إطلاق مبادرة «تاريخية» لتسريع وتيرة إنتاج اللقاحات رغم المقاطعة الأميركية

غوتيريش يشدد على توزيع عادل للعلاجات... وماكرون يأمل في التوفيق بين واشنطن وبكين

ماكرون لدى مشاركته في إطلاق مبادرة تسريع  وتيرة إنتاج اللقاحات من الإليزيه أمس (رويترز)
ماكرون لدى مشاركته في إطلاق مبادرة تسريع وتيرة إنتاج اللقاحات من الإليزيه أمس (رويترز)
TT

إطلاق مبادرة «تاريخية» لتسريع وتيرة إنتاج اللقاحات رغم المقاطعة الأميركية

ماكرون لدى مشاركته في إطلاق مبادرة تسريع  وتيرة إنتاج اللقاحات من الإليزيه أمس (رويترز)
ماكرون لدى مشاركته في إطلاق مبادرة تسريع وتيرة إنتاج اللقاحات من الإليزيه أمس (رويترز)

أطلقت منظمة الصحة العالمية التابعة للأمم المتحدة الجمعة، مبادرة «تاريخيّة» تجمع عدة دول، بينها فرنسا وألمانيا، لتسريع إنتاج اللقاحات والعلاجات والفحوص الخاصة بفيروس كورونا المستجد، مع ضمان تكافؤ الفرص في الحصول عليها.
وقال رئيس منظمة الصحة العالمية، تيدروس أدانوم غيبريسوس، خلال مؤتمر صحافي افتراضي شارك فيه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، إن ذلك يمثل «تعاوناً تاريخياً لتسريع تطوير وإنتاج وتوزيع متكافئ للقاحات والفحوص التشخيصية والعلاجات ضد كوفيد-19». وأضاف أن «العالم بحاجة إلى هذه الأدوات ويحتاجها بشكل سريع... نواجه تهديداً مشتركاً لا يمكننا هزيمته إلا باتباع نهج مشترك».

من جهته، أعلن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أن هزم وباء كوفيد-19 يتطلب «أقصى جهود في التاريخ على صعيد الصحة العامة». وتابع متحدّثاً خلال مؤتمر صحافي عبر الفيديو: «العالم بحاجة إلى تطوير وإنتاج لقاحات وعلاجات وطرق تشخيص آمنة وفعالة ضد كوفيد-19، وتوزيعها بشكل عادل. لا لقاح أو علاج لدولة أو منطقة أو نصف من العالم، بل لقاح وعلاج يكون معتدل السعر وآمناً وفعالاً، يمكن إعطاؤه بسهولة ويكون متوافراً في كل أنحاء العالم، للجميع في كل مكان».
أما الرئيس الفرنسي، فقال بنبرة تفاؤل: «سنواصل الآن تعبئة جميع دول مجموعة السبع ومجموعة العشرين لدعم هذه المبادرة. ويحدوني الأمل في أن نتمكن من التوفيق بين الصين والولايات المتحدة حول هذه المبادرة المشتركة، لأن المعركة ضد (كوفيد) مصلحة مشتركة، ولا ينبغي أن يكون هناك انقسام حتى نكسب هذه المعركة».
وأعلنت الولايات المتحدة الأميركية أنها لن تشارك في هذه المبادرة، وقال متحدث باسم البعثة الأميركية في جنيف لوكالة «رويترز»: «لن تكون هناك مشاركة رسمية أميركية... نتطلع لمعرفة المزيد عن المبادرة لدعم التعاون الدولي في تطوير لقاح لكوفيد-19 في أقرب وقت ممكن». وانتقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب منظمة الصحة العالمية، واتّهمها بالبطء في رد الفعل على تفشي المرض و«تركيز اهتمامها بالصين»، وأعلن تعليق التمويل لها.
من جهتها، قالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إن هدف الجهد العالمي هو جمع تبرعات تقدّر بـ7.5 مليار يورو (8.1 مليار دولار) لتعزيز العمل في مجال الوقاية والتشخيص والعلاج. وأضافت: «هذه خطوة أولى فقط، لكن ستكون هناك حاجة إلى المزيد في المستقبل».
بينما أشاد سيريل رامافوسا، رئيس الاتحاد الأفريقي «بالإدارة الممتازة» لمنظمة الصحة العالمية في مكافحة مرض كوفيد-19 الذي اجتاح العالم. وحذر من أن القارة الأفريقية «معرضة بشدة لويلات هذا الفيروس وتحتاج إلى الدعم».
وتسارع مختبرات العالم إلى تطوير لقاح للفيروس الذي أصاب أكثر من 2.7 مليون شخص بمرض كورونا المستجد، وأودى بحياة أكثر من 190 ألف إنسان منذ ظهوره في مدينة ووهان بوسط الصين في أواخر العام الماضي. وبدأت تجارب سريرية واعدة على البشر في كل من ألمانيا وبريطانيا هذا الأسبوع، فيما يقيّم العلماء فاعلية عشرات الأدوية في تخفيف أعراض المرض.

- لقاح فعال على القردة
في هذا السياق، أعلن مختبر صيني أن لقاحاً تجريبياً أجري على القرود وفّر «حماية كبيرة» لهذه الحيوانات ضد فيروس كورونا المستجد. وأعطي اللقاح الذي استخدمت فيه نسخة خاملة من الفيروس المسبب لمرض كوفيد-19 لثمانية قرود، حقنت بالفيروس بعد ثلاثة أسابيع، وفقاً لبحث نشرته شركة إنتاج الأدوية «سينوفاك بايوتيك»، كما ذكرت وكالة الصحافة الفرنسية. وقال المختبر الذي نشر هذه النتائج في 19 أبريل (نيسان) على موقع «بيو آر إكسيف»، إن «القرود الأربعة التي تلقّت جرعة عالية من اللقاح لم يكن لديها أثر للفيروس في الرئتين بعد سبعة أيام من إصابتها به». أما القردة الأربعة الأخرى التي تلقت اللقاح بجرعات أقل، تبين أن كمية الفيروس ازدادت في جسدها لكنها تمكنت من مقاومة المرض.
ولا تزال مراجعة هذه النتائج تتعين من جانب العلماء قبل المصادقة عليها من قبل المجتمع العلمي. وبدأت شركة «سينوفاك» التجارب السريرية للقاح نفسه لدى البشر منذ 16 أبريل. وعلق عالم الفيروسات فلوريان كرامر من كلية أيكان للطب في نيويورك على «تويتر»: «هذه أكثر البيانات ما قبل السريرية جدية التي أراها عن لقاح تجريبي». فيما قالت عالمة المناعة لوسي ووكر من «يونيفرسيتي كوليدج» في لندن، إن «السؤال المطروح يتعلق بما إذا كانت هذه الحماية ستستمر لفترة طويلة، أم لا».

- أشعّة الشمس تضعف الفيروس
أظهر بحث جديد أعلن عنه مسؤول أميركي رفيع، أول من أمس، أن أشعة الشمس تقضي سريعاً على فيروس كورونا المستجد، رغم أن الدراسة لم تُنشر بعد ولا تزال بانتظار إجراء تقييم مستقل لها.
وصرح مستشار وزير الأمن الداخلي للعلوم والتكنولوجيا وليام برايان للصحافيين في البيت الأبيض، بأن علماء الحكومة توصلوا إلى أن للأشعة فوق البنفسجية مفعولاً كبيراً على الفيروس، ما يعزز الأمل بشأن تراجع تفشي كوفيد-19 خلال الصيف. وقال إن «أبرز ملاحظة لدينا حتى الآن تتعلّق بالقدرة القوية على ما يبدو لأشعة الشمس على قتل الفيروس سواء على الأسطح أو في الهواء». وأضاف: «لاحظنا تأثيراً مشابهاً للحرارة والرطوبة كذلك، إذ إن ارتفاع درجة الحرارة أو الرطوبة أو كليهما يعد بشكل عام أقل ملاءمة للفيروس».
لكن البحث لم ينشر بعد لتتم مراجعته، ما يجعل من الصعب على الخبراء التعليق على مدى دقة المنهجية التي اعتمدها. ولطالما عرف بأن لدى الأشعة فوق البنفسجية أثراً تعقيمياً، لأن الأشعة تدمّر التركيبة الجينية للفيروسات وقدرتها على التكاثر، كما أشارت وكالة الصحافة الفرنسية. لكن السؤال الرئيسي سيكون بشأن شدّة وطول موجة الأشعة فوق البنفسجية التي استخدمت في الاختبار، وإن كانت تشابه بدقة أشعة الشمس الطبيعية خلال الصيف.
وعرض برايان خلاصة لأبرز استنتاجات الاختبار الذي جرى في «مركز التحليلات والإجراءات المضادة الوطني للدفاع البيولوجي» في ماريلاند.
وأظهرت أن نصف عمر الفيروس (أي الوقت الذي يستغرقه خفض كميته إلى النصف) بلغ 18 ساعة عندما كانت درجة الحرارة بين 21 و24 درجة مئوية بنسبة رطوبة 20 بالمائة وعلى سطح غير مسامي، مثل مقابض الأبواب والفولاذ المقاوم للصدأ. لكن نصف عمر الفيروس انخفض إلى 6 ساعات مع ارتفاع نسبة الرطوبة إلى 80 بالمائة وإلى دقيقتين فقط عند إضافة أشعة الشمس.
وفي الهواء، بلغ نصف عمر الفيروس ساعة عندما بلغت درجة الحرارة بين 21 و24 درجة مئوية مع نسبة رطوبة 20 بالمائة. وانخفضت هذه المدة إلى دقيقة ونصف الدقيقة فقط بوجود أشعة الشمس. وخلص برايان إلى أن الأجواء الأشبه بالصيف «تخلق بيئة قد تخفض انتقال العدوى».
مع ذلك، شدد على أن تراجع تفشي الفيروس لا يعني القضاء عليه تماماً، مستبعداً رفع تدابير التباعد الاجتماعي بشكل كامل. وتابع: «قولنا إننا نشعر بأن الصيف سيقضي تماماً على الفيروس وبأنه يمكن للناس تجاهل الإرشادات سيكون أمراً غير مسؤول». وأظهرت اختبارات سابقة كذلك أن الفيروس ينشط أكثر في الطقس البارد والجاف مقارنة بالطقس الحار والرطب. ولعل انخفاض وتيرة تفشي العدوى في دول جنوب العالم التي لا تزال في موسم الخريف وتنعم بالدفء حتى الآن يعكس ذلك.
فمثلاً، سجّلت أستراليا أقل من سبعة آلاف إصابة مؤكدة و77 وفاة، وهو عدد أقل بكثير من ذلك الذي سجّل في الدول الواقعة في النصف الشمالي من الكرة الأرضية. ويعتقد أن سبب ذلك يعود إلى أن قطرات الجهاز التنفسي تبقى في الجو لمدة أطول في الطقس البارد، وأن الفيروسات تتفكك بشكل أسرع على الأسطح الساخنة، نظراً لأن طبقة الدهن الواقية التي تغلّفها تجف بشكل أسرع.


مقالات ذات صلة

دراسة: فيروسات «كورونا» في الخفافيش تطور طرقاً جديدة لإصابة البشر

صحتك فيروسات «كورونا» التي تحملها الخفافيش تطور طرقاً جديدة لإصابة البشر (رويترز)

دراسة: فيروسات «كورونا» في الخفافيش تطور طرقاً جديدة لإصابة البشر

كشفت دراسة حديثة أن فيروسات «كورونا» التي تحملها الخفافيش تطور طرقاً جديدة لإصابة البشر حيث أصبحت قادرة على إصابة الخلايا البشرية عبر أكثر من مسار.

«الشرق الأوسط» (نيروبي)
صحتك صورة توضيحية لفيروس «كوفيد - 19» (أرشيفية - رويترز)

باحثون: مضاد اكتئاب شائع يخفف من إجهاد «كوفيد» طويل الأمد

عقار فلوفوكسامين المضاد للاكتئاب، وهو عقار شائع الاستخدام وغير مكلف، حسن على نحو ملحوظ نوعية الحياة لدى البالغين المصابين «بكوفيد طويل الأمد».

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ سُجّل نحو 840 ألف وفاة بكورونا في شهادات الوفاة خلال عامي 2020 و2021... لكن فريقاً من الباحثين قدّر أن ما يصل إلى 155 ألف وفاة إضافية غير معترف بها ربما حدثت خلال تلك الفترة خارج المستشفيات (رويترز)

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

أظهرت دراسة جديدة أن حصيلة الوفيات في المراحل الأولى من جائحة كورونا كانت أعلى بكثير من الأرقام الرسمية في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك مكملات فيتامين «د» تبدو واعدة في تقليل خطر الإصابة بـ«كوفيد طويل الأمد» (أرشيفية- رويترز)

دراسة: مكملات فيتامين «د» قد تساعد في تخفيف أعراض «كوفيد طويل الأمد»

تشير دراسة حديثة إلى أن مكملات فيتامين «د» قد توفر مؤشرات جديدة تساعد الباحثين على فهم الأعراض التي تستمر لدى بعض المصابين بعد التعافي من «كوفيد-19».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم عاملون مختبريون يفحصون عينات فيروس «كوفيد» ميدانياً

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

الفيروسات تتطور بشكل عادي لدى الحيوانات، إلا أنها تتطور بشكل جذري عند إصابتها الإنسان.

كارل زيمر (نيويورك)

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...