تراجع اعتماد تونس والدول المغاربية على فرنسا وأوروبا

الصين وروسيا والخليج وأفريقيا على الخط في «معركة البدائل»

تراجع اعتماد تونس والدول المغاربية على فرنسا وأوروبا
TT

تراجع اعتماد تونس والدول المغاربية على فرنسا وأوروبا

تراجع اعتماد تونس والدول المغاربية على فرنسا وأوروبا

تعاقبت رحلات الطائرات التونسية والجزائرية مع الصين مؤخراً، لنقل كميات هائلة من المساعدات الطبية والمشتريات لمكافحة جائحة «كوفيد - 19»، وتوفير المواد الخام لمصانع تونسية. وكشفت مؤسسة الإحصاء الحكومية في تونس (المعهد الوطني للإحصاء)، تراجع حصة الشركاء التقليديين، على رأسهم فرنسا والاتحاد الأوروبي في برامج «التعاون العسكري»، والمبادلات الاقتصادية الخارجية للبلاد، تجارة واستثماراً وسياحة، مقابل تضخم حصة دول الجوار في شمال أفريقيا و«القوى الصاعدة» دولياً، مثل الصين والهند وروسيا ودول شرق آسيا.
سُجل هذا التطور في مرحلة تعاقبت فيها دعوات سياسيين وخبراء في تونس والدول المغاربية إلى تنويع علاقات البلاد الخارجية، اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً، مواكبةً للمتغيرات الدولية، بينها تراجع حضور فرنسا والولايات المتحدة وغالبية دول الاتحاد الأوروبي في بعض دول جنوب المتوسط، وانفتاح أغلب الدول العربية والإسلامية على مجموعة «بريكس» وعلى الأسواق الأفريقية، خصوصاً مجموعة «كوميسا» لبلدان شرق وجنوب القارة السمراء.

توحي غالبية المؤشرات أن من بين نتائج تفشي جائحة «كوفيد - 19»، عالمياً، تعمق الهوة بين تونس والعواصم المغاربية، من جهة، وشركائها التقليديين في أوروبا والولايات المتحدة من جهة ثانية. وفي المقابل، تزايد الترحيب داخل النخب السياسية بالشراكة مع الصين وغيرها من الدول التي قدمت لها دعماً طبياً ولوجستياً ومادياً، بينما أغلقت الدول الأوروبية الباب، وانشغلت بأوضاعها الكارثية الداخلية.

السيناريوهات المطروحة
70 وزيراً سابقاً للاقتصاد والمالية أو خبيراً دولياً مستقلاً، يتقدمهم وزير الاقتصاد والمالية السابق والخبير لدى البنك الأفريقي للتنمية حكيم بن حمودة، أطلقوا أخيراً مبادرة «اقتصاديون من أجل تونس»، قدموا فيها قراءة لمضاعفات المتغيرات الاقتصادية والسياسية الإقليمية والدولية الجديدة على تونس، وأكدوا على حاجة تونس وجيرانها المغاربيين لسياسات جديدة في كل المجالات، بما في ذلك تنويع الشركاء الدوليين.
أيضاً صدرت عن عدد من صناع القرار الاقتصادي والسياسي في تونس تصريحات جديدة تجمع على كون مرحلة ما بعد الجائحة تختلف عن المرحلة السابقة والحالية في العلاقات الدولية، بعد 65 سنة من تبني السلطات «سياسة خارجية تقليدية»، على حد تعبير وزير الخارجية السابق أحمد ونيس.
من جهته، اعتبر محسن حسن، وزير التجارة السابق والخبير الاقتصادي الدولي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن مرحلة اعتماد تونس والدول المغاربية على فرنسا والدول الأوربية بنسبة تحوم حول 75 في المائة من علاقاتها الخارجية توريداً وتصديراً وسياحة واستثماراً ولت إلى غير رجعة.
ووفق دراسة أعدها رضا الشكندالي، المدير العام لمركز الدراسات الاقتصادية والاجتماعية (سيريس) سابقاً، ستفرض الجائحة مسار الانفتاح أكثر على الأسواق «البديلة»، بما فيها الصين والهند وروسيا والدول العربية والآسيوية، بل وخصوصاً الأسواق الأفريقية، التي تحقق نسب نمو تفوق الـ10 في المائة، بينما أصبحت نسب النمو في أوروبا ضعيفة جداً أو سلبية. واستدل الشكندالي بالمحادثات الهاتفية التي أجراها أخيراً الرئيس التونسي قيس سعيد، ورئيس الحكومة إلياس فخفاخ، بعدد من زعماء الدول الآسيوية والعربية والأفريقية، وتنويههم بالمساعدات الصحية الصينية التي وصلت إلى تونس والجزائر وعدة دول أفريقية للحد من أضرار «كوفيد - 19».
أما أحمد كرم، رئيس المنظمة التونسية للبنوك والمؤسسات المالية ونائب محافظ البنك المركزي سابقاً، فرأى أن «هذه التطورات لم تأت من فراغ، لكنها تدعم مساراً بدأ منذ 1983 بين الصين وتونس ودول شمال أفريقيا، وتطور في التسعينات من القرن الماضي». وكانت حصيلة هذا المسار أن تطورت منذ أكثر من 15 سنة المبادلات السياحية والتجارية بنسق سريع جداً، على حساب العلاقات التاريخية مع فرنسا والاتحاد الأوروبي. وأصبحت ثلاثة أرباع الواردات من الصين و«القوى الصاعدة» في قطاعات عديدة، بينها المواد الأولية والملابس والجلود والأحذية، ومكوّنات الصناعات التصديرية، ومكوّنات الصناعات الميكانيكية، والأدوية والتجهيزات الطبية.

نعم... ولكن
في الاتجاه نفسه، توقع الصادق جبنون، الخبير الاقتصادي والناطق الرسمي باسم حزب «قلب تونس» (ليبرالي) أن يتأكد هذا المسار بعد «كوفيد - 19»، خصوصاً إذا أقدمت الصين و«القوى الصاعدة» على رفع قيمة استثماراتها في تونس والبلدان المغاربية والأفريقية، ولم تقصر اهتمامها بتصدير بضائعها إليها بأسعار منخفضة على غرار ما فعلت مع أغلب دول أفريقيا. لكن عياض اللومي، رئيس اللجنة المالية في البرلمان التونسي، سجل في المقابل، أن فرنسا والدول الأوروبية تتميز عن الصين وتركيا و«الشركاء الجدد» بالمزايا الجبائية والجمركية التي توفرها اتفاقيات الشراكة والمنطقة الحرة الأوروبية المتوسطية، بينها «معاهدة برشلونة 1995».
للعلم، يستفيد الحضور الأوروبي في تونس وبقية دول جنوب المتوسط من القرب الجغرافي واللغوي والثقافي والسياسي بين ضفتي البحر المتوسط، ومن إعفاءات تسند إلى المؤسسات الوطنية التصديرية. كذلك تستفيد مؤسسات آسيوية ودولية من حرص المستثمرين الأوروبيين على «إعادة الانتشار» الذي يؤدي إلى توظيف مزايا المنطقة الحرة الأورومتوسطية، والفارق في تكاليف الإنتاج مقابل تصدير كل المنتوج إلى أوروبا والأسواق العالمية، مع إعفاء من الضرائب. وإذا كان الميزان التجاري الخارجي يشكو الآن عجزاً لفائدة الصين وتركيا بنسبة تتراوح بين 70 و85 في المائة، فإن صادرات بلدان مثل تونس والمغرب والجزائر وليبيا إلى أوروبا تفوق بكثير وارداتها، حسب الخبير ورجل الأعمال جمال الدين عويديدي. وهذا المعطى، حسب رئيس البرلمان التونسي السابق عبد الفتاح مورو، قد يعطل مؤقتاً «الزحف الصيني التركي الآسيوي» على تونس وبلدان شمال أفريقيا.

اعتراضات وشكوك ومخاوف
على أي حال، فإن بعض السياسيين والخبراء الاقتصاديين الذين يرجحون الانفتاح أكثر على الأسواق الأفريقية والآسيوية والصين و«القوى الصاعدة»، منهم الأكاديمية جنات بن عبد الله، يشككون في صدقية الإحصائيات الحالية عن حجم الصادرات التونسية والمغاربية نحو أوروبا، ويصفونها بـ«المغلوطة والمزيفة». ويعتبر هؤلاء الخبراء أن الأمر يتعلق بشركات مشتركة أوروبية - تونسية، أو تونسية - عربية، معظم رأسمالها أوروبي، وتستفيد من الإعفاءات الجبائية والجمركية التي تمنح للشركات المحلية، وتصدر بضاعتها، ثم تحتفظ بمرابيحها في البنوك الأوروبية. والسبب أن القوانين لا تجبرها على إرجاع تلك المرابيح، شأنها شأن كثير من «مداخيل شركات تصدير الخدمات والمؤسسات السياحية».
ويذهب سفير تونس السابق إلى إندونيسيا محمود بالسرور، إلى حد اتهام «الشركات التصديرية التونسية الأوروبية (بتبييض أموالها) في شمال أفريقيا، ثم تهريب مرابيحها بطرق (قانونية)»، وبتزييف الإحصائيات الرسمية عبر الخلط بين صادرات المؤسسات الوطنية التي تعيد مرابيحها إلى البلاد والعمليات التجارية للمؤسسات الأجنبية التي يكون لديها شركاء محليون.
في هذا المناخ العام من الأخذ والرد، أعرب رئيس الحكومة التونسية الأسبق علي العريّض، عن مخاوف من المضاعفات الاقتصادية لأزمة «كوفيد - 19» بالنسبة لتونس ودول شمال أفريقيا. وتوقع انهيار عدد السياح الأوروبيين الذين كان من المتوقع أن يزوروا تونس في الموسمين الحالي والمقبل. كان وزير السياحة التونسي السابق روني الطرابلسي، قد أورد في مؤتمر صحافي، أخيراً، أن حوالي ربع الـ10 ملايين سائح الذين زاروا تونس عام 2019 كانوا من بين المهاجرين التونسيين في الدول الأوروبية. وأوضح أيضاً أن أكثر من نصف زوار تونس الأجانب في الموسم الماضي، أي حوالي 5 ملايين سائح، كانوا جزائريين وليبيين ومن المغرب الأقصى وموريتانيا. ومعلوم أنه يعتمد كثيرون من السياح المغاربيين على العملات الأجنبية التي يوفرها أبناؤهم المهاجرون في فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وألمانيا وبلجيكا. وهذا يعني أن «الأزمة الاجتماعية الاقتصادية في أوروبا ستؤثر سلباً على تونس على كل المستويات»، وفق وزير السياحة والصناعات التقليدية الجديد محمد علي التومي.

أوروبا تنقسم إلى 3 مجموعات
لكن هذه المعطيات، وغيرها، تبرر في نظر عدد من السياسيين والخبراء، بينهم وزير التجارة السابق محسن حسن، دعوة الحكومة الجديدة إلى القيام بخطوات سياسية اقتصادية جريئة تبرهن عن استيعاب المتغيرات في السياسة الدولية، خلال السنوات القليلة الماضية، خصوصاً منذ انتشار الجائحة الحالية. وتوقع حسن أن تطوى مرحلة «الاتحاد الأوروبي الكبير» بعد خروج بريطانيا، وبروز 3 كيانات جديدة داخل «القارة العجوز»، هي: أوروبا الشمالية أو الإسكندينافية، وأوروبا الغربية القديمة (من دون بريطانيا)، وأوروبا الجنوبية المطلة على البحر المتوسط، وفيها إيطاليا وإسبانيا واليونان وفرنسا. وهذه الأخيرة هي البلدان المعنية بـ«طريق الحرير» الجديدة مع الصين والأسواق الآسيوية، وهي مرشحة أكثر للاقتراب من دول جنوب البحر الأبيض المتوسط الـ12 من البلدان المغاربية إلى مصر والأردن ولبنان وتركيا.
من جانبه، طالب المؤرخ والمفكر عبد الجليل التميمي، مدير مؤسسة الأبحاث الجامعية والدراسات، قادة شمال أفريقيا وجنوب أوروبا، بمزايا تفعيل «الفضاءات الجهوية الصغيرة»، مثل «كوميسا» و«تجمع بلدان الحوض الغربي للبحر المتوسط 5 + 5»، الذي يضم الدول المغاربية زائد إيطاليا ومالطة والبرتغال وإسبانيا وفرنسا عوض الرهان على «التكتلات الكبرى»، مثل «مسار برشلونة» الذي يضم 27 دولة أوروبية و12 دولة من جنوب المتوسط.
غير أن عبد الفتاح مورو، يعتبر أن ألمانيا يمكن أن تكون بديلاً عن بعض شركاء تونس الاقتصاديين البارزين في أوروبا وخارجها. وتوقع مورو أن تبتعد برلين تدريجياً عن بعض حلفائها في أوروبا والعالم، وأن تقترب أكثر من روسيا ومن شرق أوروبا وآسيا ودول جنوب البحر الأبيض المتوسط، خصوصاً تونس والدول المغاربية ومصر. كما رأى أن ألمانيا معنية بعلاقات أكثر تطوراً مع تونس وشمال أفريقيا في مجال الهجرة، لأنها ستحتاج انطلاقاً من عام 2030 إلى ملايين الشباب المهاجرين من ذوي الخبرات، بينهم مئات الآلاف من خريجي الجامعات والأطباء والممرضين والتقنيين والمهندسين والمربّين.

الإرادة السياسية
أيضاً توقع مورو أن تتلقى تونس ودول جنوب المتوسط، بعد الجائحة الحالية، عروضاً جديدة في اتجاه تنويع شركائها الدوليين، بعد تراجع دور الاتحاد الأوروبي التقليدي، واتضاح حدود مسارات التنمية غير المتوازنة بين بلدان «الشمال» و«الجنوب» التي تعمقت منذ ربع قرن، أي منذ انطلاق «مسار برشلونة» واتفاقية المنظمة العالمية للتجارة لعام 1995.
إذن، «معركة البدائل» انطلقت، لكنها قد تتعثر لمدة سنة أو اثنتين، خصوصاً، بالنسبة لبلدان صغيرة مثل تونس، لديها التزامات بتسديد قروض قديمة للمؤسسات المالية الأوروبية والدولية، وتستعد منذ مدة لتنظيم مؤتمرات عالمية يؤمل بأن تعود عليها بمنافع كثيرة، من بينها «قمة الدول الفرانكوفونية» المقررة في وقت لاحق من العام الحالي.

مؤتمر طوكيو الدولي للتنمية الأفريقية «تيكاد 8»

> أعلنت تونس رسمياً أنها ستحتضن قمة رؤساء منظمة طوكيو الدولي للتنمية الأفريقية «تيكاد 8» (TICAD 8)، وأيضاً مقرّ مركز التميز الأفريقي للأسواق الشاملة (AIMEC)، وذلك خلال عام 2022. وأوضحت وزارة الخارجية التونسية أن هذه القمة الاقتصادية السياسية الدولية ستكون «أكبر اجتماع دولي تحتضنه تونس منذ استقلالها عن فرنسا في 1956»، ومن المقرر أن يشارك فيها حوالي 50 رئيس دولة وحكومة أفريقية، بالإضافة إلى رئيس الوزراء الياباني وأعضاء حكومته وعدد كبير من رؤساء العالم ومنظمات دولية وأكثر من 11 ألف مشارك من مؤسسات يابانية وأفريقية من القطاعين العام والخاص وخبراء وأكاديميين وممثلي عن المؤسسات المالية الدولية.
وتعتبر قمة منظمة طوكيو الدولي للتنمية الأفريقية (تيكاد) مبادرة حكومية من اليابان حول التنمية الأفريقية، وكانت قد أطلقت لأول مرة في سنة 1993. وتضم القمة خمسة أطراف رئيسية يطلق عليها مسمى «المنظمون المشاركون»، وهم الحكومة اليابانية، ومفوضية الاتحاد الأفريقي، ومكتب المستشار الخاص لشؤون أفريقيا التابع للأمم المتحدة، وبرنامج الأمم المتحدة للتنمية والبنك الدولي.
وتسعى «التيكاد» إلى تعزيز الحوار السياسي بين أفريقيا وشركائها، وحشد الدعم لصالح مبادرات التنمية الأفريقية. وتتمحور أشغال القمة والاجتماعات الجانبية التي تلتئم على هامشها حول تطوير الشراكة مع الدول الأفريقية في ظل التحولات الاقتصادية وتحسين بيئة الأعمال، من خلال تشجيع الاستثمارات الخاصة والابتكار، وتعزيز الأمن والاستقرار والسلام. وتجدر الإشارة إلى أن اليابان استضافت مؤتمرات «تيكاد» الستة الماضية، وستكون تونس ثاني دولة أفريقية تحتضن هذا الحدث الدولي الكبير خارج اليابان بعد مؤتمر نيروبي بكينيا سنة 2016.

تونس عضو في السوق المشتركة لدول شرق وجنوب أفريقيا

> وقعت تونس رسمياً على وثيقة انضمامها إلى منظمة «كوميسا» لدول شرق وجنوب أفريقيا خلال القمة التي عقدها رؤساء هذه الدول في مدينة لوساكا، عاصمة جمهورية زامبيا خلال الصيف الماضي. وبذا أصبحت تونس العضو العشرين في هذه المنظمة الإقليمية الاقتصادية الأفريقية، وبدأت تفعيل هذا الاتفاق واستقبلت وفوداً من الأمانة العامة للمنظمة في سياق بحثها عن «بدائل» للشركاء التقليديين.
هذا، وأوردت الأمينة العامة لمنظمة «الكوميسا» شيليشي كيبوابوي (Chileshe Kepwepwe)، خلال زيارة أدتها إلى تونس أن انضمام تونس إلى تركيبتها «سيعطى الفرصة أمام مجتمع الأعمال والمال في تونس والدول الشمال أفريقية لفتح أسواق جديدة والتعرف على الشركاء المحتملين من بلدان (الكوميسا)، وتجسيم الفرص الاستثمارية والمميزات التنافسية التي تتمتع بها دول المجموعة، وما يمكن أن تقدمه لبعضها البعض وإلى باقي دول العالم».
كذلك، أكدت الأمينة العامة أن دول تجمع شرق وجنوب أفريقيا تعد في طليعة الدول المشاركة في مبادرات التكامل الاقتصادي والسياسي والثقافي في القارة الأفريقية، بما في ذلك دورها الريادي في اتفاقية التجارة الحرة الثلاثية الأطراف. وهو ما سيساعد البلدان الأفريقية على جني ثمار فتح مزيد من الأسواق، واستغلال الموارد المتاحة، ورفع القدرة التنافسية، والحد من الاعتماد على الشرکاء التجاریین التقلیدیین.
ونبهت كيبوابوي إلى أن القارة الأفريقية تمر بمرحلة تنموية تستوجب تطوير التعاون والتكامل بين بلدانها على مستوى الحكومات فيما بينها، ومع القطاع الخاص الأفريقي والدولي من جهة أخرى.
من ناحية أخرى، اعتبرت الرئاسة التونسية، بمناسبة تفعيل انضمام تونس إلى هذا الفضاء الاقتصادي الإقليمي والدولي، هذه الخطوة «فرصة بالنسبة للقطاعين العام والخاص وأصحاب المؤسسات الصناعية والمالية التونسية الشمال أفريقية، وستستفيد تونس من فرص الانفتاح الاقتصادي على بلدان القارة السمراء، حيث فرص النمو كبيرة جداً خلافاً لغالبية دول العالم. كذلك توقع وزير الخارجية التونسية أن يؤدي انضمام تونس إلى منظمة سوق شرق وجنوب أفريقيا إلى تمكن المستثمرين ورجال الأعمال التونسيين والعرب من بناء شراكات مع نظرائهم ببقية الدول الأعضاء في هذا التجمع الاقتصادي المهم». ووصف هذا التجمع بأنه يعد «سوقاً واعدة لعديد المنتجات وللمؤسسات العاملة في مجالات مثل البنية التحتية وتكنولوجيات المعلومات والاتصال، وأيضاً التعليم والتدريب المهني والتعليم العالي والصحة والصناعات الغذائية والهندسة والمحاسبة والتمويل وغيرها من المجالات».


مقالات ذات صلة

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

حصاد الأسبوع استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

من تجارة السيارات والمعدات الثقيلة في نيجيريا إلى دوائر القرار في البيت الأبيض، ومن استقطاب أصوات العرب الأميركيين إلى التفاوض بشأن حروب السودان وليبيا

فتحية الدخاخني (القاهرة)
حصاد الأسبوع ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)

أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

صراعات معقّدة وثروات هائلة...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
حصاد الأسبوع من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)

شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن «صفقة الديزل» مع روسيا، بدا أن الحرب الروسية - الأوكرانية دخلت منعطفاً جديداً عنوانه إعادة النظر في أولويات الأطراف

رائد جبر (موسكو)
حصاد الأسبوع بوتين... المستفيد الأكبر (أ.ف.ب)

جولات ويتكوف... و«سيناريوهات» الحوار

قد يكون المشهد الحالي للأزمة الأوكرانية، بالإضافة إلى المواقف الأوروبية المتشددة حيال مسألة الضغط على الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، بين أسباب مراجعة

حصاد الأسبوع دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

فتح ملف إعادة إعمار المناطق المتضرّرة في لبنان سجالاً سياسياً حول الجهة التي يفترض أن تتحمّل التكلفة، بعدما حمّل «حزب الله» الحكومة مسؤولية أساسية عن الإيواء

«الشرق الأوسط» (بيروت)

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
TT

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب

من تجارة السيارات والمعدات الثقيلة في نيجيريا إلى دوائر القرار في البيت الأبيض، ومن استقطاب أصوات العرب الأميركيين إلى التفاوض بشأن حروب السودان وليبيا والكونغو، قطع مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للعلاقات العربية والأفريقية، مساراً سياسياً غير تقليدي. في هذا المسار، جمع رجل الأعمال اللبناني الأصل بين العلاقات العائلية وشبكات المصالح التجارية والاتصالات السياسية العابرة للقارات، لكنه اصطدم بتعقيدات أزمات القارة السمراء، التي لم تفلح معها حتى الآن سياسة دبلوماسية الصفقات.

قبل سنوات قليلة لم يكن مسعد بولس، رجل الأعمال الأميركي المتحدّر من أصل لبناني، اسماً مألوفاً في أوساط الدبلوماسية الدولية، لا سيما وأنه أمضى معظم حياته المهنية بعيداً عن واشنطن، متنقلاً بين لبنان والولايات المتحدة ونيجيريا. إلا أن زواج نجله مايكل من تيفاني، ابنة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عام 2022، فتح أمامه أبواب العائلة الرئاسية، قبل أن يتحول أحد الوجوه البارزة في حملة ترمب الانتخابية لعام 2024. وخلال أقل من سنتين، صار اسم بولس حاضراً في جهود وقف الحرب بالسودان، وتسوية الانقسام الليبي، وإنهاء النزاع بين رواندا والكونغو الديمقراطية.

النشأة والمسيرةوُلد مسعد فارس بولس عام 1971، لعائلة مسيحية من الروم الأرثوذكس من أبرز عائلات بلدة كفرعقّا في قضاء الكورة بشمال لبنان. والواقع، أن السياسة لم تكن بعيدة عن عائلته، حيث شغل والده منصب رئيس بلدية كفرعقّا، كما ارتبط عدد من أفراد عائلته بالعمل السياسي والنيابي في لبنان، أبرزهم النائب والوزير فيليب بولس.

ونشأ مسعد وسط توازنات حزبية وطائفية ووجاهة سياسية؛ ما شكّل مفهومه الأول للسياسة لتغدو هذه البيئة جزءاً من شبكة علاقاته السياسية لاحقاً. وفي سن المراهقة، انتقل بولس إلى ولاية تكساس الأميركية، وحاز هناك بكالوريوس إدارة أعمال من جامعة هيوستن- داونتاون، ثم إجازة الحقوق من جامعة تكساس سوذرن، كما حصل على الجنسية الأميركية.

أيضاً، إبّان سنوات دراسة مسعد في الولايات المتحدة، بدأ اهتمامه بالسياسة الجمهورية؛ إذ تطوّع للمشاركة في حملة (الرئيس لاحقاً) جورج بوش الابن لمنصب حاكم ولاية تكساس عام 1994، ونُقل عنه قوله: «هذه أول مشاركة سياسية لي كمواطن أميركي». لكن نشاطه السياسي ظل محدوداً مقارنة بعمله التجاري الذي ارتبط بالقارة الأفريقية.

رحلة تجارة في نيجيريا

بعد إنهاء سنوات الدراسة في الولايات المتحدة، انتقل مسعد بولس إلى نيجيريا وانخرط في أعمال عائلته التجارية وأصبح المدير التنفيذي لمجموعة «سكوا نيجيريا» التي تعمل في مجال توزيع السيارات وتجميعها في غرب أفريقيا وتبلغ قيمتها مليار دولار. وهناك تزوج من سارة فضّول، وهي ابنة رجل أعمال لبناني ارتبط هو الآخر باستثمارات في القارة الأفريقية، وأنجب منها أربعة أبناء.

وبينما منحته سنوات عمله في نيجيريا فرصة تكوين علاقات في أوساط الأعمال الأفريقية، وهي علاقات سيحاول توظيفها لاحقاً في مهامه الدبلوماسية، أثارت انتقادات إعلامية، لا سيما مع نشر صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية تقريراً نهاية عام 2024 شكّكت فيه بحجم ثروته، مدعيةً إنه يمتلك حصة صغيرة جداً من شركة «سكوا نيجيريا»، التي يسيطر عليها والد زوجته.

وفي مواجهة هذه التقارير، دافع فريق ترمب عن سجلّ بولس التجاري، مؤكداً أنه شغل مناصب تنفيذية في شركات عائلية بغرب أفريقيا لأكثر من 27 عاماً. كما أوضح بولس للـ«نيويورك تايمز» أن حديثه عن قيمة تتجاوز مليار دولار كان يقصد به مجموعة شركات عائلة زوجته، وليس الشركة التي يديرها وحدها.

ومن ناحية ثانية، أثار وصف ترمب له بأنه «محامٍ بارز» تساؤلات عدة، لا سيما مع ظهور تقارير صحافية ذكرت أنه لا يحمل رخصة مزاولة مهنة المحاماة في تكساس، مع أن هذا لا ينفي حصوله على حصوله على شهادة في القانون.

في أي حال، رغم إقامة مسعد بولس لسنوات في الولايات المتحدة أو العمل في نيجيريا، فإنه بقي مرتبطاً بمسقط رأسه، ومحافظاً على علاقاته مع عائلته في لبنان، حيث كان يتردد على بلدته كفرعقّا باستمرار. ونقلت وسائل إعلام عن مصادر مقرّبة من عائلة بولس قولها إنها «أسرة متواضعة، وأصيلة، وودودة، لا تشبه في سلوكها الأغنياء الجُدد، أبواب أهله كانت دائماً مفتوحة للجميع، ولهم مكانة عالية في قلوب جيرانهم ومحيطهم». كما يوصف بولس نفسه بأنه «ابن رضي لوالديه». وإلى جانب العائلة، ارتبط بولس بعلاقات واسعة مع أطراف لبنانية متعارضة؛ ما عدّه مراقبون إشارة على قدرته على بناء علاقات وتحالفات تتجاوز الانقسامات التقليدية. وبفضل قوة علاقاته هذه، وتنوّعها، تردّد في أوساط إعلامية أنه كان مرشحاً في إحدى الانتخابات البرلمانية في لبنان، وهو ما نفاه بولس في تصريحات صحافية في ما بعد.

زواج غيّر مساره

إلا أن التحوّل الأكبر في مسيرة مسعد بولس جاء من خارج باحة السياسة التقليدية، ومن خارج لبنان أيضاً. ففي عام 2018، بدأت علاقة ابنه مايكل بتيفاني ترمب، التي تعرف إليها خلال عطلة في جزيرة ميكونوس اليونانية، قبل أن يُعلنا خطوبتهما خلال يناير (كانون الثاني) 2021، ويتم الزواج في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، وبذا دخل بولس الدائرة العائلية المحيطة بترمب.

وفق تقرير نشرته وكالة الـ«أسوشييتد برس» في يونيو (حزيران) 2024، كان بولس قد شارك بالفعل في أنشطة سياسية داعمة لترمب، لكن دوره توسّع بصورة كبيرة بعد زواج نجله. وحين بدأت حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2024، وجد ترمب في قريبه اللبناني - الأميركي شخصية مناسبة للتواصل مع الجاليات العربية والمسلمة، لا سيما في ولاية ميشيغان المتأرجحة.

وبالفعل، استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة»، في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب بحجة أن ترمب قادر على وقف الحرب في الشرق الأوسط.

لم تكن تلك المهمة سهلة؛ إذ واجه بولس اعتراضات على سياسات ترمب نفسها تجاه المسلمين والفلسطينيين، لكنه استطاع في الوقت نفسه اجتذاب بعض التأييد للرئيس الأميركي. وحسب مراقبين، ربما كان هذا الدور هو السبب في قرار ترمب خلال ديسمبر (كانون الأول) 2024، تعيين بولس كبيراً لمستشاريه للشؤون العربية والشرق أوسطية، ووصفه إياه بأنه «رجل أعمال يتمتع بخبرة دولية وقدرة على بناء تحالفات انتخابية مع الأميركيين العرب».

وبعدها، يوم 1 أبريل (نيسان) 2025، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية تعيين بولس كبيراً لمستشاري الشؤون الأفريقية، ليبدأ بولس أولى مهامه الرسمية في أفريقيا بزيارة الكونغو الديمقراطية ورواندا وكينيا وأوغندا؛ بهدف دعم جهود السلام في شرق الكونغو وتشجيع استثمارات القطاع الخاص الأميركي.

«دبلوماسية الصفقات» ... في أفريقيا

بدأ بولس يتبنى نهجاً يتلاءم مع فلسفة ترمب القائمة على ربط التسويات السياسية بالصفقات الاقتصادية. وقال في أحد لقاءاته الصحافية، إن سياسة الإدارة الأميركية تجاه القارة ترتكز على ثلاثة مبادئ، هي: السلام والشراكات والازدهار. وظهر هذا التوجه واضحاً في ملف الكونغو الديمقراطية ورواندا، حيث قاد بولس اتصالات مع رئيسَي البلدين بشأن اتفاق لوقف الصراع في شرق الكونغو، وهي منطقة غنية بالمعادن الاستراتيجية، بينها الكوبالت والنحاس والليثيوم.

ويوم 27 يونيو 2025، وقّع البلدان «اتفاق سلام» برعاية أميركية في واشنطن، تضمّن «ترتيبات أمنية» وأسساً لتوسيع التعاون الاقتصادي وجذب الاستثمارات.

والواقع، أن الإدارة الأميركية لم تخفِ اهتمامها بالموارد المعدنية؛ بل تكلّم ترمب صراحةً عن «المكاسب» التي يمكن أن تحققها الولايات المتحدة من الوصول إلى معادن الكونغو. لكن ذلك الاتفاق لم ينهِ الصراع فعلياً؛ إذ استمرت المواجهات في شرق الكونغو، وظل تنفيذ التفاهمات موضع شكوك.

وبعد ذلك، في أكتوبر (تشرين الأول) 2026، برز تطوّر جديد مع إعلان الرئيس الكونغولي السابق جوزيف كابيلا قيادة تحالف متمرد جديد يضم حركة «إم 23»؛ ما عكس استمرار تعقيدات الأزمة.

السودان وليبيا... أصعب الاختبارات

ولكن، إذا كان ملف الكونغو قد منح مسعد بولس فرصة لتقديم نفسه وسيطاً دولياً، فإن السودان وليبيا وضعاه أمام اختبارات أكثر تعقيداً.

في السودان، انخرط بولس في جهود «الآلية الرباعية» الدولية التي تضم الولايات المتحدة، ومصر، والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة؛ لدفع الجيش السوداني وميليشيا «قوات الدعم السريع» نحو هدنة إنسانية تمهد لتسوية سياسية. وطرح بولس خطة لوقف إطلاق النار لمدة 90 يوماً، تعقبها مفاوضات أوسع لإنهاء الحرب والعودة إلى مسار الحكم المدني، غير أن مقترحه واجه اعتراضات من أطراف مرتبطة بالجيش السوداني، وحتى الآن لا يزال مسار الحل السياسي بعيداً.

أما في ليبيا، فقد دعم بولس مباحثات لتوحيد المؤسسات المنقسمة بين الشرق والغرب، وبناء شراكات تسمح بتوحيد المؤسسات والانتقال للانتخابات، لكن تعقيدات الصراع أعاقت حتى الآن الحلول السلمية.

الخلاصة، أن بولس لا يبدو دبلوماسياً أميركياً من الطراز التقليدي؛ فهو لم يأت من وزارة الخارجية، ولا من المؤسسة الأمنية أو البحثية، بل جاء من عالم الأعمال والسياسة العائلية، معتمداً على علاقات شخصية مباشرة مع الرئيس الأميركي وخبرة تجارية في القارة الأفريقية ومعرفة بالتوازنات السياسية اللبنانية، والقدرة على التواصل مع شخصيات لا تجمعها بالضرورة مواقف سياسية مشتركة. وبالتالي، مصادر قوته تمثل أيضاً نقاط ضعف تثير التساؤلات بشأنه، كما أن قدرته على الوصول إلى القادة وإطلاق المبادرات، لا تضمن وحدها نجاح تلك المبادرات أو تنفيذ ما ينتج منها من اتفاقات.


أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
TT

أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)

صراعات معقّدة وثروات هائلة...

عبارة تصف بصدق القارة الأفريقية، التي تمتلك وفق بعض التقديرات نحو 30 في المائة من الاحتياطيات المعدنية العالمية، إضافة إلى ثروات هائلة من النفط والذهب والأراضي الزراعية، لكن الصراعات المعقدة والانقسامات السياسية والحروب الأهلية تحول دون استثمارها.

والواقع أنه يعيش نحو 44 في المائة من سكان «القارة السمراء»، خاصة، جنوب الصحراء الكبرى في فقر مدقع. وبينما تتفاقم الصراعات الأفريقية الداخلية، تتزايد الأطماع الخارجية وتشتد حدة التنافس العالمي بين القوى الكبرى على استغلال موارد القارة وثرواتها.

تقديرات «لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا»، تشير إلى أنه على الرغم من امتلاك أفريقيا نحو 30 في المائة من احتياطيات المعادن العالمية، فإنها لا تحصل إلا على حصة محدودة من عوائد هذه الثروة نتيجة للاعتماد على تصدير المواد الخام وضعف التصنيع المحلي.

أيضاً، في أفريقيا نحو 65 في المائة من الأراضي الصالحة للزراعة عالمياً، بحسب التقارير الدولية. ووفق بيانات الأمم المتحدة فإن ثروات القارة تشمل نحو 7.5 في المائة من احتياطيات النفط، و8 في المائة من احتياطيات الغاز الطبيعي، و40 في المائة من احتياطيات الذهب العالمية، بجانب حصص كبيرة من الكروم والبلاتين، ويقدر رأس المال الطبيعي للقارة بنحو 7.6 تريليون دولار، وفق تقديرات البنك الأفريقي.

إلا أن كل هذه الأرقام لا تنعكس بحبوحة على سكان القارة. إذ تشير أرقام البنك الدولي لعام 2025، إلى أن نحو 584 مليون شخص في أفريقيا جنوب الصحراء يعيشون في فقر مدقع، ما يمثل نحو 44.1 في المائة من السكان. وكأمثلة، تتجاوز نسبة الفقر المدقع 80 في المائة في الكونغو الديمقراطية وموزمبيق، وتبلغ نحو 60.5 في المائة في النيجر، ويعيش 7 من كل 10 فقراء في العالم في قارة أفريقيا.

ومن ناحية ثانية، لا تنفصل الأوضاع الاقتصادية عن النزاعات المسلحة التي تضرب مناطق واسعة من أفريقيا، وتبرز الكونغو واحدةً من أبرز نماذج الصراع في أفريقيا، فالدولة الغنية بالكوبالت والنحاس والذهب والكولتان، تعد من أفقر دول القارة، وتعد النزاعات المحلية على الأرض من أزمتها. ولا يختلف الوضع كثيراً في السودان، الذي يعاني صراعاً ممتداً منذ أبريل (نيسان) 2023، بين الجيش وميليشيا «الدعم السريع»، أدى إلى نزوح وتشريد عدد كبير من السكان. أما بالنسبة لليبيا، فهي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في أفريقيا، تقدر بنحو 48 مليار برميل، لكن الانقسام السياسي والمؤسسي منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 حال دون استثمار هذه الثروة بصورة مستقرة.

أيضاً، لا يختلف الوضع في منطقة الساحل، حيث تواجه مالي وبوركينا فاسو والنيجر تصاعداً في هجمات الجماعات المتشددة، ما يعوق التنمية والاستفادة من ثرواتها المعدنية الكبيرة من الذهب واليورانيوم. وفي القرن الأفريقي حيث تتعاظم التحديات من حرب أهلية في إثيوبيا، ونزاعات مسلحة في الصومال، وهشاشة في الأوضاع السياسية والأمنية في مختلف أنحاء «القارة السمراء».


شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
TT

شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)

منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن «صفقة الديزل» مع روسيا، بدا أن الحرب الروسية - الأوكرانية دخلت منعطفاً جديداً عنوانه إعادة النظر في أولويات الأطراف الرئيسة المنخرطة فيها، بشكل مباشر أو غير مباشر، وذلك على ضوء إعلاء المصلحة الانتخابية الداخلية في الولايات المتحدة، واستعداد الإدارة الأميركية لانتهاج سياسة مختلفة عن سياسة حلفائها، وممارسة ضغط أكبر على الأوكرانيين خلال المرحلة المقبلة.

أثارت «صفقة الديزل» المُزمعة بين الولايات المتحدة وروسيا جدلاً صاخباً داخل أروقة السياسة الأميركية، واستدعت ردود فعل غاضبة في أوروبا وفي الداخل الأوكراني. لكن كان مُلاحظاً أن الكرملين لم يتسرّع في إعلان مواقف رسمية حيالها، بل اكتفى بتوجيه صامت للإدارات المعنية في البلاد بالعمل على توفير الظروف الملائمة لإنجاحها، كونها تقوّض واحداً من الأركان الأساسية للعقوبات المفروضة على قطاع النفط في روسيا.

هذا الأمر دفع وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك إلى الإعلان عن رفع الحظر المفروض على تصدير الديزل، مع محاولة طمأنة السوق الداخلية بأن الصفقة «لن تضرّ باحتياجات المستهلكين المحليين». وهذا مع الإشارة إلى أن روسيا تواجه داخلياً نقصاً كبيراً في إمدادات الوقود والديزل.

وبينما سارت موسكو خطوة ثانية نحو ترسيخ مكسبها، عبر اشتراطها رفع القيود المفروضة على شركات روسية لتنفيذ بنود الصفقة، كان هناك بُعد أهم. وتمثّل هذا البُعد في الانعكاس السياسي للصفقة، وكذلك عودة الكلام الأميركي عن «ضرورة إجراء انتخابات رئاسية لاختيار رئيس جديد لأوكرانيا». وهذا ما حدث بعد رد الفعل الغاضب للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي رأى أن صفقة الديزل «استثمار في الحرب»، وبالتالي، تعهّد بمواصلة استهداف منشآت الطاقة الروسية ما دامت موسكو تواصل استهداف البنى التحتية للطاقة في بلاده.

التأثيرات الميدانية

لقد كان متوقّعاً ألّا تصمد طويلاً «هدنة الطاقة» التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنجاح الصفقة، من دون تنسيق مع الطرفين الروسي والأوكراني.

وبعد توقف مؤقّت عن استهداف منشآت الطاقة الروسية، أعلن زيلينسكي أن الضربات على مصافي النفط ستُستأنف بسبب عدم التزام موسكو التي واصلت قصف البنى التحتية الأوكرانية. وفي المقابل، تجاهلت موسكو الهدنة، واكتفت بإشارات إلى أنها «تبحث شروطها مع الجانب الأميركي». وهكذا بدا أن الجهد الأميركي في هذا المجال يواجه اختباراً جدّياً لمدى قدرة ترمب على فرض تصوّره لآليات تنفيذ الصفقة.

المثير أن ترمب اختار الطريق الأقصر لذلك، عبر تقليص الدعم الاستخباراتي لأوكرانيا، وتجميد التعاون عبر شبكة «ستارلينك» و«ستارشيلد»، وهي النسخة العسكرية للشبكة التي كانت تتولّى توجيه التحذيرات المُسبقة للجانب الأوكراني عندما يُصار إلى إطلاق موجات صاروخية نحوه. وهو ما جعل الدفاعات الجوية الأوكرانية عمياء لعدة أيام، ومن ثم، زاد من حجم الضغوط على زيلينسكي. وفي هذا المجال، أكدت موسكو عملياً أنها تستعد للاستفادة إلى أبعد درجة مُمكنة من التدهور الحاد في علاقات القيادة الأوكرانية مع واشنطن.

القطيعة مع زيلينسكي

لقد طرح التطوّر معضلة جديدة أمام كل الأطراف الداعمة لأوكرانيا. فالقطيعة بين إدارة ترمب وزيلينسكي، الذي حمّله الرئيس الأميركي المسؤولية عن محاولة تعطيل الصفقة و«الإضرار بإمدادات الطاقة عالمياً»، دفعت نحو إطلاق واشنطن فكرة استبدال القيادة الأوكرانية.

بيد أن التطبيق العملي لهذه الفكرة يبدو احتمالاً بعيداً جداً، في ظروف الوضع الأوكراني الداخلي، وتعذّر فرص إجراء انتخابات، والموقف الأوروبي المعارض لتصعيد الضغوط على كييف و«منح موسكو جوائز»... كما علق أكثر من مسؤول أوروبي.

الانتخابات الرئاسية الأوكرانية، المؤجلة منذ سنتين، لا يُمكن إجراؤها، كما يقول الأوكرانيون، تحت النار، ولا بد من إعلان هدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل لإنجاح الاستحقاق، وفقاً لمطلب زيلينسكي.

ولكن هذا أمر يبدو مستبعداً للغاية في الظروف الحالية، لا سيما أن واشنطن فشلت حتى في فرض هدنة مؤقتة في قطاع الطاقة، فكيف ستنجح في حمل الكرملين على القبول بهدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل؟

لا تبدو موسكو اليوم متحمسة كثيراً

«للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي

على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه

المزاج الشعبي الأوكراني

من جانب آخر، اللافت أنه خلافاً للموقف المتشدّد للرئيس الأميركي حيال العلاقة مع زيلينسكي، جاء موقف الكرملين أكثر هدوءاً وتحفظاً؛ إذ بدا لافتاً في تأكيده له أنه «مهما بلغت الرغبات» تظلّ مناقشة أي تسوية سياسية من دون القيادة الحالية لأوكرانيا «أمراً مستحيلاً».

وهنا، تجدر الإشارة إلى أن موسكو التي شكّكت طويلاً بـ«شرعية» زيلينسكي، ورأت «صعوبة» في إبرام اتفاق سلام مع رجل انتهت ولايته الرئاسية منذ سنتين، ولم يعمل على تنظيم انتخابات رئاسية تجدّد الثقة به وبسياساته وتمنحه تفويضاً للتكلّم باسم الشعب الأوكراني، وجدت نفسها الآن أمام استحقاق جديد مع بلوغ الأزمة بين زيلينسكي وترمب حد القطيعة النهائية.

لكن موقف الكرملين لا يبدو، في أي حال، معزولاً عن سياقات المعركة الجارية والمزاج العام في أوروبا وفي الداخل الأوكراني.

إذ إن موسكو لا تبدو راهناً متحمسة كثيراً «للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي، على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه، ومع أن موسكو نفسها ساهمت في تعميق أزمته مع ترمب، واستثمرت في توسيع الهوة لضمان قطع المساعدات الاستخباراتية الأميركية عن أوكرانيا، وتقليص الدعم العسكري إلى أدنى درجة.

بناءً عليه، يبدو الموقف الروسي ملتبساً بعض الشيء، لكن هذا الالتباس يُخفي فهماً روسيا أعمق، وأكثر دقّة، من الفهم الأميركي للصعوبات التي تواجه التسوية السياسية. وهنا تدخل «ضرورات» التعامل مع زيلينسكي، بالنسبة إلى موسكو على الرغم من كل الاعتراضات السابقة عليه.

وفي هذا السياق، كتب معلّق روسي بارز أن «زيلينسكي الضعيف والمشكوك بشرعيته والمُحاط بالضغوط يظل (بالنسبة لموسكو) أفضل من زيلينسكي الواقف على صخرة قوية من الدعم الأوروبي، والمستند إلى دعم واضح في المجتمع الأوكراني».

وفي هذا الإطار، لا تبدو الأرقام والإحصائيات للمزاج العام في أوكرانيا مشجعة لدعم عملية انتخابية في الوقت الحالي؛ إذ يكفي إيراد بعض النتائج وفقاً لاستطلاعات الرأي الاجتماعي الحديثة في أوكرانيا (سبتمبر «أيلول» - أكتوبر «تشرين الأول» 2026).

أولاً: الرغبة في مواصلة الحرب: وفقاً لاستطلاع أجراه «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع (KIIS)»، فإن 62 في المائة من الأوكرانيين مستعدون لتحمّل الحرب ما دام الأمر لازماً. واللافت أنه في مقابل غالبية جاهزة لمواصلة تحمّل تبعات الحرب لسنوات، يقول 23 في المائة إنهم مع منح الفرصة للعسكريين لسنة إضافية أو نصف سنة. أي أنهم لا يعارضون وقف الحرب حالياً لكنهم يريدون سقفاً زمنياً محدداً لإنهاء القتال.

ثانياً: التنازلات الإقليمية: وفقاً لدراسة أجرتها مجموعة «ريتينغ» في أكتوبر 2026، فإن نحو 56 في المائة من المواطنين يقبلون، إلى حد ما، إمكانية تقديم تنازلات إقليمية مقابل تحقيق سلام طويل الأمد. لكن هؤلاء يربطون القبول بأي تنازلات بالحصول على ضمانات أمنية كاملة وموثوقة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ويرون أن الثمن يجب أن يكون قبول أوكرانيا التي تسعى للتكامل مع المنظومة الأوروبية، في مقابل وقف القتال عند خطوط التماس الحالية. واللافت هنا أن هذه الفئات لا تطالب القيادة الأوكرانية الحالية أو الجديدة - إذا أجريت الانتخابات - بإعلان «شرعية» السيادة الروسية على الأراضي، بل تبدي استعداداً للتعامل مع «أمر واقع» مفروض على الأرض.

ثالثاً: الثقة بالحكومة: تشير استطلاعات «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع» إلى أن مستوى الثقة بالرئيس فولوديمير زيلينسكي لا يزال عند نحو 54 في المائة.

والملاحظ في كل هذه النتائج أن الأرقام لم تتغير كثيراً عن نتائج استطلاعات أجريت قبل شهرين وكذلك نتائج العام الماضي.

وعلى وجه الخصوص، لم تنخفض النسبة بين سكان العاصمة كييف الذين شملهم الاستطلاع - 72 في المائة من المستجيبين مستعدّون لتحمل الحرب مهما طال الأمر (في أواخر يوليو «تموز» وأوائل أغسطس «آب»، كانت هذه النسبة 69 في المائة، وهو فرق ضمن هامش الخطأ).

الملاحظ أيضاً أن «معهد كييف الدولي للدراسات الاستراتيجية» أشار إلى أنه ينبغي الأخذ في الاعتبار أن هذا الاستطلاع أُجري بعد تصعيد الهجمات الروسية النشطة على المرافق الحيوية باستخدام الطائرات المسيّرة. ووفقاً لدراسة المعهد، فإن «هذا يعني أن هذه البيانات، على الأقل حتى الفترة من 12 إلى 21 سبتمبر، لم تُؤدِّ إلى تراجع معنويات السكان. وفي الوقت نفسه، أُنجز الاستطلاع قبل بدء الهجمات على الجسور عبر نهر الدنيبر».

غير أن كل هذا لا يعني أن الأوكرانيين يعارضون مبدأ التفاوض؛ إذ أظهرت الدراسات ذاتها أن 75 في المائة مع مبدأ التفاوض، لكن 56 في المائة كما ورد سابقاً يرفضون التنازلات الإقليمية من دون ضمانات واضحة وموثّقة لأوكرانيا. بينما يوافق 3 في المائة فقط على التنازلات دون أي شروط مسبقة.

ولدى العودة إلى مسألة الثقة بزيلينسكي، دلّت الدراسات الحديثة كلها أنه سيكون من الصعب جداً شطبه من المعادلة السياسية في البلاد.

وبالفعل، لا يزال زيلينسكي، بالإضافة فاليري زالوجني (قائد الجيش السابق) وكيريل بودانوف (رئيس مجلس الأمن) وميخائيل فيدوروف (سياسي بارز ورائد في مجال التقنيات الرقمية) يتصدّرون استطلاعات الرأي ونسب التأييد الانتخابي.

والمعنى هنا أن الانتخابات، لو أجريت الآن أو بعد وقت، فإن زيلينسكي سيكون المرشح الأوفر حظاً بالفوز... أو حتى قد تميل الكفة إلى الجناح الأكثر تشدداً منه مثل زالوجني أو بودانوف.