اليمنيات المعتَقلات لدى الحوثيين... من السجون إلى المنفى

تحقيق لـ«أسوشيتد برس» وثّق شهادات وكشف جرائم بحق المرأة

إحدى المعتًقلات السابقات لدى الحوثيين أثناء حديثها عن قصتها (أ.ب)
إحدى المعتًقلات السابقات لدى الحوثيين أثناء حديثها عن قصتها (أ.ب)
TT

اليمنيات المعتَقلات لدى الحوثيين... من السجون إلى المنفى

إحدى المعتًقلات السابقات لدى الحوثيين أثناء حديثها عن قصتها (أ.ب)
إحدى المعتًقلات السابقات لدى الحوثيين أثناء حديثها عن قصتها (أ.ب)

كان أقران سامراء الحوري من النشطاء يختفون، واحداً تلو الآخر. وعندما استفسرت لدى أسرهم عنهم، قدموا جميعاً الإجابة المبهمة نفسها: «إنها مسافرة». ورغم أن قليلا من هؤلاء النساء عاودن الظهور، بدا أنهن محطمات ورفضن الإفصاح عن مكان وجودهنّ طوال شهور.
إلا أن الحوري (33 عاما) سرعان ما أدركت الإجابة بنفسها، فقد اقتادها بضعة ضباط من قوات الحوثيين المتمردة من منزلها في العاصمة صنعاء عند الفجر، واصطحبوها إلى قبو مدرسة سابقة كانت تعج الزنازين القذرة داخلها بمحتجزات. واعتدى المحققون عليها بضرب مبرح وتعرضت لصدمات كهربائية، وإمعاناً في تعذيبها النفسي أعلنوا عن موعد لإعدامها وألغوه في اللحظة الأخيرة.
وبدا واضحاً أن السيدات اللواتي تجرأن على الانشقاق أو حتى مجرد الدخول إلى المجال العام، تحولن إلى أهداف حملة قاسية ومتصاعدة من جانب الحوثيين.
ووصف نشطاء ومحتجزون سابقون في تحقيق نشرته وكالة «أسوشيتد برس» شبكة من منشآت الاحتجاز السرية تعرضوا داخلها للتعذيب، وأحياناً الاغتصاب. ويعج شارع تعز، الشارع الرئيسي في صنعاء، بالعديد من هذه المنشآت المتخفية داخل فيلات خاصة والمدرسة التي احتجزت داخلها الحوري.
تقول الحوري التي نجحت في البقاء على قيد الحياة بعد ثلاثة شهور في مركز الاحتجاز حتى اعترفت أمام كاميرا باتهامات ملفقة بالتورط في الدعارة، ما يشكل وصمة كبرى داخل المجتمع اليمني المحافظ: «مر كثيرون بظروف أسوأ من ظروفي بكثير»"

صعوبة الإحصاء
لطالما وفرت التقاليد المترسخة في البلاد وشبكات الحماية القبلية للنساء حامياً من الاحتجاز والانتهاكات، لكن تلك المحاذير تساقطت تحت وطأة الحرب. وبينا يموت الرجال في المعارك أو يقبعون داخل السجون في خضم صراع يدخل بخطى متثاقلة عامه السادس، شرعت النساء اليمنيات على نحو متزايد في الاضطلاع بأدوار سياسية. وفي الكثير من الحالات، تولت نساء تنظيم تظاهرات وقيادة حركات والعمل لصالح منظمات دولية أو إطلاق مبادرات سلام، وكلها أمور ينظر إليها الحوثيون باعتبارها تهديداً لهم.
في هذا الصدد، تقول رشا جرهوم، مؤسسة «مبادرة مسار السلام»، التي تدعو لضم النساء إلى محادثات السلام بين الحوثيين والحكومة اليمنية المعترف بها دولياً: «هذا أكثر العصور ظلاماً للمرأة اليمنية. لقد جرت العادة أن حتى توقيف شرطة المرور لسيدة يعد أمراً مشيناً».
من ناحية أخرى، شكلت عمليات إلقاء القبض الممنهجة والسجون التي تعج بأعمال التعذيب عنصراً محورياً في جهود الحرب.
وتشير التقديرات إلى أن ما يتراوح بين 250 و300 امرأة محتجزات حالياً داخل محافظة صنعاء وحدها، تبعاً لما أفادت به العديد من المنظمات الحقوقية. وأوضحت «المنظمة اليمنية لمكافحة الإتجار بالبشر» أن ثمة احتمالاً أن تكون هذه التقديرات أقل من العدد الحقيقي.
والملاحظ أن هناك صعوبة أكبر في تقدير أعداد المحتجزات داخل المحافظات والأقاليم الأخرى.
في هذا السياق، قدرت نورا الجوري، رئيسة «ائتلاف نساء من أجل السلام في اليمن»، أن ما يزيد على 100 امرأة محتجزات داخل محافظة ذمار جنوب العاصمة، والتي تشكل نقطة عبور كبرى من المناطق الخاضعة للسيطرة الحكومية إلى الأخرى التي يسيطر عليها الحوثيون.
ووثقت الجوري، التي تتولى إدارة مجموعة دعم غير رسمية في القاهرة تتعامل مع السيدات اللواتي أطلق سراحهن من سجون الحوثيين، 33 حالة اغتصاب و8 حالات لسيدات أنهكهن التعذيب.

فرار من البلاد
والتقت «أسوشيتد برس» ست محتجزات سابقات نجحن في الفرار إلى القاهرة قبل أن يسبب وباء كورونا وقف الرحلات الجوية وإغلاق الحدود. وقدمن روايات يدعمها تقريراً صدر قبل وقت قريب من لجنة من الخبراء التابعين للأمم المتحدة، ذكر أن الانتهاكات الجنسية التي تتعرض لها المحتجزات قد تصل إلى مستوى جرائم الحرب.
وأفادت إحدى السيدات، وهي مدرّسة تاريخ سابقاً رفضت كشف اسمها لحماية أسرتها في اليمن، أنه ألقي القبض عليها في خضم حملة واسعة ضد التظاهرات في ديسمبر (كانون الأول) 2017. واقتيدت إلى مكان ما في ضواحي صنعاء، لا تعلم أين على وجه التحديد. وكان كل ما بإمكانها سماعه ليلاً نباح الكلاب، ولم تسمح ولا حتى صوت أذان الصلاة. وقالت: «كنت بعيدة للغاية، وكأني سقطت خارج الأرض».
وأضافت أن حوالي 40 سيدة كن محتجزات داخل الفيلا، وأنها تعرضت للتعذيب على أيدي المحققين، وفي إحدى المرات نزعوا أظافر الإصبع الصغرى في قدمها. وفي أكثر من مرة، أخبرها ثلاثة ضباط مقنعين بأن تصلي وقالوا لها إنهم سيطهرونها من الإثم. وبعد ذلك، تناوبوا على اغتصابها، بينما تولت حارسات تقييدها ومنعها من الحركة.

الميليشيات تنفي!
نفت وزيرة شؤون حقوق الإنسان على جانب الحوثيين ادعاءات التعذيب ووجود سجون سرية للنساء. وقالت راضية عبد الله، وهي واحدة من وزيرتين في حكومة الحوثيين، خلال مقابلة أجريت معها: «إذا اكتشفنا وجود هذا الأمر، سنتعامل معه».
واعترفت راضية بإلقاء القبض على الكثير من النساء خلال حملة جرت في الفترة الأخيرة لمكافحة الدعارة اجتاحت مقاهي وشققاً وتجمعات نسائية. وواجهت النساء اللواتي ألقي القبض عليهن اتهامات «بمحاولة إفساد المجتمع وخدمة العدو»، وذلك في إشارة إلى التحالف الذي تقوده السعودية.
جدير بالذكر أن لجنة برلمانية شُكلت الخريف الماضي للنظر في التقارير المتعلقة بالاحتجاز غير القانوني توصلت إلى إطلاق سراح عشرات المحتجزين من الرجال خلال الأسابيع الأولى لعملها.
وكانت اللجنة تنوي الاستمرار في عملها في ما يتعلق بقضية النساء المحتجزات كذلك، لكن مذكرة داخلية بتاريخ 16 فبراير (شباط) قالت «أسوشيتد برس» إنها حصلت على نسخة منها تضمنت شكوى من أن وزارة الداخلية تضغط على اللجنة لإنهاء تحقيقها.

تدرّج الاعتقالات
جاءت أول حملة اعتقالات كبرى في صفوف النساء أواخر عام 2017، بعد قتل الحوثيين حليفهم السابق في الحرب الحاكم السابق علي عبد الله صالح. خلال تلك الفترة، احتجز المتمردون عشرات النساء ممّن خرجن إلى ميادين عامة للمطالبة بعودة جثمان صالح.
وقالت الجوري إن نطاق عمليات إلقاء القبض على النساء اتسعت منذ ذلك الحين، موضحة أنه «في بادئ الامر كانوا يستهدفون قادة المعارضة، وبعد ذلك استهدفوا المتظاهرات، والآن يستهدفون أي سيدة تتحدث ضدهم».
وذكرت امرأة أنه جرى سحبها من خارج سيارة أجرة كانت تستقلها داخل مكان كان يشهد تظاهرة وتعرضت للضرب والاحتجاز. كما تعرضت ناشطة سلام تعمل مع منظمة إنسانية مقرها في لندن للاحتجاز طوال شهور داخل مركز احتجاز للشرطة في صنعاء طوال أسابيع.
ووصفت معلمة كمبيوتر تبلغ من العمر 48 عاماً، كيف اقتحم 18 رجلاً مسلحاً منزلها واعتدوا بالضرب على كل من كانوا بالداخل، وضربوا وجهها بأحذيتهم وأطلقوا في حقها أقذع الشتائم الجنسية. ولم يكن للسيدة أية صلة بالعمل السياسي، لكنها نشرت مقطع فيديو عبر صفحتها على فيسبوك تشكو فيه من أن رواتب العاملين في الحكومة لم تصرف منذ شهور. وبعد ذلك الحادث بفترة قصيرة، فرت هي وأطفالها إلى مصر.
من ناحيتها، قالت الحوري إنها عندما رفضت طلباً من مسؤول حوثي للوشاية بالنشطاء الآخرين، تعرضت للاختطاف في يوليو (تموز) 2019 على يد زمرة من الرجال المقنعين المدججين بالكلاشينكوف، «كما لو كنت أسامة بن لادن».
وتعرضت للاحتجاز داخل «دار الهلال»، وهي مدرسة مهجورة في شارع تعز. وكان معها حوالي 120 امرأة بينهن بارديس الصايغي، وهي شاعرة بارزة كانت تلقي أشعاراً حول قمع الحوثيين. وقالت الحوري إن المحتجزات كان بينهن «مدرسات وناشطات بمجال حقوق الإنسان ومراهقات». وأضافت أن المحققين خبطوا رأسها في طاولة بشدة لدرجة أنها احتاجت لإجراء جراحة في إحدى عينيها كي تتمكن من الرؤية بشكل طبيعي بها اثر إطلاق سراحها بعد ذلك بشهور.

حوثي يغتصب السجينات
داخل المدرسة، تولى رئيس قسم التحقيقات الجنائية لدى الحوثيين، سلطان زابن، إجراء التحقيقات، حسبما ذكرت الحوري والصايغي. وأضافتا أنه في بعض الليالي كان زابن يصطحب «الفتيات الجميلات والصغيرات» إلى خارج المدرسة لاغتصابهن.
كانت لجنة الخبراء التابعة للأمم المتحدة قد أشارت إلى زابن باعتباره يتولى إدارة موقع احتجاز لم يكشف عنه تتعرض فيه نساء للاغتصاب والتعذيب.
وذكرت الجوري وعدد من المحتجزات سابقاً أن اثنتين على الأقل من الفيلات في شارع تعز جرى استخدامهما في احتجاز النساء، إلى جانب مواقع أخرى حول العاصمة، منها شقق صودرت من سياسيين منفيين مستشفيان وخمس مدارس.
على جانب آخر، عندما أطلق سراح معلمة التاريخ في مارس (آذار) 2018 ألقي بجسدها الهزيل أسفل أحد المعابر، ورفضت أسرتها رؤيتها بسبب العار الذي جلبته لهم. وعن ذلك، قالت إنه من وجهة نظرهم «أنا خرجت للتظاهر، وبالتالي أستحق ما حدث لي».
وقالت محتجزات سابقات إن الحوثيين تعمدوا إذلالهن من خلال اغتصابهن واتهامهن بمزاعم الدعارة.
وقالت فاطمة الأسرار، التي تعمل لدى معهد الشرق الأوسط ومقره واشنطن: «هذا ترهيب حتى النخاع»، مضيفة أنه داخل مجتمع ذكوري مثل اليمن غالباً ما تتعرض الناجيات من اعتداءات جنسية إلى النبذ، بل وأحياناً القتل على يد أقارب لهن للحفاظ على «شرف» العائلة.
وفي سياق متصل، كان يطلق سراح النساء فقط بعد تعهدهن بعدم المشاركة في مسيرات ثانية أو الامتناع عن نشر منشورات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وبعد تسجيل اعترافات لهن بممارسة الدعارة والتجسس.
تقول الصايغي: «أخبروني: إذا غادرت صنعاء، سنقتلك. وإذا نشرت معلومات، سنقتلك. وإذا تحدثت ضدنا، سنقتلك».

تداعيات الإفراج
في القاهرة، تعمل النساء على تقديم يد العون بعضهن لبعض كي يتمكنّ من التكيف مع ما حدث والمضي قدماً. وخلال مآدب عشاء، يجتمعن برفقة أطفالهن لتذكر قصص مدينتهن قبل أن تعصف بها الحرب عندما كنا يقرضن الشعر ويدخن ّالشيشة في مقاهٍ مكتظة قبل أن يغلقها الحوثيون لمنع اختلاط النساء والرجال.
وحتى اليوم، لا يزال البعض منهن يتلقين تهديدات من الحوثيين. ولا تستطيع أي منهن رؤية أسرتها في صنعاء.
وتواجه الحوري صعوبة شديدة في النوم. وقالت إنها تدرك أن الحوثيين سينشرون اعترافها قريباً، لكنها مقتنعة بأن قصتها تستحق خوض مخاطرة سردها. وأضافت: «لا تزال هناك فتيات في بالسجون. وعندما أحاول النوم، أسمع أصواتهن. وأسمعهن يناشدنني: سامراء، أخرجينا من هنا».

الشرعية تناشد «الجنايات الدولية»
طالب وزير الإعلام اليمني معمر الأرياني، محكمة الجنايات الدولية بالتحقيق في جرائم المعتقلات الخاصة للنساء في مناطق سيطرة الميليشيا الحوثية وتقديم المتورطين فيها للمحاكمة باعتبارها جرائم حرب وجرائم مرتكبة ضد الإنسانية.
وغداة نشر التحقيق دعا الأرياني في تصريح نقلته وكالة الانباء اليمنية (سبأ) المجتمع الدولي ومنظمات حماية المرأة إلى التدخل لوقف هذه الانتهاكات والضغط على الميليشيا الحوثية لإطلاق جميع المختطفات في معتقلاتها الخاصة، موضحاً أن التحقيق الذي أجرته وكالة «أسوشيتد برس» يعيد تسليط الأضواء على واحدة من أبشع جرائم الميليشيا الحوثية والمتمثلة بإختطاف مئات النساء اليمنيات من منازلهن واخفائهن في معتقلات خاصة بسبب آرائهن ونشاطهن السياسي والإنساني.
وقال إن الشهادات تم توثيقها مع عدد من الناجيات بعد تمكنهن من الفرار من مناطق سيطرة الميليشيا الحوثية وكيف تعرضن للاعتداء والتعذيب الجسدي والتحرش الجنسي والاغتصاب، والتعذيب نفسي، وكيف تم تحديد مواعيد لإعدامهن والغائها في اللحظة الأخيرة في حملة قمع متصاعدة للنساء وغير مسبوقة في تاريخ اليمن.


مقالات ذات صلة

تحليل إخباري عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

تحليل إخباري هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي النازحون اليمنيون بمخيمات مأرب يعانون نقصاً شديداً في الغذاء (رويترز)

منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

المشروع يهدف إلى تحسين الظروف المعيشية للنازحين داخلياً والمجتمعات المستضيفة لهم في محافظة مأرب (وسط البلاد).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)

البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يودع دعم معالجة عجز الموازنة اليمنية

وقّع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن اتفاقية مع وزارة المالية اليمنية، للبدء في إيداع الدعم الاقتصادي البالغ 1.3 مليار ريال سعودي؛ إنفاذاً لتوجيهات…

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي مسلحون حوثيون يحاصرون قرية الأغوال في محافظة ذمار ويتسببون بتلف المزروعات (إكس)

ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

لا تكتفي السياسات الحوثية بإضعاف الزراعة، بل تعيد تشكيلها بالجبايات والبذور الفاسدة واحتكار التصدير ورفع تكلفة الوقود، وتتسبب بمواسم خاسرة وتهديد الأمن الغذائي

وضاح الجليل (عدن)

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
TT

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

أقرّ مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، في اجتماعه المنعقد بالعاصمة المؤقتة عدن برئاسة المحافظ أحمد غالب، حزمة من الإجراءات النقدية والتنظيمية للتعامل مع ظاهرة شح السيولة من العملة الوطنية في الأسواق، في خطوة تعكس سعي السلطات المالية إلى احتواء الضغوط المتزايدة على الاقتصاد في ظل ظروف داخلية وخارجية معقدة.

وجاءت هذه القرارات بعد تقييم شامل للتدخلات السابقة التي نفذها البنك لضخ السيولة، والتي تمت وفق معايير اقتصادية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار النقدي دون التسبب في اختلالات إضافية، خصوصاً في ظل استمرار فجوة السيولة وتأثيرها على الأنشطة التجارية والمعيشية.

وبحسب الإعلام الرسمي، ناقش المجلس جملة من الخيارات المتاحة لمعالجة أزمة السيولة، وأقر حزمة إجراءات موزعة بين تدابير فورية وأخرى قصيرة ومتوسطة الأجل، مع تكليف الإدارة التنفيذية بتنفيذها ومتابعة نتائجها بشكل مستمر. كما شدد على أهمية التقييم الدوري للأوضاع النقدية واتخاذ خطوات تصحيحية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

جانب من اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني في عدن (إعلام حكومي)

وأكد المجلس التزام البنك المركزي بمواصلة تبني سياسات نقدية احترازية متحفظة، تستهدف الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية وكبح الضغوط التضخمية، مع تجنب الاستجابة لتوقعات غير مبنية على أسس اقتصادية، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية ودولية غير مستقرة.

وأشار إلى عزمه استخدام كل الأدوات المتاحة، بما في ذلك السياسات النقدية والإجراءات الإدارية والوسائل القانونية، لضمان تحقيق أهداف الاستقرار المالي والنقدي، وهو ما يعكس توجهاً أكثر تشدداً في إدارة السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.

تحديات اقتصادية

واستعرض مجلس إدارة البنك المركزي اليمني خلال الاجتماع، مؤشرات الأداء المالي والاقتصادي الأولية للربع الأول من العام الحالي، بما في ذلك وضع الموازنة العامة ومستوى الاحتياطيات الخارجية والالتزامات المالية، إلى جانب تقييم آفاق الاقتصاد الوطني في ضوء التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وأورد الإعلام الرسمي أن النقاش سلط الضوء على التداعيات الاقتصادية للتوترات الإقليمية، التي أسهمت في رفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة، إضافة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل تضغط بشكل مباشر على الاقتصادات الهشة، ومنها الاقتصاد اليمني الذي يعاني أساساً من اختلالات هيكلية وعجز مزمن في الموارد.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

وفي هذا السياق، اطلع المجلس على الجهود الحكومية الرامية إلى التخفيف من آثار هذه التحديات، بدعم من القيادة السياسية، بما في ذلك التنسيق مع الشركاء الدوليين لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والحد من تداعيات الأزمات الخارجية.

وضمن مساعي تحديث البنية التحتية المالية، أقر المجلس عدداً من القرارات التنظيمية؛ أبرزها اعتماد معيار وطني موحد لخدمة رمز الاستجابة السريع لجميع المؤسسات المالية، بما يسهم في تسهيل المعاملات وتعزيز الشمول المالي.

كما أقر ربط المحافظ الإلكترونية ضمن منظومة موحدة ترفع كفاءة التشغيل، إلى جانب مساهمة البنك المركزي بوصفه مسهماً رئيسياً في شركة تشغيل نظام المدفوعات الفورية، في خطوة تهدف إلى تسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد.

وفد من البنك الدولي

ورحب مجلس الإدارة بالتطورات الإيجابية في علاقات اليمن مع المؤسسات المالية الدولية، مشيراً إلى زيارة وفد البنك الدولي رفيع المستوى إلى عدن، وإلى عرض تقرير مشاورات المادة الرابعة مع اليمن على مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهو ما يعكس تنامي الانخراط الدولي في دعم الاقتصاد اليمني.

وفي السياق ذاته، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات التعافي، مع التركيز على تحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية وبناء القدرات المؤسسية.

اجتماع يمني في عدن مع وفد من البنك الدولي (إعلام حكومي)

وأكدت الزوبة أهمية مواءمة برامج الدعم مع أولويات الحكومة لعام 2026، داعية إلى زيادة التمويلات المخصصة لليمن، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه وخلق فرص العمل، إلى جانب تمكين النساء اقتصادياً.

وشدد الجانبان على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع استمرار دعم الفئات الأكثر احتياجاً، والتركيز على القطاعات الحيوية كالكهرباء والبنية التحتية والتعليم، بما يضمن تحقيق أثر طويل الأمد على الاقتصاد والمجتمع.


مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
TT

مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)

مع إعلان الجماعة الحوثية انخراطها في الحرب دفاعاً عن النظام الإيراني، دخلت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها مرحلة جديدة من التوتر والقلق، انعكست مباشرةً على الحياة اليومية لملايين السكان، الذين يواجهون اليوم سيناريوهات مفتوحة على احتمالات أمنية واقتصادية معقدة.

ففي صنعاء، تتجلَّى ملامح القلق في تفاصيل الحياة اليومية. الشوارع أقل ازدحاماً في ساعات النهار، وحركة الأسواق تشهد تراجعاً ملحوظاً، فيما يفضِّل كثير من السكان البقاء قرب منازلهم.

وبالرغم من غياب أي موجة نزوح واسعة حتى الآن في صنعاء، فإنَّ شهادات محلية تشير إلى تحركات فردية لعائلات بدأت بمغادرة أحياء ومناطق قريبة من مواقع حساسة. في المقابل، يلجأ كثيرون إلى ما يمكن وصفه بـ«الاستعداد الصامت» يتضمن تخزين بعض الغذاء وتوفير كميات إضافية من المياه، وتجهيز خطط بديلة في حال تدهور من الأوضاع.

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

ويخشى السكان في صنعاء من أن يؤدي انضمام الحوثيين للدفاع عن إيران إلى مزيد من المعاناة، خصوصاً وأن الملايين من اليمنيين يعيشون منذ سنوات ظروفاً متدهورة جرَّاء الانقلاب والحرب واستمرار سياسات الفساد والنهب والتجويع الحوثية.

وأبدى سكان العاصمة المختطفة رفضهم لهذه التحركات التي قد تستدعي، بحسبهم، ضربات عسكرية جديدة تطال ما تبقى من البُنى الحيوية دون اكتراث للمعاناة.

توقع ردود انتقامية

ويُحذِّر مراقبون من أن انخراط الحوثيين في الحرب قد يضع صنعاء وبقية مدن سيطرتهم ضمن بنك أهداف مُحتمل لقوى مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل، خاصة إذا استمرت وتيرة ارتباط عمليات الجماعة بتطورات ميدانية في الصراع الإقليمي.

ويقول مراد، وهو مواطن يعيش في شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»: «نحن لا نعرف حجم ما سيحدث، لكننا متأكدون أن الأمور لن تبقى كما هي. كل الاحتمالات واردة».

ويضيف: «إن القلق لا يرتبط حالياً بالخوف من ردة فعل أمريكية - إسرائيلية انتقامية ومُحتملة، بل أيضاً بانعدام وضوح المستقبل، في ظل تصاعد الخطاب العسكري للجماعة باستمرار شن مزيد من الهجمات باتجاه إسرائيل، وصولاً إلى معاودة استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب».

الحوثيون رفعوا صوراً لخامنئي في شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

أما أم محمد، وهي ربه منزل تقطن حي قريب من موقع عسكري غرب صنعاء، فتقول: «فكرت مع عائلتي بترك منزلنا بعد دخول الحوثيين في الحرب، لكن إلى أين نذهب؟ الإيجارات مرتفعة، والوضع صعب. وإن بقينا فالخوف لن يُفارقنا، خصوصاً على الأطفال».

وتشير إلى أن أطفالها أصبحوا أكثر توتراً، خصوصاً مع تداول أخبار التصعيد الحوثي عبر الهواتف ووسائل التواصل.

ولا تقتصر هذه الحالة على صنعاء، بل تمتد إلى مدن عدة خاضعة تحت سيطرة الحوثيين، حيث يُبدي كثير من السكان مخاوف مُشابهة، وإن كانت أقل حدة.

تصعيد تدريجي

ويرى محللون أن المرحلة المقبلة قد تشهد نمطاً من «التصعيد التدريجي»، الذي يسمح للجماعة بالمشاركة دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، غير أن هذا التوازن يبقى، حسبهم، هشاً وقابلاً للانهيار.

وبحسب هذه التقديرات فإنَّ الحوثيين وضعوا أنفسهم جرَّاء هذا التحرك أمام معادلة صعبة، حيث أنهم يسعون لتعزيز موقعهم ضمن محور تقوده إيران، لكنهم يدركون في الوقت نفسه أن التصعيد المفرط قد يستجلب ردوداً عسكرية قاسية.

حفرة أحدثها سقوط صاروخ حوثي استهدف إسرائيل (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويشير ناشطون يمنيون إلى أن المخاوف الحالية لا تقتصر على الجانب العسكري، مؤكدين أن سكان صنعاء وبقية المدن لا يخافون فقط من الضربات، بل أيضاً من أي إجَّراءات داخلية قد تشمل الاعتقالات أو التضييق، بتهم التخابر مع من تصفهم الجماعة بـ«الأعداء».

ويتخوف المراقبون من أنه في حال استمرار انخراط الحوثيين في الحرب بوتيرة عالية، قد تتجه الأوضاع في اليمن نحو مرحلة أكثر تعقيداً، فالخوف يتصاعد، والضغوط المعيشية والاقتصادية تتزايد، والسيناريوهات تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة.

وكانت الجماعة الحوثية أعلنت، السبت، إطلاق دفعتين من الصواريخ باتجاه إسرائيل، في إطار ما تسميه نصرة إيران، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخين أطلقا من اليمن، دون التسبب في أية أضرار.


هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

مع انقضاء الشهر الأول للحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

هذا التدخل الذي لم يكن مفاجئاً في سياق ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، يفتح الباب أمام تحولات ميدانية وسياسية عميقة داخل اليمن؛ إذ يرى محللون أنه قد يسرِّع إعادة تشكيل خريطة المواجهة، ويدفع نحو استئناف عمليات عسكرية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر، وربما أبعد من ذلك.

ويأتي ذلك بالتزامن مع قرار الأمم المتحدة إنهاء مهمة بعثتها لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) بنهاية مارس (آذار) الجاري، ما يعزز التقديرات بعودة جبهة الساحل الغربي إلى مربع الصراع المسلح، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتراجع مسارات التهدئة.

وتتصاعد المخاوف الإقليمية والدولية من احتمال إقدام جماعة الحوثي على إغلاق مضيق باب المندب، في خطوة قد تأتي امتداداً لتحركات طهران في مضيق هرمز، بما يعكس اتساع نطاق الضغط على الممرات البحرية الحيوية.

يقول عدنان الجبرني، المتخصص في الشؤون العسكرية، إن «مغادرة البعثة الأممية بالتزامن مع دخول الحوثيين في حرب جديدة لصالح إيران، وما قد يترتب على هذا الانخراط من تداعيات على مستقبل اليمن والمنطقة، يجعل جميع الاحتمالات مفتوحة».

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «انخراط الحوثيين يؤكد أن محركات الجماعة وأولوياتها مرتبطة بشكل أساسي بإيران ومحورها، وهو ما يشكل تحدياً خطيراً لليمنيين ومصالحهم ومستقبلهم، وكذلك للمنطقة عموماً، رغم حرص الجماعة على توظيف خطاب إسرائيل والقضية الفلسطينية».

انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية قد يؤدي لعملية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة (وكالات)

وحسب الجبرني، فإن «الحوثيين وصلوا داخلياً إلى حالة من الانسداد والانكشاف؛ حيث بلغ السخط الشعبي ضدهم وعزلتهم المجتمعية مستويات غير مسبوقة»، مضيفاً أن «ذلك يدفعهم نحو مزيد من الانخراط في معارك خارجية، وهو ما قد يرتد بتكلفة عالية على الجماعة ومستقبلها».

من جهتها، لم تستبعد المهمة الأوروبية (أسبيدس) استهداف الحوثيين السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، داعية السفن العابرة في هذه المنطقة إلى توخي الحذر.

في المقابل، يرى مروان نعمان، الباحث في مركز واشنطن للدراسات اليمنية لدى الأمم المتحدة، أن «الأوان قد حان لتحرير مدينة الحديدة من الميليشيات الحوثية»، مشيراً إلى أن «قرار نقل السلطة في عام 2022، الذي تم بموجبه تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، أكد أن حل الأزمة في اليمن سيكون سلماً أو حرباً».

ولفت نعمان -في تعليق لـ«الشرق الأوسط»- إلى أن «الرئيس رشاد العليمي دعا مؤخراً إلى تشكيل تحالف دولي لمواجهة التهديدات الحوثية في البحر الأحمر»، مضيفاً أن «التطورات الجديدة في المنطقة تجعل من تحرير مدينة الحديدة أمراً لازماً».

وأكد أن «انخراط الجماعة، بتوجيه من (الحرس الثوري) الإيراني، في خدمة أجندة إيران التوسعية الهادفة إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، يدق المسمار الأخير في نعشها».

الجماعة الحوثية تعيش أسوأ حالاتها حسب محللين (إ.ب.أ)

من جانبه، يتفق الكاتب السياسي اليمني همدان العليي على أن «انتهاء اتفاق استوكهولم، ومغادرة البعثة الأممية، يمثلان فرصة حقيقية لليمنيين والإقليم والمجتمع الدولي، لاستعادة مؤسسات الدولة في الحديدة، وصولاً إلى صنعاء».

ويرى العليي أن «أي عملية لتحرير الحديدة ومينائها ستسهم في حماية الممرات البحرية في باب المندب من الهجمات الحوثية، التي يُتوقع أن تتصاعد خلال الفترة المقبلة»، مضيفاً: «يبدو أننا أمام مواجهة جديدة (...) وأي خرق جديد من الحوثيين يعني الدخول في مرحلة مختلفة قد تقود إلى تحرير هذه المنطقة الجغرافية المهمة».

بدوره، يؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الله إسماعيل، أن «هناك كثيراً من المؤشرات التي تدل على أن معركة تحرير الحديدة واليمن قادمة»، ولكنه يرى أن الإشكالية تكمن في التوقيت. وقال: «في تقديري، فإن معركة تحرير الحديدة والمناطق الأخرى قادمة، ولكن تحديد موعدها يخضع لجملة من المعايير والترتيبات التي تحول دون استفادة الحوثيين من عمليات التحشيد أو استغلالها في تغرير اليمنيين».

وأضاف: «نحن أمام متغيرات واضحة، وربما تكون الانتفاضة من الداخل اليمني هي الحاسمة، بينما يرى كثيرون أن الجماعة تحفر قبرها بيدها».

من الناحية العسكرية، يرى العقيد محمد جابر، مستشار قائد العمليات اليمنية المشتركة، أن «المعطيات المحلية والإقليمية الحالية تشير إلى أننا مقبلون على معركة (كسر عظم) مع مشروع نظام الملالي».

وأشار -في تصريح لـ«الشرق الأوسط»- إلى أنه «بعد سقوط اتفاق استوكهولم سياسياً وعسكرياً، تبرز مؤشرات واضحة على فتح جبهة الحديدة والساحل الغربي، وتحولها إلى ساحة مواجهة مفتوحة خلال الأيام المقبلة».

قوات تابعة للمقاومة الوطنية في الساحل الغربي (الجيش اليمني)

وحذَّر جابر من أن «الحوثيين استبقوا هذا التحول بتحشيد عسكري غير مسبوق منذ بداية عام 2026، بهدف تحويل الساحل إلى قاعدة صاروخية تخدم النظام الإيراني في صراعه الإقليمي، واستخدام باب المندب كورقة للمقايضة السياسية».

ووفقاً لوزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، فقد وصلت قيادات وخبراء إضافيون من «الحرس الثوري» إلى صنعاء خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع التصعيد الأخير.

وأوضح جابر أن «التحركات الأخيرة للحكومة الشرعية واللجنة العسكرية، بإشراف المملكة العربية السعودية، تعكس وجود ترتيبات جادة لتوحيد الجبهات تحت قيادة مشتركة، والاستعداد لسيناريو ردع جماعة الحوثي واستعادة المواني».

وأضاف: «اختار الحوثيون الانخراط في المعركة الإقليمية بإرادتهم، وقدَّموا أنفسهم كأداة تنفيذية ضمن غرفة عمليات مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مقدِّمين أولويات الصراع الإقليمي على حساب مصلحة اليمن واليمنيين، هذا القرار سيضعهم أمام مواجهة داخلية مع اليمنيين، ومواجهة مباشرة مع البيئة الإقليمية والدولية، بما قد يعجِّل بنهايتهم».