شهرزاد لا تسكت عن الكلام المباح... برفقة كيليطو

عودة جديدة إلى «الليالي» وأسرارها الدفينة

عبد الفتاح كيليطو
عبد الفتاح كيليطو
TT

شهرزاد لا تسكت عن الكلام المباح... برفقة كيليطو

عبد الفتاح كيليطو
عبد الفتاح كيليطو

يعود الناقد المغربي عبد الفتاح كيليطو إلى «ألف ليلة وليلة»؛ هو أصلاً لم يفارق «الليالي»، هذه التحفة الأدبية التي لا يمل من قراءتها واستنباط أسرارها، وربطها بكبريات النصوص الأدبية العالمية. هذه المرة، مع عنوان لافت آخر، لا يقل إثارة عن كتبه السابقة، مثل «العين والإبرة» و«قولوا لي الحلم»، و«لن تتكلم لغتي». يطل علينا كيليطو بعنوان «من نبحث عنه بعيداً يقطن قربنا»، مستلاً إياه من «يوميات» كافكا، ويكاد يكون تلخيصاً مكثفاً مقطراً لقصة «لص بغداد» في «ألف ليلة وليلة» التي هي من بين ما يعالجه في الكتاب.
المؤلَّف الجديد ترجمه إسماعيل أزيات عن الفرنسية، وصادر عن «دار توبقال»، وهو كما كتب كيليطو السابقة يتجاوز المائة صفحة بقليل، مكتنز، لا مكان للإنشائية فيه، يرصد خفايا بعض قصص «ألف ليلة وليلة» بعيون العاشق للسرد العربي -وهو شغوف بالمقامات أيضاً- المتبحر في نسخها وترجماتها وما كتب عنها. وهذا ما يتيح للكاتب ليس فقط إعادة قراءة النص بعينه الناقدة العالمة، بل إطلاعنا على قراءات كبار الكتاب الذين قضوا سنواتهم مع هذا المؤلّف، بعد أن اكتسب أهمية كبرى في الغرب، فيما بقي أبناء العربية ينظرون إليه من دونية إلى أن جاءهم التنبيه من أوروبا.
تلك ناحية تشغل كيليطو، وتجعله يتمعن فيما كتبه الفذّ بورخيس، وما اقتبسه مارسيل بروست، وكيف تأثر بهذه القصص العجائبية وأسلوبها السردي في كتابه الشهير «البحث عن الزمن الضائع»، حيث إن «طفولة بروست، في إحدى جوانبها، ملفوفة بحكايات شهرزاد، وبالمنافسة بين الترجمتين الفرنسيتين اللتين كانتا متاحتين له في ذلك الوقت، ترجمة غالان وترجمة ماردروس». ويأخذنا إلى ما كتبه بلزاك عن هذه التحفة، وهو ينعت كتابه «الكوميديا الإنسانية» بأنه «ألف ليلة وليلة» الغرب، وكذلك يحدثنا عن الليالي بالنسبة لسان سيمون، معتبراً إياها بمثابة الكتاب الذي يطمح إلى تأليفه.
ولا تنقص كيليطو المهارة كي يدخلك من باب ويخرجك من آخر وهو يطوف بك في صفحات هؤلاء الكتّاب، على غرار ما تفعله شهرزاد حين تتداخل قصصها، وتستطرد في سرد إحداها قبل أن تردك إلى الحكاية الرئيسية، فتشعر أنك تكاد تفقد الخيط الرئيسي، لولا أنها تنبهت في الوقت المناسب.
والكتاب الجديد هو مجموعة من الدراسات كتبت متفرقة، لكنها تتكامل فيما بينها. والبداية هي من لحظة تعرض شهريار وأخوه شاه زمان للخيانة من زوجتيهما، ولقاؤهما الجني الذي يحمل على رأسه صندوقاً زجاجياً، يسحب منه علبة، ومن العلبة تخرج صبية غراء بهية. وبعد أن تجبرهما على مجامعتها في غفلة من الجني «تخرج من جيبها كيساً يحتوي على عقد مؤلف من خمسمائة وسبعين خاتماً، وتقول: «أصحاب هذه الخواتم كلهم كانوا يفعلون بي على غفلة قرن هذا العفريت، فأعطياني خاتميكما أنتما الاثنان الآخران».
هذه الحكاية التمهيدية تأتي قبل الألف ليلة وليلة التي تقصها شهرزاد. ويكتب كيليطو: «هنا يتجلى حذق المؤلف المجهول لليالي، وربما بصورة أدق، حذق المؤلفين الذين نسجوا هذه الحكاية المتفردة، وهم يفكرون في معمار الكتاب، وصياغته المتشكلة من منعرجات ومنعطفات. تمهد الصبية لظهور شهرزاد، وتعلن برقة ونعومة شكل ومحتوى ما سيكون عليه الكتاب: خواتم في كيس». ويشرح كيليطو وهو يستند إلى رأي شيق للويس بورخيس، مفاده أن زيادة ليلة إلى الألف في عنوان هذا الكتاب الاستثنائي لم تأتِ لتحدد العدد، وإنما لتوحي للقارئ بأن القصد هو لا نهائية الليالي والقصص، وكذا هو حال الخواتم التي جمعتها الصبية في كيسها، فليس المهم عددها، وإنما كثرتها وتناميها.
وحين نصل مع كيليطو إلى «حكاية إفلاس رجل من بغداد»، نراه يحدثنا عن مخلوق يحركه حلم، ويلعب دوراً رئيساً في كتابة مصيره، حين يشد الرحال مسافراً إلى مصر، تلبية لنداء جاءه في منامه، قائلاً له: «إن رزقك في مصر، فتوجه له». لكنه بوصوله إلى هناك، بدل أن يرزق بما وعد به، يضرب من قبل الوالي حتى يشارف على الهلاك. وحين يروي للوالي قصته، يسخر من منامه الذي كاد يودي به، ويخبره أنه هو أيضاً أتاه نداء شبيه في المنام، كي يذهب ويبحث عن رزقه في بغداد في المكان كذا، لكنه بالطبع لم يفعل، لأن الأمر مجرد أضغاث أحلام. يعود البغدادي إلى بلاده وقد أدرك أن مكان الكنز هو منزله، يبحث عن الكنز ملبياً النداء الذي أخبره به الوالي، فيجد مالاً كثيراً تحت عين ماء.
يدخل كيليطو في تحليل طويل لكل حيثيات القصة وتفاصيلها، ليخلص في النهاية إلى أن البغدادي ليس لصاً، فهو «لم يأخذ شيئاً في ملكية آخر؛ ألا يوجد الكنز في بيته؟». ومع ذلك، فهو ليس بريئاً تماماً لأنه بشكل من الأشكال اختلس حلم الوالي: «إنه سارق رؤيا، ولذلك تلقى من الوالي عقابه مسبقاً»، حين انهال عليه بالضرب حتى قبل أن يبوح له بمنامه. ويستدرك بالقول معلقاً: «هناك حالات جد نادره حقاً، يسبق فيها العقاب الإساءة».
وعلى طريقته، يستفيد كيليطو من قصة لص بغداد، والصوت الآتي في المنام، ليعيدنا إلى مقارنة بين منامات وأصوات ونداءات تكررت في أعمال أدبية، فيجول بنا في نص بورخيس حول الحكاية نفسها، وما كتبته الباحثة إفانجلينا ستيد عن الكنز المدفون، وليذكرنا من جديد أن البغدادي اضطر للذهاب بعيداً، والسفر بحثاً عن الكنز بينما هو موجود في بيته، غير أنه كي يعرف ذلك، كان لا بد له أن يغادر المسكن، ويقطع المسافات، ويعيش تجارب كي يكتشف ذلك. ولا يجد كيليطو صعوبة في أن يربط هذه القصة بتفصيل في حكاية السندباد، وأن يجد الصلة الوثيقة بين هاتين القصتين وشبيه لهما في رواية بلزاك «أوجيني غراندي». لنرى أن ثمة بنية مشتركة يمكن رصدها، من خلال معرفة عميقة بنصوص سردية كبيرة في لغات مختلفة. وهو هنا يثبت مرة جديدة كم أن الليالي جديرة بمقارنتها بكبريات النصوص النثرية، بل كونها مرجعاً أدبياً أساسياً تأثر به أدباء كبار بلغات مختلفة، بقيت لمسات شهرزاد بينة على كتاباتهم، دون أن يهتم أحد برصدها، وتحري عمقها.
وثمة أكثر من ذلك، فطريقة كيليطو في كتابة تحليلاته وتسلسلها، وفي انتقاله في النصوص واللغات والكتّاب، وعودته في كل مرة إلى الليالي، هي تماماً كطريقة شهرزاد نفسها في إخراج القصة من القصة، وعلى غرار أسلوب الصبية التي غافلت الجني في مطلع كتاب «ألف ليلة وليلة»، وجمعت الخواتم الكثيرة في كيس واحد.
كيليطو هو أيضاً يسير على خطى شهرزاد، في كتابة نص متشظي، مفتت بقدر ما هو قابل للجمع وعقد المقارنات وإظهار المفارقات. إنه يكتب عن كتاب يشعر بسحر نحوه، ويدرك مدى حضوره في الوعي الجماعي، وتأثيره الضمني الهائل وتغلغله في الذاكرة.
وفي خاتمة جميلة تحيل مرة أخرى إلى الاهتمام الذي أولاه الأوروبيون لـ«الليالي» قبل أن يكتشف أهميتها العرب، يقول: «قبل أن يحلم الغرب بالهيمنة على الشرق بأزمان، فإن الشرق في إغفاءته، مجسداً بالليالي، غزا الغرب. اكتشف الأدب الأوروبي فجأة أن شيئاً ما ينقصه، فاندمج بالشرق». ومن خلال هذا الكتاب، يعلق على هذا الحدث الأدبي بالقول: «حين يلتحم النصفان، فإن العالم عندئذ تام، أو إذا شئنا مترع». ينتصر كيليطو لفكرة التثاقف والالتحام الإنساني بين الشرق والغرب، من خلال «ألف ليلة وليلة»، وتسفارها جيئة وذهاباً بين الضفتين والحضارتين، وتأثيرها النفسي والأدبي.



مخرج فلسطيني يصوّر معاناة أهالي غزة في فيلم بمهرجان تورونتو

صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
TT

مخرج فلسطيني يصوّر معاناة أهالي غزة في فيلم بمهرجان تورونتو

صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)

قال المخرج حسام أبو دان، إن فيلماً درامياً فلسطينياً صُوّر بالكامل في غزة يهدف إلى إطلاع العالم على الصعوبات اليومية التي يواجهها الفلسطينيون، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

ويروي فيلم «غزة 13»، الذي عُرض للمرة الأولى في مهرجان تورونتو السينمائي الدولي يوم الثلاثاء، قصة رغد، وهي فتاة عمرها 13 عاماً بلغت حديثاً مرحلة البلوغ، وتحاول التأقلم مع الحياة برفقة والدها في قطاع غزة، سعياً إلى العثور على مساحة آمنة وسط حيرتها وحاجتها الماسة إلى الرعاية والدعم.

وقال المخرج أبو دان إن من المهم بالنسبة له أن تُروى القصة من منظور شخص عاش تجربة الحياة في غزة.

وأضاف في مقابلة مع «رويترز»: «كنت أقول دائماً إن الناس يمكنهم أن يرووا قصتك، لكن عندما ترويها أنت بطريقتك الخاصة وبلغتك الخاصة، يصبح الأمر مختلفاً. وهذا مهم جداً».

قُتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين، معظمهم مدنيون، في الهجوم العسكري الإسرائيلي الذي دمّر أجزاء واسعة من القطاع، وتسبب في أزمة جوع ونزوح جميع سكان غزة داخل القطاع.

واندلعت الحرب عقب الهجوم الذي شنته حركة «حماس» على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، والذي أسفر عن مقتل 1200 شخص، معظمهم مدنيون.

وقال المخرج الفلسطيني إن التصوير استغرق 12 يوماً واعتمد على طاقم صغير بسبب قيود لوجستية.

وأضاف: «عادة ما يكون طاقم التصوير كبيراً، لكننا تعمدنا إبقاء طاقمنا صغيراً جداً حتى نتمكن جميعاً من التنقل في سيارة واحدة والتحرك بسهولة».

ولم يتمكن أبو دان، الذي تحدث إلى «رويترز» من منزله في غزة، من السفر إلى تورونتو لحضور المهرجان بسبب استمرار القيود المفروضة على السفر الدولي.

ورغم أنه كان يتمنى المشاركة شخصياً في الاحتفال بالفيلم، قال إنه فخور بصنع فيلم ذي مغزى.

وقال: «ربما يعتقد كثيرون أن غزة لم يعد لديها ما تقدّمه، لذا علينا أن نذكرهم باستمرار بأننا نستحق الحياة ولدينا أحلام ولدينا كل شيء. كل ما نريده حقاً هو أن نعيش حياة طبيعية، تماماً كما يعيش الآخرون في العالم».


لماذا يكتب بعض الروائيين كثيراً ويتأخر آخرون؟

دونا تارت
دونا تارت
TT

لماذا يكتب بعض الروائيين كثيراً ويتأخر آخرون؟

دونا تارت
دونا تارت

حين أصدرت أميلي نوتومب روايتها الجديدة «مراهقة الببغاء» في أغسطس (آب) الماضي، كانت تحتفل بصدور روايتها الخامسة والثلاثين منذ «نظافة القاتل» عام 1992. غير أن المفارقة الأهم في تجربتها لا تكمن في الرقم وحده، بل في تصريحها لوسائل الإعلام بأنها تكتب نحو ثلاث روايات سنوياً، ثم تعود إلى مخطوطاتها فتختار واحدة منها للنشر، وتضع الأخريات جانباً. وقد أدهشت الكاتبة المعروفة كثيرين حين كشفت عن طقوسها في الكتابة؛ ففي مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية» في أغسطس الماضي، قالت نوتومب إنها تستيقظ في الرابعة صباحاً، وتشرب الشاي المركّز، ثم تكتب أربع ساعات متواصلة قبل أن يبدأ يومها العادي، وهي الوتيرة التي تحافظ عليها كل أيام الأسبوع. تجربة نوتومب تطرح سؤالاً يتجاوز خصوصيتها: كيف يستطيع بعض الكتّاب إنتاج أعمال كثيرة، والحفاظ في الوقت نفسه على مستوى أدبي جيد، في حين يحتاج آخرون إلى أعوام طويلة قبل نشر رواية جديدة؟ هل يرتبط الأمر بالنوع الأدبي؟ أم بانضباط الكاتب؟ أم أن الإلهام، ذلك العنصر الغامض، لا يزال صاحب الكلمة الأخيرة؟

ستيفن كنغ

تقدّم تجارب الكتّاب غزيري الإنتاج جواباً أولياً: الكاتب لا ينتظر الإلهام دائماً، بل يصنع له موعداً. يكشف ستيفن كينغ، في كتابه «عن الكتابة: مذكرات حرفة»، عن أنه يضع لنفسه هدفاً يومياً يقارب ألفي كلمة، أي نحو عشر صفحات، ويعمل من أربع إلى ست ساعات يومياً. ويقول: «إن من يريد أن يكتب عليه أن يقرأ كثيراً ويكتب كثيراً». يرفض كاتب روايات الرعب والتشويق الأميركي أن يترك العمل رهينة المزاج، فهو يحوّل الكتابة عادةً تشبه القراءة أو المشي: فعل يومي لا يحتاج في كل مرة إلى قرار جديد. كما يفضّل إنجاز المسودة الأولى بوتيرة منتظمة، ثم الابتعاد عنها فترة قبل العودة إلى المراجعة؛ فالمسودة الأولى، في نظره، ليست موضع الكمال، بل مساحة لاكتشاف الرواية. أما أونوريه دو بلزاك، أحد أعمدة الأدب الفرنسي في القرن التاسع عشر، فكان يستيقظ في منتصف الليل ليجلس إلى مكتبه ساعات طويلة. وقد ارتبط اسمه بأسطورة شرب خمسين فنجاناً من القهوة يومياً، والمؤكد أن بلزاك كان يكتب بإيقاع قاسٍ، حتى إنّ مشروعه الروائي الضخم «الكوميديا الإنسانية» تطلّب منه إنتاجاً متواصلاً أرهق جسده وأضرّ بصحته.

إمبرتو إيكو

وكان إسحاق أسيموف مثالاً آخر على تحويل الكتابة عملاً يومياً منتظماً. فقد نُسب إليه نحو 477 كتاباً بين التأليف والتحرير والمشاركة، وكان يكتب أو يراجع طوال ساعات طويلة. وتحدث عن متوسط يومي بلغ ألف كلمة في مرحلة، ثم ارتفع إلى نحو 1700 كلمة في مرحلة لاحقة. ولم يكن سرّه في انتظار لحظة استثنائية، بل في قدرته على مواصلة العمل حتى في الأيام العادية، حين لا يبدو الإلهام قريباً.

وتنتمي دانييل ستيل إلى الفئة نفسها من الكتّاب الذين جعلوا الاستمرار نظاماً للحياة؛ إذ قالت في مقابلة مع دار «بنغوين راندوم هاوس» إنها تعمل دائماً، ولا تحتمل الابتعاد عن الكتابة أكثر من أسبوعين. غير أن «العمل» عندها لا يعني الكتابة المتصلة فحسب، بل يشمل التخطيط، والمراجعة، والقراءة، والتواصل مع المحررين والناشرين.

يرى الكتّاب غزيرو الإنتاج أن على الكاتب ألا ينتظر الإلهام دائماً... بل يصنع له موعداً

وبينما يمضي بعض الكتّاب في الكتابة بوتيرة غزيرة ومنتظمة، يفضّل آخرون التمهل أعواماً قبل أن يعودوا إلى القرّاء بعمل جديد. وهذا يكشف عن أن الإبداع لا يخضع لإيقاع واحد، ولا يقاس دائماً بسرعة الإنتاج أو كثرة العناوين. تقدّم الكاتبة الأميركية دونا تارت نموذجاً معاكساً. فقد احتاجت إلى نحو عشر سنوات لكتابة «التاريخ السّري»، ثم إلى عقد آخر تقريباً لإنجاز «الصديق الصغير». وفي مقابلاتها، أوضحت أنها تحب أن تمضي وقتاً طويلاً مع المشروع الواحد، وأنها لا ترى في طول المدة عبئاً أو دليلاً على العجز. حيث تكتب تارت ببطء، وتعيد النظر في التفاصيل، وقد تحذف مشاهد كاملة بعد أسابيع من العمل إذا اكتشفت أنها لا تخدم البناء العام للرواية. ولعل هذا البطء لا يعود إلى ضعف الانضباط، بل إلى انضباط مختلف: حماية النص من الاستعجال. فالكاتب السريع يحمي ساعات الكتابة من المقاطعة، في حين يحمي الكاتب البطيء حق العمل في أن يتشكل بعيداً عن ضغط السوق. كلاهما منضبط، لكن كل واحد منهما يعرّف الانضباط بطريقة مختلفة. هناك أعمال لا يمكن إنجازها بسرعة، لا لأن الكاتب أبطأ من غيره، بل لأن موضوعها يحتاج إلى بحث طويل واحتكاك بالعالم. فالكاتب الذي يتناول حقبة تاريخية أو شخصية سياسية أو مجتمعاً بعيداً لا يستطيع أن يكتفي بلمعة أولى أو بمعلومات متناثرة.

أمبرتو إيكو مثال بارز على ذلك. فقد قال الكاتب والمفكر الإيطالي في حوار مع مجلة «باريس ريفيو» إن رواية «اسم الوردة» احتاجت إلى عامين من الكتابة، لكنه كان يمتلك قبل ذلك سنوات من التخصص في تاريخ العصور الوسطى ومئات الملفات والملاحظات. أما رواية «بندول فوكو»، فقد استغرقت منه ثمانية أعوام في البحث والكتابة. لم يكتفِ فيها إيكو بقراءة الكتب، بل بحث في المخطوطات والعمارة وأسماء الرهبان وتفاصيل الأديرة والطقوس الدينية.

وكان يعرف أن الرواية التاريخية لا تقنع بمجرد الحكاية؛ إنها تحتاج إلى بنية معرفية تمنح الخيال قوة الحقيقة. وقد لا تظهر كل هذه المعرفة على سطح النص، لكنها تمنحه كثافته ومصداقيته. وينطبق الأمر نفسه على البريطانية هيلاري مانتل في ثلاثيتها عن توماس كرومويل؛ فهي لم تكتفِ بقراءة المصادر التاريخية، بل استعانت بالمؤرخين وأمناء الأرشيف المختصين في حكم آل تيودور، وعملت على وثائق ومراسلات وملاحظات بحثية. وفي مقابلة مع «تايمز هاير إديوكيشن»، تحدثت عن العلاقة التكاملية بين الروائي والمؤرخ، وعن أهمية دراسة التفاصيل السياسية والاجتماعية. أما الروائي الأميركي جيمس ميشينر، فقد احتاج إلى عامين من البحث قبل كتابة روايته التاريخية «تشيسابيك»؛ إذ انتقل إلى المنطقة التي تتناولها الرواية، وتحدث إلى سكانها، وقرأ مئات الكتب، ثم أمضى عامين آخرين في الكتابة. لم يكن الزمن هنا علامة على بطء شخصي، بل كان جزءاً من أمانة المشروع الأدبي. قد تكتب نوتومب ثلاث روايات في السنة، وقد ينتظر قارئ تارت عشر سنوات، وقد يملأ كينغ آلاف الصفحات وفق حصته اليومية، لكن لا توجد وصفة واحدة للكتابة الجيدة. هناك فقط علاقة خاصة بين الكاتب والزمن: بعضهم يحوّل الزمن عادةً، وبعضهم يحوّله بحثاً، وبعضهم يحوّله صمتاً طويلاً.


صياد غزلان في لوحة أموية من قصر الحير الغربي

لوحة أرضية من محفوظات المتحف الوطني في دمشق مصدرها قصر الحير الغربي
لوحة أرضية من محفوظات المتحف الوطني في دمشق مصدرها قصر الحير الغربي
TT

صياد غزلان في لوحة أموية من قصر الحير الغربي

لوحة أرضية من محفوظات المتحف الوطني في دمشق مصدرها قصر الحير الغربي
لوحة أرضية من محفوظات المتحف الوطني في دمشق مصدرها قصر الحير الغربي

زاول العرب الصيد في الحقبة التي سبقت ظهور الإسلام، كما تؤكد الشواهد الأدبية التي تعود إلى تلك الحقبة. وتطوّرت هذه الممارسة بشكل كبير في كنف الأسرة الأموية، وباتت لها طقوس وتقاليد خاصة بها، أشار الرواة إليها في العديد من الأخبار والروايات. أسوة بالغساسنة، شيد أسياد هذه الأسرة القصور والمشاتي في أطراف بوادي الشام وغور الأردن للاستراحة والاستجمام والصيد واللهو، وتميّزت هذه المنشآت بفنها المعماري الذي مزج بين طرز الروم والفرس، كما تميّزت بحللها التزيينية التصويرية. يحوي هذا الميراث صوراً تشهد لانتشار فنون الصيد في ذلك العهد، أشهرها تلك التي تزيّن بعضاً من جدران قصير عمرة في غور الأردن. إلى جانب هذه اللوحات الجدارية، تبرز لوحة أرضية من الحجم الكبير، تصور فارساً يصطاد الغزلان، مصدرها قصر الحير الغربي، جنوب غرب تدمر، في البادية السورية.

عُثر على هذه اللوحة خلال أعمال المسح التي كشفت عن القصر في خريف عام 1936، وتمّ نقلها في العام التالي إلى متحف دمشق الوطني حيث جرى تثبيتها في جناح خصّص بأكمله لهذا الموقع الأثري الأموي. وقد أُنجزت على قاعدة من الملاط الجصِّي الجاف، ومساحتها شبه مربّعة، طولها 5 أمتار، وعرضها 4.85 متر. يحد هذا اللوح إطار زخرفي عريض يتبع التقليد الساساني، وقوامه سلسلة متناسقة تعتمد شكل المُعين الرباعي الأضلع، تعلوها أزهار محوّرة هندسياً على شكل أنجم. يجمع هذا العمل التشكيلي بين لوحتين مستطيلتين، تعلو إحداهما الأخرى، ويفصل بينهما شريطان أفقيان سطّرا باللون الأحمر، يتوسّطهما شريط أسود. تحضر في الأعلى لوحة تجمع بين عازف عود وعازف مزمار، وتقابلها اللوحة التي تصور فارساً يصطاد الغزلان. وتشير التقارير إلى لوحة ثالثة مهشّمة ضاع أثرها، تحتلّ القسم الأسفل من التأليف.

يظهر هذا الفارس في وضعية جانبية ممتطياً جواده، وسط مساحة مجرّدة تخلو من أي عنصر تصويري يشير إلى أبعاد الفضاء المنظور. الحركة حية في الظاهر، غير أنّها ثابتة، ويسودها الجمود والسكون. الحصان أسود، وقائمتاه الأماميتان مرفوعتان نحو الأمام، أما قائمتاه الخلفيتان فممتدتان إلى الخلف، ويعلو ظهره سرج أبيض، يربطه شريط رفيع يلتف حول العنق ومؤخرة الظهر، كما يحيط بأنفه لجام. مفاصل بدنه ورأسه محدّدة بدقة، وأنفه مطوّق بلجام عريض. يعتلي صهوة هذا الجواد فارس أمرد، يرفع بيده اليمنى سهماً، وبيده اليسرى قوس النشاب. الوجه نصف جانبي، وبنيته دائرية، وملامحه مرسومة بخط أسود. العينان شاخصتان إلى الأمام، وهما على شكل لوزتين عريضتين، يعلوهما حاجبان مقوّسان منفصلان. الأنف قصير ومختزل، والثغر منمنم، قوامه شق صغير يفصل بين شفتين ممحوتين. يعلو الرأس شعر أسود كثيف يتكون من كتلتين متراصتين، يحيط بهما إكليل يزينه شريط عريض معقود، يتطاير طرفاه أفقياً من الخلف.

الحركة ثابتة، وخيط الرسم يسود على الصياغة اللونية المختزلة. أصابع اليدين ظاهرة ومجسّدة بدقة. السهم أحمر ورفيع، قوس النشاب عريض، وموشّح بلون يميل إلى الأخضر الفاتح. الصدر نصف جانبي كما الوجه، أما الساق فجانبية. اللباس قوامه ثوب طويل، يعلوه حزام معقود حول الخصر، يتدلّى منه وشاح عريض أخضر يتطاير في الأفق فوق ظهر الحصان. القسم الأسفل من هذا الرداء مفتوح، وشقّه يكشف عن سروال فضفاض، يتكوّن من قطعتين متصلتين.

صيغت القطعة العليا باللون الأحمر الأرجواني وصيغت القطعة السفلى باللون الأخضر اللازوردي، وبدا طرفها معقوداً حول عَقِب القدم. الحذاء ظاهر، وهو بسيط ويخلو من أي تفاصيل. يحيط بالخصر حزام ثان، يتدلّى منه نِجَاد مستطيل عريض. يصوّب الصياد سهمه في اتجاه غزال يركض إلى الأمام، مديراً برأسه إلى الخلف، وكأنّه يحدّق بالفارس المتربّص به. ويظهر في طرف اللوحة الأسفل غزال آخر، تهاوى أرضاً، وأغمض عينيه.

تتبع هذه اللوحة الطراز الساساني، كما يشهد لباس الفارس بتفاصيله المختلفة، والأسلوب الفني المتبع في صياغة الرسم والحلة اللونية. وهذا الطراز معروف في سوريا، وحاضر في ميراث دورا أوروبوس، المدينة الأثرية التي تقع في بادية الشام، نواحي دير الزور، وتُعرف اليوم باسم الصالحية. تعلو هذه اللوحة لوحة أخرى بدت مشوّهة عند اكتشاف هذا الأثر، وضاع أثرها لاحقاً. تمثّل هذه اللوحة كذلك مشهد صيد، كما يشهد رسم توثيقي أنجز عند اكتشافها، وفيه يظهر كلب من النوع السلوقي يقفز في اتجاه طريدة يصعب تحديد هويّتها، إلى جوار خادم يسير وهو يجرّ من خلفه أيلاً يعلو رأسه قرنان كبيران.

في كتابه «تاريخ التمدّن الإسلامي»، أشار جرجي زيدان إلى تطوّر فنون الصيد، وقال: «كان الصيد معروفاً في الجاهلية، ولكنه كان قاصراً على صيد غزال أو طائر بالنبل أو الفخ، فلما تمدّن العرب بعد الإسلام وخالطوا الفرس والروم، توسعوا في طرائق الصيد والقنص، فاتّخذوا الجوارح من الطير، وهي الباز والشاهين والعقاب والصقر يعلمونها صيد الطيور، وغالوا في اقتناء الكلاب والفهود ونحوها، يستعينون بها على صيد الخنازير والغزلان وحمر الوحش». تعكس لوحة قصر الحير الغربي هذا التطور، كما تعكس الأثر الساساني في هذا الميدان.

يظهر الصياد بهيئة فارس يمارس هذا النشاط الذي وُصف بأنه «لذة»، كما يشهد قول امرئ القيس: «كأني لم أركب جواداً للذة/ ولم أتبطن كاعباً ذات خلخال». ويظهر الكلب السلوقي الذي ذاع صيته في الصيد والقنص، كما يشهد قول الشاعر الأموي القطامي: «ومعهم ضوار من سلوق كأنها/ حصن تجول تجرر الأرسان».