4 أشهر تهوي بتجربة الريال الإلكتروني بمناطق سيطرة الحوثيين

صعوبة في التعامل... وترجيحات لاستخدامه سلاحاً ضد الحكومة اليمنية

بائع في متجر حبوب وسط صنعاء (رويترز)
بائع في متجر حبوب وسط صنعاء (رويترز)
TT

4 أشهر تهوي بتجربة الريال الإلكتروني بمناطق سيطرة الحوثيين

بائع في متجر حبوب وسط صنعاء (رويترز)
بائع في متجر حبوب وسط صنعاء (رويترز)

وصف خبراء اقتصاديون تجربة قرار الحوثيين منع تداول وحيازة العملة المطبوعة الجديدة واستبدال الريال الإلكتروني بها بأنها هوت وفشلت، وأن أربعة أشهر من التداول الضئيل كانت كافية لإثبات ذلك.
كما ذكر الخبراء الذين تحدثت معهم «الشرق الأوسط» أن القرار حمل معه تبعات ونتائج سلبية وتسبب بحرمان الموظفين في مناطق الشرعية من رواتبهم التي كانت تدفعها الحكومة الشرعية عبر شركات الصرافة وذلك بعد عجز شركات الصرافة عن تسديد التزاماتها بالطبعة القديمة، إضافة إلى رفع رسوم التحويلات الداخلية، وقرأوا إصرار انقلابيي اليمن على ذلك بأنه سلاح مصوّب نحو الشرعية للضغط عليها أو الحصول على تنازلات.
وبعد نحو أربعة أشهر من القرار الحوثي لا يزال المواطنون في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين وحتى من هم في مناطق الشرعية يعانون من تبعات القرار جراء تعميم الحوثيين على وزارة الصناعة والتجارة بصنعاء وعلى جميع المخابز والبقالات والمحال التجارية ووسائل النقل الداخلية حتى بائعي القات، عدم التعامل مع الطبعة الجديدة، وهددت الميليشيات من يخالف تعميمها بغرامات مالية، ما جعل سكان المناطق التي تسيطر عليها الجماعة ترفض العملة النقدية الجديدة.
ويعيش اليمنيون في ظل بؤس ومعاناة ونزوح داخلي جراء حرب تشهدها البلاد منذ خمسة أعوام بسبب انقلاب جماعة الحوثي على حكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي في سبتمبر (أيلول) 2014، الحكومة المعترف بها دولياً.
في 19 ديسمبر (كانون الأول) أصدر البنك المركزي بصنعاء، الخاضع لسيطرة الحوثيين، قراراً يمنع حيازة وتداول الإصدار الجديد من العملة النقدية، التي طبعتها الحكومة الشرعية في سبتمبر 2016 في عهد أول محافظ للبنك المركزي في عدن منصر القعيطي وتسلمتها على عدة دفعات آخرها في عهد حافظ معياد، واستبدال النقد الإلكتروني بها، وهي التجربة التي يعدها خبراء اقتصاديون «فاشلة».
وحددت الجماعة للمواطنين مهلة لتسليم العملة النقدية من الطبعة الجديدة خلال ثلاثين يوماً وفرضت ثلاثة مصارف تجارية تقدم خدمات الريال الإلكتروني لسحب الإصدار الجديد من العملة النقدية، وهي خدمة «موبايل ماني» التي يديرها بنك التسليف والتعاون الزراعي، وخدمة «إم فلوس» ويديرها بنك الكريمي، وخدمة «فلوسك» ويديرها «بنك اليمن والكويت»، متسببةً بذلك في حرب اقتصادية تضاف إلى الحرب التي صعّدتها منذ نقل البنك المركزي من صنعاء إلى العاصمة المؤقتة عدن.

- تداعيات وإشكالات
لشرح أبعاد القرار الحوثي، يذهب مصطفى نصر وهو رئيس مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي، إلى أن «قرار منع تداول الإصدار النقدي الجديد في تصوري كان إجراءً تعسفياً وغير موفق وكارثياً وسلبياً للغاية وحمل تبعات كبيرة جداً، وكانت له نتائج سلبية كبيرة على حياة الناس وأبرزها ما يتم خصمه الآن من عمولة نقدية عالية في سعر التحويلات (من مناطق الشرعية إلى مناطق الحوثي) تصل إلى 11 و12% في حال التحويل من مناطق إلى أخرى، وهذا أيضاً له تبعات سلبية على صعيد الجانب الإنساني والاقتصادي والسياسي».
وأضاف: «في الحقيقة خلق إشكاليات كبيرة فيما يتعلق بعمولات إضافية: عمولات التحويل، وخصميات على المبالغ المحولة سواء في الجانب الإنساني أو الجانب الاقتصادي، والآن حدث نوع من التهريب للعملة واللجوء إلى الطرق غير الرسمية لانتقال العملة، كل هذه تبعات لهذا القرار».
ويأمل نصر، خلال حديث مع «الشرق الأوسط»، أن «يتراجع الحوثيون عن القرار لأنه لا يمكن الفصل بين العملة الواحدة، فهذا صعب للغاية وخلق صعوبات كبيرة لتعامل المواطنين بالعملة، لا سيما أنه ما زالت العملة موحدة في جميع مناطق اليمن، ومن الصعب فصلها». كما يرى أن «الحل هو الاتفاق على سياسة اقتصادية موحدة على أسس رئيسية للحفاظ على العملة والحفاظ على أداء السياسة المالية بحيث إنه يتم الاتفاق على عدم طباعة عملة جديدة وفي نفس الوقت التعامل بعملة موحدة في إطار سياسة مالية واقتصادية موحدة تحافظ على سعر العملة، ويكون همها بالدرجة الأولى الحفاظ على المواطنين ومعيشتهم».

- صعوبة العلاج
أحمد القدسي، مواطن من أبناء تعز، يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «قرار منع تداول العملة التي طبعتها الشرعية تسبب لنا بمشكلات كثيرة، فقد أصبحنا بين نارين؛ عملتين في بلد واحد، وقد عانيت من هذه المشكلة بعد ثلاثة أشهر من القرار عندما أردت الذهاب إلى صنعاء لعقد قران ابني وكانت لديّ العملة الجديدة الممنوعة في صنعاء، بل إنه إن وجدها الميليشيات الحوثية في حقيبتي خلال سفري سيقومون بنهبها، وأيضاً لا يمكن أن تقبلها عائلة العروس لأنه ممنوع تداولها في صنعاء». يضيف: «لم يقتصر الأمر على ذلك فقط بل إننا والكثير من أهالي تعز، في المدينة والريف، من يرغب الذهاب إلى صنعاء أو الحديدة أو أي مناطق خاضعة لسيطرة الحوثيين لا يستطيع ذلك وحتى إن أراد الذهاب للعلاج، فهي حقاً مشكلة كبيرة». مشيراً إلى أنه «قبل السفر لا بد أن يتدبر مصاريفه من عملة صنعاء عن طريق السوق السوداء من أجل تبديل الفئات النقدية، وإن تم إرسالها عبر صراف من تعز إلى صنعاء فإنه يخسر كثيراً بسبب ارتفاع عمولة الحوالات».
وقال القدسي: «لم نكن نتوقع أن الميليشيات ستمنع التعامل بالطبعة الجديدة لأن الطبعة القديمة كانت تالفة ولا يتم التعامل بها في المحال التجارية ولا حتى وسائل النقل في تعز وفي مناطق الحُجرية، أكبر ثاني قضاء في تعز، كونها تالفة وكان التعامل كله بالطبعة الجديدة لذلك لم يعد لدينا أي طبعة قديمة من العملة».
ومثل القدسي كثير من المواطنين والتجار في جميع المحافظات اليمنية يعدّون القرار تعسفياً وحرباً اقتصادية تشنها جماعة الحوثي ضد المواطن.

- دوافع ونيات
«الميليشيات بقرارها هذا تضغط من أجل الحصول على تنازلات من الحكومة الشرعية فيما يخص آلية استيراد المشتقات النفطية والتي حرم قرار الحكومة بتنظيمها الميليشيات من إيرادات المعونات النفطية الإيرانية، كما أن الموضوع أيضاً يتعلق بمصير البنك المركزي اليمني، والقرار الحوثي يقوّي موقف الوسيط الأممي الذي يسعى لانتقاص القرار الرئاسي بشرعية نقل البنك إلى عدن وفي المقابل يقترح إعطاء بنك صنعاء صلاحيات مستقلة تتعلق بمنح الائتمان لاستيراد السلع وإعادة السويفت الخاص بالتحويلات المالية الخارجية». كان ذلك رأي الخبير الاقتصادي عبد الحميد المساجدي، الذي تحدث مع «الشرق الأوسط» حول القرار الحوثي.
وحول نجاح التعامل بالريال الإلكتروني يشدد المساجدي تأكيده أن «الريال الإلكتروني ومنذ قرار الميليشيات كان ولا يزال تجربة فاشلة نظراً لضعف شبكة الإنترنت وعدم تغطيتها لمناطق واسعة في البلاد وبالتالي استحالة استخدام الريال الإلكتروني كآلية مدفوعات، إضافةً إلى عدم قبول أغلب محلات التجزئة بالريال الإلكتروني لتسديد التزامات الغير، ناهيك بغياب الوعي اللازم وافتقار الجمهور للثقة في القطاع المصرفي بشكل عام نظراً للانتهاكات الحوثية تجاه القطاع المصرفي وما شهده من أزمات ابتداءً من عجز السيولة وتدهور سعر صرف العملة الوطنية، أضف إلى ذلك أن الناس لا يثقون بالميليشيات الحوثية وبإمكانية تعويضهم عن العملات من الطبعة الجديدة، وبالتالي فقد فضّلوا الاحتفاظ بها على تسليمها للحوثيين».
وأوضح أنه «بعد فشل القرارات السابقة عيّنت الميليشيات محافظاً للبنك المركزي في صنعاء والذي بدوره أصدر قراراً بمنع تداول العملة وإنشاء آلية تعويض وإقرار الريال الإلكتروني».
ونوه إلى أن «الميليشيات حاولت مقايضة الحكومة الشرعية والأمم المتحدة التي تقود عملية تفاوض اقتصادي بين الجانبين، إما بالسماح لها بطباعة مبالغ توازي نفس ما طبعه البنك المركزي في عدن وإما بتوريد نصف ما تمت طباعته من أجل السماح بالتداول بالطبعة الجديدة». مؤكداً أنه «منذ قرار نقل البنك المركزي إلى عدن صعّدت الميليشيات الحوثية من حربها على الاقتصاد اليمني فقامت بمداهمة البنوك والمصارف ومحلات وشركات الصرافة واقتحمت عدداً منها ونهبت مبالغ كبيرة واقتادت قيادات مصرفية إلى السجون وأخذت عليها تعهدات بعدم التعامل مع البنك المركزي في عدن مرة أخرى».
وأشار المساجدي إلى أن جماعة الحوثي «فرضت ضرائب خيالية على البنوك بمزاعم ضريبة أرباح، وطالبتها بأرباح رجعية عن عشرات السنوات الماضية، وكلها حملات ابتزاز حوثية لإرغام البنوك على الانصياع لها، كما شددت من الرقابة الأمنية على عمليات التواصل داخل البنوك وتنصتت على أرقام العاملين في البنوك»، وإلى أن «الميليشيات نهبت، بمزاعم تنفيذ هذا القرار، مبالغ مالية تصل إلى خمسين ملياراً وهو ما يوازي 70% من حجم العملة من الطبعة الجديدة التي دخلت مناطق الحوثيين».


مقالات ذات صلة

المالكي: على الحوثيين قراءة بيان التحالف وما بين السطور جيداً

الخليج اللواء الركن تركي المالكي متحدثاً خلال المؤتمر الصحافي في الرياض الخميس (أ.ب) p-circle

المالكي: على الحوثيين قراءة بيان التحالف وما بين السطور جيداً

حذّر اللواء الركن تركي المالكي، المتحدث باسم تحالف دعم الشرعية في اليمن، الميليشيا الحوثية من عواقب استهداف المدنيين والمنشآت المدنية في السعودية.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي مدينة تعز المحاصرة من قبل الميليشيا الحوثية (إعلام حكومي)

الحكومة اليمنية تطالب بتحرك أممي عاجل لفك حصار تعز

دعت الحكومة اليمنية الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي إلى اتخاذ خطوات عاجلة وفعّالة لفك الحصار الخانق الذي تفرضه الميليشيا الحوثية على تعز، وينذر بكارثة إنسانية.

«الشرق الأوسط» (تعز)
المشرق العربي رئيس مجلس القيادة الدكتور رشاد العليمي متحدثاً للشعب اليمني بمناسبة ذكرى «ثورة 14 أكتوبر» الثلاثاء (سبأ)

العليمي: لا رجوع عن قرار إنهاء الانقلاب الحوثي

أكد رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي مُضي عملية «فجر اليمن» نحو هدفها النهائي المتمثل بإنهاء الانقلاب الحوثي، ولا رجعة عن ذلك مهما كانت التضحيات.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي (سبأ)

العليمي يعلن انطلاق «فجر اليمن» لاستعادة صنعاء وإنهاء انقلاب الحوثيين

أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي، الاثنين، انطلاق عملية عسكرية أطلق عليها اسم «فجر اليمن»، بهدف استعادة مؤسسات الدولة وتحرير العاصمة صنعاء.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي وحدات من قوات ألوية العمالقة (إعلام عسكري)

قوات العمالقة و«درع الوطن» تتقدم نحو ذوباب قرب باب المندب

تُواصل قوات «ألوية العمالقة» و«درع الوطن» تقدمها في مناطق محيطة بمضيق باب المندب، وسط معارك عنيفة مع جماعة «الحوثي» بمنطقة ذوباب، بالتزامن مع عمليات عسكرية

«الشرق الأوسط» (عدن)

السيسي يؤكد استعداد مصر لتنفيذ أي تدخل تطلبه السعودية لحماية أمنها

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال مشاركته في الندوة التثقيفية للجيش المصري الأربعاء (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال مشاركته في الندوة التثقيفية للجيش المصري الأربعاء (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يؤكد استعداد مصر لتنفيذ أي تدخل تطلبه السعودية لحماية أمنها

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال مشاركته في الندوة التثقيفية للجيش المصري الأربعاء (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال مشاركته في الندوة التثقيفية للجيش المصري الأربعاء (الرئاسة المصرية)

في إطار جهود مصر لوقف التصعيد في المنطقة، طالب الرئيس عبد الفتاح السيسي، السبت، البرلمان بعقد جلسة طارئة لتفويضه في اتخاذ أي إجراءات قد تطلبها السعودية، مشدداً على أن مصر «ستنفذ أي إجراء للدفاع عن الأشقاء في الخليج».

وقرر مجلس النواب المصري عقد جلسة عامة الأحد، وذلك «في ضوء طلب الرئيس».

ومنذ بداية التصعيد في المنطقة أكدت مصر مراراً دعمها لأمن الخليج، لكن هذه هي المرة الأولى التي يطلب فيها الرئيس المصري تفويض البرلمان، ما عده مراقبون تأكيداً على استعداد القاهرة لدعم أشقائها في الخليج وأن جهودها تندرج في سياق الدفاع وليس الهجوم.

وأكد الرئيس المصري، خلال حفل تخرج دفعة جديدة من الأكاديمية العسكرية بالعاصمة الجديدة، أن بلاده تقف بقوة لدعم حماية أراضي الأشقاء في الخليج، وقال: «نحن لا نبحث عن دور، لكن لا يمكن السماح بالمساس بأمن واستقرار الأراضي السعودية».

ودعا الرئيس المصري إلى وقف الحرب والتصعيد في المنطقة، مشيراً إلى أن «القاهرة ستنفذ أي إجراء لحماية أشقائها والدفاع عنهم، وفقاً لتوجيهات العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهد المملكة الأمير محمد بن سلمان»، مشدداً على أن أمن المملكة واستقرارها لا يمكن أن يكونا موضع تساهل.

وأضاف أن «هذا الموضوع يتطلب تصديقاً من البرلمان» موجهاً «الدعوة للبرلمان لعقد جلسة طارئة للتفويض إذا طلب منا ذلك». وتابع: «هذا الحديث لا يستهدف الحرب ولا الهجوم، وإنما الدفاع فقط».

وشدد الرئيس عبد الفتاح السيسي على «ضرورة عدم نسيان ما قدمته دول الخليج لمصر من دعم منذ عام 2013، موجهاً الشكر إلى دول الخليج على الدعم».

وسبق أن أكد الرئيس المصري، مراراً، أن «أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري»، وأنه «لن يسمح بالمساس بأمن السعودية».

بدوره، قال مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير محمد حجازي إن تصريحات السيسي بشأن الاستعداد لاتخاذ إجراءات لحماية الأشقاء في دول الخليج، إذا طُلب ذلك، «تحمل رسالة سياسية واستراتيجية واضحة، مفادها أن مصر تنظر إلى أمن الخليج باعتباره جزءاً لا يتجزأ من منظومة الأمن القومي المصري والعربي، وأن التضامن العربي لا يقتصر على المواقف السياسية والدبلوماسية، وإنما يمتد إلى الاستعداد لتحمل المسؤولية عندما تتعرض الدول العربية لتهديدات تمس أمنها واستقرارها».

وأوضح حجازي لـ«الشرق الأوسط» أن «حديث الرئيس ينطوي على دلالة تتمثل في تأكيده أن أي تحرك مصري محتمل سيكون في إطار الدفاع والحماية، وبناءً على طلب من الأشقاء، وليس بهدف الاعتداء على أي طرف أو الدخول في مواجهة عسكرية مفتوحة».

وعدَّ ذلك «يعكس الفارق بين امتلاك القدرة على حماية المصالح العربية، والرغبة في التصعيد»، وقال: «حديث الرئيس يؤكد أن القوة هنا أداة للردع والحماية، وليست هدفاً للحرب والتصعيد، وفي إطار التزام مصر العروبي الأصيل مع الحفاظ على الأمن والاستقرار والحفاظ على مقدرات دول المنطقة».

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال مشاركته في حفل تخرج دفعة جديدة من كلية الشرطة الخميس (الرئاسة المصرية)

وشهدت الشهور الماضية اتصالات وجهوداً مصرية لوقف التصعيد في المنطقة، وإدانة للاعتداءات على دول الخليج.

وقال عضو مجلس النواب المصري (الغرفة الأولى للبرلمان)، مصطفى بكري، إن حديث الرئيس السيسي عن استعداد مصر لدعم السعودية، حال طلبها ذلك، هو تطبيق لمبدأ «مسافة السكة» الذي سبق أن طرحه الرئيس وتأكيد على أن «أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري».

وأوضح بكري لـ«الشرق الأوسط» أن دعوة البرلمان للانعقاد «تأتي احتراماً للدستور، الذي يشترط موافقة البرلمان على إرسال قوات خارج الحدود».

وتنص المادة 152 من الدستور المصري على أن «رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، ولا يعلن الحرب، ولا يرسل القوات المسلحة في مهمة قتالية إلى خارج حدود الدولة، إلا بعد أخذ رأي مجلس الدفاع الوطني، وموافقة مجلس النواب بأغلبية ثلثي الأعضاء»، وتضيف أنه «إذا كان مجلس النواب غير قائم، يجب أخذ رأي المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وموافقة كل من مجلس الوزراء ومجلس الدفاع الوطني».

وأوضح مساعد وزير الخارجية الأسبق أن إشارة الرئيس إلى ضرورة انعقاد البرلمان المصري ومنح التفويض اللازم تكشف عن «أهمية الالتزام بالأطر الدستورية والمؤسسية في القرارات المرتبطة بالأمن القومي واستخدام القوة العسكرية»، موضحاً أن «المسألة ليست مجرد إعلان موقف سياسي، وإنما تتعلق بإجراءات ذات طبيعة سيادية مهمة واستراتيجية تستلزم استيفاء المتطلبات الدستورية والقانونية ذات الصلة».

وعلى المستوى الاستراتيجي أكد حجازي أن «مصر تدرك أن أي تهديد لأمن دول الخليج لا تنعكس تداعياته على الدول المعنية وحدها، بل تمتد آثاره إلى أمن البحر الأحمر، وحرية الملاحة، وأسواق الطاقة، والاستقرار الاقتصادي الإقليمي، فضلاً عن انعكاساته المباشرة على الأمن القومي العربي، ومن ثم، فإن حفظ أمن الخليج تمثل مسؤولية جماعية وواجب ومصلحة عربية مشتركة وليست مسؤولية دولة بعينها».


هجمات الحوثيين الصاروخية تهدد الشريان الجوي لليمن

دخان يتصاعد إثر هجوم سابق للحوثيين استهدف مطار عدن الدولي (رويترز)
دخان يتصاعد إثر هجوم سابق للحوثيين استهدف مطار عدن الدولي (رويترز)
TT

هجمات الحوثيين الصاروخية تهدد الشريان الجوي لليمن

دخان يتصاعد إثر هجوم سابق للحوثيين استهدف مطار عدن الدولي (رويترز)
دخان يتصاعد إثر هجوم سابق للحوثيين استهدف مطار عدن الدولي (رويترز)

لم يعد استهداف الحوثيين لمطار عدن الدولي مجرد اعتداء على منشأة حيوية، بل بات يثير مخاوف أوسع بشأن سلامة الطيران المدني في اليمن، مع تكرار الهجمات على المطار الذي يمثل أحد المنافذ الرئيسية المتاحة أمام اليمنيين للسفر إلى الخارج، في وقت تزداد فيه المخاطر المحيطة بالبنية التحتية المدنية في البلاد.

ويضع استهداف المطار بصاروخين باليستيين، للمرة الثانية خلال أيام، حركة الطيران أمام تهديد مباشر، خصوصاً أن الهجوم الأخير تزامن مع استعداد طائرة تابعة للخطوط الجوية اليمنية للإقلاع إلى العاصمة المصرية القاهرة، ووجود طائرة أخرى تابعة لشركة «فلاي عدن» في الأجواء قادمة من المدينة نفسها، في واقعة كشفت عن حجم المخاطر التي يمكن أن تتعرض لها الرحلات التجارية في أثناء استخدام المجال الجوي والمرافق المدنية.

وقالت وزارة النقل اليمنية إن الصاروخين سقطا في محيط المطار، أحدهما عند البوابة الغربية باتجاه المدرج، والآخر شمال غربي المطار. وأُخليت الطائرة اليمنية التي كانت تستعد لتشغيل رحلة إلى القاهرة، فيما كانت الرحلة التابعة لـ«فلاي عدن» في طريقها من العاصمة المصرية.

إحدى طائرات الخطوط الجوية اليمنية في مطار عدن (إعلام حكومي)

وتتجاوز خطورة هذه الهجمات الأضرار المادية المباشرة، إذ إن تكرار استهداف المطارات يضع سلامة المسافرين وأطقم الطائرات والعاملين أمام مخاطر متجددة، كما يهدد انتظام الرحلات التي يعتمد عليها اليمنيون في السفر للعلاج والعمل والتنقل بين البلاد والخارج.

تهديد يتجاوز محيط المطار

تقول وزارة النقل إن استهداف مطار عدن يمثل انتهاكاً للحماية المقررة للمنشآت المدنية والطيران التجاري بموجب القوانين والمواثيق الدولية، محذرةً من أن استمرار الاعتداءات قد ينعكس على حركة النقل الجوي والاقتصاد الوطني، ويضاعف معاناة المواطنين الذين يعتمدون على المطارات في تنقلاتهم، بما في ذلك الحالات المرضية والإنسانية.

ودعت الوزارة الأمم المتحدة والمجتمع الدولي والمنظمات المعنية بالطيران المدني، وفي مقدمتها منظمة الطيران المدني الدولي، إلى إدانة الهجمات والعمل على محاسبة المسؤولين عنها، مؤكدةً أن المطار منشأة مدنية مخصصة لخدمة المواطنين ولا يجوز تعريضها لأعمال عسكرية تهدد سلامة مرتاديها.

الحوثيون استهدفوا مطار عدن الدولي للمرة الثانية خلال أسبوع (إعلام حكومي)

وتكتسب هذه المخاوف أهمية إضافية بالنظر إلى محدودية منافذ السفر المتاحة أمام اليمنيين، إذ إن تعطيل مطار رئيسي أو تعريض الرحلات العاملة فيه للخطر لا يقتصر أثره على شركة طيران أو وجهة بعينها، وإنما يمتد إلى قدرة المواطنين على الوصول إلى الخدمات الطبية والفرص الاقتصادية والروابط الأسرية خارج البلاد.

اختبار لصمود عدن

في مواجهة تداعيات الهجوم الحوثي، تفقَّد وزير النقل محسن العُمري، ووزير الدولة محافظ عدن عبد الرحمن شيخ، السبت، المطار، واطلعا على الأضرار واطمأنّا على سلامة المسافرين وأطقم الطائرات. كما وجّها الجهات المختصة بتوفير أماكن إقامة مناسبة لركاب الرحلة المتجهة إلى القاهرة، وتقديم التسهيلات اللازمة ومتابعة أوضاعهم.

وأكد المحافظ أن الاعتداءات لن تثني السلطة المحلية ومؤسسات الدولة عن مواصلة عملها، مشيراً إلى أن الأوضاع الأمنية في عدن مستقرة، وأن المحافظة قادرة على تجاوز التحديات ومحاولات استهداف أمنها واستقرارها.

ودعا شيخ إلى تعزيز اليقظة والتكاتف لحماية المنشآت الحيوية والحفاظ على السكينة العامة ومصالح المواطنين.

ويعيد تكرار الهجمات على مطار عدن طرح مسألة حماية البنية التحتية المدنية في اليمن، ومدى قدرة الجهات الدولية المعنية على التعامل مع المخاطر التي تهدد الطيران التجاري.

وبينما تؤكد السلطات اليمنية استمرار المطار في أداء مهماته، تبقى سلامة الرحلات والمسافرين التحدي الأبرز أمام منشأة يعتمد عليها ملايين اليمنيين بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تأمين احتياجاتهم من السفر والتنقل.


القصف الحوثي على قرى لحج يوسع دائرة النزوح

استهداف حوثي متواصل للتجمعات السكنية في غرب محافظة لحج (إعلام محلي)
استهداف حوثي متواصل للتجمعات السكنية في غرب محافظة لحج (إعلام محلي)
TT

القصف الحوثي على قرى لحج يوسع دائرة النزوح

استهداف حوثي متواصل للتجمعات السكنية في غرب محافظة لحج (إعلام محلي)
استهداف حوثي متواصل للتجمعات السكنية في غرب محافظة لحج (إعلام محلي)

تجدّد النزوح في محافظة لحج، جنوب اليمن، مع استهداف الحوثيين قرى سكنية في منطقة الصبيحة بقذائف الهاون، والطائرات المسيّرة، في تصعيد يطال مناطق يساند فيها مسلحون قبليون القوات الحكومية، وبالتزامن مع استمرار عزل محافظة تعز عن مناطق سيطرة الحكومة، وتفاقم الاحتياجات الإنسانية والطبية فيها.

وأطلقت السلطة المحلية في لحج نداءً عاجلاً لتوفير المأوى للأسر الفارة من القصف في منطقة الصبيحة، وسط محدودية الإمكانات المتاحة لاستقبال النازحين، وتأمين احتياجاتهم الأساسية، في وقت تتزايد فيه التحذيرات الأممية من صعوبة إيصال المساعدات إلى السكان المتضررين من التصعيد، والقيود المفروضة على التنقل.

ودعا مكتب الإعلام في المحافظة أبناء المديريات إلى مساندة الأسر النازحة، خصوصاً كبار السن، والأمهات، والأطفال، الذين اضطروا إلى مغادرة منازلهم وممتلكاتهم بحثاً عن الأمان، مشيراً إلى ما يواجهونه من ظروف إنسانية صعبة بعد فقدان المأوى، والاستقرار.

أوضاع إنسانية صعبة يعيشها الفارون من القصف الحوثي في لحج (إعلام محلي)

وناشد المكتب ملاك المنازل والشقق والعقارات فتح أبوابهم أمام الأسر الفارة، وتأجير المساكن بأسعار رمزية، وميسرة، تراعي أوضاعها الاستثنائية، مؤكداً أن مساعدة النازحين تتطلب تكاتف الجهود المجتمعية للتخفيف من معاناتهم.

وأفادت مصادر حكومية يمنية لـ«الشرق الأوسط» بأن الحوثيين استهدفوا تجمعات سكنية في أطراف مديريتي رأس العارة، والمضاربة، في غرب لحج، بهدف الضغط على المسلحين القبليين الذين يساندون القوات الحكومية في التصدي لمحاولات التقدم نحو عمق المديرية.

وبحسب المصادر، تسعى الجماعة، من خلال هذه التحركات، إلى تنفيذ التفاف على القوات الحكومية المتمركزة في مرتفعات كهبوب، وتلك الموجودة في منطقة باب المندب، ومديرية ذباب، فيما أدى قصف القرى بقذائف الهاون والطائرات المسيّرة إلى موجة نزوح جديدة بين السكان.

آلاف النازحين في تعز يواجهون نقص الماء والغذاء والوقود (رويترز)

وتواجه السلطات المحلية صعوبات في استيعاب الأعداد المتزايدة من الفارين، في ظل محدودية قدراتها، وضعف الاستجابة الإنسانية المتاحة لتوفير المأوى، والغذاء، والرعاية الصحية، وفق المصادر ذاتها.

وتأتي هذه التطورات في وقت تشير فيه بيانات أممية إلى ارتفاع عدد النازحين جراء التصعيد إلى 233 ألفاً و77 شخصاً، بينهم 121 ألفاً و530 شخصاً في محافظة تعز وحدها، وسط مخاطر متزايدة تهدد النساء، والأطفال، والفئات الأكثر ضعفاً، الذين اضطروا إلى مغادرة مناطقهم بحثاً عن الأمان.

تعز تحت الحصار

في تعز المحاصرة من قبل الحوثيين تتفاقم المخاوف الإنسانية مع استمرار إغلاق الطرق الرئيسة التي تربط المحافظة بالمناطق الأخرى، بما فيها عدن، الأمر الذي يعرقل وصول المساعدات والخدمات الأساسية إلى السكان، ويزيد الضغوط على المؤسسات الصحية في المدينة.

وقال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، إن المنظمة تواجه تحديات في الوصول إلى الأطفال المحتاجين في المحافظة بسبب استمرار التصعيد، والقيود المفروضة على الحركة.

وأوضح أن نحو 110 آلاف طفل هم من بين النازحين الجدد منذ بداية سبتمبر (أيلول)، مشيراً إلى أن المنظمة تحققت من مقتل 30 طفلاً، وإصابة 28 آخرين جراء التصعيد الأخير.

وأضاف أن موجة العنف تقوّض ما تبقى لدى الأطفال من مظاهر الاستقرار، بعد سنوات من المعاناة المرتبطة بالجوع، والنزوح، وتعطل التعليم.

استمرار عزل الحوثيين مدينة تعز عن مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (رويترز)

من جهته، حذّر طارق ياساريفيتش، المتحدث باسم منظمة الصحة العالمية، من تدهور الوضع الصحي في تعز، مشيراً إلى أن المدينة أصبحت معزولة، وأن المستشفيات تواجه نقصاً حاداً في الإمدادات الطبية، مع امتداد القتال إلى مناطقها الحضرية.

وذكر أن 12 مستشفى في المدينة لا تملك سوى مخزون من الوقود يكفي لأربعة أيام، بالتزامن مع نقص الأكسجين، والأدوية، ونفاد المستلزمات الجراحية، وهي احتياجات تمثل تهديداً مباشراً لاستمرار تقديم الخدمات الطبية.

ولفت إلى الحاجة الملحة لتوفير الوقود، والأكسجين، خصوصاً للمرضى الذين يخضعون لغسيل الكلى، والمرضى في أقسام العناية المركزة، معرباً عن قلقه من تزايد حالات الإصابة بالكوليرا.

وشددت الأمم المتحدة على ضرورة ضمان وصول آمن ومستدام للمساعدات الإنسانية إلى تعز، وسائر المناطق اليمنية المتضررة، في ظل اتساع الاحتياجات، وتراجع قدرة الخدمات الأساسية على الاستجابة.

الكوليرا خارج الحدود

على الجانب الآخر من مضيق باب المندب، تواجه جيبوتي بدورها تحدياً صحياً مع تفشي الكوليرا في مخيم اللاجئين المركزي، حيث سُجلت نحو 31 إصابة بين آلاف الفارين اليمنيين من الهجمات الحوثية، وفق مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

وقال ماثيو سالتمارش، المتحدث باسم المفوضية، إن 20 مصاباً تعافوا، بينما لا يزال عشرة أشخاص يتلقون الرعاية الطبية، مع تسجيل وفاة واحدة.

دعوات أممية من أجل تمكين الوكالات الإنسانية من تقديم المساعدات لسكان تعز المحاصرة (رويترز)

وأضاف أن أكثر من أربعة آلاف شخص وصلوا من اليمن إلى شرق أفريقيا، بينهم نحو 3800 لاجئ وصلوا إلى جيبوتي، ونحو 200 آخرين إلى الصومال.

وتعكس هذه التطورات اتساع نطاق الاحتياجات الإنسانية المرتبطة بالأزمة اليمنية، من موجات النزوح في لحج، وتعز، إلى تحديات الرعاية الصحية، ومخاطر الأمراض في مناطق اللجوء، في وقت تؤكد فيه المنظمات الأممية ضرورة تأمين الوصول إلى المساعدات والخدمات الأساسية للمتضررين.