلة وسريعة، لكن هذا المسار هش إلى حد كبير، كونه أصاب التماسك الاجتماعي بالضعف. واليوم، فإن الأمر يتطلب تكاتف الجميع وإعادة صياغة الأوليات، مع تحديد قنوات وأُطر الاهتمام الصناعي لإحداث نهضة صناعية حقيقية أساسها حشد جميع العناصر الفاعلة في قلب المجتمع.
يتناول الكتاب كذلك فترة التحول في فرنسا من 1950 إلى 1990، من مجتمع صناعي إلى مجتمع ما بعد الصناعي. الأمر الذي أضرّ كثيراً بقطاع الصناعة الفرنسي، لأنه عجز عن مواكبة التطور الذي شهده هذا القطاع خلال السنوات العشر الماضية، هذا بالإضافة إلى أنه على الرغم من الحديث في فرنسا عن أهمية نهضة صناعية منذ عام 2008، فإنه لم يحدث جديد في هذا الشأن، بل على العكس أضحى قطاع الصناعة يفتقر إلى الابتكار والتنوع، وهو ما أكدته أزمة كورونا الحالية. ولذلك يسعى المؤلفان عبر كتابهم هذا نحو صياغة مفهوم جديد للصناعة يعتمد على الابتكار والتحول الرقمي والاستفادة من التكنولوجيا الحديثة، والبعد إلى حد كبير عن الاستعانة بالعنصر البشرى لصالح الأجهزة الإلكترونية. وبالإضافة إلى العوامل السابقة التي أدت إلى ضعف الاقتصاد الفرنسي، والتي أسهب في الحديث عنها المؤلفان، يوجد عامل آخر، هو التراجع الكبير في الربح، على خلفية تراجع حجم التصدير للخارج، نتيجة ضعف التنافس الإقليمي والدولي. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد أصبح القطاع الصناعي الفرنسي عاجزاً عن تلبية تطلعات الداخل. الأمر الذي جعله تابعاً إلى حد كبير للأسواق الخارجية.
وأخيراً، يشدد الكتاب على أنه قد آن الأوان لإحداث ثورة صناعية حقيقية في فرنسا وأوروبا، قوامها الاقتصاد الرقمي والتكنولوجيا الحديثة، هذا مع صياغة وإقرار محاور جديدة ابتكارية، لا تتسق فقط مع متطلبات السوق الأوروبي، ولكن أيضاً مع متطلبات المجتمع الدولي. الأمر الذي من شأنه أن يوسع آفاق التصدير، ومن ثم زيادة هامش الربح، هذا مع التأكيد على البعد القومي لتعزيز الانتماء وتأكيد التلاحم الوطني، ما يضمن تحقيق السيادة القومية والاكتفاء الذاتي وإنهاء عهد التبعية للغير.


مقالات ذات صلة

10 أعوام على «بريكست»... بين وعود استعادة السيادة وتكلفة الانفصال

أوروبا علما المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي أمام برج «بيغ بن» في لندن 9 سبتمبر 2017 (رويترز)

10 أعوام على «بريكست»... بين وعود استعادة السيادة وتكلفة الانفصال

بعد عقد على «بريكست»، تتباين التقييمات بين استعادة بريطانيا جزءاً من سيادتها، وتزايدت الأدلة على أن تكلفة الانفصال الاقتصادية والسياسية تجاوزت مكاسبه حتى الآن.

شادي عبد الساتر (بيروت)
صحتك ممرض يقوم بتحضير جرعة من لقاح مضاد لفيروس «كوفيد-19» (رويترز)

دراسة جديدة تكشف عن فائدة غير متوقعة للقاح «كوفيد-19»

في ظل الجدل المستمر حول لقاحات «كوفيد-19» منذ ظهورها خلال ذروة الجائحة، تتوالى الدراسات العلمية التي تسعى إلى تقييم آثارها على المدى البعيد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك ممرضة تقف أمام قارورة لقاح «فايزر - بيونتك» المضاد لفيروس «كورونا» المستجد (كوفيد - 19) بمستشفى جامعة التكنولوجيا الماليزية في سونغاي بولو 2 مارس 2021 (أرشيفية - أ.ف.ب)

لقاح شامل مصمم بالذكاء الاصطناعي يجتاز أول تجربة سريرية

اجتاز لقاحٌ مُبتكرٌ باستخدام الذكاء الاصطناعي، يمكن أن يوفر حماية أوسع ضد فيروسات «كورونا» المتعددة أولى تجاربه البشرية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك إجلاء مرضى من السفينة السياحية "إم في هوندوس" إلى سيارة إسعاف في ميناء برايا بالرأس الأخضر - الأربعاء 6 مايو 2026 (أ.ب) p-circle

أعاد مشاهد العزل والقلق للأذهان... هل علينا القلق من فيروس «هانتا»؟

في وقت لم يتعافَ فيه العالم بالكامل من آثار جائحة "كورونا"، عاد القلق العالمي مجدداً مع تفشي فيروس "هانتا" على متن السفينة السياحية "إم في هونديوس".

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم حافلة تقل رعايا بريطانيين أُعيدوا من سفينة الرحلات «إم في هونديوس» لدى وصولها إلى مستشفى آرو بارك في بريطانيا الأحد (رويترز) p-circle

إجلاء 94 راكباً من «سفينة هانتا»... وثبوت إصابة أميركي وفرنسية بالفيروس

أُجلي، أمس (الأحد)، نحو مائة من ركاب وأفراد طاقم إم في هونديوس التي رُصدت عليها إصابات بفيروس «هانتا»، على أن تستكمل عمليات الإجلاء اليوم.

«الشرق الأوسط» (مدريد)

الأسهم الصينية تتراجع لأدنى مستوى في 3 أشهر

مشاة أمام مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ الصينية (رويترز)
مشاة أمام مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ الصينية (رويترز)
TT

الأسهم الصينية تتراجع لأدنى مستوى في 3 أشهر

مشاة أمام مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ الصينية (رويترز)
مشاة أمام مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ الصينية (رويترز)

تراجعت الأسهم الصينية بشكل عام يوم الاثنين، مما أدى إلى انخفاض مؤشراتها الرئيسية إلى أدنى مستوياتها في ثلاثة أشهر، حيث أثر تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران سلباً على الإقبال على المخاطرة ودفع بعض القطاعات إلى جني الأرباح.

وأغلق مؤشر «شنغهاي المركب» منخفضاً بنسبة 2.1 في المائة عند 3913.79 نقطة، وهو أدنى مستوى له منذ 7 أبريل (نيسان). كما انخفض مؤشر «سي إس آي 300» للأسهم القيادية بنسبة 1.8 في المائة، ليحوم أيضاً قرب أدنى مستوى له في ثلاثة أشهر.

وشملت الخسائر قطاعات واسعة، حيث انخفض مؤشر قطاع الدفاع بنسبة 6.9 في المائة، وقطاع العناصر الأرضية النادرة بنسبة 6.7 في المائة، وقطاع الأقمار الاصطناعية بنسبة 7.6 في المائة. وتراجعت أسهم التكنولوجيا أيضاً عن بعض مكاسبها الكبيرة، حيث انخفض مؤشر «سي إس آي للذكاء الاصطناعي» بنسبة 3 في المائة، ومؤشر «سي إس آي لأشباه الموصلات» بنسبة تقارب 4 في المائة.

وانخفضت أسهم الشركات الصغيرة المدرجة في مؤشر «سي إس آي 2000» بنسبة 5.7 في المائة، مسجلةً أكبر انخفاض يومي لها منذ أبريل 2025. وفي المقابل، ارتفعت القطاعات الدفاعية، بما في ذلك البنوك والطاقة والسلع الاستهلاكية الأساسية، بنسب تتراوح بين 0.2 في المائة و1.7 في المائة.

وتبادلت القوات الأميركية والإيرانية هجمات صاروخية وطائرات مسيرة كثيفة، حيث استهدفت طهران أصولاً أميركية في ست دول، وأعلنت إغلاق مضيق هرمز مجدداً، مما دفع الأسهم الآسيوية إلى الانخفاض.

وقالت شركة «نان هوا فيوتشرز» في مذكرة لها: «مع ضعف الطلب المحلي، إلى جانب عمليات جني الأرباح القوية في بعض القطاعات، من غير المرجح أن تشهد السوق انتعاشاً حاداً ومستداماً، وسيظل التذبذب ضمن نطاق محدد هو الاتجاه السائد... ومن المرجح أن تحتفظ الأسهم القيادية بميزتها النسبية، نظراً لخصائصها الدفاعية البارزة التي توفر مزايا معينة خلال تصحيحات السوق، بينما من المرجح أن تشهد الأسهم الصغيرة والمتوسطة مزيداً من تعديلات التقييم».

وفي هونغ كونغ، ارتفع مؤشر «هانغ سنغ القياسي» بنسبة 0.2 في المائة، بينما انخفض مؤشر «هانغ سنغ للتكنولوجيا» بنسبة 1 في المائة.

وينتظر المستثمرون بيانات التجارة والناتج المحلي الإجمالي الصيني للربع الثاني هذا الأسبوع، التي ستوفر مزيداً من المؤشرات حول صحة ثاني أكبر اقتصاد في العالم.

ومن المتوقع أن ترتفع صادرات الصين لشهر يونيو (حزيران) بنسبة 18.2 في المائة مقارنة بالعام السابق من حيث القيمة الدولارية، وفقاً لآراء 20 خبيراً اقتصادياً استطلعت «رويترز» آراءهم، متراجعةً عن نسبة 19.4 في المائة المسجلة في مايو (أيار).

اليوان يتراجع

وبدوره، تراجع اليوان الصيني عن أعلى مستوى له في أسبوعين مقابل الدولار الأميركي يوم الاثنين، مع ارتفاع قيمة الدولار في أعقاب تصاعد التوترات في الخليج، على الرغم من أن تثبيت سعر الصرف عند نقطة المنتصف لا يزال يدعم العملة الصينية.

وبلغ سعر تداول اليوان 6.7819 يوان للدولار، بانخفاض قدره 0.07 في المائة، متراجعاً عن أعلى مستوى له في أسبوعين عند 6.77 يوان الذي سجله يوم الجمعة. أما في الأسواق الخارجية، فقد بلغ سعر تداوله 6.7855 يوان للدولار، بانخفاض قدره 0.05 في المائة تقريباً في التعاملات الآسيوية.

وارتفع الدولار الأميركي مقابل معظم العملات الرئيسية يوم الاثنين، مع ارتفاع أسعار النفط الذي أدى إلى زيادة توقعات مجلس الاحتياطي الفيدرالي برفع أسعار الفائدة. وتبادلت القوات الإيرانية إطلاق نار كثيف خلال عطلة نهاية الأسبوع، وأعلنت طهران إغلاق مضيق هرمز مجدداً.

وقال محللون في بنك أوف أميركا في مذكرة: «من المرجح أن يتعرض البيع على المكشوف لزوج الدولار الأميركي/اليوان الصيني لضغوط، وقد يرتفع السعر نحو مستوى 6.90 في حال حدوث ضغوط». وأضاف المحللون أن البنك لا يزال متفائلاً بشأن اليوان على المدى المتوسط، لكنه يفضل بيع اليورو أو الدولار السنغافوري على المكشوف مقابل اليوان في السوق الخارجية للتعبير عن هذا التفاؤل.

وقبل افتتاح السوق، حدد بنك الشعب الصيني سعر الصرف المتوسط ​​عند 6.7972 للدولار، وهو أعلى مستوى له منذ 10 فبراير (شباط) 2023، على الرغم من أنه كان أقل بـ122 نقطة من تقديرات «رويترز». ويُسمح لليوان الفوري بالتداول بنسبة 2 في المائة أعلى أو أقل من سعر الصرف المتوسط ​​المحدد يومياً.

وسجل سعر صرف اليوان الصيني مستويات منخفضة جديدة باستمرار خلال الأسبوعين الماضيين على الرغم من قوة الدولار، مما يشير إلى أن صناع السياسات أصبحوا أكثر ارتياحاً لمسار ارتفاع قيمة العملة، وفقاً لمحللي غولدمان ساكس.

وقال المحللون في مذكرة: «على الرغم من أن وتيرة ارتفاع اليوان الصيني قد تباطأت مؤخراً، فإننا لا نعتقد أن هذا يشير إلى نهاية موجة الصعود». وأضافوا أن بيانات التجارة الشهرية المقرر صدورها يوم الثلاثاء من المرجح أن تعزز الصورة العامة لقوة الصادرات وانخفاض قيمة العملة.


مخزونات وقود الطائرات في أوروبا عند أدنى مستوى

طائرة «إيرباص 380» تابعة لشركة «لوفتهانزا» تُزوَّد بالوقود في مطار فرانكفورت (رويترز)
طائرة «إيرباص 380» تابعة لشركة «لوفتهانزا» تُزوَّد بالوقود في مطار فرانكفورت (رويترز)
TT

مخزونات وقود الطائرات في أوروبا عند أدنى مستوى

طائرة «إيرباص 380» تابعة لشركة «لوفتهانزا» تُزوَّد بالوقود في مطار فرانكفورت (رويترز)
طائرة «إيرباص 380» تابعة لشركة «لوفتهانزا» تُزوَّد بالوقود في مطار فرانكفورت (رويترز)

استوردت أوروبا وقود طائرات من الولايات المتحدة وآسيا، وزادت إنتاج مصافيها، ولجأت إلى مخزوناتها للحفاظ على استمرار حركة الطيران. ومع ذلك، فإنها تظل المنطقة الأكثر عرضة للخطر؛ إذ يزيد تجدد التوتر في الشرق الأوسط من احتمال حدوث مزيد من الاضطرابات في الإمدادات.

ويحيط الخطر ببريطانيا وفرنسا وألمانيا على وجه الخصوص، في قارة أدى فيها إغلاق مصافي التكرير على مدى عقود إلى جعلها أكثر اعتماداً من غيرها على شحنات الشرق الأوسط المارة عبر مضيق هرمز، وفقاً لـ«رويترز».

وأعيد فتح المضيق جزئياً في يونيو (حزيران) بعد اتفاق الولايات المتحدة وإيران على وقف لإطلاق النار. وكان المضيق ممراً لنحو خُمس الشحنات العالمية للنفط والغاز الطبيعي المسال، حتى اندلاع الحرب على إيران بضربات أميركية وإسرائيلية في نهاية فبراير (شباط). ولكن الطرفين استأنفا الضربات هذا الشهر.

وتوقَّعت بيانات شركة «إنرجي أسبكتس» للاستشارات، الصادرة في 18 يونيو حدوث عجز في الإمدادات في أوروبا بنحو 600 ألف برميل يومياً في الربع الثالث، مقابل فائض يبلغ 116 ألف برميل يومياً في الولايات المتحدة، و425 ألف برميل يومياً في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.

وذكرت «إنرجي أسبكتس» أن المخزونات بلغت 38 مليون برميل في بداية يونيو، مقارنة مع 99 مليون برميل في الولايات المتحدة. وتشير حسابات «رويترز» إلى أن مخزونات أوروبا ستغطي الطلب لفترة تقل عن 30 يوماً، وهو ما يجعلها الأكثر شحاً بين الأسواق الرئيسية لوقود الطائرات.

وأظهرت أحدث البيانات المتاحة من التقرير الشهري الأخير لوكالة الطاقة الدولية، أن مخزونات وقود الطائرات ارتفعت مؤقتاً 10 في المائة على أساس سنوي في نهاية مايو (أيار)، في حين ارتفع إنتاج المصافي 30 في المائة. وتشير هذه الأرقام أيضاً إلى هامش زمني لا يتجاوز شهراً واحداً.

وقال جانيف شاه المحلل لدى شركة «ريستاد»: «ما زلنا نتوقع بعض النقص في المعروض حتى أغسطس (آب) إذا استمرت هذه الوتيرة».

وأقرت المفوضية الأوروبية بأن الوضع قد يتفاقم.

وقال مفوض الطاقة في الاتحاد الأوروبي، دان يورجنسن، في يونيو، إن التكتل يواجه نقصاً في مخزونات وقود الطائرات مع اقتراب نهاية موسم العطلات الصيفية، وإن بروكسل ستنسق عملية السحب من الاحتياطيات الوطنية إذا لزم الأمر.

شحنات من كندا وكوريا الجنوبية

حتى اندلاع الحرب في 28 فبراير، اعتمدت أوروبا على الشرق الأوسط في نحو نصف وارداتها من وقود الطائرات.

وفي مارس (آذار)، توقع محللون أن تكون الدول الأفريقية التي كانت تستورد معظم وقود الطائرات من الشرق الأوسط، هي الأكثر تضرراً.

ومع ذلك، تمكنت هذه الدول من زيادة وارداتها من مصفاة دانجوت النيجيرية، وكذلك من الهند وعُمان، وفقاً لبيانات شركة «كبلر» المتخصصة في معلومات السلع الأساسية.

وفي غضون ذلك، نجحت أوروبا حتى الآن في تجنب نفاد الإمدادات، باللجوء إلى مصدِّرين جدد مثل كندا.

وجاء في بيانات «كبلر» أن أوروبا استوردت في يونيو إجمالي 673 ألف برميل يومياً من وقود الطائرات، وهو أعلى مستوى لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2025.

وكانت الولايات المتحدة ونيجيريا أكبر المصدِّرين إلى أوروبا، ووفَّرت الكويت وكندا والهند وكوريا الجنوبية شحنات أيضاً.

وبلغت الواردات من الهند في يونيو أعلى مستوياتها منذ فبراير، ومن المقرر وصول ما يقرب من 25 ألف برميل كويتي يومياً في أغسطس، للمرة الأولى منذ أوائل مارس، من خلال نقل الشحنات من سفينة إلى أخرى.

وقبل توقف التدفقات، كانت الكويت واحدة من أكبر موردي وقود الطائرات إلى المنطقة.

وزادت مصافي التكرير الإيطالية إنتاج وقود الطائرات 10 في المائة خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام.

وانخفضت واردات البلاد 6 في المائة، مما أتاح للإنتاج المحلي تلبية ما يقرب من 70 في المائة من الطلب في مارس وأبريل (نيسان)، حسب جمعية منتجي الوقود الإيطالية.

وقالت مصادر صناعية إن شركة «إيني» التي تمثل نحو نصف طاقة إنتاج وقود الطائرات في إيطاليا، عززت إنتاجها باستيراد منتجات من خارج أوروبا.

وفي الوقت نفسه، انخفضت أسعار وقود الطائرات في شمال غربي أوروبا إلى نحو 133.27 دولار للبرميل من مستوى 215.32 دولار في نهاية مارس، مما خفف الضغط على شركات الطيران. وعادةً ما يمثل الوقود ما بين 20 في المائة و25 في المائة من تكاليف التشغيل.

ويستبعد المحللون أن تشهد أسعار تذاكر الطيران تخفيضات فورية بسبب قوة الطلب والسعة المحدودة؛ خصوصاً بعد أن خفضت شركات طيران كثيرة رحلاتها لتحقيق الاستفادة القصوى من إمدادات الوقود.


الهند ترفض اتفاقاً تجارياً سريعاً مع واشنطن وتتمسك بشروطها

دونالد ترمب وناريندرا مودي يتصافحان خلال اجتماع ثنائي على هامش قمة «مجموعة السبع» في فرنسا يوم 17 يونيو 2026 (رويترز)
دونالد ترمب وناريندرا مودي يتصافحان خلال اجتماع ثنائي على هامش قمة «مجموعة السبع» في فرنسا يوم 17 يونيو 2026 (رويترز)
TT

الهند ترفض اتفاقاً تجارياً سريعاً مع واشنطن وتتمسك بشروطها

دونالد ترمب وناريندرا مودي يتصافحان خلال اجتماع ثنائي على هامش قمة «مجموعة السبع» في فرنسا يوم 17 يونيو 2026 (رويترز)
دونالد ترمب وناريندرا مودي يتصافحان خلال اجتماع ثنائي على هامش قمة «مجموعة السبع» في فرنسا يوم 17 يونيو 2026 (رويترز)

رفضت الهند التوصل إلى اتفاق تجاري سريع مع الولايات المتحدة خلال المحادثات الأخيرة، وتتمسك بالحصول على اتفاق أفضل، في وقت يستمد فيه رئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، ثقته من شركاء تجاريين جدد، وتراجع المخاطر الاقتصادية، والمكاسب السياسية على الساحة الداخلية، وفق مسؤولين ومحللين.

وبعد أشهر من المفاوضات، أخفق البلدان في وضع اللمسات النهائية على اتفاق تجاري مؤقت خلال زيارة الممثل التجاري الأميركي، جاميسون غرير، إلى نيودلهي الشهر الماضي، رغم توقعات الجانبين بأن التوصل إلى اتفاق محدود كان في متناول اليد، وفق «رويترز».

وقال مسؤول في الحكومة الهندية مطلع على المحادثات إن عدم التوصل إلى توافق يعود إلى أن واشنطن لم تقدم ضمانات بشأن المطالب الرئيسية لنيودلهي، وفي مقدمتها منحها ميزة جمركية مقارنةً بمنافسين مثل الصين، وعدم فرض رسوم أميركية جديدة بعد إبرام الاتفاق.

وقال المسؤول: «موقفنا واضح، فنحن لا ننوي التسرع في إبرام اتفاق لا يصب في مصلحتنا، أو التنازل عن خطوطنا الحمراء، مثل التخلي عن موقفنا بشأن قطاع الزراعة».

وكانت واشنطن تأمل الحصول سريعاً على تنازلات تجارية من شريك استراتيجي، في وقت يستعد فيه الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، لفرض رسوم جمركية جديدة يُرجح أن تدخل حيز التنفيذ في وقت لاحق من هذا الشهر، وفق مسؤولين ومحللين. وفي المقابل، فإن تمسك الهند بموقفها يعرض صادراتها لرسوم أعلى، ويطيل أمد حالة عدم اليقين بالنسبة إلى الشركات.

وبعد يوم من المحادثات مع غرير، قال وزير التجارة الهندي، بيوش غويال، إن الاتفاق مع الولايات المتحدة لن يُنفذ ما لم يضمن للهند ميزةً واضحة، في إشارة إلى تشدد موقف نيودلهي وعدم استعجالها التوصل إلى اتفاق، رغم خطر فرض رسوم جمركية أعلى.

وكما هي الحال بالنسبة إلى معظم الدول، فإن غالبية السلع الهندية تخضع حالياً لرسوم جمركية أميركية تبلغ 10 في المائة. إلا إن إدارة ترمب من المتوقع أن تفرض رسوماً أعلى في وقت لاحق من هذا الشهر، من خلال تحقيقات تتعلق بفائض الطاقة الإنتاجية الصناعية. وكانت الهند قد نفت الاتهامات الأميركية بشأن امتلاكها فائضاً في الطاقة الإنتاجية.

العلمان الأميركي والهندي ومجسّمان مصغران لشخصين معهما جهازا كومبيوتر محمول (توضيحية - رويترز)

واقترحت واشنطن بالفعل فرض رسوم جمركية جديدة تصل إلى 12.5 في المائة على عشرات الدول، من بينها الهند، بدعوى إخفاقها في الحد من تجارة السلع المصنوعة باستخدام العمل القسري.

وقال مصدر أميركي مطلع على المحادثات إن وجهة نظر واشنطن تتمثل في أن الهند ينبغي أن تستحق المعاملة التفضيلية التي تطالب بها في البنود التجارية، من خلال تقديم تنازلات من جانبها.

وطلب كل من المسؤول الهندي والمصدر الأميركي عدم الكشف عن هويتيهما نظراً إلى سرية المفاوضات.

وقال مسؤول أميركي، طلب أيضاً عدم الكشف عن هويته، إن واشنطن لا تزال منخرطة في المحادثات مع الهند، وما زالت تتوقع التوصل إلى اتفاق، لكنه لم يحدد إطاراً زمنياً لذلك. وأضاف أن الهند كانت في بعض الأحيان بطيئة، وبيروقراطية، وصعبة في المفاوضات، في إشارة إلى أن التوصل إلى اتفاق سريع أمر غير مرجح.

وعند سؤاله عن تعثر المحادثات، قال المتحدث باسم البيت الأبيض، كوش ديساي: «تواصل إدارة ترمب العمل بشكل بنّاء مع المسؤولين الهنود لوضع اللمسات النهائية على اتفاق تجاري تاريخي يضع الأميركيين والولايات المتحدة في المقام الأول».

الصادرات الهندية ترتفع والمخاطر الاقتصادية تتراجع

قال محللون في شؤون التجارة إن ارتفاع الصادرات، وإبرام اتفاقات تجارية جديدة مع دول وتكتلات أخرى، إلى جانب تراجع المخاطر الاقتصادية، عززت موقف الهند التفاوضي.

وخلال الفترة من أبريل (نيسان) إلى يونيو (حزيران) الماضيين، ارتفعت صادرات الهند الإجمالية من السلع بنحو 15 في المائة مقارنةً بالفترة نفسها من العام الماضي، رغم الاضطرابات الناجمة عن الحرب مع إيران، بدعم من ارتفاع قيمة شحنات المنتجات النفطية، وفقاً لمسؤولين.

كما تعافت الصادرات إلى دول الخليج لمستويات ما قبل الحرب، لترتفع إلى 5.3 مليار دولار في مايو (أيار) من 2.62 مليار دولار في مارس (آذار) الماضيين، بعد أن لجأ التجار إلى مسارات شحن بديلة، فيما ارتفعت الصادرات للولايات المتحدة إلى 17.29 مليار دولار خلال شهري أبريل ومايو.

وتعمل الهند أيضاً على توسيع نفاذها إلى أسواق متقدمة أخرى؛ إذ من المقرر أن يدخل اتفاق التجارة الحرة مع المملكة المتحدة حيز التنفيذ خلال هذا الشهر، بينما يُتوقع التوصل إلى اتفاق مع الاتحاد الأوروبي بحلول مطلع العام المقبل.

وقالت ويندي كاتلر، نائبة الرئيس الأولى في «معهد سياسات جمعية آسيا» ومقره واشنطن، والمسؤولة السابقة في التجارة الأميركية: «اكتسب المفاوضون الهنود قدراً من النفوذ في المحادثات، في ظل قوة الاقتصاد الهندي، ومبادرات تنويع الشراكات مع شركاء آخرين، ومكانة الهند الاستراتيجية على الساحة الدولية».

حاويات شحن مُخزنة في محطات «إيه بي إم» في نافي مومباي بالهند (رويترز)

وقال الخبير الاقتصادي في «غولدمان ساكس»، سانتانو سينغوبتا، في تقرير، إن اتفاق السلام المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران حسّن الآفاق الاقتصادية للهند من خلال خفض أسعار النفط.

ورفع البنك توقعاته لنمو الاقتصاد الهندي في عام 2026 إلى 6.8 في المائة، وخفض تقديراته للتضخم وعجز الحساب الجاري، بما يشير إلى أن نيودلهي بات لديها هامش اقتصادي أكبر للتمسك بشروط أفضل.

كما أسهم ضعف الروبية في تعزيز القدرة التنافسية للمصدرين.

ترقب لما ستؤول إليه الأوضاع في واشنطن

وقال مسؤول هندي آخر إن الهند تراهن أيضاً على أن بعض الإجراءات التجارية الأميركية قد تواجه عراقيل قانونية أو سياسية.

وكان ائتلاف يضم 22 مدعياً عاماً من الولايات الديمقراطية قد تقدم بالفعل باعتراضات على الرسوم الجمركية التي اقترحتها إدارة ترمب في إطار التحقيقات المتعلقة بالعمل القسري.

وقال محللون تجاريون إن حالة عدم اليقين القانونية بشأن الرسوم الجمركية الأميركية، إلى جانب الانتصارات الأخيرة التي حققها مودي في انتخابات الولايات، ساعدت الهند على مقاومة الضغوط الرامية إلى إبرام اتفاق سريع.

وأكد كبار قادة حزب «بهاراتيا جاناتا»، بزعامة مودي، علناً أن الاتفاقات التجارية ينبغي أن تحمي المزارعين الهنود والشركات الصغيرة، وهما من الفئات ذات الثقل السياسي التي دأبت نيودلهي على حمايتها في المفاوضات التجارية.

وقال أجاي سريفاستافا، مؤسس «مبادرة أبحاث التجارة العالمية» والمفاوض التجاري السابق: «تدرك الهند أن تأجيل الاتفاق المتسرع، أو حتى التخلي عنه، قد يكون الخيار الأكبر حكمة، بدلاً من الارتباط بالتزامات قد تفوق تكاليفها بكثير أي إعفاءات جمركية مؤقتة».