سينما المخرج الراحل مايك نيكولز استوحت من المسرح والأدب

صاحب فيلم الخريج الشهير ملأ أفلامه ضحكا وعواطف

مايك نيكولز   -  نيكولز والممثلة جوليا روبرتس خلال تصوير «كلوزر».
مايك نيكولز - نيكولز والممثلة جوليا روبرتس خلال تصوير «كلوزر».
TT

سينما المخرج الراحل مايك نيكولز استوحت من المسرح والأدب

مايك نيكولز   -  نيكولز والممثلة جوليا روبرتس خلال تصوير «كلوزر».
مايك نيكولز - نيكولز والممثلة جوليا روبرتس خلال تصوير «كلوزر».

على المسرح أدار مايك نيكولز، المخرج الذي توفي عن 83 سنة في التاسع عشر من هذا الشهر، مجموعة كبيرة من الممثلين منهم ليليان غيش وجولي كريستي وجورج سكوت ومورغان فريمن وإليزابت أشلي وروبرت ردفورد وروبين ويليامز. في السينما، اكتشف دستين هوفمن وجمعه مع آن بانكروفت في «الخريج» (1967) وأسند لجاك نيكولسون البطولة في أكثر من فيلم بينها «سيلكوود» (1983) و«حرقة قلب» (1986) وكلاهما أمام ميريل ستريب في البطولة النسائية. إلى هؤلاء تعامل مع هاريسون فورد وروبين ويليامز وجين هاكمن وإيما تومسون وبيلي بوب ثورنتون وجوليا روبرتس وجود لو من بين آخرين كثر.
في الواقع، كان مايك نيكولز، المولود في برلين سنة 1931، واحدا من الذين تسند إليهم المهام الصعبة في تحريك ممثلين عرف عنهم أنهم محدودون في طرق تعابيرهم. خذ مثلا جوليا روبرتس تجدها قدمت أفضل ما لديها من أداء في فيلمه «كلوزر» Closer، كذلك حال كثيرين انتموا إلى نمط معين تجاوزوه أو أثروا فيه عندما استسلموا لتوجيهات نيكولز أمام الكاميرا ومنهم الراحل روبين ويليامز.

* شخصيات عاطفية
اسمه الحقيقي ميخائيل بافلوفيتش بيشوخوفسكي. ابن لأبوين يهوديين من مشربين مختلفين، فوالده نمساوي المولد وأمه ألمانية ذات أصول روسية. في مطلع عشرينات القرن الماضي نزحا إلى برلين قادمَين من الريف الصربي وبقيا فيها. لم يكنا يعلمان مستقبل النزعة الجرمانية التي كانت تهز البلاد في ذلك الحين والمستقبل النازي الذي سيحف بها. عندما بدأ النازيون بتجميع اليهود في معسكرات، هرب الأب إلى الولايات المتحدة ثم أرسل لعائلته. مايك وشقيقه روبرت تسللا عبر الموانئ إلى باخرة أقلتهما إلى نيويورك. الأم تسللت عبر الحدود إلى إيطاليا ومنها إلى حيث أبحرت إلى الولايات المتحدة بعد نحو سنة من نجاة ولديها.
الأب هو الذي غير اسم العائلة إلى نيكولز (سمى نفسه بول نيكولز). كانت مرحلة صعبة في حياة الابن الذي لم يتآلف كثيرا مع المحيط إلا من بعد أن غدا شابا. في أواخر الخمسينات التحق بمعهد لي ستراسبورغ للتمثيل المسمى بـ«أكتورز ستديو» وشق طريقه ممثلا كوميديا في مطلع الأمر.
قال ذات مرة إن حياته ولدا ومراهقا لم تشهد أصدقاء منذ أن حط على التربة الأميركية. لا عجب أن أول فيلم أطلقه إلى الشهرة احتوى في صلبه على شخصية شاب متعثر ووحيد وجد نفسه أمام خطوة هي الأكبر حتى تاريخه: الاستجابة لإغراء عاطفي تمارسه عليه امرأة ثرية (آن بانكروفت)، وذلك تبعا لأحداث «الخريج» عن رواية لتشارلز وب. كان هذا الفيلم هو ثاني ظهور لهوفمن الذي أجاد تقديم شخصيته تلك لحد ترشيحه لأوسكار أفضل ممثل رئيسي سنة 1967. الفيلم نفسه منح نيكولز الأوسكار في العام ذاته كأفضل مخرج وذلك من بين 8 ترشيحات رئيسه.
كان «الخريج» الفيلم الثاني فقط لنيكولز. قبله، سنة 1966 ‫«من يخاف فرجينيا وولف» أحد الأفلام المتعددة التي لعب بطولتها الثنائي رتشارد بيرتون وإليزابيث تايلور. فيلمه الثالث كان اقتباسا آخر عن رواية، تلك التي وضعها جوزيف هلر بعنوان «كاتش 22» وأنجزها نيكولز فيلما حافظ فيه على تلك السخرية المناوئة للحرب سنة 1970. ‬
المهمة لتحويل تلك الرواية إلى فيلم لم تكن سهلة. مكتوبة كتعليق ومتباعدة الحوارات وذات اهتمامات متباينة. لكن نيكولز أيقن من البداية أن الاعتماد على تغيير سينمائي محض لن يكون لصالح العمل. معالجته حافظت على الموقف الوارد في الرواية أو ذلك الذي يمكن استنتاجه منها. بطله (ألان أركين) طيار خلال الحرب العالمية الثانية يدعي الجنون لعل القيادة تعفيه من المهام. على أن النجاح الذي حققته الرواية، طرحا وأسلوب معالجة، لم ينتقل إلى الفيلم إذ بقي ذلك أسيرا لوضع غير مريح يكمن في أن تلك المواقف التي أراد المخرج الحفاظ عليها كبلت الفيلم أكثر مما نجحت تلك المتغايرة في منحه دفقا جديدا. من بين أوجه الإخفاق أن الجنون الذي يدعيه بطل الكتاب مبرر، بينما يبدو هزيلا على الشاشة.‬
بعده محاولة من قِبل المخرج ومموليه العودة إلى تلك المشاعر المكبوتة في العلاقات الجنسية أو العاطفية. الفيلم هو «معرفة جسدية» (1971) الذي كان أول تعاون لنيكولز مع الممثل جاك نيكولسون. وضعه أمام آن مرغريت وكانديس بيرغن واستعان بارت غارفنكل (كان وشريكه بول سايمون ميزا «الخريج» بأغنيتهما الشهيرة «مسز روبنسون»). المحور هنا هو بحث الرجال عن معرفة الجنس الآخر ومن تلك المعرفة الارتداد لمعرفة أهوائهم الخاصة ولماذا هي كذلك. يرغبان، على امتداد 20 سنة من حكاية الفيلم، الاقتران بفتاتي أحلام ليجدا أنهما إذا ما وجدا هاتين الفتاتين توقف نموهما وانتهى البحث واقعا بلا خيال أو شغف.‬

* الأكثر جدوى‫‬
بعد ذلك أقدم مايك نيكولز على اتجاه مغاير عندما أخرج فيلما يجمع بين الدراما والتشويق الخيالي - العلمي (ولو على نحو محدود) في «يوم الدلفين» مع جورج س. سكوت و(زوجته) تريش فان ديير وبول سورفينو: عالم يتوصل إلى فهم الدلافين ويمضي في محاولته إنطاقها. ‬
بعده سجل نيكولز نجاحا جديدا في «الحظ» مع وورن بيتي وجاك نيكولسون. وجود هذين الممثلين معا كان حدثا (لعبا معا مرة ثانية في الفيلم الأفضل «حمر» كما أخرجه وورن بيتي سنة 1981.
هذا تبعه فيلمان آخران هما «سيلكوود» (1983) و«حرقة قلب» (1986). الأول دراما جيدة حول امرأتين (ميريل ستريب وشير) تكتشفان تسريب أشعة نووية ويحاولان التحذير منها، والثاني عن الحب والزواج وخيانة الرجل وكان أيضا من بطولة ستريب. في هذا الفيلم تكتشف الزوجة خديعة زوجها وتجابهه في حفلة عشاء مع أقارب لهما. اللحظة التي يترنح فيها هذا الزواج بعد عشرة طويلة.
كلا هذين الفيلمين جيد، لكن «سيلكوود» أكثر جدوى بسبب معالجته الجيدة لحياة شخصياته. خطابه المضاد للأبحاث النووية أو، على الأقل، اللافت لخطر الإشعاع، متأت من شحنه الفيلم مواقف إنسانية وليست سياسية. على عكس «مرض صيني» لجيمس بردجز (1979)، تحاشى العناوين اللافتة وغاص في الحياة الخاصة والأليفة لأبطاله من دون التغاضي عن المبثوث من رسالته.
فيلم آخر ساخر من النظم العسكرية هو «بيلوكسي بلوز» (1988) عن مسرحية لنيل سايمون قام ببطولتها ماثيو برودريك، لكنه لم يثمر عن أي نجاح. من حسن حظ المخرج أن فيلمه التالي «فتاة عاملة» الذي تم عرضه في العام ذاته من بطولة سيغورني ويفر وميلاني غريفيث وجوان كوزاك وهاريسون فورد. هذا نوع من الكوميديا التي تؤدي إلى قصة حب بعد خلاف وهو حال «بطاقات بريدية من الحافة» Postcards from the Edge سنة 1990 الذي جمع نيكولز مع ميريل ستريب مرة أخرى بالإضافة إلى شيرلي مكلين.
حافظ نيكولز على قدراته النوعية في كافة تلك الأعمال. مدير أداء ممتاز مع عين على التصوير النقي أمنه له طوال رحلته بعد أكبر الأسماء في هذا المجال ومنهم روبرت سورتيس «الخريج» وديفيد وولكن «كاتش 22» وجوسيبي روتانو «معرفة جسدية» ونستور ألماندروس «حرقة قلب» من بين آخرين.

* بين الجيد والهش
في هذه الأعمال يلاحظ كثرة اختيار نيكولز للحكاية العاطفية في منوالها الرومانسي. وسواء اقتبس الفيلم من مسرحية كما الحال «معرفة جسدية» أو من رواية كما حال الكثير من أعماله ومنها «ألوان أساسية» سنة 1998، فإن المعالجة بحثية وسياقها لا يخلو من المفاجآت كونه ملاحظا، كما اعترف في أحد أحاديثه الصحافية، كيف يتصرف الناس في مجالسهم، كان يقول إن «البشر يقولون شيئا ويفعلون شيئا آخر ويفكرون بشيء ثالث». معايناته لتلك العلاقات قادته لتحقيق فيلم «قفص العصفور» سنة 1996 كوميديا مستوحاة من مسرحية فرنسية لجان بواريه (قامت بكتابة السيناريو لها إيلين ماي التي كتبت لنيكولز الكثير من الأعمال). المسرحية المذكورة كانت صورت فيلما فرنسيا بعنوان La Cage Aux Folles لفرنسوا فيبر سنة 1978 ثم استكملت سنة 1980 بجزء فرنسي ثان.
الحكاية بسيطة القوام في «قفص العصفور» وفي المسرحية وترجمتها الفيلمية الفرنسية معا: الأب مثلي وابنه مستقيم والابن يريد من الأب أن يتظاهر بأنه ليس مثليا أمام عائلة الفتاة التي يحبها. هناك انتخاب جيد للممثلين ومنهم روبين ويليامز وناتان لاين، لكن الفيلم في النهاية هش بسبب رغبته في ألا يكون أكثر من كوميديا مفارقات.
الحال ذاته ساد «من أي كوكب أنت؟» إنما بنتائج فنية وتجارية سيئة. هذا الوضع شمل أيضا «بالنسبة لهنري» مع هاريسون فورد سنة 1991، لكن نيكولز أنقذ نفسه من حين لآخر في تلك الفترة، فإذا به ينقلب صوب الإجادة مرة أخرى في فيلمين متباعدين قليلا هما «ذئب» (مع جاك نيكولسون من جديد - 1994) و«ألوان رئيسة» مانحا جون ترافولتا ما كان يحتاجه من دفعة تؤكد موهبة محدودة القدرات في الواقع.
آخر فيلمين حققهما نيكولز كانا جيدين أيضا: «أقرب» أو «كلوزر»: دراما عاطفية حول مصور (جود لو) والمرأة التي يصورها (جوليا روبرتس) و«حرب تشارلي ويلسون»: دراما سياسية النبرة أنجزها سنة 2007 مع بطولة لتوم هانكس وآمي أدامز وجوليا روبرتس وفيليب سايمور هوفمن.
خلال السنوات الخمسين الأخيرة من حياته، انتقل من شخص وحيد بلا أصدقاء، إلى واحد من المحاطين بصداقات كثيرة حتى ضمن المحيط السينمائي، وهو أمر نادر. وفي تأبينه على الـ«تويتر» ومواقع الإنترنت، تحدث توم هانكس وجوليا روبرتس وجون غودمان وسواهم عن صداقاتهم معه. لكن الصداقة هي طريق مزدوج ينطلق من الذات ليستقبل إليها، ومايك نيكولز عرف بأنه يبذل في سبيل صداقاته كما ذكر هانكس راثيا.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».