روسيا تكثّف تحركاتها العسكرية في إدلب لدعم الاتفاقات مع تركيا

أوساط في موسكو تتحدث عن «نفاد صبر» بوتين حيال الأسد

رجل يعقّم منزلاً في جسر الشغور عاد إليه نازحون من شمال سوريا (أ.ف.ب)
رجل يعقّم منزلاً في جسر الشغور عاد إليه نازحون من شمال سوريا (أ.ف.ب)
TT

روسيا تكثّف تحركاتها العسكرية في إدلب لدعم الاتفاقات مع تركيا

رجل يعقّم منزلاً في جسر الشغور عاد إليه نازحون من شمال سوريا (أ.ف.ب)
رجل يعقّم منزلاً في جسر الشغور عاد إليه نازحون من شمال سوريا (أ.ف.ب)

بدأت موسكو تحركاً نشطاً على مسارين دبلوماسي وعسكري، بعد مرور أيام قليلة على اجتماع لوزراء خارجية بلدان «مسار آستانة» هدف إلى تقليص مساحات الخلاف، والتوافق على آليات التحرك في المرحلة المقبلة.
وتزامن ذلك، مع تواصل السجالات حول طبيعة وأهداف الحملة الإعلامية الروسية القوية على الرئيس السوري بشار الأسد، والتي رغم تراجع حدتها أخيراً ما زالت تداعياتها متواصلة لجهة إثارة أسئلة حول مستقبل العلاقة الروسية مع النظام.
وبرز التحرك الدبلوماسي في الاتصالات التي أجراها نائب وزير الخارجية الروسي المكلف بالملف السوري سيرغي فيرشينين مع المبعوث الدولي إلى سوريا غير بيدرسن. وأعلنت الخارجية الروسية أن الطرفين بحثا آفاق التسوية السياسية والوضع على الأرض وملف المساعدات الإنسانية. وجاءت المحادثات عشية جلسة دورية لمجلس الأمن حول سوريا. لكن الجانب المهم في المحادثات ظهر مع تأكيد دبلوماسيين روس رغبة موسكو في إطلاق سريع لعمل اللجنة الدستورية فور توفر الظروف الملائمة لذلك، في إشارة إلى أن موسكو تريد أن تبني سريعاً على الاتفاق الذي تم التوصل إليه الشهر الماضي حول آليات عمل اللجنة، وتخشى من أن المماطلة بسبب تداعيات تفشي فيروس «كورونا» قد تسبب أضراراً لما تم تحقيقه حتى الآن على هذا الصعيد.
لذلك، لم تستبعد مصادر تحدثت إليها «الشرق الأوسط» أن يتم إطلاق فكرة خلال الفترة المقبلة لتدشين عمل اللجنة «افتراضياً» لحين التمكن من عقد اجتماعات مباشرة لأعضائها.
ميدانياً، حمل التحرك الروسي رسائل عدة إلى الحكومة السورية وإلى تركيا في الوقت ذاته، إذ نقلت وسائل إعلام حكومية عن ضباط في سلاح الجو الروسي في سوريا أن موسكو بدأت تسيير مروحيات عسكرية في المناطق التي تشن فيها تركيا عمليات في إدلب لإجبار أطراف متشددة على فتح الطريق «إم 4».
وتعكس المواكبة الروسية للعمليات التركية ليس فقط أهدافاً ميدانية كون هذا التحرك متفقاً عليه بين موسكو وأنقرة، بل تحمل أيضاً إبعاداً سياسية على خلفية مواصلة دمشق حملات إعلامية وسياسية على تركيا. وقال دبلوماسيون روس إن موسكو تريد أن تؤكد التزامها بالاتفاق مع تركيا وارتياحها لأن أنقرة تقوم بخطوات عملية في طريق تنفيذ الاتفاقات. بالتوازي مع ذلك، بدا أن تداعيات الحملة الإعلامية القوية على الأسد في روسيا، لم تنتهِ، رغم تراجع لهجة المؤسسات الإعلامية التي شاركت فيها.
وكانت سلسلة مقالات قد انتقدت الأسد بقوة أثارت نقاشات واسعة حول ما وُصف بأنه «تبدل في الموقف الروسي حيال الأسد»، وهو أمر أكدت مصادر تحدثت إليها «الشرق الأوسط» أنه «من السابق لأوانه الحديث عن تغيير أو تبدل في سياسة روسيا في سوريا». لكن في المقابل يُجمع محللون على أن الحملة أظهرت أن «صبر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بدأ ينفد إزاء الرئيس السوري بشار الأسد، الذي لم يُظهر عرفانه لروسيا التي ساعدته للبقاء في السلطة».
ونقلت وكالة «بلومبرغ» للأنباء عن مصادر مطلعة على النقاشات الدائرة في الكرملين أن بوتين -الذي تعاني بلاده من صدمتي انهيار أسعار النفط وتفشي وباء «كورونا المستجد»، بالإضافة إلى حرصه على إنهاء التحركات العسكرية في سوريا بإعلان تحقيق النصر- يصر على أن يظهر الأسد المزيد من المرونة في المحادثات مع المعارضة السورية بشأن التوصل إلى تسوية سياسية.
ورأى محللون أن «رفض الأسد التنازل عن أي من صلاحياته مقابل الحصول على مزيد من الاعتراف الدولي، وربما مليارات من الدولارات في شكل مساعدات لإعادة الإعمار، أثارت فورات غضب روسية نادرة ضده».
وقال ألكسندر شوميلين، وهو دبلوماسي روسي سابق يدير «مركز أوروبا والشرق الأوسط» الذي تموّله الحكومة في موسكو: «على الكرملين التخلص من الصداع السوري». وأضاف: «تتعلق المشكلة بشخص واحد، وهو الأسد، وحاشيته».
ووفقاً لمحللين فإن «عناد الأسد يسلّط الضوء على المعضلة التي تواجهها روسيا، خصوصاً في عدم وجود بديل للزعيم السوري من أجل التوصل إلى اتفاق. وفي حين استخدم بوتين تدخله الناجح في سوريا في عام 2015 لاستعادة النفوذ الذي تمتعت به بلاده إبان الحقبة السوفياتية كلاعب رئيسي في منطقة الشرق الأوسط، لجأ الأسد إلى المناورة بين موسكو وداعمه العسكري الرئيسي الآخر، وهي إيران، للإبقاء على قبضته على مقاليد السلطة».
كما استفاد الأسد من قوة روسيا العسكرية والدبلوماسية أمام جهود تركيا لتوسيع وجودها في المناطق المتبقية التي يسيطر عليها المسلحون في شمال سوريا، في الوقت الذي سعى فيه إلى استعادة السيطرة على كامل البلاد. وكان دبلوماسيون روس قد وجهوا انتقادات حادة لـ«شعور الأسد بنشوة الانتصار ما يجعله منفصلاً عن الواقع، خصوصاً عندما يتحدث عن فتح معارك جديدة للسيطرة على المناطق التي ما زالت خارج سيطرته».
ورغم أن الناطق باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، كان قد نفى أن يكون بوتين غير راضٍ عن الأسد بسبب رفض الأخير تقديم تنازلات للمعارضة السورية، في إطار التفاوض من أجل التوصل إلى تسوية سياسية، فإن خبراء روس أشاروا إلى أنه على مدار سنوات، مارست روسيا ضغوطاً على الأسد خلف الكواليس، للموافقة على تقديم بعض التنازلات السياسية الرمزية، على الأقل، لكسب تأييد الأمم المتحدة لإعادة انتخابه المتوقعة في عام 2021، ولكن هذه الضغوط لم تؤتِ ثمارها.
ولفت خبراء إلى أن بوتين أرسل أخيراً وزير الدفاع سيرغي شويغو، لنقل رسالة واضحة للأسد بضرورة الالتزام بالاتفاق الروسي مع تركيا. وكان الرئيس الروسي قد اضطر قبل ذلك إلى إرسال موفده الخاص ألكسندر لافرنتييف، لتنبيه الأسد إلى ضرورة التعاون مع غير بيدرسن، عندما كان الأخير بصدد تقديم إحاطة حول عمل «الدستورية» إلى مجلس الأمن.
وشكّل الانتقاد الروسي الصريح للحليف السوري إشارات إلى وقوع تغيير جذري في نهج موسكو. صحيح أنه لا يعني «الانقلاب» على الأسد، لكنه كما قال خبراء يعكس قناعة روسية بأن على موسكو أن تتحرك بشكل نشط ومنفرد وأن تضع الأسد أمام استحقاقات.
كانت مؤسسات روسية قد نشرت استطلاعاً للرأي أظهر أن الأسد يحصل على تأييد بنسبة لا تزيد على 32%، وأدرج عدداً من البدائل المحتملة له من داخل النظام السوري ومن المعارضة.
وسرعان ما اختفى الاستطلاع ومقالات حادة اللهجة تجاه الأسد عن المواقع التي نشرتها، لكن بعد أيام، نشر مجلس الشؤون الدولية الروسية، وهو مركز أبحاث للسياسة الخارجية أسسه الكرملين، تعليقاً ينتقد الحكومة في دمشق ويصفها بأنها تحتاج إلى «نهج بعيد النظر ومرن» من أجل إنهاء الصراع.
وفي مقابلة عبر الهاتف، قال ألكسندر أكسينيونوك، وهو دبلوماسي روسي سابق ونائب لرئيس مجلس الشؤون الدولية، وهو من قام بكتابة التعليق: «إذا رفض الأسد قبول دستور جديد، فإن النظام السوري سيعرّض نفسه لخطر كبير».
وفي إشارة إلى أن سبب الغضب الروسي لا يقتصر على محاولة دمشق عرقلة الاتفاق الروسي - التركي بل ينسحب على المماطلة في دفع نشاط اللجنة الدستورية، قال أكسينيونوك، إن المحادثات التي بدأت في جنيف بقيادة الأمم المتحدة، لإعادة صياغة الدستور السوري وإدخال بعض المنافسة السياسية، وصلت سريعاً إلى طريق مسدود عندما قام الجانب الحكومي «بإفساد (المفاوضات) عن عمد».
وبرز البعد الاقتصادي كذلك في الانتقادات الروسية، وأوضح دبلوماسي قريب من الشأن السوري، أن تحذيرات موسكو تعكس حجم الإحباط داخل مجتمع الأعمال في روسيا، من الفشل في دخول الاقتصاد السوري.
كما أشار إلى أن روسيا تدرك أيضاً مدى صعوبة الوضع في البلاد، في ظل فشل الأسد في توفير السلع الأساسية بسبب تفشي وباء «كورونا»، بالإضافة إلى مشكلة الشبكات الفاسدة التي تخاطر بنوع ما من التمرد في مناطق معينة مستقبلاً.
ورغم ذلك، قال مصدر وثيق الصلة بالكرملين إن موسكو اكتفت حتى الآن بإرسال إشارات قوية للقيادة السورية. وقال مصدر آخر مقرب من الزعيم الروسي إن بوتين يرى الأسد شخصية عنيدة خيّبت آماله، وقد استخدم بعض الإعلام لتوصيل رسالته. وأوضح المصدر ومسؤول حكومي، أنه لا يزال من غير الممكن التخلي عن الرئيس السوري، لأنه لا يوجد حليف آخر مناسب في سوريا.



أفراح الزوبة تدعو لحشد دولي ضد التدخل الإيراني في اليمن

وزيرة الخارجية اليمنية خلال لقاء مع الصحافيين في باريس (إعلام حكومي)
وزيرة الخارجية اليمنية خلال لقاء مع الصحافيين في باريس (إعلام حكومي)
TT

أفراح الزوبة تدعو لحشد دولي ضد التدخل الإيراني في اليمن

وزيرة الخارجية اليمنية خلال لقاء مع الصحافيين في باريس (إعلام حكومي)
وزيرة الخارجية اليمنية خلال لقاء مع الصحافيين في باريس (إعلام حكومي)

كثفت الحكومة اليمنية من تحركها الدبلوماسي لمواجهة التصعيد الحوثي، محذرة من تداعيات التدخلات العسكرية الإيرانية في اليمن، وانعكاساتها على أمن الملاحة الدولية والاستقرار الإقليمي، بالتزامن مع تفاقم الأزمة الإنسانية في المناطق الخاضعة لحصار الجماعة وخاصة في تعز.

وضمن هذه التحركات عرضت وزيرة الخارجية وشؤون المغتربين، أفراح الزوبة، في العاصمة الفرنسية باريس، على ممثلي وسائل إعلام دولية ووكالات أنباء، وعلى السفراء العرب المعتمدين لدى فرنسا، مستجدات الأوضاع في اليمن، مشيرة إلى تصاعد في الدعم العسكري الخارجي للجماعة الحوثية، إلى جانب الانتهاكات التي تطول المدنيين والبنية التحتية.

وجاءت تحذيرات الوزيرة غداة إعلان وزارة الداخلية اليمنية تحديد هويات 21 خبيراً أجنبياً يعملون مع الحوثيين، بينهم 14 من الحرس الثوري الإيراني و7 من «حزب الله» اللبناني، في اتهام حكومي بمشاركة هذه العناصر في التخطيط وإدارة العمليات العسكرية وتعزيز القدرات القتالية للجماعة.

وزيرة الخارجية اليمنية أفراح الزوبة (أ.ف.ب)

وقالت الزوبة إن وجود هذه العناصر يكشف حجم التدخل الخارجي في القرار العسكري الحوثي، مشيرة إلى أن أدوارها في التخطيط وإدارة العمليات وبناء القدرات العسكرية أسهمت في تصعيد الاعتداءات على المدنيين والأعيان المدنية، وتهديد دول الجوار والملاحة الدولية.

تحذيرات إنسانية وأمنية

على الصعيد الإنساني، سلطت الوزيرة الضوء على الحصار الحوثي المفروض على مدينة تعز، وما يترتب عليه من تدهور الأوضاع المعيشية والصحية، خصوصاً مع منع دخول الأدوية والمستلزمات الطبية وإغلاق منشآت صحية ورفض فتح ممرات آمنة لخروج المدنيين والمرضى.

وحذرت من أن استمرار هذه الممارسات يهدد حياة النساء والأطفال والمصابين بالأمراض الخطيرة والمستعصية، ويضاعف معاناة السكان المحاصرين، في وقت تجاوز فيه عدد النازحين، وفق تقديرات الحكومة، ربع مليون شخص خلال جولة التصعيد الأخيرة.

كما أثارت الزوبة ملف الانتهاكات الحوثية المرتبطة بتجنيد الأطفال وزراعة الألغام المضادة للأفراد بصورة عشوائية ومكثفة، إلى جانب استمرار اختطاف عشرات الموظفين الأمميين والعاملين في المجال الإنساني والإغاثي، وما يتعرضون له من انتهاكات بدنية ونفسية قالت إنها أودت بحياة عدد منهم.

وفيما يتعلق بالأمن الإقليمي، قالت الوزيرة إن اعتداءات الحوثيين على الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وتنسيقهم مع تنظيمات إرهابية في القرن الأفريقي، يمثلان تهديداً يتجاوز حدود اليمن إلى الأمن والسلم الإقليميين والدوليين.

ودعت المجتمع الدولي ومجلس الأمن إلى حشد التوافق لإدراج الجماعة الحوثية على قوائم الإرهاب الدولية، وملاحقة شبكاتها ومصادر تمويلها ومنابرها التحريضية، واتخاذ خطوات حازمة لوقف تدفق الأسلحة والتقنيات والخبراء إليها.


الألغام الحوثية المموهة تصطاد الفارين من الحرب في اليمن

تقديرات حكومية يمنية بزراعة الحوثيين نحو مليوني لغم (إعلام حكومي)
تقديرات حكومية يمنية بزراعة الحوثيين نحو مليوني لغم (إعلام حكومي)
TT

الألغام الحوثية المموهة تصطاد الفارين من الحرب في اليمن

تقديرات حكومية يمنية بزراعة الحوثيين نحو مليوني لغم (إعلام حكومي)
تقديرات حكومية يمنية بزراعة الحوثيين نحو مليوني لغم (إعلام حكومي)

حذرت منظمة دولية متخصصة في نزع الألغام والمتفجرات من تصاعد المخاطر التي تهدد حياة المدنيين في اليمن من جراء العبوات الناسفة والألغام التي تُخفيها الجماعة الحوثية بوسائل تمويه تجعلها تبدو كأغراض يومية، بينها الصخور وقطع الطوب وأوعية حفظ مياه الشرب، مؤكدة أن محافظة تعز سجلت نحو ثلثي حوادث زرع الألغام والمتفجرات الموثقة.

وقالت منظمة «هالو تراست»، في بيان، إن العبوات الناسفة التي تُدفن تحت التربة أو توضع داخل حقائب على جوانب الطرق، أو تُموّه على هيئة أغراض مألوفة، باتت تشكل تهديداً متزايداً للمدنيين، خصوصاً مع تصاعد المواجهات العسكرية وتغير خطوط القتال، وما رافق ذلك من موجات نزوح واسعة من مناطق الاشتباكات.

وأوضحت المنظمة أن التصعيد العسكري الأخير للحوثيين أدى إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان، في وقت تشير فيه التقارير الإعلامية والبيانات المتاحة إلى بدء عمليات جديدة لزرع الألغام، إلى جانب انتشار الذخائر غير المنفجرة على امتداد طرق النقل الحيوية وممرات وصول المساعدات الإنسانية.

موجات النزوح من جراء العدوان الحوثي دفعت مئات الآلاف من اليمنيين إلى مغادرة مناطقهم (إعلام محلي)

وقال أندرو مور، المدير الإقليمي للمنظمة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إن تغير خطوط المواجهة واضطرار المدنيين إلى مغادرة منازلهم باتجاه مناطق لا يعرفون تضاريسها وطرقها يجعلانهم أكثر عرضة للتفجيرات الناجمة عن المتفجرات المخفية.

وشدد مور على أهمية مواكبة عمليات المسح وإزالة الألغام للتطورات الميدانية، محذراً من أن تأخر التعامل مع هذه المخاطر يضاعف احتمالات سقوط ضحايا بين المدنيين الفارين من القتال.

تعز في الصدارة

وفقاً للبيانات التي أوردتها المنظمة، يتركز نحو ثلثي حوادث زرع الألغام المسجلة في محافظة تعز، التي تشهد مواجهات متواصلة على جبهاتها، بالتزامن مع الحصار المفروض على عاصمتها والقيود التي تطول حركة السكان والإمدادات.

وأشارت التقارير إلى العثور على ألغام مضادة للأفراد وأخرى للمركبات على طرق حيوية يستخدمها السكان في مديرية جبل حبشي، فضلاً عن بلاغات بشأن عبوات ناسفة متنوعة وأخرى مموهة في منطقة التربة، ما يهدد سلامة المدنيين الذين يعتمدون على هذه الطرق للتنقل والفرار من مناطق المواجهات.

وتكتسب هذه المخاطر أهمية إضافية مع اتساع حركة النزوح في المحافظة، التي تستضيف أعداداً كبيرة من الأسر الفارة من القتال، بينما أدت الاشتباكات وقطع الطرق الرئيسية إلى عرقلة وصول المواد الغذائية والخدمات الطبية، فضلاً عن تضرر منشآت المياه والبنية التحتية الحيوية.

وبحسب الأمم المتحدة، اضطر أكثر من 300 ألف يمني إلى مغادرة منازلهم منذ أغسطس (آب) الماضي، ويقيم أكثر من نصفهم في محافظة تعز، التي تقع مناطق واسعة منها على خطوط المواجهة. ويواجه النازحون مخاطر إضافية خلال انتقالهم عبر طرق وممرات قد تكون مزروعة بالألغام أو ملوثة بمخلفات الحرب.

العبوات الناسفة الحوثية المموهة تهدد المدنيين الفارين من مناطق القتال (إعلام محلي)

ولا تقتصر المخاوف على تعز، إذ تتزايد معدلات النزوح في جنوب اليمن وغربه، حيث تجاوز عدد الفارين من القتال 42 ألف شخص، وفق البيانات التي أوردتها المنظمة.

وأثارت تقارير عن زرع ألغام أرضية على امتداد ممرات النقل الساحلية في منطقة باب المندب والساحل الغربي مخاوف من اتساع نطاق التهديد، خصوصاً أن هذه الطرق تمثل مسارات حيوية لحركة المدنيين وإيصال المساعدات الإنسانية.

وتتداخل هذه المخاطر مع حركة الهجرة القادمة من القرن الأفريقي؛ إذ وصل أكثر من 134 ألف شخص إلى اليمن خلال سبتمبر (أيلول) 2026، وفق البيان، وكان كثير منهم يسعون إلى الوصول إلى دول الخليج، الأمر الذي يعرّض أعداداً إضافية من الأشخاص لمخاطر المتفجرات عند سلوك طرق غير مألوفة.

وتأتي هذه التطورات في بلد يواجه واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية، إذ تقدر خطة الأمم المتحدة للاحتياجات والاستجابة الإنسانية لعام 2026 أن 22.3 مليون شخص يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، بينهم 18.3 مليون يعانون انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، فيما يواجه أكثر من 2.2 مليون طفل دون الخامسة سوء التغذية الحاد، بينهم أكثر من 516 ألف طفل يعانون سوء التغذية الحاد الوخيم.

إزالة الألغام

في سياق جهودها، قالت «هالو تراست» إنها تعمل منذ أكثر من ثلاثة عقود على إزالة الألغام والمتفجرات ومساعدة المجتمعات المتضررة من النزاعات على استعادة حياتها، مشيرة إلى أن انتهاء المعارك لا يعني زوال مخاطر الحرب، إذ تظل الأراضي الملوثة بالمتفجرات عائقاً أمام عودة السكان وممارسة أنشطتهم اليومية.

نحو ثلثي حوادث الألغام والمتفجرات المسجلة تركزت في محافظة تعز (إعلام محلي)

وأضافت أن وجود الألغام يحرم العائلات من زراعة أراضيها ورعي مواشيها، ويجعل أنشطة أساسية، مثل الذهاب إلى المدارس وجلب المياه، محفوفة بالمخاطر، مؤكدة أن استعادة الأمان في المناطق المتضررة شرط أساسي لعودة الحياة الطبيعية.

وأوضحت المنظمة أنها تعتمد على توظيف وتدريب رجال ونساء من المجتمعات المحلية للمشاركة في عمليات إزالة الألغام، بما يوفر لهم دخلاً يساعدهم على إعادة بناء حياتهم، من خلال شراء الماشية وزراعة المحاصيل وإطلاق مشروعات صغيرة.

وتحذر المنظمة من أن استمرار زراعة الألغام وانتشار الذخائر غير المنفجرة، بالتزامن مع موجات النزوح وتغير خطوط المواجهة، يوسع دائرة الخطر على المدنيين، ويجعل الطرق التي يسلكونها بحثاً عن الأمان مصدراً جديداً للتهديد.


صناديق تبرعات حوثية تلاحق التجار والزبائن لتمويل القتال

صندوق حوثي لجمع التبرعات النقدية في أحد المتاجر في صنعاء (إكس)
صندوق حوثي لجمع التبرعات النقدية في أحد المتاجر في صنعاء (إكس)
TT

صناديق تبرعات حوثية تلاحق التجار والزبائن لتمويل القتال

صندوق حوثي لجمع التبرعات النقدية في أحد المتاجر في صنعاء (إكس)
صندوق حوثي لجمع التبرعات النقدية في أحد المتاجر في صنعاء (إكس)

حوّلت الجماعة الحوثية الأسواق والمنشآت التجارية في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء إلى منافذ جديدة لتمويل أنشطتها العسكرية، عبر حملة جباية وإكراه تستهدف مئات الشركات والمؤسسات والمتاجر والمطاعم والمراكز التجارية، بإجبار أصحابها على وضع صناديق تبرعات داخل منشآتهم، وانتزاع الأموال من التجار والمواطنين تحت لافتة دعم «المجهود الحربي» وأسر قتلاها وجرحاها ومفقوديها في الجبهات، وفق مصادر محلية وتجارية.

وتكشف الحملة، التي انطلقت مطلع الأسبوع، عن مساعٍ حوثية لتوسيع مصادر التمويل القسري وتعويض الخسائر البشرية والعسكرية، من خلال تحميل القطاع الخاص والسكان أعباء استمرار الحرب، في وقت تتفاقم فيه الأزمة المعيشية وتتراجع قدرة المؤسسات التجارية على مواصلة أنشطتها.

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن عناصر الجماعة ومشرفيها استهدفوا منشآت تجارية في عدد من مديريات صنعاء، وأجبروا أصحابها، تحت الضغط والتهديد، على استقبال صناديق مخصصة لجمع الأموال، بالتزامن مع تحركات ميدانية لحث التجار والزبائن على إيداع مبالغ مالية فيها.

جانب من إطلاق الحوثيين حملة تبرع سابقة لدعم المجهود الحربي (إعلام حوثي)

وأضافت أن الجماعة ألزمت عناصرها بالمرور يومياً على المحال والمنشآت لجمع الأموال المودعة في الصناديق، قبل نقلها إلى حسابات مصرفية خاصة بكبار قادتها، وفق المصادر، التي أشارت إلى أن الحملة لا تقتصر على جمع التبرعات، بل تتضمن فرض التزامات مالية وممارسة ضغوط مباشرة على أصحاب الأنشطة التجارية.

320 صندوقاً في يومين

في مؤشر على اتساع الحملة، وزعت الجماعة الحوثية أكثر من 320 صندوق تبرع على مؤسسات القطاع الخاص في عدد من المديريات خلال اليومين الأولين، مشيراً إلى أنها تعتزم توزيع نحو 4 آلاف صندوق إضافي خلال الأيام المقبلة، لتشمل بقية مناطق العاصمة وضواحيها.

وتزامن ذلك مع شكاوى تجار من اقتحام مشرفين وعناصر حوثية متاجرهم حاملين صناديق التبرعات، وإجبارهم تحت تهديد السلاح على وضعها داخل محالهم، من دون استئذان أو الحصول على موافقتهم.

وقال تجار إن الجماعة لم تكتفِ بفرض الصناديق، بل ألزمت أصحاب المنشآت والعاملين فيها بدعوة الزبائن إلى التبرع، محذرة من اتخاذ إجراءات صارمة بحق المحال التي تُفتح صناديقها وتظهر خالية من الأموال، في مسعى لتحويل التجار إلى أدوات لتحصيل الجبايات من المواطنين.

صندوق حوثي لجمع التبرعات النقدية في أحد شوارع صنعاء (فيسبوك)

ويقول «رمزي»، وهو اسم مستعار لمالك متجر في أحد أحياء صنعاء، إن مشرفين حوثيين أجبروه على وضع صندوق داخل محله تحت ذريعة دعم الجبهات وأسر قتلى الجماعة وجرحاها، موضحاً أن عناصرها يمرون بصورة متكررة لجمع الأموال، من دون أن يكون له حق الاعتراض أو رفض وجود الصندوق.

ويضيف أن تهديدات المشرفين ومراقبتهم المستمرة تدفعانه أحياناً إلى وضع مبالغ مالية من ماله الخاص داخل الصندوق، تفادياً لتحميله مسؤولية عزوف الزبائن عن التبرع أو إخضاعه لإجراءات عقابية، إذ بات خلو الصندوق من الأموال سبباً كافياً للمساءلة والضغط عليه.

الجماعة الحوثية تطلب التبرع بالأموال رغم اتساع رقعة المجاعة (الشرق الأوسط)

وفي ضواحي صنعاء، يشكو صاحب مطعم، طلب عدم نشر اسمه، من تحول الحملة إلى وسيلة إضافية لابتزاز أصحاب المنشآت، قائلاً إن المشرفين الحوثيين لا يكتفون بفرض الصناديق، وإنما يمارسون ضغوطاً على أصحاب المطاعم والعاملين فيها لدفع مبالغ إضافية، رغم تراجع المبيعات وارتفاع تكاليف التشغيل.

أما «سعيد»، وهو أحد سكان صنعاء، فيرى أن الجماعة تسعى إلى تحويل ما تبقى من الأسواق والمتاجر إلى منافذ دائمة لتحصيل الأموال من المواطنين، مشيراً إلى أن السكان باتوا محاصرين بحملات التبرع والجبايات المتلاحقة، في وقت يعجز فيه كثيرون عن توفير الاحتياجات الأساسية لأسرهم.