وباء «كورونا» يضرب النموّ ويهدّد بتصاعد «القومية الاقتصادية»

مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا (رويترز)
مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا (رويترز)
TT

وباء «كورونا» يضرب النموّ ويهدّد بتصاعد «القومية الاقتصادية»

مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا (رويترز)
مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا (رويترز)

يتوقّع صندوق النقد الدولي أن يتراجع الناتج المحلي الإجمالي في 170 دولة بسبب وباء «كورونا»، بل إن التقديرات «قد تكون صورة أكثر تفاؤلاً مما ينتجه الواقع»... إذا لم يستمر الوباء طويلاً سيعرف العالم انكماشاً بنسبة 3%، أما إذا عادت الجائحة عام 2021 فقد يتحمّل الاقتصاد العالمي عواقب ذلك لسنوات عدة، وفق مديرة الصندوق كريستالينا جورجييفا التي لم تستبعد أن يكون الركود أسوأ مما عرفه العالم عام 2008، بل أسوأ من الكساد الكبير 1920 – 1921.
ليس في ذلك ما يثير العجب، فالعجلة الاقتصادية العالمية تدور بشق النفس، ونسمع عن شركات كبرى تقترب من الإفلاس وتستنجد بالحكومات (على غرار شركة الطيران الألمانية لوفتهانزا أخيراً). بل إن ما يعمّق الأزمة أكثر، واقع أن «كوفيد - 19» ضرب ضربته في وقت لم يكن الاقتصاد يرفل بثوب الازدهار، بل يعرف تعثّراً على أكثر من صعيد بسبب الجو السياسي العالمي، والخلافات بشأن الأخطار البيئية، والحروب التجارية المختلفة وأهمها طبعاً تلك الدائرة رحاها على «الجبهة» الأميركية – الصينية.
ويلفت الاقتصادي الأميركي التركي الأصل نورييل روبيني، إلى أن الحكومات الفاعلة لم تحسن التعامل مع أسباب الأزمة المالية 2008-2009، فعالجت النتائج وأهملت أسباب الاختلالات والأخطار. وبدل أن تتصدّى للمشاكل الهيكلية التي كشفها الانهيار المالي والكساد الذي أعقبه، أزاحت المشكلة جانباً أو أرجأتها، الأمر الذي جعل حدوث أزمة جديدة أمراً حتمياً.
ويعدّد روبيني عوامل ستؤدي إلى الأزمة التي يعتبرها آتية حتى وإن شهد الاقتصاد العالمي ما بعد الجائحة شيئاً من التعافي. وفي طليعة هذه الأسباب إنفاق المال الوفير بالمليارات لمعالجة تداعيات الكارثة الصحية، ذلك أن كثيراً من الدول المعنية كانت مثقلة بالديون منذ ما قبل الفيروس القاتل، إلى حد عدم قدرة بعضها على تسديدها أو خفض العجز في ماليتها العامة. وهنا سيتزاوج الدين العام مع ديون القطاع الخاص على مستويي المؤسسات (إفلاس، تعثّر، نقص سيولة...) والأفراد (بطالة، تراجع الدخل، عدم سداد قروض...). فمن أين لهذه الدول، مثلاً، أن تتحمّل كلفة البطالة المتعاظمة وتدبّر الأموال لمساعدة العاطلين عن العمل؟
وهنا تجدر الإشارة إلى سلبية مفاعيل العولمة التجارية التي تعمّق أزمة الدول الغنية، ذلك أن الدول الفقيرة وحتى المتوسطة الحال لم تعد قادرة على الاستيراد جزئياً وأحياناً كلياً، الأمر الذي يؤدي إلى تكدّس سلع كانت معدّة للتصدير في دول صناعية. وقد سمعنا عن تراجع التضخم في ألمانيا مثلاً، وهو خبر ليس من الإيجابية في شيء إذا وصل تراجع الأسعار إلى حد الإنكماش بفعل تراجع التصدير في موازاة انخفاض الإنفاق الاستهلاكي الداخلي.
ويمكن بكل تأكيد الاسترسال في وصف المشكلة وتداعياتها الشاملة لكل القطاعات الاقتصادية، لكن يجدر الالتفات إلى كون الدول والحكومات تبحث حتماً عن سبل حلّها، خصوصاً أن الأمر يحتاج إلى تخطيط عميق ونفَس طويل. ولا شك في أن الأنظار تتجه إلى الدول صاحبة الاقتصادات الكبيرة والقدرات المعتبَرة لتكون رائدة في تلمّس مسار الخروج من النفق. فما هو الواقع الراهن للدول الأربع الكبرى اقتصادياً؟
*الولايات المتحدة
يُستدلّ على الضرر الذي سببه الوباء للاقتصاد الأميركي من رقم واحد: 30 مليون شخص ملأوا استمارات مساعدة العاطلين عن العمل، أي نحو سدس القوة العاملة في الولايات المتحدة.
في موازاة ذلك، انخفض الناتج الاقتصادي نحو 5% في الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2020، في أكبر تراجع منذ العام 2008. ويتوقع معظم المحللين أن يكون الانحدار أسوأ بكثير في الربع الثاني، حتى أن البعض يشير إلى أن معدل البطالة قد يصل إلى 40% من القوة العاملة، وهو عبء ثقيل على أي دولة، وإن كانت صاحبة الاقتصاد الرقم واحد في العالم.
وقد سارعت السلطات الفدرالية إلى التحرك لاحتواء المشكلة، فأكد مجلس الاحتياطي الفدرالي (البنك المركزي) أنه سيفعل كل شيء ممكن لدعم الاقتصاد وتوفير السيولة. وعمد إلى خفض أسعار الفائدة لتقترب من الصفر، وأنزل متطلبات احتياطي البنوك من السيولة النقدية إلى الصفر أيضاً، واشترى نحو تريليونَي دولار من سندات الخزينة والأوراق المالية المدعومة برهونات عقارية، وقدّم تسليفات طارئة لمؤسسات مختلفة.
يضاف إلى ذلك أن الكونغرس أقر تشريعاً بحزمة طارئة قيمتها تريليونا دولار، تشمل مساعدات مقدارها 1200 دولار للأفراد، وقروضاً للشركات، وزيادة لإعانات البطالة...
*الصين
هبّت العاصفة الصحية من الصين في ديسمبر (كانون الأول) 2019، وعندما اشتدّت رياحها أغلقت السلطات البلاد وأوقفت عجلة الاقتصاد. وأدت أسابيع الحجر والعزل في عشرات المدن إلى انخفاض حاد في إنتاج المصانع ومبيعات التجزئة وأعمال البناء وسواها. وبشكل عام، انخفض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 7% تقريباً في الربع الأول من العام 2020 في أول انكماش اقتصادي صيني منذ أكثر من أربعة عقود.
إلا أن الصين سارعت، بعد نجاح تدابير العزل والتباعد في احتواء الوباء، إلى إطلاق عجلة الاقتصاد في أبريل (نيسان) الماضي. ومع ذلك، تبدو السلطة العليا في بكين أقل ميلاً لقيادة الانتعاش الاقتصادي العالمي مما كانت عليه عقب الأزمة المالية 2008 – 2009 حين أنفقت الكثير على حزمة تحفيز فاقت قيمتها نصف تريليون دولار. ففي السنوات التي تلت ذلك، ضاعفت الصين تقريباً ديونها الحكومية إلى نحو 60% من الناتج المحلي الإجمالي، وبالتالي يعتقد محللون كثر أنها لا تستطيع تحمّل الإنفاق بقوة مجدداً. والدليل على ذلك أن البنك المركزي الصيني اكتفى بإجراءات متواضعة نسبياً حتى الآن، أبرزها خفض متطلبات الاحتياطي النقدي للبنوك، مما سيسمح لها بإقراض الشركات المتعثرة 80 مليار دولار. كما أعلن المركزي أنه سيخفض أسعار الفائدة في الأشهر المقبلة.
ولن يُعرف الاتجاه الذي ستسلكه الصين إلا عندما تفصح عن النمو الاقتصادي الذي تستهدفه هذه السنة، فإذا كان طموحاً بحدود 6% فهذا يعني أنها ستنفق الكثير على حزمة التحفيز، أما إذا حدّدت رقماً أكثر تواضعاً، أقرب إلى 2.5 أو 3%، فهذا يعني أنها لن تنفق أكثر مما تفعل حالياً. وتجدر الإشارة إلى أن تحقيق الهدف المعلَن المتمثل في مضاعفة الناتج المحلي الإجمالي بين عامي 2010 و2020، يُلزم صاحبة ثاني أكبر اقتصاد في العالم أن تحقق نمواً نسبته 5.6% على الأقل هذا العام.
*اليابان
اليابان هي صاحبة ثالث اقتصاد في العالم. وهو اقتصاد قائم بالدرجة الأولى على التصدير، ويتوقع له الخبراء أن ينكمش نحو 3% هذا العام، في ما سيكون أسوأ أداء له منذ العام 2008. ويأتي التأثير العميق للوباء عقب التباطؤ الاقتصادي الذي نجم عن زيادة ضريبة المبيعات في الخريف الماضي.
وقد استجابت حكومة شينزو آبي بحزمة إغاثة ضخمة، تبلغ قيمتها تريليون دولار، لمساعدة اقتصاد البلاد خلال واحدة من أصعب المراحل التي مرّ بها في العقود الأخيرة.
وأعلن البنك المركزي الياباني أواخر أبريل استعداده لشراء عدد غير محدود من الديون الحكومية ومضاعفة مشترياته من ديون الشركات. إلا أن خيارات البنك تبدو محدودة بعدما أبقى أسعار الفائدة قريبة من الصفر لسنوات، بمعنى أنه لن يستطيع تحفيز الاقتصاد عبر خفض الفوائد.
*ألمانيا
يسير الاقتصاد الألماني نحو الانكماش بخطى «ثابتة» للمرة الأولى منذ العام 2009، وذلك بنسبة قد تصل إلى 10%، مع العلم أن حكومة أنجيلا ميركل توقعت انكماشاً يزيد قليلاً عن 6%، وهو ما سيكون في أي حال أسوأ أداء للاقتصاد منذ عقود.
وقد اتخذت برلين إجراءات جريئة لمواجهة الأزمة، فتخلّت عن «عقيدة» الالتزام الثابت بالميزانيات المتوازنة، المعروفة باسم «شفارتسه نول» أو «الصفر الأسود». وخصصت الحكومة 350 مليار يورو – أقل بقليل من نحو 10% من ناتجها المحلي الإجمالي - لدعم أكبر اقتصاد في منطقة اليورو والرابع عالمياً. وستنفَق الأموال لإنقاذ الشركات المتعثرة عبر إقراضها واحتمال شراء حصص فيها.
ولم تتردد ميركل في القول إن الحكومة «ستقوم بكل ما هو ضروري» لإنقاذ الاقتصاد، متخليةً عن حذر لم تتخلَّ عنه حيال الشركاء في الاتحاد الأوروبي عندما وقفت بصلابة في وجه فكرة «سندات كورونا»، كي لا يقترضوا بواسطتها وتكون ألمانيا هي الكفيل الذي يتحمّل أي تخلّف عن السداد.
يبدو واضحاً من أوضاع الاقتصادات الأربعة الأولى في الكرة الأرضية أن الفيروس أقوى منها، وأن جلّ ما تفعله هو التعامل بأسلوب ردّ الفعل مع الوضع الطارئ، من دون القدرة على رؤية الآفاق الأبعد والتخطيط لآجال طويلة أو حتى متوسطة. ويبدو واضحاً أيضاً ان ثمة احتمالاً كبيراً لأن يتزايد وسط مناخ «الحرب» الذي أشاعه «كوفيد – 19» الشعور بـ«القومية الاقتصادية» الذي سيدفع الحكومات إلى تمتين حدودها وإغلاق اقتصاداتها... وعندها سترتسم حكماً ملامح عالم آخر، وهو ما قد يستحق بحثاً آخر.


مقالات ذات صلة

انفراجة «هرمز» تُحفّز الأسواق العالمية

الاقتصاد متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

انفراجة «هرمز» تُحفّز الأسواق العالمية

شهدت الأسواق العالمية انفراجة واسعة واستعادة قوية للزخم عقب قرار إيران بفتح مضيق هرمز أمام الملاحة التجارية، تزامناً مع هدنة لبنان. وأدى هذا التحول الإيجابي

«الشرق الأوسط» (عواصم)
الاقتصاد اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التي يرأسها وزير المالية السعودي (الصندوق)

الجدعان: إنهاء الصراعات وتأمين السلام ركيزتان أساسيتان لتحقيق النمو المستدام

أعلن وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، أن قدرة العالم على مواجهة الأزمات مرهونة بتبني «رؤية استراتيجية موحدة وإصلاحات».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد صورة جورج واشنطن تظهر على ورقة نقدية أميركية من فئة دولار واحد (أ.ب)

آمال إنهاء الحرب تهبط بالدولار لأدنى مستوياته في 6 أسابيع

استقر الدولار الأميركي قرب أدنى مستوياته منذ أوائل مارس (آذار) مقابل العملات الرئيسية يوم الخميس.

«الشرق الأوسط» (هونغ كونغ)
الاقتصاد امرأة تمر أمام متجر لبيع الذهب في هونغ كونغ (أ.ف.ب)

الذهب يقترب من حاجز الـ4900 دولار وسط ترقب لإنهاء الحرب

ارتفعت أسعار الذهب يوم الخميس، مدعومة بضعف الدولار وارتفاع التفاؤل بشأن اتفاق محتمل بين الولايات المتحدة وإيران.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد سفينة شحن في الخليج العربي، بالقرب من مضيق هرمز (أرشيفية - رويترز)

النفط يتراجع مع تزايد الآمال في التوصل إلى اتفاق أميركي إيراني

تراجعت أسعار النفط في التعاملات المبكرة يوم الخميس، إذ طغت الآمال بتخفيف حدة التوتر بين الولايات المتحدة وإيران.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)

انفراجة «هرمز» تُحفّز الأسواق العالمية

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

انفراجة «هرمز» تُحفّز الأسواق العالمية

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

شهدت الأسواق العالمية انفراجة واسعة واستعادة قوية للزخم عقب قرار إيران بفتح مضيق هرمز أمام الملاحة التجارية، تزامناً مع هدنة لبنان. وأدى هذا التحول الإيجابي إلى تبدد سريع للمخاوف الجيوسياسية؛ ما دفع أسعار النفط للتراجع بنسبة تجاوزت 10 في المائة، حيث استقر «برنت» عند 88.27 دولار؛ ما خفف الضغوط التضخمية عالمياً.

وانعكس هذا الاستقرار فوراً على أسواق الأسهم التي انتعشت لتسجل مستويات قياسية، مدفوعة بارتفاع شهية المخاطرة لدى المستثمرين.

وفي سوق العملات، تراجع الدولار ليتيح المجال لصعود اليورو والين، بينما واصلت المعادن النفيسة مكاسبها النوعية.

أما أسواق السندات فقد شهدت هدوءاً مع تقليص الرهانات على رفع الفائدة؛ ما يعكس تفاؤلاً كبيراً بعودة استقرار سلاسل الإمداد وتدفقات الطاقة العالمية بسلاسة.


الجدعان: إنهاء الصراعات وتأمين السلام ركيزتان أساسيتان لتحقيق النمو المستدام

اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التي يرأسها وزير المالية السعودي (الصندوق)
اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التي يرأسها وزير المالية السعودي (الصندوق)
TT

الجدعان: إنهاء الصراعات وتأمين السلام ركيزتان أساسيتان لتحقيق النمو المستدام

اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التي يرأسها وزير المالية السعودي (الصندوق)
اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التي يرأسها وزير المالية السعودي (الصندوق)

أطلق وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، موقفاً حازماً أكد فيه أن قدرة العالم على مواجهة الأزمات مرهونة بتبني «رؤية استراتيجية موحدة وإصلاحات سريعة»، مُحذراً من أن التفاؤل المفرط في الأسواق قد يحجب حقيقة التحديات الجيوسياسية الراهنة، لا سيما في ظل الصراعات التي تهدد أمن الإمدادات.

كلام الجدعان جاء في مؤتمر صحافي مشترك مع المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا، عقب اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التي يرأسها وزير المالية السعودي، وذلك خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين.

وقد توّج الاجتماع بتبني «مبادئ الدرعية» إطاراً تاريخياً لحوكمة صندوق النقد الدولي؛ ما يرسخ مرحلة جديدة من التعاون متعدد الأطراف في مواجهة حالة عدم اليقين العالمي.

الجدعان متحدثاً في المؤتمر الصحافي (أ.ف.ب)

السلام ركيزةً للنمو المستدام

استهل الجدعان المؤتمر بالتأكيد على أن الاقتصاد العالمي قد تعرَّض لاختبارات متلاحقة جراء صدمات متكررة على مدى السنوات القليلة الماضية، ناتجة من الحروب والصراعات، بما في ذلك الصراع الجديد في منطقة الشرق الأوسط.

وأوضح أنه بالإضافة إلى الآثار الإنسانية العميقة، فإن الأثر الاقتصادي لهذه الصدمات هو أثر عالمي، وسوف يضرب مرة أخرى الفئات الأفقر والأكثر ضعفاً بشدة، محذراً من أن هذا يأتي في وقت تآكلت فيه مساحة السياسات وضعف فيه التعاون الدولي.

وأشار الجدعان إلى أن الاستجابة المناسبة من حيث السياسات تعتمد على كيفية انتشار الصدمة عبر الاقتصاد المحلي؛ ما يستدعي سياسات في توقيتها المناسب وقابلة للتكيف مدعومة بأطر عمل موثوقة وتعاون دولي.

وشدد على أن إنهاء الحروب والصراعات وتأمين سلام دائم في جميع أنحاء العالم يظل أمراً أساسياً لا غنى عنه لتحقيق النمو المستدام والاستقرار طويل الأجل.

المؤتمر الصحافي المشترك للجدعان وغورغييفا (أ.ف.ب)

مخاطر الصراعات وتداعياتها على أمن الطاقة

وأكد بيان صادر عن اللجنة أن الاقتصاد العالمي ظل صامداً على مدى السنوات القليلة الماضية رغم الصدمات المتكررة، بما في ذلك الحروب والصراعات. ووصف البيان الصراع في الشرق الأوسط بأنه صدمة عالمية رئيسية جديدة، سيعتمد أثرها الاقتصادي على مدتها وكثافتها وتوسعها الجغرافي.

ولفت إلى أنه بات من الواضح بالفعل، من خلال الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية واضطرابات النقل حتى الآن، أنها تشكل تهديداً خطيراً للاقتصاد العالمي، رغم الجهود الملحوظة لاستدامة تدفق الطاقة، بما في ذلك من خلال إعادة توجيه مسارات النقل لتعزيز أمن الإمدادات.

ونوّه الأعضاء إلى أن تأثير الصدمة غير متماثل للغاية عبر البلدان، وإذا طال أمدها، فقد تبقي أسعار الوقود والأسمدة مرتفعة لفترة ممتدة، وتعطل إمدادات المدخلات الرئيسية، وتضخم المخاطر التي تهدد أمن الطاقة والغذاء، والنمو العالمي، والتضخم، وحسابات القطاع الخارجي.

وأشار البيان إلى أن الأوضاع المالية المشددة والتداعيات المحتملة على الاستقرار المالي قد تزيد من الضغط على الآفاق المستقبلية، في وقت يمر فيه العالم بتحولات هيكلية عميقة في التكنولوجيا، والديموغرافيا، والمخاطر المرتبطة بالمناخ، وهي تغييرات ستعيد تشكيل الاقتصادات وتختبر قدرتها على التكيف.

الجدعان يتحدث مع رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول (رويترز)

أولويات السياسة الاقتصادية والمالية

أكدت اللجنة أنه في هذه البيئة التي تكتنفها حالة من عدم اليقين الشديد، تتمثل الأولوية القصوى في تعزيز الاستقرار الاقتصادي الكلي والمالي، مع تمكين نمو قوي واسع القاعدة، من خلال سياسات في توقيتها المناسب وقابلة للتكيف وموثوقة.

وشددت البنوك المركزية على التزامها القوي بالحفاظ على استقرار الأسعار، عادَّةً أن استقلاليتها والتواصل الواضح ضروريان لمصداقية السياسة وإبقاء توقعات التضخم راسية.

كما أفادت بأن السياسة المالية يجب أن تُعايَر بشكل مناسب وتُرسخ في أطر متوسطة الأجل موثوقة لضمان استدامة الدين، مع إمكانية استخدام تدابير مؤقتة ومستهدفة لحماية الفئات الأكثر ضعفاً حيثما توفرت المساحة المالية.

وأكد الأعضاء استمرارهم في الالتزام بالمعايير الدولية ومراقبة المخاطر التي تهدد الاستقرار المالي، بما في ذلك تعزيز الرقابة على المخاطر النظامية الناشئة عن الذكاء الاصطناعي، والمؤسسات المالية غير المصرفية، والأصول الرقمية، مع تسخير فوائد الابتكار التكنولوجي.

الإصلاحات الهيكلية والتعاون الدولي

وأشارت اللجنة إلى المضي قدماً في الإصلاحات الهيكلية لتمكين استثمار القطاع الخاص، وزيادة الإنتاجية، وحماية أمن الطاقة.

وأكد الأعضاء مواصلة التعاون لمعالجة الاختلالات العالمية المفرطة والتوترات التجارية وبناء سلاسل إمداد أكثر صموداً، ودعم اقتصاد عالمي عادل ومنفتح، مع التأكيد مجدداً على التزامات أسعار الصرف الصادرة في أبريل (نيسان) 2021.

وعبّر البيان عن ترحيب اللجنة بجدول أعمال السياسة العالمية للمدير العام، مؤكداً على الدور الحاسم لصندوق النقد الدولي في مساعدة الدول عبر مشورة السياسات وتنمية القدرات والدعم المالي بالتعاون مع المؤسسات الأخرى.

دعم الدول الضعيفة ومعالجة الديون

وتعهد البيان بمواصلة دعم البلدان في جهودها لتعزيز الاستقرار والنمو، مع إيلاء اهتمام خاص للبلدان منخفضة الدخل والدول الهشة المتأثرة بالصراعات، لا سيما حيث تتزايد ضغوط الديون. وأكد الأعضاء التزامهم بتحسين عمليات إعادة هيكلة الديون، بما في ذلك في «إطار العمل المشترك»، والمضي قدماً في المائدة المستديرة العالمية للديون السيادية.

ورحَّب البيان بـ«دليل إعادة الهيكلة» المحدث، ودعا إلى تعزيز شفافية الديون من جميع أصحاب المصلحة، بما في ذلك الدائنون من القطاع الخاص.

كما حث البيان على زيادة الدعم للبلدان ذات الديون المستدامة التي تواجه تحديات تمويل قصيرة الأجل عبر تسريع تنفيذ نهج الركائز الثلاث لصندوق النقد والبنك الدولي، والانتهاء من مراجعة إطار استدامة الديون.

تعزيز الرقابة وأدوات الإقراض

أعلن البيان دعم اللجنة لزيادة تركيز الرقابة بناءً على الصرامة التحليلية والإنصاف، والتطلع إلى الانتهاء من المراجعة الشاملة للرقابة ومراجعة برنامج تقييم القطاع المالي (FSAP).

كما أيَّد الأعضاء الجهود المستمرة لتحصين إطار الإقراض الخاص بالصندوق، بما في ذلك مراجعة تصميم البرامج والشروط (ROC) والعمل على أطر السياسة النقدية للبلدان التي تمر بأزمات.

مبادئ الدرعية وحوكمة الصندوق

وفي ختام البيان، أعلن الأعضاء تأييدهم لـ«مبادئ الدرعية التوجيهية» لإصلاحات الحصص والحوكمة، عادِّين إياها إنجازاً جماعياً كبيراً ومعلماً مهماً في أجندة إصلاح حوكمة الصندوق.

وتقدمت اللجنة بالشكر لنواب اللجنة الدولية والمجلس التنفيذي والإدارة على جهودهم، مؤكدة أن هذه المبادئ ستعمل كدليل للمناقشات المستقبلية، بما في ذلك المراجعة العامة السابعة عشرة للحصص.

واختتم البيان بالتأكيد مجدداً على الالتزام بصندوق نقد دولي قوي، وقائم على الحصص، ومزود بموارد كافية ليكون في مركز شبكة الأمان المالي العالمية، مع التطلع إلى الانتهاء من الموافقات المحلية لموافقة الأعضاء على زيادة الحصص بموجب المراجعة العامة السادسة عشرة دون أي تأخير إضافي.


الأسواق العالمية تستعيد زخمها بعد الإعلان عن فتح «مضيق هرمز»

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

الأسواق العالمية تستعيد زخمها بعد الإعلان عن فتح «مضيق هرمز»

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

شهدت الأسواق العالمية تحركات حادة يوم الجمعة، في أعقاب قرار إيران فتح مضيق هرمز أمام جميع السفن التجارية، ما دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم مخاطر الإمدادات الجيوسياسية بسرعة.

فقد أعلن وزير الخارجية الإيراني، يوم الجمعة، أن مضيق هرمز بات مفتوحاً بالكامل أمام جميع السفن التجارية طوال فترة وقف إطلاق النار، في خطوة جاءت بالتزامن مع الهدنة في لبنان. وقال عباس عراقجي في منشور على منصة «إكس» إن عبور السفن عبر المضيق سيجري وفق المسار المنسق الذي أعلنته سابقاً منظمة الموانئ والملاحة البحرية الإيرانية.

وجاء هذا الإعلان ليخفف جزئياً من المخاوف المرتبطة بإمدادات الطاقة العالمية، ما انعكس سريعاً على الأسواق مع تراجع حاد في أسعار النفط عقب التصريحات.

تراجع حاد في أسعار النفط

تراجعت أسعار النفط بأكثر من 10 في المائة يوم الجمعة، مواصلة خسائرها السابقة، وانخفضت العقود الآجلة لخام برنت بمقدار 11.12 دولار أو 11.2 في المائة لتسجل 88.27 دولاراً للبرميل عند الساعة 13:11 بتوقيت غرينتش، فيما هبطت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأميركي بمقدار 11.40 دولار أو 12 في المائة إلى 83.29 دولار للبرميل.

وقال جيوفاني ستونوفو، المحلل في بنك «يو بي إس»، إن تصريحات وزير الخارجية الإيراني «تشير إلى خفض التصعيد في حال استمر وقف إطلاق النار، لكن يبقى السؤال ما إذا كان تدفق ناقلات النفط عبر المضيق سيشهد زيادة ملموسة».

ويعكس هذا التراجع انحساراً مؤقتاً في علاوة المخاطر الجيوسياسية التي دعمت أسعار النفط خلال الفترة الماضية، وسط ترقب المستثمرين لاحتمال تحول وقف إطلاق النار إلى تهدئة أوسع نطاقاً في المنطقة.

الدولار يتراجع أيضاً

تراجع مؤشر الدولار الأميركي بعد إعلان إيران، مسجلاً انخفاضاً بنسبة 0.46 في المائة إلى مستوى 97.765. وتراجع الدولار بنسبة 0.6 في المائة إلى 158 يناً، فيما ارتفع اليورو بنسبة 0.6 في المائة إلى 1.1848 دولار، مسجلاً أعلى مستوى له في شهرين.

في المقابل، ارتفع الدولار الكندي أمام نظيره الأميركي يوم الجمعة، فيما تراجعت عوائد السندات الحكومية الكندية. وجرى تداول الدولار الكندي (اللوني) مرتفعاً بنسبة 0.3 في المائة عند 1.366 دولار كندي للدولار الأميركي، بما يعادل 73.21 سنت أميركي، بعد تحركات بين 1.3661 و1.3707 خلال الجلسة.

الأسهم العالمية تواصل مكاسبها

شهدت الأسهم العالمية، التي كانت تتداول بالفعل عند مستويات قياسية، مزيداً من المكاسب عقب الإعلان. وارتفع مؤشر «ستوكس 600» الأوروبي بنسبة 1.4 في المائة، فيما صعدت العقود الآجلة لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.9 في المائة.

وقال مايكل براون، كبير استراتيجيي الأبحاث في شركة «بيبرستون»، إن تحسن آفاق الملاحة عبر مضيق هرمز يقلص بشكل واضح علاوة المخاطر الجيوسياسية، ما يدعم شهية المخاطرة في الأسواق. وأضاف أن هذا التحول يفسر رد الفعل الإيجابي في الأسواق.

السندات العالمية تتحرك بحذر

في أسواق السندات، استقرت عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات عند 4.27 في المائة، بينما سجلت عوائد السندات لأجل عامين 3.74 في المائة، في إشارة إلى توازن حذر في توقعات السياسة النقدية. كما انخفض عائد السندات الحكومية الكندية لأجل 10 سنوات بمقدار 8.3 نقطة أساس إلى 3.421 في المائة.

وفي أوروبا، تراجعت عوائد السندات الحكومية الألمانية لأجل عامين إلى أدنى مستوياتها في شهر، بعدما هبطت عوائد «شاتز» لأجل عامين، وهي الأكثر حساسية لتغيرات أسعار الفائدة والتضخم، بما يصل إلى 11.2 نقطة أساس لتسجل 2.412 في المائة قبل أن تقلص خسائرها إلى 2.43 في المائة، مسجلة تراجعاً يومياً بنحو 9.6 نقطة أساس. وكانت العوائد قد بلغت أعلى مستوياتها منذ يوليو الماضي في أواخر مارس (آذار) عند نحو 2.77 في المائة.

وأشارت الأسواق إلى تقليص رهاناتها على رفع البنك المركزي الأوروبي لأسعار الفائدة؛ إذ قدرت احتمالات الرفع في الاجتماع المقبل بنحو 8 في المائة، مقارنة بـ15 في المائة في وقت سابق من الجلسة، مع توقعات بوصول سعر فائدة الإيداع إلى 2.44 في المائة بنهاية العام مقابل 2.55 في المائة سابقاً.

المعادن النفيسة ترتفع

أما في أسواق المعادن النفيسة، فقد ارتفع الذهب الفوري بنحو 2 في المائة إلى 4881 دولاراً للأونصة، كما صعدت الفضة بأكثر من 5 في المائة إلى 82.30 دولار، والبلاتين بنسبة 3 في المائة إلى 2149.15 دولار، وارتفع البلاديوم بنسبة 3 في المائة إلى 1600.88 دولاراً، مدعومة بتزايد الطلب على الملاذات الآمنة رغم تراجع النفط.