«كورونا» ينعش الحياة في غزة بتجارة «الملابس الواقية» إلى إسرائيل

عشرات المصانع تعمل بطاقة قصوى وتوظف آلاف العمال لمواكبة الطلبات

عمال فلسطينيون في مصنع بغزة يقومون بتصنيع أقنعة وسترات للوقاية من فيروس {كورونا} لتصديرها إلى إسرائيل والضفة الغربية (نيويورك تايمز)
عمال فلسطينيون في مصنع بغزة يقومون بتصنيع أقنعة وسترات للوقاية من فيروس {كورونا} لتصديرها إلى إسرائيل والضفة الغربية (نيويورك تايمز)
TT

«كورونا» ينعش الحياة في غزة بتجارة «الملابس الواقية» إلى إسرائيل

عمال فلسطينيون في مصنع بغزة يقومون بتصنيع أقنعة وسترات للوقاية من فيروس {كورونا} لتصديرها إلى إسرائيل والضفة الغربية (نيويورك تايمز)
عمال فلسطينيون في مصنع بغزة يقومون بتصنيع أقنعة وسترات للوقاية من فيروس {كورونا} لتصديرها إلى إسرائيل والضفة الغربية (نيويورك تايمز)

بدت مهارات الحياكة لدى الخياط زياد قاسم، تلك المهنة التي أتت على 25 عاماً من عمره، بلا قيمة حقيقة في ظل الأوضاع الاقتصادية القاسية التي يعاني منها قطاع غزة المحاصر، فهو عاطل عن العمل تماماً منذ ما يربو على 8 أشهر، مع تراكم الديون، والتزامه منزله أغلب الوقت، تساوره الشواغل والمخاوف بشأن كيفية إعالة زوجته وأطفاله الخمسة.
وجاء الإنقاذ لزياد قاسم بقدوم فيروس كورونا الوبائي الجديد!
فمع ارتفاع الطلب في كل أرجاء العالم على الكمامات والأقنعة والملابس الواقية، اجتاحت أوامر الشراء الجديدة أغلب مصانع الملابس في قطاع غزة منذ أوائل مارس (آذار) الماضي، من جانب مختلف التجار من كل الأماكن، بما في ذلك إسرائيل، التي ينظر إليها أغلب سكان قطاع غزة من الفلسطينيين على أنها العدو اللدود الأول.
وعرضت شركة الزهراء للملابس على زياد قاسم، البالغ من عمره 42 عاماً، وظيفة لقاء 12 دولاراً في اليوم الواحد مقابل الاستعانة بمهارته المتقنة في العمل على ماكينة الحياكة في مصنع الشركة.
يقول زياد قاسم عن ذلك: «يمكنني تنفس الصعداء الآن، ويمكنني شراء بعض الأشياء لأسرتي، عندما كنت بلا عمل، كنت أشعر بإحباط نفسي عميق، ولم يكن معي أي أموال أعطيها لأطفالي».
وعبر كل أنحاء العالم، أسفر وباء كورونا الراهن عن تدمير الاقتصادات وأدى إلى ارتفاع معدلات البطالة بصورة كبيرة غير مسبوقة. غير أن قدوم فيروس كورونا كان بمثابة النعمة العظيمة على صناعة الملابس في غزة، حيث البطالة المرتفعة، والفقر المدقع، والاعتماد شبه الكامل على الإعانات الأجنبية تحمل سمات وبائية هي الأخرى.
كانت صناعة الملابس، في وقت من الأوقات، من أهم ركائز الاقتصاد المحلي في قطاع غزة الذي ينتشر فيه 900 مصنع يعمل فيها ما يقرب من 36 ألف مواطن فلسطيني. غير أن تلك الصناعة قد انهارت في عام 2007 إثر بسط حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، سيطرتها على القطاع، وقررت حظر تصدير الملابس من قطاع غزة إلى إسرائيل أو إلى الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل.
يقول محمد أبو جياب، رئيس تحرير صحيفة «الاقتصادية» الفلسطينية الصادرة من قطاع غزة: «شهدت مصانع الملابس خسائر مدمرة، ولقد خرجت من نطاق الأعمال تماماً منذ ذلك الحين». وسمحت السلطات الإسرائيلية، بعد حرب قطاع غزة في عام 2014، لصناع الملابس من القطاع باستئناف تصدير المنتجات، ما شكل الأساس لإحياء الصناعة على نحو متواضع داخل القطاع.
وبحلول عام 2019، كان هناك أكثر من 200 مصنع يعمل فيها نحو 6 آلاف عامل، وفقاً لبيانات الاتحاد الفلسطيني لصناعات الملابس والمنسوجات والجلود، على الرغم من أن العمال وأرباب الأعمال أفادوا بأن الأجور اليومية لا تتعدى 8.50 دولار عن اليوم الواحد.
أما الآن، فشرع نحو 12 مصنعاً في إنتاج الكمامات، والأقنعة، والملابس الواقية، ويواصل كثير من المصانع تعيين العمال والموظفين الجدد، مع زيادة ساعات الدوام أو حتى العمل بنظام التعاقد من الباطن مع المتاجر الصغيرة.
وفي مدينة غزة، كان الطابق الأرضي من مصنع الزهراء للملابس مليئاً بكثير من العمال الذكور خلال الأسبوع الجاري، حيث يواصلون العمل على حياكة الأقنعة ذات اللون الأزرق الفاتح، في حين يعمل الآخرون في سرعة واضحة على قص أنسجة النايلون مع استخدام ماكينات الحياكة القديمة على تجميعها لإنتاج الملابس الواقية في النهاية.
وكانت هناك مسافة تبعد بضعة أقدام بين كل عامل وزميله على الأقل، ولكن كان عدد قليل من الموظفين يرتدون الأقنعة الواقية على وجوههم. وقال مالك المصنع، محمد عودة، البالغ 42 عاماً من عمره، إنه رفع القوة العاملة في المصنع من 30 إلى 55 عاملاً مع تمديد ساعات الدوام في المناوبة الواحدة من 8 إلى 12 ساعة يومياً.
واستطرد عودة يقول: «لقد أعاد فيروس كورونا الحياة مجدداً إلى مصنعنا. ولم تجلب لنا الكمامات والأقنعة مزيداً من العمل فحسب، وإنما أتاحت المجال أيضاً لاستمرار العمل طوال الوقت خلال الأزمة الراهنة».
وتعمل شركة «يونيبال 2000»، وهي شركة صناعة الملابس الكبيرة في المنطقة الصناعية في مدينة غزة، على إنتاج ما يصل إلى 50 ألف قناع واقٍ، و15 ألف قطعة من الملابس الواقية في اليوم الواحد، ولقد ضاعفت من القوة العاملة لديها من 850 عاملاً إلى 1250 عاملاً، كما أفاد بشير البواب المالك المشارك في الشركة.
وأضاف بشير: «أود لو أن الجميع في صحة جيدة وعافية وأن يختفي الفيروس من عالمنا تماماً، غير أن صناعة هذه المنتجات قد منحتنا فرصة مهمة للغاية».
وقال روتيم كوهانيم (37 عاماً)، وهو تاجر من مستوطنة «بيت حورون» الإسرائيلية في الضفة الغربية، إنه يستعين بمصانع الملابس في قطاع غزة لإنتاج معدات الحماية الشخصية التي يباشر بيعها، نظراً لأن العمالة لديهم جيدة للغاية، وينتجون الأشياء بسرعة، وبتكاليف زهيدة.
ويواصل عمال المصانع الوجود في مناوبات العمل بانتظام. ولقد تخلى الفيروس نفسه عن الوجود بصورة كبيرة بين سكان القطاع البالغ تعدادهم قرابة مليوني نسمة، وذلك بسبب الضوابط الصارمة التي تفرضها سلطات الاحتلال الإسرائيلي على المعابر الحدودية، فضلاً عن قرار حركة حماس بعزل كل السكان العائدين من منشآت الحجر الصحي لمدة ثلاثة أسابيع.
ومن المعروف تعرض 17 مواطناً فقط من سكان القطاع للإصابة بفيروس كورونا، مع عدم الإبلاغ حتى الآن عن أي حالات وفيات.
وإجمالاً للقول، تمكنت مصانع الملابس في قطاع غزة من إنتاج ملايين الأقنعة والكمامات الواقية، ومئات الآلاف من الملابس والسترات الواقية، وفقاً لإفادات كبار صناع الملابس في القطاع، الذين يواصلون العمل بصفة عامة على المواد الخام المستقدمة من إسرائيل وتصدير المنتجات النهائية إلى هناك، أو إلى الضفة الغربية ولكن بنسبة أقل.
وتتراوح أسعار الكمامات الواقية من النماذج رخيصة الثمن بأقل من 50 سنتاً إلى النماذج فائقة الجودة التي تُباع بـ50 دولاراً للقناع الواحد.
كما قام بعض المصانع بتلبية طلبات الشركاء من إسرائيل لإنتاج الأقنعة والملابس ذات التصاميم الخطيرة من الناحية السياسية، كما يُقال على أدنى تقدير، إذ يتميز بعضها بوجود العلم الإسرائيلي عليها، أو شعار منتخب كرة القدم الإسرائيلي الوطني، فضلاً عن مصلقات «صُنع في إسرائيل» التي توضع عليها.
وقال العديد من الخياطين الذين تحدثنا إليهم إنهم لا يشعرون بأي حرج في صناعة الأقنعة والكمامات التي تستخدم في حماية الناس من الوباء الفتاك داخل إسرائيل، تلك التي خاضت 3 حروب دموية مع الجماعات المسلحة في قطاع غزة على مدار السنوات الـ12 الماضية، بالإضافة إلى عدة مناوشات عسكرية صغيرة. وقال رائد دحمان، العامل البالغ من العمر 42 عاماً لدى مصنع «حسانكو» في مدينة غزة: «في نهاية الأمر، كلنا بشر، وينبغي أن نحاول التأكد من سلامة وعافية الجميع من دون استثناء».
وقالت منظمة «غيشا»، وهي من المنظمات الحقوقية الإسرائيلية وثيقة الصلة برصد الأوضاع في قطاع غزة، إنه ينبغي على السلطات الإسرائيلية تخفيف القيود التي تفرضها على التحرك من وإلى القطاع من أجل مساعدة الاقتصاد المحلي هناك على مزيد من العمل والإنتاج.
وقالت المنظمة ذاتها في بيان صادر عنها: «تعيد مصانع الملابس في قطاع غزة ضبط خطوط الإنتاج لديها لصناعة معدات ولوازم الحماية الشخصية، ما يعكس قدر الإمكانات التي يملكها القطاع عندما يتمكن من الوصول إلى الأسواق والمواد الخام المطلوبة. وفي فترة ما بعد زوال فيروس كورونا، لا ينبغي أن يكون هناك مكان لمزيد من القيود المفروضة غير الضرورية على التحرك، تلك التي تحبط سبل العيش والحياة والصحة لمجتمعات وأحياء بكاملها داخل القطاع».
وعلى الرغم من نجاح تجربة القطاع في صناعة معدات الحماية الشخصية، يقول كبار صناع الملابس في غزة إنهم تساورهم المخاوف بشأن عدم استمرار الأوضاع على منوالها في المستقبل المنظور.
وقال فؤاد عودة، المسؤول لدى الاتحاد الفلسطيني لصناعات الملابس والمنسوجات والجلود: «فترة وجود فيروس كورونا مؤقتة بكل المقاييس، ما يعني أن الحاجة الماسة والراهنة إلى الكمامات والأقنعة والملابس والسترات الواقية هي حاجة مؤقتة أيضاً، وسوف نضطر في خاتمة المطاف إلى الاعتماد على صناعة الملابس بصورتها المعتادة سابقاً».
ولقد استشعر بعض مصانع الملابس في القطاع بالفعل تراجع طلبات الشراء على معدات الحماية الشخصية، الأمر الذي أرجعه أصحاب المصانع بصورة أساسية إلى وصول شحنات من تلك المعدات واللوازم إلى إسرائيل من الصين. وقال حسن شحادة، صاحب شركة «حسانكو» للملابس، إنه لا يزال يحاول العثور على مشترين لعدد 120 ألف قناع واقٍ معبأة في الصناديق داخل المصنع. وقال بهاء مدهون، مدير مصنع «نور البهاء» في مدينة غزة، إن شركته لديها أوامر شراء معلقة لعدد 20 ألف قناع واقٍ، بانخفاض كبير عن مئات الآلاف من الأقنعة الواقية قبل بضعة أسابيع فقط.
تترك هذه الأوضاع عمال المصانع يشعرون بالقلق من أن الأوقات السعيدة من الأعمال المربحة قد تعقبها عودة إلى الأيام الصعبة والأوقات العسيرة، وذلك مع تعافي العالم من انتشار الوباء الفتاك.
وقال رائد عطار، الخياط في مصنع «حسانكو» للملابس، الذي كافح كثيراً من أجل العثور على فرصة عمل ثابتة لمدة عام قبل أن يحصل على الوظيفة في المصنع مؤخراً: «أخشى أن يطلبوا مني فجأة مغادرة العمل والمكوث في المنزل مرة أخرى، حيث تزداد الصعوبات التي أواجهها في حياتي بسبب فقدان العمل».
- خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

دراسة: فيروسات «كورونا» في الخفافيش تطور طرقاً جديدة لإصابة البشر

صحتك فيروسات «كورونا» التي تحملها الخفافيش تطور طرقاً جديدة لإصابة البشر (رويترز)

دراسة: فيروسات «كورونا» في الخفافيش تطور طرقاً جديدة لإصابة البشر

كشفت دراسة حديثة أن فيروسات «كورونا» التي تحملها الخفافيش تطور طرقاً جديدة لإصابة البشر حيث أصبحت قادرة على إصابة الخلايا البشرية عبر أكثر من مسار.

«الشرق الأوسط» (نيروبي)
صحتك صورة توضيحية لفيروس «كوفيد - 19» (أرشيفية - رويترز)

باحثون: مضاد اكتئاب شائع يخفف من إجهاد «كوفيد» طويل الأمد

عقار فلوفوكسامين المضاد للاكتئاب، وهو عقار شائع الاستخدام وغير مكلف، حسن على نحو ملحوظ نوعية الحياة لدى البالغين المصابين «بكوفيد طويل الأمد».

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ سُجّل نحو 840 ألف وفاة بكورونا في شهادات الوفاة خلال عامي 2020 و2021... لكن فريقاً من الباحثين قدّر أن ما يصل إلى 155 ألف وفاة إضافية غير معترف بها ربما حدثت خلال تلك الفترة خارج المستشفيات (رويترز)

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

أظهرت دراسة جديدة أن حصيلة الوفيات في المراحل الأولى من جائحة كورونا كانت أعلى بكثير من الأرقام الرسمية في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك مكملات فيتامين «د» تبدو واعدة في تقليل خطر الإصابة بـ«كوفيد طويل الأمد» (أرشيفية- رويترز)

دراسة: مكملات فيتامين «د» قد تساعد في تخفيف أعراض «كوفيد طويل الأمد»

تشير دراسة حديثة إلى أن مكملات فيتامين «د» قد توفر مؤشرات جديدة تساعد الباحثين على فهم الأعراض التي تستمر لدى بعض المصابين بعد التعافي من «كوفيد-19».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم عاملون مختبريون يفحصون عينات فيروس «كوفيد» ميدانياً

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

الفيروسات تتطور بشكل عادي لدى الحيوانات، إلا أنها تتطور بشكل جذري عند إصابتها الإنسان.

كارل زيمر (نيويورك)

هل يعزز حديث السيسي والشرع «الودي» في قبرص تقارب البلدين؟

السيسي خلال لقاء الشرع على هامش القمة العربية بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)
السيسي خلال لقاء الشرع على هامش القمة العربية بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)
TT

هل يعزز حديث السيسي والشرع «الودي» في قبرص تقارب البلدين؟

السيسي خلال لقاء الشرع على هامش القمة العربية بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)
السيسي خلال لقاء الشرع على هامش القمة العربية بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)

أعاد حديث وصفته وسائل إعلام مصرية وسورية بأنه «ودي» بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ونظيره السوري أحمد الشرع، مسار علاقات البلدين للواجهة مجدداً.

وبحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن «العلاقات التي شهدت تفاهمات اقتصادية ومساعي مصرية للمشاركة في إعادة إعمار سوريا، سيدفعها اللقاء (الودي) خطوة للأمام في مسار الشراكة، ويعزز فرص التقارب بصورة أكبر». وأشار الخبراء إلى «وجود تحديات يجب تجاوزها لتوسيع العلاقات».

وأفادت وسائل إعلام بالقاهرة ودمشق بأن «حديثاً ودياً» جرى بين الرئيس المصري ونظيره السوري، في «قمة قبرص»، الجمعة، لبحث تطورات المنطقة وتعزيز التعاون العربي الأوروبي.

وتقدم ذلك المشهد على لقطات أخرى حاولت حسابات بمنصات التواصل وصفها بأنها «تجاهل»، بعدما ادعت أنه «لم يبادر أي منهما بالتحدث إلى الآخر على الرغم من جلوسهما جنباً إلى جنب في الاجتماع».

في حين بادر الإعلامي المصري، عمرو أديب عبر برنامجه على قناة «إم بي سي مصر»، مساء الجمعة، بنفي «هذه الادعاءات حول التجاهل»، قائلاً: «جرت الأمور بشكل طبيعي، وتحدثا الرئيسان معاً، لا سيما عند التقاط الصورة التذكارية».

عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، مساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير محمد حجازي، يرى أنه «في لحظة إقليمية شديدة السيولة، لم يكن الحديث الودي الذي جمع بين الرئيس السيسي ونظيره السوري على هامش لقاء قبرص مجرد لقطة بروتوكولية عابرة، بل يمكن قراءته باعتباره تعبيراً دقيقاً عن دبلوماسية الإشارة الإيجابية التي تلجأ إليها الدول حين تكون المسارات مفتوحة، ولكنها لم تنضج بعد إلى مستوى التحولات الاستراتيجية الكاملة».

القادة عقب «الاجتماع التشاوري» في قبرص الجمعة (الرئاسة المصرية)

وبحسب حجازي، فإن «الانتقال من صورة يُفهم منها التباعد أو التجاهل إلى مشهد حوار مباشر وودي، يعكس وجود إرادة سياسية لتفادي أي انطباع عن العزلة أو القطيعة، ويؤكد أن قنوات الاتصال بين القاهرة ودمشق مفتوحة وتسير إيجاباً نحو الأمام، وأنها لم تنقطع يوماً، بل تعمل بهدوء وإيجابية بعيداً عن الأضواء».

ويتابع: «قد لا يكون الحديث الودي نهاية المطاف؛ لكنه بالتأكيد ليس تفصيلاً هامشياً، بل خطوة وإشارة إيجابية محسوبة في طريق طويل نحو إعادة صياغة علاقة تاريخية، تظل قابلة للتقدم؛ ولكن وفق إيقاع الحذر الاستراتيجي».

ووفق رأي أستاذ العلاقات الدولية السوري، عبد القادر عزوز، فإن «الحديث الودي الذي جرى في قبرص، كان تعبيراً عن إدراك ووعي كبيرين من القيادة السياسية في كلا البلدين بأهمية العلاقات السورية - المصرية المشتركة، خاصة أنها كانت، عبر التاريخ، بمثابة صمام أمان للأمن القومي العربي والأمن الإقليمي على حد سواء».

ويوضح أن «التنسيق السوري - المصري يلعب دوراً كبيراً في تحقيق استقرار المنطقة، خاصة في ظل ما تشهده الساحة الإقليمية حالياً»، ويتوقع أن «يؤدي ذلك إلى تعزيز التقارب والعمل على معالجة أي خلافات أو مشكلات قائمة بين البلدين».

ومنذ سقوط بشار الأسد، بدت العلاقات المصرية - السورية في التحرك نحو اتصالات ثنائية وتعاون اقتصادي في قطاع الغاز، قبل تفاعلات الحديث الودي في قبرص بين رئيسي البلدين.

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، استضافت دمشق «ملتقىً اقتصادياً واستثمارياً» مشتركاً بين البلدين، بعد أيام من توقيع البلدين مذكرتي تفاهم في مجال الطاقة، «للتعاون في توريد الغاز المصري إلى سوريا، بهدف توليد الكهرباء».

الرئيسان السيسي والشرع خلال لقاء بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)

كما التقى السيسي، الشرع، على هامش القمة العربية الطارئة بالقاهرة في مارس (آذار) 2025، بعد سلسلة خطوات اتخذتها القاهرة تجاه دمشق، أبرزها دعوة من الرئيس المصري لنظيره السوري لحضور القمة، عقب تهنئته بالمنصب الرئاسي في فبراير (شباط) 2025، بخلاف اتصالات ولقاءات متكررة بين وزيري خارجية البلدين.

ويرى حجازي أن «هذا التطور لا يأتي من فراغ، بل يندرج ضمن مسار تدريجي شهد خلال العامين الماضيين مؤشرات متراكمة على إعادة اختبار العلاقة بين البلدين، سواء عبر الاتصالات الرسمية أو بوادر التعاون الاقتصادي المحدود».

غير أن هذا المسار، وفق حجازي، «يظل محكوماً بجملة من التحديات المعقدة، في مقدمتها طبيعة التحولات داخل سوريا نفسها، كما يظل ملف التنظيمات المسلحة والتوازنات الأمنية داخل سوريا عنصراً حاسماً في أي انفتاح مصري أعمق؛ إذ لا يمكن فصل التقارب السياسي عن ضمانات الاستقرار الأمني».

ورغم هذه التحديات، شدد حجازي على أن «معادلة الفرص تبدو حاضرة بقوة، مع إدراك متزايد بأن إعادة دمج سوريا في الإطار العربي تمثل مصلحة مشتركة، ليس فقط لسوريا، بل أيضاً لإعادة التوازن إلى الإقليم وتقليص أدوار القوى غير العربية، بخلاف ملف إعادة إعمار سوريا بوصفه مدخلاً عملياً للتعاون بما تمتلكه مصر من خبرات».

وبحسب عزوز، فإنه «لو لم يصل البلدان بعد إلى مرحلة تصفير المشكلات من خلال الحوار المباشر، فعلى الأقل يجب أن يكون هناك نوع من تحييد الخلافات، خاصة أنها ليست جوهرية في مسيرة العلاقات السورية - المصرية المشتركة، في ظل وجود فرص كبيرة للتطوير رغم التعقيدات الدولية بعد حرب إيران».

ودعا إلى «تجسير مزيد من التواصل بين أجهزة الدولة في كلا البلدين، بما يخدم الأمن والاستقرار في المنطقة ومصلحة الشعبين السوري والمصري، وتطوير هذه العلاقات في مختلف المجالات، سواء على الصعيد السياسي أو الاقتصادية».


مصر تُشدد على وقوفها مع دول الخليج لمواجهة أي تحديات تستهدف أمنها

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُشدد على وقوفها مع دول الخليج لمواجهة أي تحديات تستهدف أمنها

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

شدّدت مصر على وقوفها مع دول الخليج في مواجهة أي محاولات تستهدف أمنها، وأكدت تطلعها لأن تصل المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران إلى تفاهمات تراعي الشواغل الأمنية لدول المنطقة، وفي مقدمتها دول الخليج العربي.

جاء ذلك خلال اتصالات هاتفية أجراها وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظرائه في الكويت والبحرين وسلطنة عمان وباكستان، وفقاً لبيانات صادرة السبت، عن «الخارجية المصرية».

وتأتي الاتصالات المصرية بالتزامن مع بوادر لاستئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران في باكستان، وترقب لما ستؤول إليه المفاوضات، وفي ظل أوضاع مضطربة في المنطقة، وتهديدات متصاعدة للملاحة البحرية في مضيق هرمز.

وأجرى عبد العاطي اتصالاً هاتفياً مع الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح، وزير خارجية دولة الكويت الشقيقة، للتشاور حول التطورات في المنطقة، وتنسيق الجهود لخفض التصعيد.

تبادل الوزيران الآراء بشأن مستجدات المسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران، وأكدا أهمية عقد الجولة الثانية لتثبيت وقف إطلاق النار واستدامة التهدئة وإنهاء الحرب، لتجنيب المنطقة تداعيات خطيرة، وشدّد عبد العاطي في هذا السياق على ضرورة مراعاة الشواغل الأمنية لدول الخليج، وفقاً لبيان «الخارجية المصرية».

وجدد عبد العاطي إدانة مصر الهجوم الذي استهدف موقعين بالمراكز الحدودية البرية الشمالية الكويتية، الجمعة، باستخدام طائرات مسيّرة، مؤكداً «تضامن مصر الكامل مع حكومة الكويت وشعبها وسائر دول الخليج الشقيقة في مواجهة أي محاولات لزعزعة أمنها واستقرارها»، ومشدداً على دعم مصر لكل الإجراءات والتدابير التي تتخذها السلطات الكويتية لحماية حدودها وصون مقدراتها.

وكذلك أجرى اتصالاً هاتفياً مع وزير خارجية سلطنة عمان، بدر البوسعيدي، تناول التطورات المتسارعة في المنطقة وتنسيق الجهود المشتركة لخفض التصعيد.

وتبادل الوزيران الرؤى حول أهمية دعم مسار التفاوض للتوصل إلى تفاهمات تُسهم في تثبيت وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب وإرساء دعائم الاستقرار بالمنطقة، وتعزيز الحلول السياسية بعيداً عن التصعيد العسكري.

وجدّد الوزير عبد العاطي التأكيد، خلال الاتصال، على تضامن مصر الكامل ودعمها لسلطنة عمان الشقيقة وسائر دول الخليج العربي، مشيراً إلى أن أمن الخليج يُمثل جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي المصري.

وأجرى عبد العاطي اتصالاً مع وزير خارجية مملكة البحرين، عبد اللطيف بن راشد الزياني، جدّد خلاله تضامن مصر الكامل مع البحرين في مواجهة أي تحديات تستهدف أمنها واستقرارها.

وسبق أن أدانت مصر مراراً الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وزار الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، عدداً من الدول الخليجية في رسالة دعم وتضامن.

وبالتزامن مع بوادر استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، أجرى عبد العاطي اتصالاً مع وزير خارجية باكستان، محمد إسحاق دار، أكد خلاله ضرورة الحفاظ على حرية الملاحة الدولية، ومراعاة الشواغل الأمنية لدول المنطقة، وفي مقدمتها دول الخليج العربي.


السيسي: مصر تدعم الحقوق العربية بلا مهادنة

الرئيس المصري خلال خطابه بمناسبة ذكرى تحرير سيناء (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري خلال خطابه بمناسبة ذكرى تحرير سيناء (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي: مصر تدعم الحقوق العربية بلا مهادنة

الرئيس المصري خلال خطابه بمناسبة ذكرى تحرير سيناء (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري خلال خطابه بمناسبة ذكرى تحرير سيناء (الرئاسة المصرية)

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، السبت، أن بلاده تدعم «الحقوق العربية بلا مواربة أو مهادنة»، مؤكداً أن التضامن هو السبيل الوحيد لتجاوز المحن، وحذر «من مساعٍ مدبرة لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط»، ما عده خبراء بمثابة رسائل توضح استراتيجية القاهرة ورؤيتها بشأن مختلف الأزمات وسبل مواجهتها.

وقال السيسي، في كلمة مسجلة، السبت، بمناسبة الاحتفال بالذكرى الرابعة والأربعين لتحرير سيناء، إن «منطقة الشرق الأوسط تمر بظروف دقيقة ومصيرية، حيث تشهد مساعي مدبرة لإعادة رسم خريطتها، تحت دعاوى آيديولوجية متطرفة»، مؤكداً أن «الطريق الأمثل لمستقبل المنطقة لا يقوم على الاحتلال والتدمير وسفك الدماء، بل على التعاون والبناء والسلام».

وشدد السيسي على «ضرورة احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها، ووقف محاولات تقسيم دول المنطقة وتفكيكها، والاستيلاء على مقدرات شعوبها، وإذكاء أسباب الاقتتال الداخلي والحروب الأهلية والدولية»، مؤكداً أن «الحلول السياسية والمفاوضات هي السبيل الأمثل لتجنيب المنطقة مزيداً من الكوارث والدماء والدمار».

وفي هذا الصدد، أشار السيسي إلى «إدانة مصر بكل وضوح وحزم الاعتداءات التي تعرضت لها بعض الدول العربية مؤخراً، ورفضها القاطع لأي مساس بسيادة تلك الدول، أو انتهاك سلامة أراضيها»، وقال: «تتخذ مصر مواقف سياسية مشهودة لدعم الحق العربي أمام المنظمات الدولية دون مواربة أو مهادنة». وأضاف الرئيس المصري أن «التضامن هو السبيل الأوحد لتجاوز المحن، وأن بلاده ستظل السند والركيزة لأمتها، تدافع عن قضاياها، وتعمل بإخلاص من أجل تحقيق مصالحها العليا».

وسبق وأدانت مصر مراراً الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وزار الرئيس المصري عدداً من الدول الخليجية في رسالة دعم وتضامن.

فيما أدان وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، خلال اتصاله مع الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح، وزير خارجية دولة الكويت، الهجوم الذي استهدف موقعين بالمراكز الحدودية البرية الشمالية الكويتية، أمس، باستخدام طائرات مسيرة.

وأكد «تضامن مصر الكامل مع حكومة وشعب الكويت وسائر دول الخليج الشقيقة في مواجهة أي محاولات لزعزعة أمنها واستقرارها، مشدداً على دعم مصر لكافة الإجراءات والتدابير التي تتخذها السلطات الكويتية لحماية حدودها وصون مقدراتها».

وحدة الصف العربي

رأى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير رخا أحمد حسن، أن خطاب السيسي تضمن رسالة مهمة تضمنت التأكيد على «أهمية وحدة الصف العربي باعتباره السبيل لمواجهة التحديات»، وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الخطاب عبّر عن «موقف مصر المبدئي بعدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة، وأنه لا تنازل عن الحقوق العربية في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة».

وجدد السيسي خلال كلمته التي تطرقت لملفات عديدة، التأكيد على «أهمية التطبيق الكامل للمرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، بما يشمل إدخال المساعدات الإنسانية دون معوقات، والشروع الفوري في إعادة إعمار القطاع»، مشدداً على «رفض مصر القاطع؛ الذي لا يقبل تأويلاً أو مساومة، لأي مسعى يرمى إلى تهجير الفلسطينيين، تحت أي ظرف كان»، ومؤكداً «ضرورة وقف الاعتداءات المتكررة، ضد أبناء الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية».

الرئيس المصري يؤكد الدفاع عن الحقوق العربية بلا مواربة (الرئاسة المصرية)

وأعاد السيسي التأكيد على أن «خيار مصر دائماً هو السلام». وقال إن هذا «خيار ينبع من قوة وحكمة وقناعة ثابتة، لا من ضعف أو تردد أو خوف»، مشدداً على أن «القوات المسلحة المصرية؛ بعقيدتها وجدارتها، قادرة على حماية الوطن والدفاع عنه، والتصدي لكل من يحاول المساس بأمنه القومي، أو تهديد استقراره».

طريق التنمية

وأشار إلى أن بلاده «اختارت، بإرادة صلبة وعزم لا يلين، أن تسلك طريق البناء والتنمية، دون توقف أو تأجيل، رغم ما واجهته من تحديات جسيمة خلال العقد الأخير»، لافتاً في هذا الصدد إلى «الحرب على الإرهاب، وجائحة (كورونا)، والحرب الروسية - الأوكرانية، وحرب غزة، وأخيراً الحرب الإيرانية»، وقال إن هذه التحديات «ترتب عليها تداعيات ثقيلة، منها خسارة مصر نحو عشرة مليارات دولار، من إيرادات قناة السويس... ولجوء نحو عشرة ملايين وافد إلى مصر... فضلاً عن الارتفاع العالمي في أسعار الغذاء والطاقة».

وسبق أن أشارت مصر مراراً لما تعرضت له من خسائر اقتصادية بسبب الاضطرابات الجيوسياسية، واتخذت أخيراً إجراءات تقشفية لترشيد الاستهلاك ومواجهة تداعيات أزمة الطاقة الناتجة عن الحرب الإيرانية.

وتضمن خطاب الرئيس المصري في ذكرى تحرير سيناء رسائل عدة؛ أبرزها بحسب الخبير العسكري اللواء سمير فرج «التأكيد على السلام باعتباره خياراً استراتيجياً»، وقال فرج لـ«الشرق الأوسط»، إنه في ظل تأكيد السيسي على خيار السلام، «تحتفظ مصر بالقوة العسكرية اللازمة للدفاع عن الوطن»، ما «يجعل الجيش قوة ردع لا هجوم واعتداء».

وأضاف فرج أن الرئيس المصري أكد «أهمية تنمية سيناء باعتبارها السبيل لتأمينها ضد أي محاولات اعتداء مستقبلية»، مشدداً على أن الرئيس المصري كان حريصاً على التحذير من محاولات تقسيم المنطقة، أو المساس بسيادة دولها، والتأكيد على رفض التهجير، وأن الخطاب في مجمله تضمن توضيحاً لرؤية مصر واستراتيجيتها في مواجهة الأزمات ودعم الحقوق العربية.