الوباء يُقيّد الولايات المتحدة... ويعطي فرصة لخصومها

بعد اقتراب إصابات «كورونا» من مليون وتجاوز الوفيات 50 ألفاً

جنود أميركيون ينقلون رفات عسكري سابق توفي بـ«كورونا» في نيويورك الأحد الماضي (رويترز)
جنود أميركيون ينقلون رفات عسكري سابق توفي بـ«كورونا» في نيويورك الأحد الماضي (رويترز)
TT

الوباء يُقيّد الولايات المتحدة... ويعطي فرصة لخصومها

جنود أميركيون ينقلون رفات عسكري سابق توفي بـ«كورونا» في نيويورك الأحد الماضي (رويترز)
جنود أميركيون ينقلون رفات عسكري سابق توفي بـ«كورونا» في نيويورك الأحد الماضي (رويترز)

بعد سقوط 50 ألف أميركي ضحية لوباء «كوفيد-19» وإصابة نحو مليون، فإنه أصبح جلياً أن هذه الأزمة تحمل عواقب طويلة الأجل على الولايات المتحدة وركائز أمنها القومي. فتلك الأعداد تفوق بكثير ضحايا هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)، التي دفعت الولايات المتحدة لخوض حرب طويلة الأمد في أفغانستان والعراق، كما تتجاوز أعداد ضحايا بيرل هاربر التي أدخلتها الحرب العالمية الثانية.
وفيما تشير إحصائيات جامعة «جونز هوبكنز» إلى بلوغ الإصابات صباح أمس 906.551 حالة، والوفيات نحو 51.322، تزايدت الدعوات إلى إعادة فتح الاقتصاد الذي شلّه الوباء، ورافقتها انتقادات موجّهة للرئيس دونالد ترمب ومعالجة إدارته للأزمة. ولم تمنع قوة وإمكانات الجيش الأميركي بطائراته وصواريخه المتطورة وفرقطاته ومدمراته وتمركز قواته الاستراتيجي في البحار والمحيطات تفشي هذا الفيروس، الذي تسلّل إلى صفوف الجنود الأميركيين وأصاب الآلاف منهم دون أن يطلق رصاصة واحدة، كما أربك البنتاغون وعلّق مهام القوات الأميركية وانتشارها في الخارج.
وانتشر الفيروس بين الجنود الأميركيين على متن المدمرات وحاملات الطائرات وداخل مبنى البنتاغون نفسه. وأعلن البنتاغون تقليص أو إلغاء أو تأجيل المناورات العسكرية الرئيسية بين القوات الأميركية ونظيراتها في أفريقيا وآسيا وأوروبا، كما تمّ تقليص الوجود الأميركي في سوريا والعراق. وحتى الآن، هناك نحو أربعة آلاف حالة إصابة بين العسكريين الأميركيين وفقاً لأرقام البنتاغون (3919 حتى صباح السبت، من بينهم 840 عسكرياً كانوا على متن حاملة الطائرات «يو إس إس تيودور روزفلت» من طاقمها المكون من 4800 جندي)، وبحساب الموظفين المدنيين والمقاولين العاملين مع الجيش والأسر، فإن حالات الإصابة بفيروس كورونا تقفز إلى أكثر من 5700 حالة مع 25 حالة وفاة. وأفادت شبكة «سي إن إن» بأن 26 سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية تعاني من انتشار حالات إصابة بفيروس كورونا.
- الاستعداد للسيناريو الأسوأ
ويخطط المسؤولون العسكريون الأميركيون لمعارك ضد الفيروس حتى بعد أن يهدأ انتشار الوباء، حيث تشير تقارير إلى أن الفيروس قد يكون دورياً، وقد يعاود الظهور في الولايات المتحدة في شهري سبتمبر (أيلول) وأكتوبر (تشرين الأول) مع عودة الطقس البارد. وقال رئيس أركان القوات الجوية الأميركية، الجنرال ديف غولدفين للصحفيين، إن «التقديرات بأنه لن يكون هناك لقاح لما يزيد على عام، يعني أنه يجب علينا تحسين قدراتنا (...)»، مؤكداً أن القوات الأميركية لا تزال قادرة على الدفاع عن الأمة ومصالحها. وأضاف أن «مهمة الجيش هي الاستعداد لأسوأ السيناريوهات، والتأكد من استعداد الجيش في حال تطلب الأمر التعامل مع التهديدات التقليدية».
ومثلما غيرت هجمات بيرل هاربر وهجمات الحادي عشر من سبتمبر من تعريف الأمن القومي الأميركي وأعادت توجيه مسار سياسة الولايات المتحدة لعدة عقود، فإن العواقب الوخيمة لهذا الوباء، وعدم استعداد الولايات المتحدة لمواجهته وهشاشة وضعف أسلوب الاستجابة سيلقي بظلال طويلة الأمد على سياسات الحكومات الأميركية المتتالية، ومرتكزات وأسلوب إدارة الأمن القومي الأميركي. التعريف الواضح والبسيط لمصطلح الأمن القومي لأي إدارة أميركية هو الحفاظ على سلامة وحياة الأميركيين في وجه أي تهديد. وعرّفه وزير الدفاع الأميركي الأسبق، روبرت مكنمارا في كتابه «جوهر الأمن»، بأنه يعني «التطور والتنمية سواء الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية في ظل حماية مضمونة، وأن الأمن الحقيقي للدولة ينبع من معرفتها العميقة للمصادر التي تهدد مختلف قدراتها».
من هذا المنطلق، فإن الحفاظ على سلامة الأميركيين لا يعني جيشاً وقطعاً حربية وأساطيل منتشرة في قواعد في أرجاء العالم فحسب، وإنما قد يتسع ليعني جيشاً صحياً استكشافياً وتطوير أدوات أفضل للتنبؤ لرسم انتشار مرض أو فيروس، وتعزيز قدرات الاستخبارات الطبية. وتحتم هذه التحديات الجديدة على صناع السياسة الأميركية إنشاء وحدات وكيانات أوسع تقوم بمهام التأهب لحرب من نوع جديد.
ويقول الخبراء والمحللون إن عدم قدرة حكومة الولايات المتحدة على توقع وباء كورونا والاستعداد له بالشكل المطلوب، لم يكن وراءه فشل استخباراتي بل إداري، ويشددون على أن حماية الأميركيين من تهديدات مستقبلية غير متوقعة لا يتطلب إصلاحاً شاملاً لنظام الأمن القومي، وإنما استغلال القدرات الموجودة بالفعل والاستثمار فيها.
ففي استراتيجية الأمن القومي الأميركي لعام 2017، وفي استراتيجية الدفاع البيولوجي لعام 2018 التي أقرّها الكونغرس، حددت الإدارة مواجهة الأوبئة والحرب البيولوجية كعنصر مهم في استراتيجيتها وركزت على احتواء أي وباء في مصدره، ودعم الابتكار الطبي، وتحسين استجابة الطوارئ. إلا أن الإدارة الحالية اتجهت إلى قطع تمويل أبحاث العلوم والصحة، وأضعفت المنظمات الدولية الأساسية للكشف عن الأوبئة واحتوائها. وفي هذا الصدد، ذكر تقييم لمكتب مساءلة الحكومة في شهر فبراير (شباط) 2020، أن استراتيجية الدفاع البيولوجي تفتقد لعمليات وأدوار ومسؤوليات واضحة.

المواجهة الأميركية ـ الصينية
في بداية الأزمة، دخلت الولايات المتحدة في مبارزة لإلقاء اللوم في تفشي وباء «كوفيد-19» على الصين، وأطلقت على فيروس كورونا اسم الوباء الصيني. وتصاعد الخلاف والتوتر بين واشنطن وبكين حول أصل وموطن المرض. وحاول كل طرف إلقاء اللوم على الآخر في كيفية ظهوره. وخرجت تقارير استخباراتية أميركية تشير إلى احتمال أن يكون الفيروس قد تم إطلاقه من مختبر بحثي في مدينة ووهان، حيث نشأ المرض في أواخر العام الماضي. وردت الحكومة الصينية باتهام واشنطن بشن حملات تضليل، وألقت اللوم على الجيش الأميركي في انتشار الفيروس في الصين.
وأشار مسؤول عسكري كبير لشبكة «فوكس نيوز» شريطة عدم الكشف عن هويته، إلى أن الصين مارست لعقود لعبة حرب تجسس مع الولايات المتحدة، مستغلة مجتمع أميركا المفتوح نسبياً واقتصادات السوق الحرة لسرقة المعلومات والأسرار التجارية وأدوات التكنولوجيا، لكنه أكد أن تركيز الصين لا يزال منصباً على سرقة التكنولوجيا والاستعداد العسكري، وأن منطلق اتّهام الصين بنشر الفيروس ستتبعه مطالبات بتعويضات بمليارات الدولارات، وهناك محاولات اختراق صيني لأنظمة الكمبيوتر والقرصنة السيبرانية.
في الجانب الآخر، دق مكتب التحقيقات الفيدرالي ناقوس الخطر من تسلل بكين إلى الأوساط الأكاديمية الأميركية لسرقة الأبحاث المتطورة في الجامعات، خصوصاً أبحاث الطب الحيوي. وأشار المكتب إلى أنه حتى نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، كان هناك أكثر من 200 تحقيق حول هذا النوع من السرقات. وبرزت النبرة العدائية في التصريحات بين أقوى اقتصادين في العالم، وألقت بظلالها على الاقتصاد والأمن العالميين.
واستناداً على هذه الديناميكية، يتوقع خبراء أن يؤدي الوباء إلى تسريع عملية فصل محتمل بين الاقتصادين الأميركي والصيني، خصوصاً أن الشركات الأميركية حذرت بالفعل من تمركز سلاسل التوريد في الصين، وما تحمله من عواقب لحرب تجارية كادت تشتعل بقوة خلال الشهور الماضية. التوتر لا يقتصر فقط على طموحات الصين الاقتصادية بل العسكرية أيضاً، خصوصاً في مناطق بدا فيها انحسار واضح لنفوذ الولايات المتحدة.
وقد يؤدي السجال والتحركات الاستفزازية إلى تسريع الصين في تحقيق هيمنتها على منطقة بحر الصين الجنوبي، إذا رأت أن أميركا تتراجع بالفعل في آسيا. وتتحرك الصين بالفعل تجاه ماليزيا وفيتنام والفلبين، وتحاول السيطرة على الممرات البحرية التي تمثل تريليونات الدولارات في التجارة الدولية. وقد أشارت صحيفة «نيويورك تايمز» في عددها أول من أمس، إلى أن الاتحاد الأوروبي متردّد في توجيه الاتهام للصين في نشر الفيروس، والتزم سياسة الصمت أمام التضليل الصيني. وأشارت الصحيفة إلى أن ذلك يرجع للنفوذ الاقتصادي الصيني الكبير على الاتحاد الأوروبي. وتساءلت الجريدة عن عدد السفن الحربية الأوروبية التي تواجه الإمبريالية الصينية في بحر الصين الجنوبي أو تواجه غزو الغواصات الروسية في البحر المتوسط، مشددة على أهمية دور أميركا في مواجهة الصين.
وتقدم بعض المسؤولين الأميركيين بمقترحات لعرقلة الصين، ومنعها من استغلال تداعيات انتشار كورونا على الاقتصاد الأميركي لمصلحتها التنافسية، ولفتوا إلى إمكانية إعادة تشغيل برنامج من حقبة الحرب الباردة يعتمد على برامج تقنية تستطيع التنبؤ بالأزمات، ووضع حلول بما يشبه لعبة «الشطرنج التكنولوجي» بهدف الحصول على أحدث التقنيات ومنع الآخرين من الحصول عليها.
البعض الآخر قدم مقترحات لتجنب مسار التصادم، بالتركيز على زيادة التعاون بين الخبراء والوكالات الحكومية الأميركية مع نظيراتها الصينية والخروج بتدابير لمواجهة «كوفيد-19». واقترح بعض خبراء الأمن القومي إجراء حوار ثنائي صيني - أميركي أو متعدد الأطراف يشمل كوريا الجنوبية واليابان، ويستهدف الحفاظ على الاستقرار في المنطقة واحتواء الخطر النووي من جانب كوريا الشمالية. وقد استغلت كوريا الشمالية بالفعل هذه التوترات الأميركية - الصينية في المضي قدماً في تدريبات المدفعية، واختبارات الصواريخ قصيرة المدى خلال الشهر الماضي.


مقالات ذات صلة

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)
أوروبا سجّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة كورونا في أوروبا إذ حصد «كوفيد - 19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

أكثر من 14 مليار دولار تكلفة الاحتيال المتعلق بـ«كوفيد - 19» في بريطانيا

بلغت تكلفة الاحتيال المتعلق ببرامج الدعم الحكومي خلال جائحة كوفيد - 19 في بريطانيا 10.9 مليار جنيه إسترليني (14.42 مليار دولار).

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق امرأة ترتدي الكمامة خلال فترة انتشار الجائحة في كندا (رويترز)

كيف أثّر وباء «كوفيد» على مرحلة البلوغ لدى الفتيات؟

تسبب الإغلاق الذي فُرض بعد انتشار جائحة «كوفيد - 19» في توقف شبه تام للحياة، وشهد مئات الملايين من الأشخاص تغيُّرات جذرية في أنماط حياتهم.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

ماسك يعرض شراء «رايان إير» للطيران... والشركة تردّ بالسخرية

طائرة ركاب تابعة لشركة «رايان إير» متوقفة في مطار كولونيا بألمانيا (د.ب.أ)
طائرة ركاب تابعة لشركة «رايان إير» متوقفة في مطار كولونيا بألمانيا (د.ب.أ)
TT

ماسك يعرض شراء «رايان إير» للطيران... والشركة تردّ بالسخرية

طائرة ركاب تابعة لشركة «رايان إير» متوقفة في مطار كولونيا بألمانيا (د.ب.أ)
طائرة ركاب تابعة لشركة «رايان إير» متوقفة في مطار كولونيا بألمانيا (د.ب.أ)

أثار الملياردير الأميركي إيلون ماسك موجة من التفاعل على منصة «إكس» بعدما لمح، على سبيل المزاح، إلى رغبته في شراء شركة الطيران الأوروبية منخفضة التكلفة «رايان إير»، وتعيين شخص يحمل اسم «رايان» لإدارتها.

الملياردير الأميركي إيلون ماسك في مركز معارض «بورت دو فرساي» في باريس بفرنسا يوم 16 يونيو 2023 (أ.ف.ب)

وجاءت هذه التصريحات عقب مناوشة إلكترونية بدأت عندما سخر فريق «رايان إير» على وسائل التواصل الاجتماعي من انقطاع مؤقت في منصة «إكس»، موجّهاً تعليقاً لماسك يتساءل فيه ما إذا كان يحتاج إلى خدمة «واي فاي». وردّ ماسك بطريقة ساخرة، متسائلاً إن كان عليه «شراء رايان إير ووضع شخص اسمه الحقيقي رايان على رأسها».

ولم يكتفِ ماسك بذلك، بل عاد ليسأل الشركة عن تكلفة الاستحواذ عليها، معتبراً أن من «قدرها» أن يملكها شخص يحمل الاسم نفسه. هذا التراشق الساخر سرعان ما استدعى رداً رسمياً من المدير التنفيذي لـ«رايان إير» مايكل أوليري، الذي قال إن ماسك «يعرف عن قوانين ملكية شركات الطيران أقل مما يعرف عن ديناميكا الطيران»، مضيفاً أنه سيتناول الموضوع في مؤتمر صحافي بدبلن، وفق ما نقلته شبكة «يورو نيوز» الإخبارية.

كما أطلقت شركة «رايان إير» تعليقاً ساخراً عبر حسابها الرسمي، معلنة عن عرض خاص على المقاعد تحت عنوان «العظماء الأغبياء»، موجّهة إياه لماسك ولغيره من مستخدمي «إكس».

يُذكر أن أحد مؤسسي هذه الشركة هو رجل الأعمال الآيرلندي توني رايان، الذي لعب دوراً محورياً في إطلاقها خلال ثمانينات القرن الماضي. ورغم وفاته عام 2007، لا تزال عائلته من كبار المساهمين، فيما يتولى أوليري إدارة الشركة منذ سنوات طويلة.

لكن، بعيداً من المزاح، فإن أي محاولة حقيقية من ماسك لشراء «رايان إير» ستصطدم بعقبات قانونية أوروبية. فوفقاً لقوانين الاتحاد الأوروبي، يجب أن تكون شركات الطيران العاملة داخل التكتل مملوكة بنسبة لا تقل عن 50 في المائة لمواطنين من دول الاتحاد وتحت سيطرتهم الفعلية. وبما أن ماسك أميركي الجنسية، فلن يُسمح له بالاستحواذ على حصة مسيطرة دون تغيير جذري في هيكل الملكية، وهو ما قد يعرّض تراخيص الشركة للخطر.

ورغم كل ذلك، بدا أن ماسك يستمتع بالجدل، إذ حققت هذه السجالات ملايين المشاهدات خلال وقت قصير.


أمين عام سابق لحلف «الناتو»: أزمة غرينلاند تظهر أن وقت تملّق ترمب انتهى

آندرس فو راسموسن رئيس وزراء الدنمارك الأسبق والأمين العام الأسبق لحلف «الناتو» يتحدث خلال مؤتمر ميونيخ الأمني ​​السنوي في ميونيخ بألمانيا في 16 فبراير 2019 (رويترز)
آندرس فو راسموسن رئيس وزراء الدنمارك الأسبق والأمين العام الأسبق لحلف «الناتو» يتحدث خلال مؤتمر ميونيخ الأمني ​​السنوي في ميونيخ بألمانيا في 16 فبراير 2019 (رويترز)
TT

أمين عام سابق لحلف «الناتو»: أزمة غرينلاند تظهر أن وقت تملّق ترمب انتهى

آندرس فو راسموسن رئيس وزراء الدنمارك الأسبق والأمين العام الأسبق لحلف «الناتو» يتحدث خلال مؤتمر ميونيخ الأمني ​​السنوي في ميونيخ بألمانيا في 16 فبراير 2019 (رويترز)
آندرس فو راسموسن رئيس وزراء الدنمارك الأسبق والأمين العام الأسبق لحلف «الناتو» يتحدث خلال مؤتمر ميونيخ الأمني ​​السنوي في ميونيخ بألمانيا في 16 فبراير 2019 (رويترز)

قال الأمين العام الأسبق لحلف شمال الأطلسي (ناتو) ورئيس الوزراء الدنماركي السابق آندرس فو راسموسن، الثلاثاء، إن وقت تملّق الرئيس الأميركي دونالد ترمب انتهى، وإنه ينبغي لأوروبا أن ترد بقوة اقتصادياً إذا فرضت الولايات المتحدة رسوماً جمركية على أعضاء الحلف الذين أرسلوا قوات إلى غرينلاند، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضاف راسموسن أن إصرار ترمب على ضرورة أن تصبح ‌غرينلاند جزءاً من ‌الولايات المتحدة يمثّل ‌أكبر ⁠تحدٍّ ​للحلف ‌منذ تأسيسه في عام 1949. وغرينلاند إقليم دنماركي شبه مستقل.

ويقدّم راسموسن منظوراً فريداً للأزمة بصفته زعيماً سابقاً لكل من الدنمارك، التي تولى رئاسة وزرائها من 2001 إلى 2009، وحلف الأطلسي (ناتو)، حيث شغل منصب الأمين العام ⁠من 2009 إلى 2014.

وقال: «مستقبل حلف شمال الأطلسي ‌هو الذي بات على المحك حقاً». وأضاف لوكالة «رويترز» من المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا: «انتهى وقت التملق؛ فهو لا يجدي نفعاً. والحقيقة أن ترمب لا يحترم إلا القوة والوحدة. وهذا هو بالضبط ما يجب على أوروبا ​أن تظهره الآن».

وأفاد بأنه لا ينتقد قادة مثل الرئيس الحالي لحلف الأطلسي ⁠مارك روته، الذي أغدق المديح على ترمب، لكنه قال إن الوقت حان لاتباع أوروبا نهجاً جديداً.

ولفت إلى أن أداة الاتحاد الأوروبي لمكافحة الإكراه التي تمنح صلاحيات واسعة للرد على الضغوط الاقتصادية يجب أن تكون مطروحة بعد أن هدد ترمب بفرض رسوم جمركية على 8 دول أوروبية لحين السماح للولايات المتحدة بشراء غرينلاند.

ويقول ترمب إن ملكية ‌الولايات المتحدة لغرينلاند أمر حيوي للأمن القومي الأميركي.


أزمة غرينلاند بين واشنطن وأوروبا: فرصة لروسيا أم مصدر قلق؟

سفينة تابعة للجيش الدنماركي تبحر بالقرب من ميناء نوك القديم في غرينلاند (رويترز)
سفينة تابعة للجيش الدنماركي تبحر بالقرب من ميناء نوك القديم في غرينلاند (رويترز)
TT

أزمة غرينلاند بين واشنطن وأوروبا: فرصة لروسيا أم مصدر قلق؟

سفينة تابعة للجيش الدنماركي تبحر بالقرب من ميناء نوك القديم في غرينلاند (رويترز)
سفينة تابعة للجيش الدنماركي تبحر بالقرب من ميناء نوك القديم في غرينلاند (رويترز)

لطالما قامت استراتيجية الكرملين على إحداث شرخ دائم بين الولايات المتحدة وأوروبا، بهدف تقسيم خصومه التقليديين في الغرب وإضعافهم، وذلك حسب تحليل نشره ماثيو تشانس، كبير مراسلي الشؤون العالمية في شبكة «سي إن إن».

وعلى مدى سنوات، شجّعت روسيا التخريب والتضليل لتقويض المؤسسات الغربية، التي تُعدّ عقبات صلبة أمام طموحات موسكو التوسعية ومساعيها لاستعادة مكانتها ونفوذها على غرار الاتحاد السوفياتي السابق، وفقاً لتشانس.

وأوضح أن «تفكيك حلف شمال الأطلسي (الناتو)، التحالف العسكري الغربي الأقوى، هدف رئيسي للكرملين، ولا سيما منذ اندلاع حرب أوكرانيا. وقد استغل الكرملين المخاوف من التوسع المحتمل للحلف لتبرير غزوه الشامل والعنيف لأوكرانيا قبل نحو أربع سنوات».

وقال تشانس: «تخيّلوا إذن حجم الفرحة في أروقة الكرملين إزاء احتمال تفكك الوحدة الغربية وانهيار حلف (الناتو)، الذي شكّل على مدى ثمانين عاماً حصناً منيعاً في مواجهة التهديدات الروسية، بسبب قضية غرينلاند غير المتوقعة والمبادرات غير المرحّب بها التي يبديها الرئيس الأميركي دونالد ترمب تجاه هذه المنطقة الدنماركية».

وأضاف: «تراقب روسيا بدهشة من بعيد، بينما ينشغل خصومها القدامى بصراعاتهم الداخلية».

قلق أوروبي وفرح روسي مُعلن

علّقت كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، في تصريح على منصة «إكس»، عقب تهديد ترمب بفرض تعريفات جمركية استثنائية على الحلفاء الأوروبيين المعارضين للسيطرة الأميركية على غرينلاند، قائلة: «لا شك أن الصين وروسيا في غاية السعادة».

ورغم أن الصين وروسيا تنفيان بشدة وجود أي مطامع إقليمية لهما في غرينلاند، بل إن الجيش الدنماركي يؤكد عدم وجود تهديد غزو حقيقي من الشرق، فإن المشهد بدا مختلفاً في الداخل الروسي.

ففي التلفزيون الرسمي الروسي، ابتهج المعلّقون الموالون للكرملين بتحركات ترمب بشأن غرينلاند، واصفين إياها بأنها «توجيه ضربة كارثية لحلف (الناتو)»، وأنها «هائلة حقاً بالنسبة لروسيا».

والرأي السائد أن مواجهة حلف «الناتو» لأكبر أزمة له منذ عقود، واحتمال تفكك الوحدة عبر الأطلسي، سيؤديان حتماً إلى تراجع الدعم الغربي للمجهود الحربي الأوكراني، ما يمنح موسكو يداً أقوى في ساحة المعركة. ولسوء حظ كييف، قد يثبت هذا التقييم صحته. ومع ذلك، لم يُبدِ الكرملين حماسة احتفالية حتى الآن.

أشخاص يتظاهرون أمام القنصلية الأميركية في نوك احتجاجاً على سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تجاه غرينلاند (أ.ب)

موقف روسي رسمي حذر

على الأقل في البداية، جاء رد الفعل الرسمي في موسكو هادئاً نسبياً، بل اتسم بالنقد. إذ صرّح المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، للصحافيين بأن ترمب «يتصرف في غرينلاند خارج نطاق القانون الدولي»، في موقف لافت من الكرملين.

وقد يُنظر في موسكو إلى سيطرة الولايات المتحدة المحتملة على غرينلاند على أنها تحدٍّ مباشر لهيمنة روسيا في منطقة القطب الشمالي.

إلا أن المخاوف الروسية تبدو أعمق من ذلك، إذ يراقب الكرملين، شأنه شأن بقية العالم، بقلق وريبة إدارة ترمب المتقلبة، وهي تمارس نفوذاً عسكرياً واقتصادياً عالمياً يبدو دون قيود، حسب ما أشار إليه تشانس.

وفي أول خطاب له عن السياسة الخارجية في العام الجديد، عبّر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن أسفه لحال العالم، قائلاً: «غالباً ما تحل الإجراءات الأحادية والخطيرة محل الدبلوماسية، وجهود التوصل إلى حلول وسط أو إيجاد تسويات ترضي الجميع».

وأضاف في إشارة واضحة إلى التحركات الأميركية على الساحة الدولية، دون إقرار بمسؤولية بلاده: «بدلاً من أن تنخرط الدول في حوار فيما بينها، هناك من يعتمد على مبدأ القوة المطلقة لفرض رواياته الأحادية، ومن يعتقد أنه يستطيع فرض إرادته وإملاء الأوامر على الآخرين».

تحالفات موسكو تتفكك

وفي الوقت نفسه، تشهد شبكة تحالفات موسكو تآكلاً متسارعاً. فقد تضررت بشدة إثر الإطاحة بالرئيس السوري المدعوم من روسيا، بشار الأسد، العام الماضي.

كما تعرّضت إيران، الحليف الروسي القديم، لغارات جوية أميركية وإسرائيلية مؤلمة العام الماضي. وفي أعقاب حملة القمع الوحشية الأخيرة ضد المتظاهرين المناهضين للحكومة، قد تواجه طهران هجوماً جديداً قريباً.

وفي وقت سابق من هذا الشهر، شكّل اعتقال القوات الأميركية للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، المقرّب من الكرملين، صفعة أخرى لموسكو.

كما أن الحديث الكثير عن كوبا، الحليف التقليدي لروسيا والخصم التاريخي للولايات المتحدة، بوصفها الهدف التالي لواشنطن في مساعيها من أجل تغيير الأنظمة، ينذر بمزيد من الإذلال للسياسة الخارجية الروسية، حسب وصف تشانس.

لافتة كبيرة كُتب عليها «غرينلاند ليست للبيع» تظهر خارج متجر ملابس في نوك (أ.ف.ب)

نظام عالمي يتغيّر

لطالما سخرت موسكو من النظام الدولي القائم على القواعد، الذي أُرسِيَ بعد الحرب العالمية الثانية، عادّةً إياه أداة غربية مليئة بالمعايير المزدوجة لاحتواء خصومها، وفي مقدمتهم الكرملين نفسه.

وقد تحدّت روسيا علناً ميثاق الأمم المتحدة الذي يحظر تغيير الحدود بالقوة، وسعت باستمرار إلى عالم تُقسَّم فيه مناطق النفوذ بين القوى العظمى.

ويبدو أن واشنطن تتبنى اليوم، بشكل كبير، هذه الرؤية الروسية للعالم، وهو ما قد يُعدّ نظرياً انتصاراً مهماً لموسكو، حسب تشانس. وتابع: «غير أن الاحتفال بهذا الانتصار مؤجّل حالياً، وسط مخاوف كبيرة من طبيعة العالم الجديد والخطير الذي قد ينبثق عنه».

وأضاف: «قد يُشكّل التعامل مع رئيس أميركي يزداد تهوّراً وعدم قابلية للتنبؤ تحدياً حقيقياً للكرملين، الذي اعتاد التعامل مع إدارات أميركية أكثر استقراراً وانضباطاً».