فيروس «كورونا»... هل يغيّر حرارة الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والصين؟

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ في بكين عام 2017 (أرشيف – رويترز)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ في بكين عام 2017 (أرشيف – رويترز)
TT

فيروس «كورونا»... هل يغيّر حرارة الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والصين؟

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ في بكين عام 2017 (أرشيف – رويترز)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ في بكين عام 2017 (أرشيف – رويترز)

في موازاة الكارثة الصحية التي سببها فيروس كورونا المستجدّ، تلوح في الأفق نُذُر مواجهة متفاوتة الحرارة بين الولايات المتحدة والصين، قد تستمر وقائعها طويلاً وآثارها أطول.
راهناً، يمكن القول إن الحرب الباردة بين الطرفين بدأت فعلاً، تغذيها عوامل عدة أهمها إثنان: الحرب التجارية المستمرة منذ سنوات، والانتخابات الرئاسية الأميركية التي تقام في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. ويجمع بين العاملين أمر مشترك: جو من العدائية حيال الصين عند الأميركيين ناجم عن تحميلها مسؤولية انتشار «كوفيد - 19»، والمطالبة بتدفيعها الثمن الاقتصادي للجائحة.
باتت الصين جزءاً من النقاش السياسي الداخلي في الولايات المتحدة، وسلاحاً في السباق الانتخابي بين الرئيس الجمهوري دونالد ترمب وخصمه الديمقراطي جو بايدن. وعلى سبيل المثال، هتف مؤيّدون لترمب في لقاءات أقيمت في ولايات ميتشيغن وويسكونسن وبنسلفانيا «بكين بايدن»، تلميحاً إلى كلام إيجابي قاله نائب الرئيس السابق عن الصين – أو العدوّ «المستجدّ» - قبل سنوات. وفي المعسكر الديمقراطي، يُعيب مؤيدو بايدن على ترمب مغازلاته الكثيرة للصين وإشاداته الرنّانة بـ«صديقه» الرئيس شي جينبينغ، معتبرين إياها نوعاً من التملّق للحصول على رضا خصم تجاري عنيد. وبالتالي يعتبر الجانبان أن أي ارتباط بالصين في السياق الانتخابي هو نوع من السمّ السياسي الزعاف...
ويجدر التوقف عند استطلاع للرأي أجرته في أبريل (نيسان) مؤسسة «بيو ريسيرتش» الأميركية ونشرت نتائجه صحيفة «ذا غارديان» البريطانية. فقد تبيّن أن لدى ثلثي الأميركيين نظرة سلبية تجاه الصين. ومن المرجح أن يكون انعدام الثقة هذا قد تعمق منذ ذلك الحين، مع تكرار إدارة ترمب تحميل بكين مسؤولية انتشار الوباء.
وتتضح فداحة التباعد بين صاحبَي الاقتصادين الأول والثاني في العالم عندما ندرك أن العلاقات بينهما هي الأكثر تشابكاً على المستوى العالمي. وهذا أمر يدركه ترمب ويحوّله إلى عنصر يدعم موقفه السلبي من العملاق الأصفر. وقد هدد أخيراً بقطع العلاقات كلياً مع الصين وقال لشبكة «فوكس نيوز» الإخبارية إن بلاده ستوفر على نفسها إذا أقدمت على ذلك 500 مليار دولار.

*المعسكر الصيني
في الجانب الصيني، نقل مقال تحليلي كبير نشرته «فورين بوليسي» عن تقرير سري صيني أن كبار قادة البلاد يخشون وجود خطر متزايد لانزلاق العلاقات الأميركية - الصينية إلى مستوى الصراع، مع أن المصلحة المنطقية للطرفين تكمن في التعاون لمواجهة الأزمات العالمية، مثل التغيّر المناخي وبالطبع وباء كورونا.
ويعدد المقال نفسه خمسة أسباب لهذه الصراع المحتمل:
1-التنافس العسكري
كان التنافس العسكري بين الولايات المتحدة والصين حاداً قبل جائحة كورونا. وليس سراً أن الصين استفادت من قوتها الاقتصادية لتعزز جيشها وترسانة أسلحتها، وتفرض نفوذها في محيطها، خصوصاً على «جبهة» تايوان التي تعتبرها بكين جزءاً من البلاد، وفي بحر الصين الجنوبي الذي تشاطئه دول عدة. وأعلنت بكين حديثاً إقامة مناطق إدارية جديدة في هذا البحر، وارسلت قطعاً بحرية لملاحقة سفن ماليزية وفلبينية، وأجرت مناورات تهدف إلى ترهيب اليابان وفيتنام وتايوان.
ويذهب بعض المسؤولين في الإدارة الأميركية إلى حد الاعتقاد أن الصين تريد إبعاد النفوذ الأميركي عن المنطقة وصولاً إلى طرد القوات الأميركية من القواعد التي تتمركز فيها منذ سنوات. لذا يدرس الكونغرس تخصيص 20 مليار دولار إضافية لتعزيز القدرات العسكرية الأميركية هناك رغم الأزمة الاقتصادية الراهنة.
2-فك الارتباط الاقتصادي
قبل الوباء، كان هناك تخوّف في أوساط أميركية من تعمّق الترابط بين اقتصادَي الولايات المتحدة والصين، ومن أداء الشركات الصينية المرتبطة بالدولة. ودعا عدد من صنّاع القرار والمؤثرين إلى فك الارتباط بين الاقتصادين، وتقييد الاستثمار الصيني في قطاعات أميركية حساسة، وفي الوقت نفسه إبقاء الاقتصاد الأميركي تنافسياً.
ولا شك في أن أزمة كورونا جعلت هذه المسائل ملحّة أكثر، لأنها كشفت نواقص في القطاع الصحي الأميركي، وأثبتت اعتماد الولايات المتحدة ودول أخرى على الصين للحصول على منتجات صيدلانية وأقنعة طبية وغيرها من لوازم الرعاية الصحية. وفي هذا الإطار، يعدّ مشترعون من الحزبين الجمهوري والديمقراطي مشروع قانون للحد من اعتماد الولايات المتحدة على الصين في إنتاج الأدوية وسواها من المواد الصيدلانية.
3-التكنولوجيا
قبل كورونا، كانت واشنطن وبكين تتنافسان في عدد من مجالات التكنولوجيا الجديدة، بما في ذلك المراقبة الرقمية للناس والذكاء الاصطناعي، وتقنية الاتصالات من الجيل الخامس التي كانت شركة هواوي العملاقة للاتصالات تستعد للسيطرة على سوقها، وهو أمر حاربته واشنطن بكل ما أوتيت من قوة خشية أن تنقل الشركة معلومات حساسة إلى السلطات الصينية. إلا أن الجهود الأميركية لم تقنع دولاً عدة بالتخلي عن هواوي.
غنيٌّ عن القول أن التنافس في حقل التكنولوجيا المتطورة سيستمر بعد الوباء، خصوصاً أن الحكومة الصينية لم تخفِ نيّتها المضي قدماً في جهودها للسيطرة على هذا القطاع، ومنه الجيل الخامس من الاتصالات، وتحديداً عبر مشروعها الضخم «الحزام والطريق». والواقع يقول إن الولايات المتحدة لا تبدو في وضع يخوّلها الفوز في هذه المعركة.
4-مستقبل النظام العالمي
انخرط البلدان قبل سنوات قليلة في تنافس على مستقبل النظام العالمي من حيث المعايير والقواعد والمؤسسات التي تحكم السياسة الدولية. ومع استمرار الصين في الصعود، قلق صنّاع القرار الأميركي من كون بكين تسعى إلى تقويض أسس النظام الليبرالي، مستدلّين على ذلك بمؤشرات عدة، أبرزها سجل الصين في حقوق الإنسان، وانتهاكها القوانين والقواعد البحرية في بحر الصين الجنوبي، ومشروع «الحزام والطريق» الذي ترى فيه واشنطن حصان طروادة صينياً لبسط النفوذ في الدول الشريكة فيه.
في المقابل، يرى الصينيون في الولايات المتحدة قائداً منافقاً للنظام العالمي، لا يلتزم بالقواعد والأعراف إلا عندما تناسب مصالحه، ويرفض توفير مساحة أكبر للصين فيه.
وليس من المطمئن أبداً في هذا السياق تعامل البلدين أحدهما مع الآخر في مواجهة الجائحة، فبينما كانت الولايات المتحدة ولا تزال ترمي الصين بالتهمة تلو الأخرى – وآخرها اتهامها بالسيطرة على منظمة الصحة العالمية -، رأينا الثانية تقفز فور احتوائها الوباء إلى الواجهة وتقدّم المساعدات الطبية إلى أكثر من دولة، معتبرة تعاملها مع «كوفيد - 19» نموذجاً للفاعلية والنجاح والريادة.
5-النموذجان
بينما تقدّم الولايات المتحدة نفسها نموذجاً للنظام الليبرالي المبني على سلّم من القيم العالمية، تروّج الصين منذ بداية نهضتها الاقتصادية لمزايا نظامها الصارم «العصريّ»، مشيرة إلى النمو الاقتصادي السريع الذي حققته والتماسك الاجتماعي الذي تتمتع به. وليس أدلّ على هذا التوجه من قول شي جينبينغ عام 2017 إن الصين «تقدم خياراً جديداً للدول والأمم الأخرى التي تريد تسريع تنميتها مع الحفاظ على استقلالها».

*إلى أين؟
إلى أين سيقود هذا التنافس والتراشق بين الجانبين؟
هناك فرضيتان في هذا السياق: الأولى مضيّ البلدين في لعبة تبادل اللوم في كل شيء، خصوصاً في تفشّي كورونا، بحيث يستمر التصعيد وصولاً إلى القطيعة الكاملة مع ما قد تستتبعه من تصاعد في التوتر إلى حدّ حصول صدام عسكري لا يرتدي بالضرورة طابعاً عالمياً شاملاً، بل ينحصر في نطاق إقليمي – أو أكثر – في مناطق مرشحة لأن تكون مسارح لصراعات الجانبين، ومنها التي ذكرناها آنفاً وسواها.
أما الفرضية الثانية فمبنية على كون العملاقين مترابطين ومتشابكين اقتصادياً إلى حد يجعل استغناء أحدهما عن الآخر مستحيلاً، خصوصاً في زمن الركود هذا الذي يبحث فيه العالم عن خشبة خلاص. ومن المفارقات هنا، أن وباء كورونا قد يجمعهما في النهاية إذا اقتنعا بالعواقب الاقتصادية والجيوسياسية لقطيعة كاملة.
يقول مساعد وزير الخارجية الأميركي السابق لشؤون شرق آسيا والمحيط الهادئ كورت كامبل: «ليس من الواضح كيف سينتهي هذا. أعتقد أن مكانة كل من الأميركيين والصينيين على المسرح العالمي تضررت. ويبدو كأن الطرفين يتعاركان بينما روما تحترق».
غالباً ما يُظهر القادة معدنهم الحقيقي في أحلك لحظات التاريخ. فهل يملك دونالد ترمب وشي جينبينغ ما يكفي من إرادة وشجاعة لفتح صفحة من التعاون الحقيقي لتضميد جروح العالم؟


مقالات ذات صلة

دراسة: فيروسات «كورونا» في الخفافيش تطور طرقاً جديدة لإصابة البشر

صحتك فيروسات «كورونا» التي تحملها الخفافيش تطور طرقاً جديدة لإصابة البشر (رويترز)

دراسة: فيروسات «كورونا» في الخفافيش تطور طرقاً جديدة لإصابة البشر

كشفت دراسة حديثة أن فيروسات «كورونا» التي تحملها الخفافيش تطور طرقاً جديدة لإصابة البشر حيث أصبحت قادرة على إصابة الخلايا البشرية عبر أكثر من مسار.

«الشرق الأوسط» (نيروبي)
صحتك صورة توضيحية لفيروس «كوفيد - 19» (أرشيفية - رويترز)

باحثون: مضاد اكتئاب شائع يخفف من إجهاد «كوفيد» طويل الأمد

عقار فلوفوكسامين المضاد للاكتئاب، وهو عقار شائع الاستخدام وغير مكلف، حسن على نحو ملحوظ نوعية الحياة لدى البالغين المصابين «بكوفيد طويل الأمد».

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ سُجّل نحو 840 ألف وفاة بكورونا في شهادات الوفاة خلال عامي 2020 و2021... لكن فريقاً من الباحثين قدّر أن ما يصل إلى 155 ألف وفاة إضافية غير معترف بها ربما حدثت خلال تلك الفترة خارج المستشفيات (رويترز)

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

أظهرت دراسة جديدة أن حصيلة الوفيات في المراحل الأولى من جائحة كورونا كانت أعلى بكثير من الأرقام الرسمية في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك مكملات فيتامين «د» تبدو واعدة في تقليل خطر الإصابة بـ«كوفيد طويل الأمد» (أرشيفية- رويترز)

دراسة: مكملات فيتامين «د» قد تساعد في تخفيف أعراض «كوفيد طويل الأمد»

تشير دراسة حديثة إلى أن مكملات فيتامين «د» قد توفر مؤشرات جديدة تساعد الباحثين على فهم الأعراض التي تستمر لدى بعض المصابين بعد التعافي من «كوفيد-19».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم عاملون مختبريون يفحصون عينات فيروس «كوفيد» ميدانياً

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

الفيروسات تتطور بشكل عادي لدى الحيوانات، إلا أنها تتطور بشكل جذري عند إصابتها الإنسان.

كارل زيمر (نيويورك)

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...