مناهضو التطعيم يعزّزون حضورهم في المجتمع الأميركي بدعم من ترمب

بينما ينتظر العالم اللقاح لمواجهة جائحة «كوفيد ـ 19»

مناهضو التطعيم يعزّزون حضورهم في المجتمع الأميركي بدعم من ترمب
TT

مناهضو التطعيم يعزّزون حضورهم في المجتمع الأميركي بدعم من ترمب

مناهضو التطعيم يعزّزون حضورهم في المجتمع الأميركي بدعم من ترمب

في الوقت الذي تتسابق شركات الأدوية والمختبرات العلمية على تطوير لقاح لفيروس «كوفيد - 19» قد يحمل الأمل في إنهاء تأثيرات هذه الجائحة التي ضربت سبل عيش معظم شعوب العالم وإنقاذ أرواح الملايين، يرفض الألوف من معتقدات وأديان ودول مختلفة تلقي اللقاح الموعود.
وفي الولايات المتحدة يرفض عدد كبير من الأميركيين تلقي اللقاح لتجنب فيروس الجائحة، ويكثّفون جهودهم، مع مجموعات سياسية ومدنية وحركية – يعضها مسلّح – من رافضي قرارات إغلاق البلاد. ويتظاهر هؤلاء للمطالبة بوقف سياسة التباعد الاجتماعي وإعادة فتح الاقتصاد، في خطوة يرى البعض أنها تلتقي مع شعارات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الساعي جاهدا لوقف تلك الإجراءات، على أمل تحسين ظروف الاقتصاد الأميركي، وذلك قبل موعد الانتخابات الرئاسية والعامة المقرّرة في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، للفوز بولاية ثانية.

ظاهرة رفض اللقاح ليست طارئة أو حديثة، إذ لطالما شهد العالم الصراع بين المؤمنين بالعلم والتقنيات الحديثة وتأثيراتها على سبل حياة البشر من جهة، وأصحاب المعتقدات والعديد من الجماعات المتدينة التي تشدد على أن للعلم حدوداً لا يمكنه تجاوزها.
بيد أن الأمر لا يعفي من طرح التساؤل عن تجذّر هذه الظاهرة في بلد يعتبر أكبر وأهم وأكثر الدول المتطورة علميا كالولايات المتحدة... البلد الذي كان ولا يزال سبّاقا في اكتشاف الأدوية والعقاقير واللقاحات، التي خرجت من مختبراته وشركات الأدوية فيه لعلاج البشرية.
إن الحركة المناهضة للقاح أو التطعيم وخصوصا للأطفال، قديمة قدم ظهور اللقاح أو التطعيم نفسه، رغم نتائجه المذهلة وتوفره. ولقد صنّفت منظمة الصحة العالمية تلك الحركات بأنها واحدة من بين أكبر 10 تهديدات للصحة في العالم عام 2019. ويشمل هذا التصنيف: الرفض التام للتطعيم وتأخير اللقاحات أو التشكيك بقبولها واستخدامها، أو استخدام لقاحات معينة دون غيرها. وتتناقض الحجج التي يقدمها المناهضون للتطعيم مع الإجماع العلمي الساحق حول سلامة اللقاحات وفعاليتها.

- ادعاءات وأسباب وحيثيات
يناقش مناهضو التطعيم بأن ترددهم في قبوله يقوم على عوامل رئيسية، بينها: انعدام ثقة الشخص باللقاح أو بمقدم الرعاية الصحية وقلة إحساسهم بالراحة، أو أنهم لا يشعرون بالرضى ولا يرون حاجة إلى اللقاح وقيمته. وهذا الرفض وجد منذ اختراع التطعيم، وسبق تاريخ صياغة مصطلحي «لقاح» و«تطعيم» بحوالي 80 سنة. لا، بل إن الحركات المضادة للتطعيم تعود على الأقل إلى العام 1796. عندما اخترع البريطاني إدوارد جينر لقاح الجدري. لكن العديد من الخبراء يقولون إن السبب الحالي يمكن إرجاعه إلى العام 1982. عندما بثّت شبكة «إن بي سي» الأميركية فيلما وثائقياً أثار جدلا في بريطانيا، يربط بشكل مزعوم بين لقاح السعال الديكي (الشهقة)، وهو مرض قاتل يمكن أن يسبب مشاكل في الرئة، ونوبات عند الأطفال الصغار. ورغم انتقاد الأطباء الشديد للفيلم لافتقاره إلى الدقة بشكل خطير، فإن الخوف كان قد انتشر، وأخذت تتشكل مجموعات مناهضة للتطعيم، فأوقفت العديد من الشركات إنتاج اللقاح، مفضلة الخسارة على الصداع.
وفي العام 1998، نشر أندرو ويكفيلد، اختصاصي أمراض الجهاز الهضمي البريطاني، دراسة في دورية «لانسيت» الطبية، ربطت بين اللقاح ضد الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية... ومرض التوحّد. وثبت لاحقاً بطلان ما زعمته هذه الدراسة. غير أن بعض الآباء اعتبر أن الإجابة كانت واضحة - رغم أن معظمهم لم يعرف تلك الأمراض، لأن اللقاحات ببساطة كانت قد قضت عليها - لكنهم كانوا يعرفون التوحّد.
لكن، رفض اللقاحات غالباً ما كان يؤدي إلى تفشي الأمراض والوفيات التي كان يمكن تجنبها أو الوقاية منها باللقاحات. واعتمد مناهضو اللقاح الإلزامي على المشاعر المضادة للقاح، أو القلق من أنه ينتهك الحريات المدنية أو يقلل من ثقة الجمهور في التطعيم، أو الشك في الاستفادة من صناعة الأدوية.

- رافضو اللقاح من الحزبين
في أي حال، لم تقتصر الحركة المضادة للقاحات في الولايات المتحدة على حزب سياسي واحد. بل كان من بين المنتقدين منظمة «الدفاع عن صحة الطفل» الليبرالية والسياسي الديمقراطي روبرت كينيدي الابن. واليوم، ثمة، عدد من خبراء البيئة يشتبهون في أن شركات الأدوية الكبرى تساهم في حملات ترويج هدفها الإسراع في تطوير لقاحات للفيروسات التاجية (الكورونا) الخطرة غير المؤكدة بعد - بحسب رأيهم - كجزء من صفقة مربحة لشركات إنتاج الدواء. وهذا، رغم المخاطر المعروفة للملوثات البيئية.
في المقابل، يعارض العديد من المحافظين المناهضين للقاحات دعوات الحكومة للتحصين لأنهم ببساطة لا يثقون بـ«جهاز الحكومة الكبير»... أو «الدولة العميقة». وهؤلاء، في هذا ينسجمون مع أيديولوجيتهم المحافظة الداعية إلى خفض حجم الدولة والقطاع العام ورفض تدخلها في حياة الناس. وعلى سبيل المثال دعت مجموعة تسمى «التكساسيون من أجل خيار التطعيم» حاكم ولاية تكساس إلى التعهد بألا يجبر أي شخص على الحصول على لقاح ضد فيروس «كوفيد - 19» قبل الذهاب إلى العمل أو المدرسة. كذلك دعت مجموعة يمينية تدعى «خيار الصحة» وأخرى تدعى «ملائكة الحرية» في ولاية كاليفورنيا التي يهيمن عليها الديمقراطيون، في منشورات على موقع «فيسبوك» إلى التصدي لإجبار السكان على التطعيم، وشككت الجماعتان في أوامر «البقاء في المنزل» وإغلاق متاجر الأسلحة، واتهمتا الحكومة والمسؤولين برفض «الاعتراف بالأوامر الخطأ»، وبالاعتداء على الإعلان الدستوري الثاني. بل ترى «ملائكة الحرية» أن حمل الأسلحة قد يكون ضرورياً للحماية من الشغب والنهب خلال فترة تفشي الجائحة، علما بأن مبيعات السلاح في الولايات المتحدة سجلت ارتفاعا قياسيا منذ بدء انتشارها.
وفي حين تسعى المجموعات المناهضة للقاحات الآن لتغيير اسمها إلى «مدافعين عن الحرية الطبية»، يترافق ذلك مع الاحتجاجات التي اقتصرت حتى الآن على بضع مئات من الأشخاص، انطلقت ضد التباعد الاجتماعي في ولاية ميشيغان أولا، وامتدت لاحقا إلى ولايات تكساس وكولورادو ونيفادا وماريلاند وويسكونسن وكاليفورنيا وأماكن أخرى.
غير أن إدارات الشرطة في عدد من الولايات ألغت في وقت لاحق تصاريح مستقبلية للاحتجاجات لتلك المجموعات، بحجة انتهاكها قواعد التباعد الاجتماعي التي أصدرها حكامها.
وينقل موقع الأخبار التابع لمؤسسة «كايسر» الصحية عن الدكتور ديفيد غورسكي عالم الأورام، قوله إن الذراع المحافظة لحركة مكافحة اللقاح تعد حليفا طبيعيا لأولئك الذين يقودون مسيرات «إعادة فتح أميركا»، وكلاهما لديه شكوك حول سلطة الحكومة.
ويضيف غورسكي إن منتقدي اللقاحات، على سبيل المثال، دافعوا منذ فترة طويلة عن الادعاء الكاذب بأن اللقاحات تسبب مرض التوحّد، وأن مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها حاولت إخفاء هذه المعلومات. ولا يخفى أن الرئيس ترمب كان قد ربط في بعض الأحيان بين اللقاحات والتوحّد، لكنه عاد ووافق على ضرورة التطعيم ضد وباء الحصبة، الذي عاد وانتشر بقوة عام 2019 في الولايات المتحدة. واليوم ثمة توقعات متشائمة بالنسبة لهذا المرض الشديد العدوى، إذ يُعتقد عادة أن معدل اللقاح لتحقيق «مناعة القطيع»، وهو المصطلح الذي يصف المعدّل الأمثل لحماية السكان بالكامل، هو 95 في المائة. ووجدت مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها أن معدل التطعيم لحقن الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية في رياض الأطفال خلال العام الدراسي 2017 - 2018 انخفض على المستوى الوطني إلى 94.3 في المائة، للعام الثالث على التوالي.

- تصاعد قوة الرافضين للقاح
كان توجيه السؤال عما إذا كان المرء يتلقى التطعيم خجولاً في البداية، إلا أن أحدا لم يكن يتوقع أن يزدهر في نهاية العقد الثاني من القرن الـ21 في الولايات المتحدة، رغم كل التقدم العلمي والطبي الذي تحققه. وفي حين تواجه العائلات خيارات صعبة لإعادة أطفالهم إلى المدارس، يزداد الشعور بمدى نمو الحركات المناهضة للقاح خلال العقود الماضية وتأثيرها على المجتمع الأميركي.
يقول البعض إن نمو هذه الحركات هو نتاج ثانوي أيضا لشائعات ومعلومات مضللة عبر الإنترنت، ضد شركات الأدوية والصيدليات الكبرى، وافتتاناً ببعض الشخصيات الشهيرة المناهضة للتطعيم، كجيني مكارثي وجيم كاري وأليسيا سيلفرستون ومغني «الراب» كيفين غيتس والسياسي روبرت كينيدي. والآن يدعم هؤلاء الرئيس ترمب على «تويتر» في تنظيم مظاهرات في عواصم الولايات «لإعادة فتح أميركا»، وخطاب إدارته المناهض للعلم، الذي عززه انسحابها من اتفاقية المناخ. وفي تحقيق لصحيفة «النيويورك تايمز»، يقول الدكتور بول أوفيت، خبير الأمراض المعدية في مستشفى الأطفال بمدينة فيلادلفيا (ولاية بنسلفانيا): «لقد أصبح العلم مجرد صوت آخر بعدما فقد منصته».
والآن، وبينما ينضم العديد من منتقدي اللقاح نفسه إلى مكافحة أوامر «البقاء في المنزل» وإغلاق الأعمال التي تهدف إلى وقف انتشار الفيروس القاتل، يقترب عدد الوفيات في الولايات المتحدة من 90 ألف شخص، بل هناك ترجيحات تتحدث عن احتمال وصول العدد إلى نحو 250 ألفا إذا ما تجدد انتشار الجائحة في الخريف المقبل. ويقول بيتر هوتز أستاذ طب الأطفال والفيزيولوجيا الجزيئية وعلم الأحياء الدقيقة في كلية بايلور للطب في مدينة هيوستن (ولاية تكساس)، «هذه مجرد طبقة جديدة من الطلاء للحركة المضادة للقاحات في أميركا، ووسيلة استغلالية بالنسبة لهم لمحاولة الحفاظ على أهميتهم». ويضيف أن تلك الجماعات المناهضة للقاحات تستغل المشاعر المعادية للحكومة التي أثارها المتظاهرون الذين يميلون إلى المحافظين لتعزيز قضيتهم... و«لسوء الحظ، قد تنجح استراتيجيتهم». أما الدكتورة جنيفر ريتش، عالمة الاجتماع في جامعة كولورادو بمدينة دنفر، التي تدرس سلوك العائلات المقاومة للقاحات: «إن مجرد القول بأن هؤلاء الآباء جهلة أو أنانيون لهو حكم سطحي».

- انتكاسة للمعارضين عام 2019
في المقابل، تعرض منتقدو اللقاحات لانتكاسات كبيرة في الولايات المتحدة خلال العام الماضي، إذ عززت العديد من الولايات قوانين التحصين استجابة لتفشي الحصبة التي تسبب بها رافضو اللقاحات. وشدّدت ولاية كاليفورنيا، كبرى الولايات الأميركية، قوانينها الإلزامية من اللقاحات في عام 2019 رغم الاحتجاجات، التي ألقى خلالها النشطاء المناهضون للقاحات الدم على أعضاء مجلس شيوخ الولاية، واعتدوا على واضعي قانون اللقاح، ما أدى إلى تعليق المجلس أعماله التشريعية.
وبالتالي، رغم ذلك، أقدمت الغالبية العظمى من الآباء والأمهات الأميركيين على بتطعيم أطفالهم... وتكاثرت المجموعات التي يقودها هؤلاء لمواجهة المشاعر المضادة للتحصين. وألغت خمس ولايات الإعفاءات لأسباب دينية أو فلسفية، وسمحت فقط بالاستثناءات لأسباب الطبية.
ووفق الأدلة العلمية، منعت فعالية حملات التطعيم الواسعة النطاق مليونين إلى ثلاثة ملايين حالة وفاة كل سنة في جميع أنحاء العالم بسبب التطعيم، وهذا، مع إمكانية منع 1.5 مليون حالة وفاة إضافية كل سنة إذا استخدمت جميع اللقاحات الموصى بها. فلقد ساعدت حملات التطعيم في القضاء على مرض الجدري، الذي قتل في يوم من الأيام طفلاً من بين 7 أطفال في أوروبا، ومن ثم، قضت على شلل الأطفال تقريبا. وفي مثال أكثر تواضعا، انخفضت الإصابات الناجمة عن «المستديمة النزلية» (Hib)، وهو سبب رئيسي لالتهاب السحايا الجرثومي والأمراض الخطيرة الأخرى لدى الأطفال، بأكثر من 99 في المائة في الولايات المتحدة منذ اعتماد اللقاح عام 1988. وتشير التقديرات العلمية، أيضاً، إلى أن التطعيم الكامل، منذ الولادة وحتى سن المراهقة، لجميع الأطفال الأميركيين الذين ولدوا في عام معين... من شأنه أن ينقذ حياة 33 ألف شخص ويمنع 14 مليون إصابة.
في المقابل يجادل البعض بأن هذا الانخفاض في الأمراض المعدية، هو نتيجة لتحسين نظام الصرف الصحي والنظافة الصحية، وليس التطعيم، أو أن هذه الأمراض كانت في انخفاض بالفعل قبل إدخال لقاحات محددة. غير أن هذه الادعاءات غير مدعومة ببيانات علمية، إذ تميل حالات الإصابة بالأمراض التي يمكن الوقاية منها باللقاحات إلى التذبذب بمرور الوقت حتى إدخال لقاحات محددة، ما أدى إلى خفض معدل الإصابة إلى ما يقرب من الصفر.

- خرافات ونظريات مؤامرة
مع هذا، يواصل مناهضو اللقاح الترويج لخرافات ونظريات مؤامرة ومعلومات خاطئة التي تربط بين اللقاحات وبعض الأمراض. ويعتمد هؤلاء على تكتيكات لتعزيز البحث غير ذي الصلة باعتباره تجميعاً نشطاً للعديد من الدراسات البحثية المشكوك فيها أو ذات الصلة في محاولة لتبرير حجج كامنة وراء ادعاءات مشكوك فيها.
وعلى سبيل المثال، يشدد مناهضو اللقاح على «متلازمة موت الرضّع المفاجئة»، وهي الأكثر شيوعا عند الأطفال، عندما يتلقون العديد من اللقاحات في وقت واحد وفي سن معينة. ونظرا لتعذّر تحديد سبب هذه المتلازمة بشكل كامل، سرّت مخاوف بشأن ما إذا كانت اللقاحات، خاصة اللقاحات المضادة للخانوق (الدفتيريا) والكزاز (التيتانوس)، من العوامل المسببة المحتملة. ومع هذا، أثبتت دراسات علمية عديدة منذ العام 2003. أن لا وجود لأي دليل يدعم وجود علاقة سببية بين التطعيم وموت الأطفال المفاجئ، لا بل أظهرت أدلة متزايدة على أن التطعيم قد يحمي الأطفال من الموت المفاجئ.
أيضاً، أثبتت الدراسات العلمية أيضا أن اللقاحات وسيلة فعالة من حيث الكلفة والوقاية لتعزيز الصحة، مقارنة بكلفة معالجة الأمراض الحادة أو المزمنة. وقُدّر التوفير الذي تحققه اللقاحات الروتينية الشائعة الاستخدام للأطفال في الولايات المتحدة، خلال عام 2001. ضد سبعة أمراض، بأكثر من 40 مليار دولار لكل مجموعة ميلاد سنوية من التكاليف الاجتماعية الشاملة... بما في ذلك 10 مليارات دولار في التكاليف الصحية المباشرة، ووفّرت نسبة فوائد اجتماعية بـ16.5 مليار دولار.


مقالات ذات صلة

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

حصاد الأسبوع آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي.

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة…

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة،

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
حصاد الأسبوع اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة،

حمزة مصطفى ( بغداد)
حصاد الأسبوع  تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته

إيلي يوسف ( واشنطن)

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».