بريجيت ماكرون... المرأة التي تهمس في أذن الرئيس بعد أن صنعته

«السيدة الرئيسة»... كتاب يروي تفاصيل حياتها... ويصفها بـ«ماري أنطوانيت»... و«الدماغ الأيمن للرئيس الفرنسي»

بريجيت ماكرون... المرأة التي تهمس في أذن الرئيس بعد أن صنعته
TT

بريجيت ماكرون... المرأة التي تهمس في أذن الرئيس بعد أن صنعته

بريجيت ماكرون... المرأة التي تهمس في أذن الرئيس بعد أن صنعته

قد لا يكون الزمن مثالياً للكتابة عن قصة حب بين شاب طموح وأستاذة رقيقة وجميلة؛ لكنها في عمر أمه.
أغرم بها وهو على مقاعد الدراسة الثانوية. كانت أستاذته في فن المسرح في مدينة أميان الواقعة شمال باريس. هي أستاذة لغات قديمة وأدب ومسرح. متحدرة من عائلة من البورجوازية الريفية المتوسطة. متزوجة ولها ابن وبنتان. وهو تلميذ نحيل القامة، متوسطها، متفوق في الدراسة وشغوف بالمطالعة. واسع «الحشرية»، راغب في الغَرف مما هو متاح، ولكن أيضاً مما هو غير متاح. والده طبيب معروف وأمه ممرضة. انتمى صدفة إلى نادي المسرح في ثانوية المدينة التي تحتضن إحدى أجمل كاتدرائيات فرنسا وأوروبا. هو يتمتع بإحساس مرهف. عينان زرقاوان وجسم نحيل متوسط القامة. ولأنه يحب المسرح ويرغب في التمثيل، فقد توطدت علاقته بأستاذته.

هي رأته متفرداً، وهو رآها متميزة. أقنعها بأن تشاركه في إخراج مسرحية أعادا معاً كتابتها في منزلها، مساء كل يوم جمعة. ألهبت مشاعره وحفزته للاعتراف بولعه بها. بينهما نمت علاقة فريدة.
حاجز السن الذي عنوانه 24 سنة فاصلة بينهما طوَّعاه معاً. أرادها أن تترك زوجها وتلتحق به. الأمر لم يكن رائجاً في بيئة بورجوازية محافظة. أرادها له وحده، وألح عليها لكي تترك زوجها، فكان له ما أراد.
في 20 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2007، تزوج إيمانويل ماكرون بريجيت ترونيو، مطلقة أندريه لويس أوزيير، والد أولادها الثلاثة. هو في مقتبل العمر ولامس الثلاثين. وهي امرأة ناضجة في الـ54 من عمرها. الزواج حصل في مقر بلدية مدينة «لو توكيه»، وهي منتجع صيفي بورجوازي يطل على بحر المانش؛ حيث تملك بريجيت منزلاً ورثته عن والدها، وقد أصبح اليوم «محجة» للزوار، بمن فيهم الإنجليز الذين تضج بهم المدينة كل نهاية أسبوع وخلال الفرص الكبرى.
كُتب الكثير عن إيمانويل وبريجيت ماكرون؛ خصوصاً منذ أن دخلا معاً إلى قصر الإليزيه يوم 17 مايو (أيار) من عام 2017، بعد انتخابه رئيساً للجمهورية وهو لم يبلغ الأربعين من عمره، بحيث بات أصغر رئيس فرنسي منذ تأسيس الجمهورية الخامسة في خمسينات القرن الماضي.
لكن الكتاب الصادر حديثاً تحت عنوان: «السيدة الرئيسة»، لمؤلفتيه الصحافيتين أفا جمشيدي وناتالي شوك، جاء مختلفاً، إذ نجحتا في الدخول إلى قلب هذه العلاقة الاستثنائية. وينضح الكتاب، في كل صفحة من صفحاته، بإعجاب المؤلفتين بشخصية هذه المرأة التي كان قدرها أن تكون معلمة وزوجة وأُماً، وليس أكثر من ذلك. ولكن تلميذها الموهوب، ليس فقط في الدراسة أكان في المرحلة الثانوية أو لاحقاً؛ حيث انتمى إلى معهد العلوم السياسية في باريس، ثم إلى معهد الإدارة العالي الذي يخرج كبار كوادر ونخب البلاد. أدخلها سريعاً إلى دائرة الضوء خلال مشواره المهني: موظفاً رفيعاً في دائرة التفتيش المالي، ثم مصرفياً في أحد أعرق المصارف (بنك روتشيلد في باريس)، ومن هناك التحاقه بالمرشح الرئاسي الاشتراكي فرنسوا هولاند الذي وعده بأن يكون «الشخص الثالث» في الإليزيه في حال انتخابه، وهو ما حصل. ومن مستشار اقتصادي للرئيس، أصبح ماكرون وزيراً للاقتصاد في صيف عام 2014 وحتى صيف عام 2016؛ حيث أطلق حركته السياسية «فرنسا إلى الأمام». وبعد أقل من عام، أصبح رئيساً للجمهورية في انتخابات فريدة من نوعها.
هكذا، بسحر ساحر، أصبحت هذه السيدة الشقراء، نحيلة القامة، في سن الـ64 عقيلة رئيس الجمهورية التي تُفتح أمامها الأبواب، ولا يُرد لها طلب. تدور على عواصم العالم مع زوجها وتستقبل كباره. آمرة ناهية. قبلة الصحافة الشعبية، وصورها تغزو المجلات مصقولة الورق، ويتسابق الإعلاميون والإعلاميات ليحظوا بجملة منها أو بمقابلة.
تتبارى كبار بيوتات الأزياء لإقناعها بارتداء أجمل ما تحيكه معاملها. هي صورة فرنسا في الخارج. دخلت العمل الإنساني. بدَّلت وجددت في قصر الإليزيه، ولم تتردد في أن تطلب استبدال أطباق المائدة الرئاسية حتى تليق بالمطبخ الفرنسي الشهير؛ لكن الكلفة جاءت في زمن عصر النفقات منتفخة؛ إذ وصلت إلى نصف مليون يورو، ما عزز قول القائلين بأن ماكرون «رئيس الأغنياء». وذهب بعضهم إلى تسميتها «ماري أنطوانيت»، زوجة ملك فرنسا لويس السادس عشر التي ردت على من يقول لها إن الفرنسيين يفتقدون الخبز ولا يجدون ما يأكلونه، بقولها: «ليأكلوا البسكويت». وقد انتهت الملكة والملك على المقصلة التي كانت منصوبة في ساحة الكونكورد الحالية في باريس، على بعد رمية حجر من قصر الإليزيه.
لكن هل هذه هي حقيقة بريجيت؟ والسؤال الأهم الذي يمثل الإشكالية التي يدور حولها الكتاب، يمكن اختصارها بهذا السؤال: من صنع من؟ هل استمرت بلعب دور الأستاذة وهو التلميذ؟ أم أن التلميذ تحرر من الوصية؟ هل يستفيد من صورتها أم أنها فقط هي التي تستفيد من موقعه؟
تنقل المؤلفتان عن مصدر مقرب من الثنائي قوله: «إيمانويل يدين بكل شيء لـبريجيت. لقد أصبح رئيساً بفضلها. لقد (أنسنت) صورته، ووفرت له الدخول إلى منازل الفرنسيين وقلوبهم». ويضيف آخر: «إنها المرأة الوحيدة التي ساعدت زوجها وساهمت في انتخابه. هي تمثل العالم الجديد والحداثة، بينما هو أصبح كهلاً في سن العشرين. إنها ضمانته العاطفية وهو الضمانة العقلانية».
ويسهب الكتاب في سرد الأحداث التي تبين كم أن الرئيس الشاب حرص على أن يسمع رأي زوجته في كل ما يقوم به. فعندما اقترح عليه الرئيس السابق فرنسوا هولاند أن يصبح وزيراً طلب منه وقتاً ليستشير زوجته. وعندما أراد خوض مغامرته الرئاسية كانت مستشارته، وهي التي شجعته على ذلك وأخذت بيده. وخلال الحملة الرئاسية كانت دائمة الحضور.
كانت تراجع معه خطاباته، ولا تتردد عن انتقاده إن رأت أنه أطال أو بقي غامضاً. كانت تدربه على إيجاد المستوى الصوتي الملائم، ولطالما عبرت له عن تحفظها على ما قاله أو الطريقة التي استخدمها لإيصال رسالته. كانت تنتقد نسق عمله الذي لا يتوقف عندما كان وزيراً ثم مرشحاً، ولاحقاً رئيساً.
ويروي الكتاب أن مستشاري ماكرون كانوا يشعرون بالسعادة عندما ترافق الرئيس في رحلاته الرسمية إلى الخارج؛ لأنهم كانوا يتيقنون أنه لن يفرض عليهم العمل طوال فترة الرحلة مهما طالت، وإلى أي ساعة تواصلت. إذ إن بريجيت كانت تقترب من الرئيس لتقول له: «كفى تعذيباً لهؤلاء المساكين. اتركهم يرتاحون قليلاً». وليس سراً أن ماكرون مصاب بهوس التواصل مع الوزراء والمستشارين ليلاً نهاراً، وفي ساعات متأخرة جداً من الليل. والويل الويل للوزير أو المستشار الذي يحضر اجتماعاً ولا يكون متمكناً من ملفه بالكامل.
مع تواتر الصفحات، يتبدى بوضوح حرص بريجيت على أن تكون دوماً قريبة من إيمانويل إلى درجة أنها تلح دوماً على مستشاريه ومساعديه بأن يوفروا لهما بعض الوقت بين المواعيد الرسمية ليتلاقيا على انفراد. ثم إنها حريصة على مراقبة نوعية الطعام الذي يتناوله، وهي مثلاً تفرض على العاملين في المطبخ الرئاسي أن يحضروا يومياً عشرة أنواع من الخضراوات والفاكهة.
زوجته فتحت له الأبواب والنوافذ على الثقافة والمثقفين وأهل الفن، وقررت أنه يتعين دعوة فرقة موسيقية أو مسرحية أو مغنٍّ على الأقل مرة في الشهر، في إطار «أمسيات الإليزيه» حتى يعود المقر الرئاسي «صديقاً» للفن والثقافة. وليس سراً أن بريجيت ماكرون، كونها كانت تدرس فن التمثيل، لها علاقات واسعة مع شرائح عديدة في قطاع الفن؛ خصوصاً المسرح. وقبل يومين فقط من فرض الحجر في المنازل، في إطار مكافحة وباء «كورونا»، شوهد الرئيس وزوجته في أحد مسارح وسط العاصمة، لحضور الحفلة الافتتاحية لمخرج صديق لـبريجيت ماكرون.
وتروي المؤلفتان أن بريجيت فرضت على زوجها قضاء عطلة نهاية الأسبوع خارج قصر الإليزيه. ولحسن الحظ، فإن الرئاسة تشغل مقراً ملاصقاً لقصر فرساي، يسمى «لانتيرن» وهو يبعد حوالي نصف ساعة من قلب باريس بالسيارة. وهذا المقر الذي تحيط به أسوار عالية يعد مرتعاً مثالياً. فهو يقع في قلب غابة، ويتميز داخله بالأناقة والحداثة والتجهيزات اللازمة، بما في ذلك ملعب لكرة المضرب (تنس) ومسبح. وكان المقر سابقاً تابعاً لرئاسة الحكومة؛ إلا أن الرئيس السابق نيكولا ساركوزي «وضع» اليد عليه، وأصبح بالتالي في عهدة رئيس الجمهورية.
وفي هذا المقر، كان الرئيس الأسبق فرنسوا ميتران يخفي ابنته غير الشرعية مازارين بينجو عن الأعين، وإليه «هربت» فاليري تريفيلر، رفيقة درب فرنسوا هولاند، بعد أن اكتشفت «خيانته» لها مع الممثلة جولي غاييه. وتقول المؤلفتان إن بريجيت ماكرون «وقعت في حب المكان» وتحرص على الوجود فيه كلما سنحت لها ولزوجها الفرصة. كذلك، فإن زوجة الرئيس أحبت المقر الصيفي الموضوع بتصرف الإليزيه، وهو «حصن بريغونسون» المطل على مياه المتوسط. إلا أن رغبة الزوجي الرئاسي تزويد الحصن بمسبح، أثارت لغطاً في فرنسا، وأعادت إلى الأذهان صورة الرئيس الباذخ الذي كان ينفق ما لا يقل عن عشرين ألف يورو لغرض الماكياج.
حقيقة الأمر أن الفرنسيين دهشوا عندما خرجت بريجيت ماكرون إلى دائرة الضوء. كانوا يعتبرون أنها امرأة بورجوازية محافظة إلى حد ما، رغم أنها بدت «ثورية» عندما استجابت لنداء قلبها وتركت زوجها لتعيش رفقة إيمانويل ماكرون. وتفيض المؤلفتان في سرد تفاصيل تبين كم أنها كانت «خجولة». وإحدى ثوابت الكتاب الرئيسية أن هناك امرأتين في واحدة: ما قبل وما بعد قصر الإليزيه.
تتمتع فرنسا بنظام مركزي هو الأشد من بين كافة البلدان الأوروبية. وقلب هذه المركزية النابض هو قصر الإليزيه الملتحف بدستور الجمهورية الخامسة، الذي فصله الجنرال ديغول في ستينات القرن الماضي على مقاسه. وكثيرون يعتبرون أن رئيس الجمهورية يتمتع بصلاحيات تفوق صلاحيات الملك إبان الملكية. والنتيجة أن عقيلة الرئيس يمكن أن تمارس نوعاً من السلطة الخفية عبر زوجها. ورغم أن بريجيت ماكرون دأبت على أن تبقى بعيدة عن مثل هذه الظنون، فإن الواقع شيء آخر.
ويروي الكتاب أنها هي من اكتشفت جان ميشال بلانكيه، وزير التربية الحالي، وأحد أبرز أفراد الحكومة. هي تستقبل الوزراء، ولها معجبون في صفوفهم.
إلى جانب بلانكيه، وزيرة العمل موريل بينيكو، ووزيرة حقوق المرأة مارلين شيابا. وعن هذه الأخيرة، يروي الكتاب أن ماكرون كان يفكر بإحداث تعديل حكومي وكان متردداً. ولأن الوزيرة شيابا قريبة جداً منها، فقد سارعت لإبلاغ زوجها أنه «يستطيع أن يفعل ما شاء ما دامت محظيتها تبقى في الحكومة». ويأتي الكتاب على شهادة وزير راغب في البقاء مجهولاً، إذ يقول إنه «إذا أراد أحد الوزراء أن يمرر تعديلاً على نص مشروع قانون، فإن الحديث إلى بريجيت يكون بالغ الفائدة، كونها تستطيع التأثير على الرئيس والالتفاف على المستشارين».
هي دعمت الوزير المستقيل ريشار فران، أحد الأوائل الذين التحقوا بـماكرون من بين نواب الحزب الاشتراكي، بسبب فضيحة عقارية لحقت به، وقالت له يوماً وهي تحاول التخفيف عنه: «ريشار، يمكن أن تكون رئيساً عظيماً للبرلمان» وريشار اليوم رئيس للبرلمان. ويسرد عنها الكتاب أنها تردد على أسماع الوزراء: «إذا كنت قادرة على المساعدة، فلا تتأخروا في إخطاري».
تقول عنها المؤلفتان: «إنها تتمتع بحدس سياسي كما أنها بالغة الحساسية»؛ لا بل إنهما يصفانها بأنها «الدماغ الأيمن للرئيس» وأنه «يستشيرها في كل شيء بعد أن يغلق باب الجناح الخاص بهما» في قصر الإليزيه. ويكشف الكتاب أنها دائمة الحضور خلال عشاءات أركان الأكثرية الذين يدعون إلى قصر الإليزيه، الأمر الذي لا يظهر في مفكرة الرئاسة الرسمية. وقد فهم الوزراء والحالمون بالحقائب الوزارية هذا الأمر. لذا هم يسعون للتقرب منها، ما يذكر بـ«حاشيات الملوك».
ولم تتردد بعض أصوات المحتجين في إطار حركة «السترات الصفراء» في تسميتها «بريجيت أنطوانيت» تذكيراً بزوجة الملك لويس السادس عشر. بريجيت تشكل البوصلة بالنسبة للرئيس وفق الكتاب، مكَّنته من إبقاء علاقات جيدة مع الرئيس اليميني نيكولا ساركوزي، ومع كثيرين، ومنهم المتموضع في أقصى اليمين، مثل فيليب دوفيليه، رئيس «الحركة من أجل فرنسا».
وبالنسبة للمؤلفتين، فإن بريجيت ماكرون، رغم حسها السياسي؛ لا بل دهائها، فإنها ارتكبت عديداً من الأخطاء التي سيقت ضد زوجها وضد سياساته. هذه هي بريجيت ماكرون: امرأة ذات شخصية معقدة، ولكنها استثنائية، أكان ذلك في حياتها الشخصية أم «السياسية». ومن لا يعرف تفاصيل حياتها لا يدرك العوائق التي كان عليها اجتيازها لتصل إلى ما وصلت إليه. ولكنها في المحصلة كانت فاعلة بالأحداث بقدر ما كانت متأثرة بها، إن لم يكن أكثر من ذلك.


مقالات ذات صلة

الحياة سرداً معلّباً في زمن الخوارزميّات

كتب كاثرين جيزير-مورتون

الحياة سرداً معلّباً في زمن الخوارزميّات

لا تكاد تخلو جريدة أو مجلّة في أيّامنا من مقالة أو أكثر تحذر من إدمان الشاشات وتآكل قدرات التركيز التي انتهى إليها الإنسان المعاصر

ندى حطيط
كتب «حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات

«حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات

تؤسس الكاتبة المصرية هبة الله أحمد عالم مجموعتها «حكايات الغماز» على مفارقة مكانية وحركية

منى أبو النصر (القاهرة)
كتب كتابات تدعو القارئ إلى «الخروج من القاع»

كتابات تدعو القارئ إلى «الخروج من القاع»

تفتتح الكاتبة أحلام نواف بارود كتابها «لم نُخلَق للقاع» بإهداء يشرع أمام القارئ أبواب الأمل: «إلى آخر يوم في حياتك، مُصرّح لك بالتجربة والخطأ والتعلّم»

«الشرق الأوسط» (عمّان)
يوميات الشرق الأدب الكلاسيكي عائد بقوَّة من خلال الأفلام والمسلسلات (إنستغرام) p-circle 01:30

من «الأوديسة» إلى «شرق عدن»... كيف فتحت شهيَّة هوليوود و«نتفليكس» على الأدب الكلاسيكي؟

أكثر من أي وقت تلجأ كبرى استوديوهات الإنتاج إلى الروايات الكلاسيكية القديمة، لصناعة أفلام ومسلسلات منها. فما مردُّ هذه الظاهرة؟

كريستين حبيب (بيروت)
ثقافة وفنون التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

«لا أحد يعرف كيف مات. أكانت إبرة صغيرة حقنوا بها وريده ليعجلوا له بموت رحيم، أم سكتة باغتت قلبه من فرط الوحدة؟

شوقي بزيع

الحياة سرداً معلّباً في زمن الخوارزميّات

كاثرين جيزير-مورتون
كاثرين جيزير-مورتون
TT

الحياة سرداً معلّباً في زمن الخوارزميّات

كاثرين جيزير-مورتون
كاثرين جيزير-مورتون

لا تكاد تخلو جريدة أو مجلّة في أيّامنا من مقالة أو أكثر تحذر من إدمان الشاشات وتآكل قدرات التركيز التي انتهى إليها الإنسان المعاصر، بعدما حولت الأجهزة الذكيّة تطبيقات التواصل الاجتماعي إلى خبز يوميّ لا تستغني عنه مليارات من البشر، وأصبحت أقرب إلى أدوات لإعادة هندسة وعي الجمهور وفق اعتبارات سياسية وتجاريّة تتحكم فيها نخبة متنفذة فوق الحكومات والحدود.

بروفسورة علم الاجتماع الأميركية كاثرين جيزير-مورتون في كتابها «قصة حياتك: كيف تشكّل وسائل التواصل الاجتماعي تجربتنا لكل شيء - 2026»*، تتجاوز تلك التحذيرات المألوفة نحو منطقة أكثر عمقاً، وربما أشد إزعاجاً، إلى حيث تتشكل السرديات التي يرويها الأفراد في المجتمعات الحديثة عن أنفسهم وفق قوالب جاهزة تفرضها الخوارزميات، لتغدو العلامة التجارية الشخصية التي يسوّقها المرء عن ذاته بنية تحتية للهوية، وهواء يستنشقه يومياً داخل فضاءات رقمية تعيد نحت أدق تفاصيل الحياة العائلية والشخصية لتلائم صيغة العرض على الآخرين.

غلاف كتابها

ينطلق «قصة حياتك»، الذي يستند بشكل كبير إلى مادة عمود المؤلفة الدوري في مجلة «ذا كت» الأميركية وأطروحتها للدكتوراه حول «المؤثرات الأمهات»، من فكرة مركزية مفادها أن المنصات الرقمية تحولت إلى «مواقع للعرافة»، يبحث فيها المستخدمون عن نماذج سردية يستعيرونها لحياتهم، وعن قوالب جاهزة يصوغون بها تجاربهم اليومية، ما يفرض التساؤل حول تأثير تلك القوالب المستعارة على التجارب الإنسانية، وعن الثمن الذي يدفعه الفرد عندما يستبدل بالتعقيد الإنساني اللانهائي خيوط سرديات مكتملة ومعدة مسبقاً للعرض. وتلاحظ جيزير-مورتون أن الأجيال الشابة التي نشأت مع الهواتف الذكية تجد صعوبة في إدراك العلامة التجارية الشخصية كمفهوم منفصل عن ذواتها؛ لأنها تشبه الهواء الذي تنفسوه طوال حياتهم، ما يجعل الكتاب أقرب إلى سجل تاريخي يلتقط حالة «هستيريا» جماعية تتجاوز السلوك الفردي.

تقدم المؤلفة تحليلاً لما تسميه «فرط الواقعية الخانق»، وهي الحالة التي يذعن فيها الواقع لمتطلبات الصورة، فيتحول العالم إلى مسرح مصمم لإنتاج المحتوى، والوجهات السياحية إلى خلفيات للعرض الرقمي، وحفلات الزفاف إلى معارض تجارية لمقاولين متخصصين، وتصمم المطاعم والفنادق لتوفر زوايا تصوير مناسبة، وتقدّم الوجبات كمادة خام لمحتوى بصري... وتلتقط هذا التحول بلغة سلسة تمزج التحليل الاجتماعي المتقدم بالسرد الشخصي الحميم، مع نبرة ترفض الوعظ الأخلاقي، وتتجنب لوم المستخدمين الذين يقعون ضحايا، ويكونون شركاء فاعلين في الوقت ذاته.

يتميز الطرح في «قصّة حياتك» بقدرته على إظهار كيف أدى التبسيط السردي الذي تفرضه الخوارزميات، والذي يكافئ الإيجاز المخلّ والدراما والتطرف العاطفي، إلى تواري تجارب إنسانية كاملة من الفضاء العام مثل التّردد في خيارات الحياة، والارتياح لما يخالف الموضة، والاستسلام للحزن، وخيبة الأمل، والقبول بالواقع. ويوثّق كذلك كيف تلمّع المنصات لحظات التحول الكبرى والقصص ذات «أقواس التضحية المكتملة» كما تسميها، وهو نمط أميركيّ بامتياز حيث يخرج المرء من كل محنة معافى وممتناً، فكأن السرديات الرائجة تنتمي إلى عالم آخر يختلف عن عالم البشر العاديين الذي نعيشه، في وقت يخضع فيه السرد عن الضعف لقواعد اجتماعية صارمة، القاسم المشترك بينها جميعاً هو إعادة تقديمه لضمان بقاء العلامة التجارية الشخصيّة على المنصات قوية وتحظى بالمتابعة.

ولا شك أن أحد أهم فصول الكتاب ذلك الذي يحلل ما يمكن تسميته بتبني قواعد الخوارزمية في عادات النشر، فيشير إلى تعلّم المستخدمين التفكير مثل الخوارزميات، وممارسة الأفراد للرقابة الذاتية والتحريف والكذب «بسهولة التنفس»، في سياق رسم صورة بديلة عن أنفسهم تكون «قابلة للتسعير» من قبل الآخرين، سواء كانت العائدات من ذلك مالية أو رمزية أو متخيلة. وتؤكد جيزير-مورتون ما سبق أن ذهب إليه كوري دوكتورو في «الإنشيتيفيكيشن - 2025» عن حتميّة تردي المنصات الرقمية مع مرور الوقت، فتقول إن سنوات الشعور بالحرية والمرح على وسائل التواصل تزامنت مع أوقات كانت فيها الشركات المالكة للتطبيقات خارج مرحلة توقع تحقيق الأرباح، في حين أدى تصاعد المتطلبات التجارية لاحقاً إلى تغيير صيغة التعامل مع المستخدمين وممارسة الضغوط عليهم كي يقدموا أنفسهم بشكل متزايد كسلع.

ثمة سؤال بالغ الأهمية يطرحه الكتاب حول علاقة السرديات المعلّبة ببعض أكبر التحديات التي تواجه المجتمعات المعاصرة مثل العدالة الاجتماعية والمساواة، وقدرة الأفراد على تأكيد هويات أطفالهم، والصحة النفسية للبالغين والمراهقين، وتفتح الباب لربطها بأزمات الصحة النفسية المتفشية بدلالة أن «العلامة التجارية» قد تكون حلت محل الذات نفسها، وأن استيعاب قواعد الخوارزمية يجعل الأفراد يعيدون اجترار القوالب التي تخدم مصالح شركات كبرى تعمل على تحويل التجارب الإنسانية إلى بيانات قابلة للتسويق.

قواعد الخوارزمية تعمل على تحويل التجارب الإنسانية إلى بيانات قابلة للتسويق

تستدعي جيزير-مورتون في معرض التدليل على استنتاجاتها سرديات شخصية ومقابلات مع مؤثرين وعاملين في قطاعات متعددة، من عروض الأزياء إلى حفلات الزفاف المبالغ فيها، ما يمنح نصّها دفئاً وصدقاً، مع إدراك القارئ بالطبع لمحدودية تمثيل تلك الحكايا إحصائياً لأجيال كاملة نشأت في ظل هذه المنصات، على أن قوتها تظل في قدرتها على التقاط لحظة تاريخية فارقة؛ أي تلك اللحظة التي أصبح فيها «الشخص الرقمي» يدير مجمل العرض، في حين يكتفي «الشخص الفعلي» بالمشاهدة من بعيد مدركاً أن شيئاً ما قد ضاع منه بيدَيه. ويبدو هذا التباين واضحاً بين الجيل الذي عاش طفولته في فضاءات ما قبل الرقمنة، والجيل الذي تشكّل وعيه داخل هذه الفضاءات، وهو تباين يشير إلى تحول عميق في بنية التجربة الإنسانية ذاتها.

في الفصل المخصص للإعلانات المستهدفة إضاءة على صعوبة التمييز بين منشورات الأصدقاء والمواد المدفوعة، وهو تداخل يجعل الوعي اختباراً يومياً عندما تتفكك الحدود بين العلاقات الشخصية والعلاقات التجارية، ويتحوّل كل تفاعل اجتماعي إلى مادة للاستثمار الرأسمالي.

وتعترف المؤلفة ضمنياً بأن البديل لهذا النظام التحفيزي المنحرف الذي تقدمه وسائل التواصل الاجتماعي يظل قيد البحث، وتتقبل حقيقة أن العيش داخل هذه السرديات الافتراضية هو بدوره جزء من تجربة الوجود ذاتها، والطريق إلى الخروج منها يظل متاحاً لمن أراد، في حين تظل موضوعة السردية التي يتبناها الفرد قضية وجودية وسياسية في ذات الآن، ومسألة تستحق التأمّل العميق بعيداً عن الأحكام المسبقة أو الحلول السريعة.

*The Story of Your Life How Social Media Shapes the Way We Experience Everything, Kathryn Jezer-Morton, Icon Books, 2026.


«حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات

«حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات
TT

«حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات

«حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات

تؤسس الكاتبة المصرية هبة الله أحمد عالم مجموعتها «حكايات الغماز» على مفارقة مكانية وحركية؛ فمحطة القطار، التي تبدو مسرحاً واحداً تتوالى عليه الشخصيات، تنطوي على ديناميكية لا تهدأ، قوامها اللهاث والعبور وتلاقي المصائر. وتستثمر الكاتبة هذه الطبيعة في بناء عالم تتقاطع فيه الحركة الخارجية مع تحوّلات إنسانية أكثر خفاءً، وتتجاور فيه أزمنة لا تتطابق، وأصوات لا تصدر عن وعي واحد، رغم انتظامها جميعاً حول راوٍ ثابت.

ومن خلال هذه الجدلية لا يعود ثبات المكان نقيضاً للحركة، بل شرطاً لرصدها، فيما تتجاوز المحطة وظيفتها بوصفها مكاناً للسفر، لتصبح إطاراً لاختبار ما يتغيّر في الإنسان، وما يظل عالقاً فيه، حتى حين يواصل العالم حركته.

ورغم تصنيف «حكايات الغماز» (دار العين للنشر- القاهرة) بوصفه متتالية قصصية، فإن البناء يتيح أكثر من صيغة للتلقي؛ إذ يمكن قراءة الحكايات بوصفها نصوصاً تحتفظ باستقلالها النسبي، أو فصولاً من رواية قصيرة تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات المتكررة واستمرار الصوت السردي، ولا يبدو هذا التردد بين الأجناس الأدبية مجرد مسألة تصنيفية، بل نتيجة لطريقة تنظيم المادة الحكائية؛ فالشخصيات تدخل المشهد وتغادره، فيما يستمر عالم المحطة خارج حدود كل حكاية منفردة. ومن ثم، لا تتحقق وحدة العمل بتتابع الأحداث حول بطل مركزي، وإنما بتراكم الخبرات الإنسانية داخل فضاء واحد.

اختيار الراوي

تمنح الكاتبة هذا الفضاء راوياً فانتازياً هو عمود نور المحطة، الذي يقول: «أقف هنا منذ الأزل». وهو اختيار يضاعف المفارقة المؤسسة للعمل؛ فالراوي أكثر عناصر المكان ثباتاً، لكنه الأكثر اتصالاً بحركة الآخرين، والأقدر على الاحتفاظ بأثر عبورهم. غير أن ثباته المادي لا يعني سكوناً في وعيه؛ إذ تمنحه الكاتبة القدرة على الإصغاء والتعاطف والحنين، بل وإدراك عجزه عن التدخل، لتتجاوز فانتازيا أنسنة الجماد مجرد إضفاء صفات بشرية على شيء، لتؤسس مسافة بين القدرة على إدراك العالم والأمل في تغييره.

يشمل هذا التحوّل الشخصيات التي تبدو جزءاً مستقراً من المكان، فيما تخضع في داخلها لتحوّلات اجتماعية ونفسية متباينة، فالقط العجوز «جاكوار»، الذي ينتقل من حياة القط المنزلي إلى حياة الشارع، لا يواجه تغيراً في شروط معيشته فحسب، وإنما يبدأ في إعادة تشكيل تصوره لذاته وعلاقته بمحيطه، وتبرز في حكايته فكرة الاستقواء بالانتماء إلى «نقابة»، بما تحمله من محاكاة ساخرة لأشكال التنظيم والتضامن، حين تصبح الجماعة وسيلة لتعويض فقدان الأمان الفردي.

لا تبدو هذه الآلية بعيدة عن شخصية الطفل اللقيط الذي يتحوّل إلى أحد أبناء المحطة، ويستعير بدوره لغة الاستقواء، لتقيم الكاتبة بين القط والطفل تناظراً يتجاوز التشابه في الهامشية أو التشرد؛ فكلاهما يتعلم أن البقاء في فضاء مكشوف يقتضي أن يتحوّل الضعف إلى قوة أدائية، تتجلى في اللغة والمظهر وطريقة الحضور.

وفي مقابل هذه التحولات التي تفرضها شروط البقاء، تنفتح المجموعة على تحوّلات أخرى أكثر التصاقاً بالعلاقات العائلية والذاكرة، فحضور شخصية الأم المصابة بألزهايمر يضع علاقة الأمومة والبنوة أمام اختلال بالغ التعقيد؛ ويطرح سؤالاً عن مصير الروابط الإنسانية حين تتراجع قدرة أحد أطرافها على استحضار تاريخها المشترك، كما تفتح علاقة الابن والأب مجالاً لمساءلة الأدوار العائلية، بما تنطوي عليه من اعتماد متبادل، وتوقعات، ومسافات قد تتسع رغم استمرار رابطة القرابة.

تتقاطع هذه العلاقات مع حضور الأنوثة في مراحل عمرية مختلفة، حيث يتكرر من خلال أكثر من شخصية الوعي بقصر المدة التي يسمح فيها المجتمع للمرأة بأن تظل مرغوبة أو مرئية وفق معاييره، وبهذا المعنى لا يكون التحوّل مرتبطاً دائماً بانتقال الشخصية من وضع إلى آخر، بل قد ينشأ من تغير نظرة الآخرين إليها، أو من إدراكها أن الزمن يعيد تحديد موقعها داخل العلاقات الاجتماعية.

 تتجاور داخل المحطة أزمنة متعددة: زمن الساعة وزمن الذاكرة وزمن الانتظار وزمن الشاهد الذي لا يغادر مكانه

زمن نفسي

يؤدي الوقت وظيفة بنائية في تنظيم هذه التحولات، ففي محطة القطارات يصبح الزمن الكرونولوجي جزءاً من نظام المكان، وتستهل الكاتبة عدداً من مشاهدها بتحديد دقيق للوقت: «السابعة والنصف والمحطة تعج بأطياف من البشر بين القادم والمسافر»، غير أن هذا الزمن الخارجي، الذي تضبطه حركة القطارات ومواعيدها، يتقاطع مع أزمنة داخلية لا تخضع لمنطقه. ففي حكاية الحبيبة التي تواصل انتظار حبيبها الغائب، وتحاول أن تشرح له أن مواعيد القطارات تغيرت، تنشأ المفارقة بين زمن موضوعي يمضي ويعيد ترتيب العالم، وزمن نفسي يستبقي علاقة لم تعد تستجيب لتحولاته.

وهنا يتجاوز الانتظار وظيفته بوصفه فعلاً مؤقتاً يسبق الوصول، ليصبح وضعاً وجودياً تستقر فيه الشخصية، حتى حينما يتغير كل ما يحيط بها. وفي المقابل، فإن العمود الذي يقف «منذ الأزل» لا يعيش الزمن بوصفه تعاقباً محايداً للساعات، وإنما من خلال تراكم الحكايات التي يشهدها.

وهكذا تتجاور داخل المحطة أزمنة متعددة: زمن الساعة، وزمن الذاكرة، وزمن الانتظار، وزمن الشاهد الذي لا يغادر مكانه. ولا تقتصر أهمية هذا التعدد على اختلاف خبرات الشخصيات، بل تمتد إلى تشكيل إيقاع السرد نفسه، بين الحركة المتسارعة للمشهد الخارجي والاستبطاء الذي تفرضه الخبرات الفردية.

اللافت أن وحدة الصوت السردي لا تحول دون تمايز أصوات الشخصيات، التي تتكشف عبر الحوارات، وتفضح أحياناً طرائق تفكيرها دون حاجة إلى تدخل تفسيري مباشر، ويبرز هنا صوت شخصية «المتحرش» الذي يجد في ازدحام المحطة ملاذاً آمناً لممارسة انتهاكاته، ويتباهى بأنه يتحرك «بخفة فهد» ليكون دقيقاً وسريعاً ومباغتاً، مستدعياً مفردة «الدوبامين» لوصف اللذة التي يستمدها من أفعاله. لتصبح المحطة التي تمنح بعض شخصياتها فرصة للنجاة أو الاختباء من هشاشتها، هي من توفر للمتحرش غطاءً لممارسة العنف، فالازدحام الذي يجعل الجميع مرئيين لا يجعلهم بالضرورة محميين.

وهذه إحدى المفارقات الاجتماعية التي يتيحها اختيار المكان السردي في المتتالية، فالفضاء المفتوح لا ينتج معنى واحداً للأمان أو الخطر، وإنما تتحدد وظيفته وفق موقع كل شخصية داخله، فهو مأوى للطفل اللقيط، ومجال لإعادة التكيف بالنسبة إلى القط العجوز، ووعد للحبيبة، وغطاء للمتحرش، وبذلك تتجنب المحطة أن تكون مسرحاً محايداً، لتتحوّل إلى بنية اجتماعية مُصغرة تتجاور داخلها علاقات الحماية والافتراس، والانتماء والاستبعاد.


كتابات تدعو القارئ إلى «الخروج من القاع»

كتابات تدعو القارئ إلى «الخروج من القاع»
TT

كتابات تدعو القارئ إلى «الخروج من القاع»

كتابات تدعو القارئ إلى «الخروج من القاع»

تفتتح الكاتبة أحلام نواف بارود كتابها «لم نُخلَق للقاع» بإهداء يشرع أمام القارئ أبواب الأمل: «إلى آخر يوم في حياتك، مُصرّح لك بالتجربة والخطأ والتعلّم»، ثم برسالة إلى القارئ تقول: «ارتدِ أجمل ما لديك، وتَعطّر، واقرأ، وتعلّم، واعتنِ بنفسك كل يوم؛ فالمناسبة الحقيقية هي أنك ما زلت حياً».

وتوضح الكاتبة في مقدمة كتابها الصادر عن «الآن ناشرون وموزعون» (2026)، أن نصوصها موجّهة إلى «كل شخص شعر يوماً أنه عالق، أو ضائع، أو متأخر، أو أن الطريق أمامه مغلق»، مؤكدة أن هذه النصوص إن استطاعت أن تغيّر فكرةً واحدةً بداخل القارئ، أو توقظ رغبةَ البدء من جديد في نفسه، فهذا يكفي ليكون الكتاب قد حقّق هدفه.

ويتضمن الكتاب الواقع في نحو 135 صفحة موزعة على 53 فصلاً قصيراً تدور جميعها في فلك فكرة واحدة، يشير إليها العنوان في البدء، وهي أن الوصول إلى القاع لا يعني نهاية الطريق، بقدر ما يمكن أن يتحول إلى محطة عابرة في الحياة. نقرأ في هذا السياق: «القاع لا يأتي دائماً ليهدمك، بل ليعيد بناءك»، وتضيف المؤلفة: «لم نُخلَق للقاع... خُلقنا لنعبره ونتغير خلاله، ثم نخرج منه ونحن بأجمل وأرقى وأعظم وأنجح صورة لنا».

لذا تبدو قائمة عناوين النصوص شبيهةً إلى حد بعيد بخريطة تقود طريق القارئ للخروج من ذلك القاع، وتحثّه على طرح عديد من الأسئلة ذات الأبعاد الوجودية: «لم نُخلَق عبثاً»، و«مداخل الألم»، و«الإنسان»، و«وضوح»، و«إلهام»، و«الأحلام»... ثم يتجه الكتاب إلى مواجهة الخوف عبر: «الخوف... القاتل الصامت»، و«الشجاعة»، و«لا تنظر لنفسك بعين الفشل»، ليأتي فصل: «إجابات معلّقة بين السؤال والوقت» مستحضراً قصصاً من التراث الديني لتأكيد أن الحكمة قد تتأخر عن الحدث.

ويخصص الكتاب مساحة لفهم النفس، فيقسّم الإنسان في فصل «افهم نفسك أولاً» إلى قلب وعقل وروح، وتستعين فيه المؤلفة بكتابَي «لغات الحب الخمس» و«مَن حرّك قطعة الجبن الخاصة بي؟»، يتبعه فصل بعنوان «الضمير»، ثم قائمة عملية بعنوان «21 عادة تزيد ثقتك بنفسك»، وفصل «كن طيباً دون أن يستغلّك أحد».

ويحمل الفهرس ثلاث إشارات بنيوية لافتة، فقد وَسمت الكاتبة ثلاثة فصول بأنها «القلب»، و«العقل»، و«الروح» للكتاب، الأول فصل «القاع (قلب الكتاب)»، والثاني «استرجع عقلك (عقل الكتاب)»، والثالث «علاقتك بالله (روح الكتاب)». وتمثل هذه الأضلاع الثلاثة، حسب الكاتبة، مدخلاً لفهم الإنسان لنفسه، ذلك الفهم الذي لا يكتمل إلا بالموازنة بين هذه الأضلاع الثلاثة.

اعتمدت المؤلفة في نسج نصوصها على عديد من الحكايات التي تصنع أحداثَها شخصياتٌ معروفة، منها قصة أسطورة مايكل جاكسون، وأقراط مورغان فريمان، وقصة صبي ياباني يحمل جسد شقيقه الميت على ظهره... وفي الشأن المعاصر يتناول الكتاب «الثراء الحقيقي»، و«علاقتنا بالمال» مستلهماً كتاب «أغنى رجل في بابل»، ويتوقف عند «التعفن الدماغي» الذي تصفه المؤلفة بأنه حالة يعتاد فيها العقل على المحتوى السريع والسطحي، لتقدم في فصل «استرجع عقلك» خطة من مرحلتين هما: «ترميم الدماغ» ثم «بناء الدماغ» وتشمل التنفس والتأمل والقراءة الورقية والتغذية والنوم.

وتتصل الفصول الأخيرة من الكتاب بموضوعات القيم والأثر من مثل: «قوة النوايا»، و«لماذا تُعَدّ الأخلاق أساس بقاء الأمم والأفراد؟»، و«قوة الاستمرار الهادئ»، و«استمتع بالرحلة... فالوصول لحظة»... وينتهي الكتاب بخاتمة من ثلاثة أسطر تقول الكاتبة فيها: «إنه وقت المتاهة. لقد بدأت متاهتك الآن... انطلق».