مناهضو التطعيم يعزّزون حضورهم في المجتمع الأميركي بدعم من ترمب

بينما ينتظر العالم اللقاح لمواجهة جائحة «كوفيد ـ 19»

مناهضو التطعيم يعزّزون حضورهم في المجتمع الأميركي بدعم من ترمب
TT

مناهضو التطعيم يعزّزون حضورهم في المجتمع الأميركي بدعم من ترمب

مناهضو التطعيم يعزّزون حضورهم في المجتمع الأميركي بدعم من ترمب

في الوقت الذي تتسابق شركات الأدوية والمختبرات العلمية على تطوير لقاح لفيروس «كوفيد - 19» قد يحمل الأمل في إنهاء تأثيرات هذه الجائحة التي ضربت سبل عيش معظم شعوب العالم وإنقاذ أرواح الملايين، يرفض الألوف من معتقدات وأديان ودول مختلفة تلقي اللقاح الموعود.
وفي الولايات المتحدة يرفض عدد كبير من الأميركيين تلقي اللقاح لتجنب فيروس الجائحة، ويكثّفون جهودهم، مع مجموعات سياسية ومدنية وحركية – يعضها مسلّح – من رافضي قرارات إغلاق البلاد. ويتظاهر هؤلاء للمطالبة بوقف سياسة التباعد الاجتماعي وإعادة فتح الاقتصاد، في خطوة يرى البعض أنها تلتقي مع شعارات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الساعي جاهدا لوقف تلك الإجراءات، على أمل تحسين ظروف الاقتصاد الأميركي، وذلك قبل موعد الانتخابات الرئاسية والعامة المقرّرة في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، للفوز بولاية ثانية.

ظاهرة رفض اللقاح ليست طارئة أو حديثة، إذ لطالما شهد العالم الصراع بين المؤمنين بالعلم والتقنيات الحديثة وتأثيراتها على سبل حياة البشر من جهة، وأصحاب المعتقدات والعديد من الجماعات المتدينة التي تشدد على أن للعلم حدوداً لا يمكنه تجاوزها.
بيد أن الأمر لا يعفي من طرح التساؤل عن تجذّر هذه الظاهرة في بلد يعتبر أكبر وأهم وأكثر الدول المتطورة علميا كالولايات المتحدة... البلد الذي كان ولا يزال سبّاقا في اكتشاف الأدوية والعقاقير واللقاحات، التي خرجت من مختبراته وشركات الأدوية فيه لعلاج البشرية.
إن الحركة المناهضة للقاح أو التطعيم وخصوصا للأطفال، قديمة قدم ظهور اللقاح أو التطعيم نفسه، رغم نتائجه المذهلة وتوفره. ولقد صنّفت منظمة الصحة العالمية تلك الحركات بأنها واحدة من بين أكبر 10 تهديدات للصحة في العالم عام 2019. ويشمل هذا التصنيف: الرفض التام للتطعيم وتأخير اللقاحات أو التشكيك بقبولها واستخدامها، أو استخدام لقاحات معينة دون غيرها. وتتناقض الحجج التي يقدمها المناهضون للتطعيم مع الإجماع العلمي الساحق حول سلامة اللقاحات وفعاليتها.

- ادعاءات وأسباب وحيثيات
يناقش مناهضو التطعيم بأن ترددهم في قبوله يقوم على عوامل رئيسية، بينها: انعدام ثقة الشخص باللقاح أو بمقدم الرعاية الصحية وقلة إحساسهم بالراحة، أو أنهم لا يشعرون بالرضى ولا يرون حاجة إلى اللقاح وقيمته. وهذا الرفض وجد منذ اختراع التطعيم، وسبق تاريخ صياغة مصطلحي «لقاح» و«تطعيم» بحوالي 80 سنة. لا، بل إن الحركات المضادة للتطعيم تعود على الأقل إلى العام 1796. عندما اخترع البريطاني إدوارد جينر لقاح الجدري. لكن العديد من الخبراء يقولون إن السبب الحالي يمكن إرجاعه إلى العام 1982. عندما بثّت شبكة «إن بي سي» الأميركية فيلما وثائقياً أثار جدلا في بريطانيا، يربط بشكل مزعوم بين لقاح السعال الديكي (الشهقة)، وهو مرض قاتل يمكن أن يسبب مشاكل في الرئة، ونوبات عند الأطفال الصغار. ورغم انتقاد الأطباء الشديد للفيلم لافتقاره إلى الدقة بشكل خطير، فإن الخوف كان قد انتشر، وأخذت تتشكل مجموعات مناهضة للتطعيم، فأوقفت العديد من الشركات إنتاج اللقاح، مفضلة الخسارة على الصداع.
وفي العام 1998، نشر أندرو ويكفيلد، اختصاصي أمراض الجهاز الهضمي البريطاني، دراسة في دورية «لانسيت» الطبية، ربطت بين اللقاح ضد الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية... ومرض التوحّد. وثبت لاحقاً بطلان ما زعمته هذه الدراسة. غير أن بعض الآباء اعتبر أن الإجابة كانت واضحة - رغم أن معظمهم لم يعرف تلك الأمراض، لأن اللقاحات ببساطة كانت قد قضت عليها - لكنهم كانوا يعرفون التوحّد.
لكن، رفض اللقاحات غالباً ما كان يؤدي إلى تفشي الأمراض والوفيات التي كان يمكن تجنبها أو الوقاية منها باللقاحات. واعتمد مناهضو اللقاح الإلزامي على المشاعر المضادة للقاح، أو القلق من أنه ينتهك الحريات المدنية أو يقلل من ثقة الجمهور في التطعيم، أو الشك في الاستفادة من صناعة الأدوية.

- رافضو اللقاح من الحزبين
في أي حال، لم تقتصر الحركة المضادة للقاحات في الولايات المتحدة على حزب سياسي واحد. بل كان من بين المنتقدين منظمة «الدفاع عن صحة الطفل» الليبرالية والسياسي الديمقراطي روبرت كينيدي الابن. واليوم، ثمة، عدد من خبراء البيئة يشتبهون في أن شركات الأدوية الكبرى تساهم في حملات ترويج هدفها الإسراع في تطوير لقاحات للفيروسات التاجية (الكورونا) الخطرة غير المؤكدة بعد - بحسب رأيهم - كجزء من صفقة مربحة لشركات إنتاج الدواء. وهذا، رغم المخاطر المعروفة للملوثات البيئية.
في المقابل، يعارض العديد من المحافظين المناهضين للقاحات دعوات الحكومة للتحصين لأنهم ببساطة لا يثقون بـ«جهاز الحكومة الكبير»... أو «الدولة العميقة». وهؤلاء، في هذا ينسجمون مع أيديولوجيتهم المحافظة الداعية إلى خفض حجم الدولة والقطاع العام ورفض تدخلها في حياة الناس. وعلى سبيل المثال دعت مجموعة تسمى «التكساسيون من أجل خيار التطعيم» حاكم ولاية تكساس إلى التعهد بألا يجبر أي شخص على الحصول على لقاح ضد فيروس «كوفيد - 19» قبل الذهاب إلى العمل أو المدرسة. كذلك دعت مجموعة يمينية تدعى «خيار الصحة» وأخرى تدعى «ملائكة الحرية» في ولاية كاليفورنيا التي يهيمن عليها الديمقراطيون، في منشورات على موقع «فيسبوك» إلى التصدي لإجبار السكان على التطعيم، وشككت الجماعتان في أوامر «البقاء في المنزل» وإغلاق متاجر الأسلحة، واتهمتا الحكومة والمسؤولين برفض «الاعتراف بالأوامر الخطأ»، وبالاعتداء على الإعلان الدستوري الثاني. بل ترى «ملائكة الحرية» أن حمل الأسلحة قد يكون ضرورياً للحماية من الشغب والنهب خلال فترة تفشي الجائحة، علما بأن مبيعات السلاح في الولايات المتحدة سجلت ارتفاعا قياسيا منذ بدء انتشارها.
وفي حين تسعى المجموعات المناهضة للقاحات الآن لتغيير اسمها إلى «مدافعين عن الحرية الطبية»، يترافق ذلك مع الاحتجاجات التي اقتصرت حتى الآن على بضع مئات من الأشخاص، انطلقت ضد التباعد الاجتماعي في ولاية ميشيغان أولا، وامتدت لاحقا إلى ولايات تكساس وكولورادو ونيفادا وماريلاند وويسكونسن وكاليفورنيا وأماكن أخرى.
غير أن إدارات الشرطة في عدد من الولايات ألغت في وقت لاحق تصاريح مستقبلية للاحتجاجات لتلك المجموعات، بحجة انتهاكها قواعد التباعد الاجتماعي التي أصدرها حكامها.
وينقل موقع الأخبار التابع لمؤسسة «كايسر» الصحية عن الدكتور ديفيد غورسكي عالم الأورام، قوله إن الذراع المحافظة لحركة مكافحة اللقاح تعد حليفا طبيعيا لأولئك الذين يقودون مسيرات «إعادة فتح أميركا»، وكلاهما لديه شكوك حول سلطة الحكومة.
ويضيف غورسكي إن منتقدي اللقاحات، على سبيل المثال، دافعوا منذ فترة طويلة عن الادعاء الكاذب بأن اللقاحات تسبب مرض التوحّد، وأن مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها حاولت إخفاء هذه المعلومات. ولا يخفى أن الرئيس ترمب كان قد ربط في بعض الأحيان بين اللقاحات والتوحّد، لكنه عاد ووافق على ضرورة التطعيم ضد وباء الحصبة، الذي عاد وانتشر بقوة عام 2019 في الولايات المتحدة. واليوم ثمة توقعات متشائمة بالنسبة لهذا المرض الشديد العدوى، إذ يُعتقد عادة أن معدل اللقاح لتحقيق «مناعة القطيع»، وهو المصطلح الذي يصف المعدّل الأمثل لحماية السكان بالكامل، هو 95 في المائة. ووجدت مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها أن معدل التطعيم لحقن الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية في رياض الأطفال خلال العام الدراسي 2017 - 2018 انخفض على المستوى الوطني إلى 94.3 في المائة، للعام الثالث على التوالي.

- تصاعد قوة الرافضين للقاح
كان توجيه السؤال عما إذا كان المرء يتلقى التطعيم خجولاً في البداية، إلا أن أحدا لم يكن يتوقع أن يزدهر في نهاية العقد الثاني من القرن الـ21 في الولايات المتحدة، رغم كل التقدم العلمي والطبي الذي تحققه. وفي حين تواجه العائلات خيارات صعبة لإعادة أطفالهم إلى المدارس، يزداد الشعور بمدى نمو الحركات المناهضة للقاح خلال العقود الماضية وتأثيرها على المجتمع الأميركي.
يقول البعض إن نمو هذه الحركات هو نتاج ثانوي أيضا لشائعات ومعلومات مضللة عبر الإنترنت، ضد شركات الأدوية والصيدليات الكبرى، وافتتاناً ببعض الشخصيات الشهيرة المناهضة للتطعيم، كجيني مكارثي وجيم كاري وأليسيا سيلفرستون ومغني «الراب» كيفين غيتس والسياسي روبرت كينيدي. والآن يدعم هؤلاء الرئيس ترمب على «تويتر» في تنظيم مظاهرات في عواصم الولايات «لإعادة فتح أميركا»، وخطاب إدارته المناهض للعلم، الذي عززه انسحابها من اتفاقية المناخ. وفي تحقيق لصحيفة «النيويورك تايمز»، يقول الدكتور بول أوفيت، خبير الأمراض المعدية في مستشفى الأطفال بمدينة فيلادلفيا (ولاية بنسلفانيا): «لقد أصبح العلم مجرد صوت آخر بعدما فقد منصته».
والآن، وبينما ينضم العديد من منتقدي اللقاح نفسه إلى مكافحة أوامر «البقاء في المنزل» وإغلاق الأعمال التي تهدف إلى وقف انتشار الفيروس القاتل، يقترب عدد الوفيات في الولايات المتحدة من 90 ألف شخص، بل هناك ترجيحات تتحدث عن احتمال وصول العدد إلى نحو 250 ألفا إذا ما تجدد انتشار الجائحة في الخريف المقبل. ويقول بيتر هوتز أستاذ طب الأطفال والفيزيولوجيا الجزيئية وعلم الأحياء الدقيقة في كلية بايلور للطب في مدينة هيوستن (ولاية تكساس)، «هذه مجرد طبقة جديدة من الطلاء للحركة المضادة للقاحات في أميركا، ووسيلة استغلالية بالنسبة لهم لمحاولة الحفاظ على أهميتهم». ويضيف أن تلك الجماعات المناهضة للقاحات تستغل المشاعر المعادية للحكومة التي أثارها المتظاهرون الذين يميلون إلى المحافظين لتعزيز قضيتهم... و«لسوء الحظ، قد تنجح استراتيجيتهم». أما الدكتورة جنيفر ريتش، عالمة الاجتماع في جامعة كولورادو بمدينة دنفر، التي تدرس سلوك العائلات المقاومة للقاحات: «إن مجرد القول بأن هؤلاء الآباء جهلة أو أنانيون لهو حكم سطحي».

- انتكاسة للمعارضين عام 2019
في المقابل، تعرض منتقدو اللقاحات لانتكاسات كبيرة في الولايات المتحدة خلال العام الماضي، إذ عززت العديد من الولايات قوانين التحصين استجابة لتفشي الحصبة التي تسبب بها رافضو اللقاحات. وشدّدت ولاية كاليفورنيا، كبرى الولايات الأميركية، قوانينها الإلزامية من اللقاحات في عام 2019 رغم الاحتجاجات، التي ألقى خلالها النشطاء المناهضون للقاحات الدم على أعضاء مجلس شيوخ الولاية، واعتدوا على واضعي قانون اللقاح، ما أدى إلى تعليق المجلس أعماله التشريعية.
وبالتالي، رغم ذلك، أقدمت الغالبية العظمى من الآباء والأمهات الأميركيين على بتطعيم أطفالهم... وتكاثرت المجموعات التي يقودها هؤلاء لمواجهة المشاعر المضادة للتحصين. وألغت خمس ولايات الإعفاءات لأسباب دينية أو فلسفية، وسمحت فقط بالاستثناءات لأسباب الطبية.
ووفق الأدلة العلمية، منعت فعالية حملات التطعيم الواسعة النطاق مليونين إلى ثلاثة ملايين حالة وفاة كل سنة في جميع أنحاء العالم بسبب التطعيم، وهذا، مع إمكانية منع 1.5 مليون حالة وفاة إضافية كل سنة إذا استخدمت جميع اللقاحات الموصى بها. فلقد ساعدت حملات التطعيم في القضاء على مرض الجدري، الذي قتل في يوم من الأيام طفلاً من بين 7 أطفال في أوروبا، ومن ثم، قضت على شلل الأطفال تقريبا. وفي مثال أكثر تواضعا، انخفضت الإصابات الناجمة عن «المستديمة النزلية» (Hib)، وهو سبب رئيسي لالتهاب السحايا الجرثومي والأمراض الخطيرة الأخرى لدى الأطفال، بأكثر من 99 في المائة في الولايات المتحدة منذ اعتماد اللقاح عام 1988. وتشير التقديرات العلمية، أيضاً، إلى أن التطعيم الكامل، منذ الولادة وحتى سن المراهقة، لجميع الأطفال الأميركيين الذين ولدوا في عام معين... من شأنه أن ينقذ حياة 33 ألف شخص ويمنع 14 مليون إصابة.
في المقابل يجادل البعض بأن هذا الانخفاض في الأمراض المعدية، هو نتيجة لتحسين نظام الصرف الصحي والنظافة الصحية، وليس التطعيم، أو أن هذه الأمراض كانت في انخفاض بالفعل قبل إدخال لقاحات محددة. غير أن هذه الادعاءات غير مدعومة ببيانات علمية، إذ تميل حالات الإصابة بالأمراض التي يمكن الوقاية منها باللقاحات إلى التذبذب بمرور الوقت حتى إدخال لقاحات محددة، ما أدى إلى خفض معدل الإصابة إلى ما يقرب من الصفر.

- خرافات ونظريات مؤامرة
مع هذا، يواصل مناهضو اللقاح الترويج لخرافات ونظريات مؤامرة ومعلومات خاطئة التي تربط بين اللقاحات وبعض الأمراض. ويعتمد هؤلاء على تكتيكات لتعزيز البحث غير ذي الصلة باعتباره تجميعاً نشطاً للعديد من الدراسات البحثية المشكوك فيها أو ذات الصلة في محاولة لتبرير حجج كامنة وراء ادعاءات مشكوك فيها.
وعلى سبيل المثال، يشدد مناهضو اللقاح على «متلازمة موت الرضّع المفاجئة»، وهي الأكثر شيوعا عند الأطفال، عندما يتلقون العديد من اللقاحات في وقت واحد وفي سن معينة. ونظرا لتعذّر تحديد سبب هذه المتلازمة بشكل كامل، سرّت مخاوف بشأن ما إذا كانت اللقاحات، خاصة اللقاحات المضادة للخانوق (الدفتيريا) والكزاز (التيتانوس)، من العوامل المسببة المحتملة. ومع هذا، أثبتت دراسات علمية عديدة منذ العام 2003. أن لا وجود لأي دليل يدعم وجود علاقة سببية بين التطعيم وموت الأطفال المفاجئ، لا بل أظهرت أدلة متزايدة على أن التطعيم قد يحمي الأطفال من الموت المفاجئ.
أيضاً، أثبتت الدراسات العلمية أيضا أن اللقاحات وسيلة فعالة من حيث الكلفة والوقاية لتعزيز الصحة، مقارنة بكلفة معالجة الأمراض الحادة أو المزمنة. وقُدّر التوفير الذي تحققه اللقاحات الروتينية الشائعة الاستخدام للأطفال في الولايات المتحدة، خلال عام 2001. ضد سبعة أمراض، بأكثر من 40 مليار دولار لكل مجموعة ميلاد سنوية من التكاليف الاجتماعية الشاملة... بما في ذلك 10 مليارات دولار في التكاليف الصحية المباشرة، ووفّرت نسبة فوائد اجتماعية بـ16.5 مليار دولار.


مقالات ذات صلة

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

حصاد الأسبوع من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة

وارف قميحة (بيروت)
حصاد الأسبوع خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة

إيلي يوسف ( واشنطن)
حصاد الأسبوع كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب

«الشرق الأوسط» ( واشنطن)
حصاد الأسبوع 
مظاهرة نسائية إسبانية ضد الحرب (أ.ف.ب)

سانشيز يضع مدريد في مواجهة مباشرة مع واشنطن

عندما وقف رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز على مدخل مقر رئاسة الحكومة في الرابع من هذا الشهر ليقول إن موقف بلاده من الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران

شوقي الريّس ( مدريد)
حصاد الأسبوع سانشيز يخطب امام البرلمان (آ ف ب)

سانشيز يراهن على المشاعر وتعاطف الحلفاء والأصدقاء

لا يغيب عن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز أن الخروج عن «بيت الطاعة» الأميركي في ظل إدارة دونالد ترمب، تترتب عليه تكلفة باهظة. إلا أنه يدرك أيضاً أن له


الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.