بريجيت ماكرون... المرأة التي تهمس في أذن الرئيس بعد أن صنعته

«السيدة الرئيسة»... كتاب يروي تفاصيل حياتها... ويصفها بـ«ماري أنطوانيت»... و«الدماغ الأيمن للرئيس الفرنسي»

بريجيت ماكرون... المرأة التي تهمس في أذن الرئيس بعد أن صنعته
TT

بريجيت ماكرون... المرأة التي تهمس في أذن الرئيس بعد أن صنعته

بريجيت ماكرون... المرأة التي تهمس في أذن الرئيس بعد أن صنعته

قد لا يكون الزمن مثالياً للكتابة عن قصة حب بين شاب طموح وأستاذة رقيقة وجميلة؛ لكنها في عمر أمه.
أغرم بها وهو على مقاعد الدراسة الثانوية. كانت أستاذته في فن المسرح في مدينة أميان الواقعة شمال باريس. هي أستاذة لغات قديمة وأدب ومسرح. متحدرة من عائلة من البورجوازية الريفية المتوسطة. متزوجة ولها ابن وبنتان. وهو تلميذ نحيل القامة، متوسطها، متفوق في الدراسة وشغوف بالمطالعة. واسع «الحشرية»، راغب في الغَرف مما هو متاح، ولكن أيضاً مما هو غير متاح. والده طبيب معروف وأمه ممرضة. انتمى صدفة إلى نادي المسرح في ثانوية المدينة التي تحتضن إحدى أجمل كاتدرائيات فرنسا وأوروبا. هو يتمتع بإحساس مرهف. عينان زرقاوان وجسم نحيل متوسط القامة. ولأنه يحب المسرح ويرغب في التمثيل، فقد توطدت علاقته بأستاذته.

هي رأته متفرداً، وهو رآها متميزة. أقنعها بأن تشاركه في إخراج مسرحية أعادا معاً كتابتها في منزلها، مساء كل يوم جمعة. ألهبت مشاعره وحفزته للاعتراف بولعه بها. بينهما نمت علاقة فريدة.
حاجز السن الذي عنوانه 24 سنة فاصلة بينهما طوَّعاه معاً. أرادها أن تترك زوجها وتلتحق به. الأمر لم يكن رائجاً في بيئة بورجوازية محافظة. أرادها له وحده، وألح عليها لكي تترك زوجها، فكان له ما أراد.
في 20 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2007، تزوج إيمانويل ماكرون بريجيت ترونيو، مطلقة أندريه لويس أوزيير، والد أولادها الثلاثة. هو في مقتبل العمر ولامس الثلاثين. وهي امرأة ناضجة في الـ54 من عمرها. الزواج حصل في مقر بلدية مدينة «لو توكيه»، وهي منتجع صيفي بورجوازي يطل على بحر المانش؛ حيث تملك بريجيت منزلاً ورثته عن والدها، وقد أصبح اليوم «محجة» للزوار، بمن فيهم الإنجليز الذين تضج بهم المدينة كل نهاية أسبوع وخلال الفرص الكبرى.
كُتب الكثير عن إيمانويل وبريجيت ماكرون؛ خصوصاً منذ أن دخلا معاً إلى قصر الإليزيه يوم 17 مايو (أيار) من عام 2017، بعد انتخابه رئيساً للجمهورية وهو لم يبلغ الأربعين من عمره، بحيث بات أصغر رئيس فرنسي منذ تأسيس الجمهورية الخامسة في خمسينات القرن الماضي.
لكن الكتاب الصادر حديثاً تحت عنوان: «السيدة الرئيسة»، لمؤلفتيه الصحافيتين أفا جمشيدي وناتالي شوك، جاء مختلفاً، إذ نجحتا في الدخول إلى قلب هذه العلاقة الاستثنائية. وينضح الكتاب، في كل صفحة من صفحاته، بإعجاب المؤلفتين بشخصية هذه المرأة التي كان قدرها أن تكون معلمة وزوجة وأُماً، وليس أكثر من ذلك. ولكن تلميذها الموهوب، ليس فقط في الدراسة أكان في المرحلة الثانوية أو لاحقاً؛ حيث انتمى إلى معهد العلوم السياسية في باريس، ثم إلى معهد الإدارة العالي الذي يخرج كبار كوادر ونخب البلاد. أدخلها سريعاً إلى دائرة الضوء خلال مشواره المهني: موظفاً رفيعاً في دائرة التفتيش المالي، ثم مصرفياً في أحد أعرق المصارف (بنك روتشيلد في باريس)، ومن هناك التحاقه بالمرشح الرئاسي الاشتراكي فرنسوا هولاند الذي وعده بأن يكون «الشخص الثالث» في الإليزيه في حال انتخابه، وهو ما حصل. ومن مستشار اقتصادي للرئيس، أصبح ماكرون وزيراً للاقتصاد في صيف عام 2014 وحتى صيف عام 2016؛ حيث أطلق حركته السياسية «فرنسا إلى الأمام». وبعد أقل من عام، أصبح رئيساً للجمهورية في انتخابات فريدة من نوعها.
هكذا، بسحر ساحر، أصبحت هذه السيدة الشقراء، نحيلة القامة، في سن الـ64 عقيلة رئيس الجمهورية التي تُفتح أمامها الأبواب، ولا يُرد لها طلب. تدور على عواصم العالم مع زوجها وتستقبل كباره. آمرة ناهية. قبلة الصحافة الشعبية، وصورها تغزو المجلات مصقولة الورق، ويتسابق الإعلاميون والإعلاميات ليحظوا بجملة منها أو بمقابلة.
تتبارى كبار بيوتات الأزياء لإقناعها بارتداء أجمل ما تحيكه معاملها. هي صورة فرنسا في الخارج. دخلت العمل الإنساني. بدَّلت وجددت في قصر الإليزيه، ولم تتردد في أن تطلب استبدال أطباق المائدة الرئاسية حتى تليق بالمطبخ الفرنسي الشهير؛ لكن الكلفة جاءت في زمن عصر النفقات منتفخة؛ إذ وصلت إلى نصف مليون يورو، ما عزز قول القائلين بأن ماكرون «رئيس الأغنياء». وذهب بعضهم إلى تسميتها «ماري أنطوانيت»، زوجة ملك فرنسا لويس السادس عشر التي ردت على من يقول لها إن الفرنسيين يفتقدون الخبز ولا يجدون ما يأكلونه، بقولها: «ليأكلوا البسكويت». وقد انتهت الملكة والملك على المقصلة التي كانت منصوبة في ساحة الكونكورد الحالية في باريس، على بعد رمية حجر من قصر الإليزيه.
لكن هل هذه هي حقيقة بريجيت؟ والسؤال الأهم الذي يمثل الإشكالية التي يدور حولها الكتاب، يمكن اختصارها بهذا السؤال: من صنع من؟ هل استمرت بلعب دور الأستاذة وهو التلميذ؟ أم أن التلميذ تحرر من الوصية؟ هل يستفيد من صورتها أم أنها فقط هي التي تستفيد من موقعه؟
تنقل المؤلفتان عن مصدر مقرب من الثنائي قوله: «إيمانويل يدين بكل شيء لـبريجيت. لقد أصبح رئيساً بفضلها. لقد (أنسنت) صورته، ووفرت له الدخول إلى منازل الفرنسيين وقلوبهم». ويضيف آخر: «إنها المرأة الوحيدة التي ساعدت زوجها وساهمت في انتخابه. هي تمثل العالم الجديد والحداثة، بينما هو أصبح كهلاً في سن العشرين. إنها ضمانته العاطفية وهو الضمانة العقلانية».
ويسهب الكتاب في سرد الأحداث التي تبين كم أن الرئيس الشاب حرص على أن يسمع رأي زوجته في كل ما يقوم به. فعندما اقترح عليه الرئيس السابق فرنسوا هولاند أن يصبح وزيراً طلب منه وقتاً ليستشير زوجته. وعندما أراد خوض مغامرته الرئاسية كانت مستشارته، وهي التي شجعته على ذلك وأخذت بيده. وخلال الحملة الرئاسية كانت دائمة الحضور.
كانت تراجع معه خطاباته، ولا تتردد عن انتقاده إن رأت أنه أطال أو بقي غامضاً. كانت تدربه على إيجاد المستوى الصوتي الملائم، ولطالما عبرت له عن تحفظها على ما قاله أو الطريقة التي استخدمها لإيصال رسالته. كانت تنتقد نسق عمله الذي لا يتوقف عندما كان وزيراً ثم مرشحاً، ولاحقاً رئيساً.
ويروي الكتاب أن مستشاري ماكرون كانوا يشعرون بالسعادة عندما ترافق الرئيس في رحلاته الرسمية إلى الخارج؛ لأنهم كانوا يتيقنون أنه لن يفرض عليهم العمل طوال فترة الرحلة مهما طالت، وإلى أي ساعة تواصلت. إذ إن بريجيت كانت تقترب من الرئيس لتقول له: «كفى تعذيباً لهؤلاء المساكين. اتركهم يرتاحون قليلاً». وليس سراً أن ماكرون مصاب بهوس التواصل مع الوزراء والمستشارين ليلاً نهاراً، وفي ساعات متأخرة جداً من الليل. والويل الويل للوزير أو المستشار الذي يحضر اجتماعاً ولا يكون متمكناً من ملفه بالكامل.
مع تواتر الصفحات، يتبدى بوضوح حرص بريجيت على أن تكون دوماً قريبة من إيمانويل إلى درجة أنها تلح دوماً على مستشاريه ومساعديه بأن يوفروا لهما بعض الوقت بين المواعيد الرسمية ليتلاقيا على انفراد. ثم إنها حريصة على مراقبة نوعية الطعام الذي يتناوله، وهي مثلاً تفرض على العاملين في المطبخ الرئاسي أن يحضروا يومياً عشرة أنواع من الخضراوات والفاكهة.
زوجته فتحت له الأبواب والنوافذ على الثقافة والمثقفين وأهل الفن، وقررت أنه يتعين دعوة فرقة موسيقية أو مسرحية أو مغنٍّ على الأقل مرة في الشهر، في إطار «أمسيات الإليزيه» حتى يعود المقر الرئاسي «صديقاً» للفن والثقافة. وليس سراً أن بريجيت ماكرون، كونها كانت تدرس فن التمثيل، لها علاقات واسعة مع شرائح عديدة في قطاع الفن؛ خصوصاً المسرح. وقبل يومين فقط من فرض الحجر في المنازل، في إطار مكافحة وباء «كورونا»، شوهد الرئيس وزوجته في أحد مسارح وسط العاصمة، لحضور الحفلة الافتتاحية لمخرج صديق لـبريجيت ماكرون.
وتروي المؤلفتان أن بريجيت فرضت على زوجها قضاء عطلة نهاية الأسبوع خارج قصر الإليزيه. ولحسن الحظ، فإن الرئاسة تشغل مقراً ملاصقاً لقصر فرساي، يسمى «لانتيرن» وهو يبعد حوالي نصف ساعة من قلب باريس بالسيارة. وهذا المقر الذي تحيط به أسوار عالية يعد مرتعاً مثالياً. فهو يقع في قلب غابة، ويتميز داخله بالأناقة والحداثة والتجهيزات اللازمة، بما في ذلك ملعب لكرة المضرب (تنس) ومسبح. وكان المقر سابقاً تابعاً لرئاسة الحكومة؛ إلا أن الرئيس السابق نيكولا ساركوزي «وضع» اليد عليه، وأصبح بالتالي في عهدة رئيس الجمهورية.
وفي هذا المقر، كان الرئيس الأسبق فرنسوا ميتران يخفي ابنته غير الشرعية مازارين بينجو عن الأعين، وإليه «هربت» فاليري تريفيلر، رفيقة درب فرنسوا هولاند، بعد أن اكتشفت «خيانته» لها مع الممثلة جولي غاييه. وتقول المؤلفتان إن بريجيت ماكرون «وقعت في حب المكان» وتحرص على الوجود فيه كلما سنحت لها ولزوجها الفرصة. كذلك، فإن زوجة الرئيس أحبت المقر الصيفي الموضوع بتصرف الإليزيه، وهو «حصن بريغونسون» المطل على مياه المتوسط. إلا أن رغبة الزوجي الرئاسي تزويد الحصن بمسبح، أثارت لغطاً في فرنسا، وأعادت إلى الأذهان صورة الرئيس الباذخ الذي كان ينفق ما لا يقل عن عشرين ألف يورو لغرض الماكياج.
حقيقة الأمر أن الفرنسيين دهشوا عندما خرجت بريجيت ماكرون إلى دائرة الضوء. كانوا يعتبرون أنها امرأة بورجوازية محافظة إلى حد ما، رغم أنها بدت «ثورية» عندما استجابت لنداء قلبها وتركت زوجها لتعيش رفقة إيمانويل ماكرون. وتفيض المؤلفتان في سرد تفاصيل تبين كم أنها كانت «خجولة». وإحدى ثوابت الكتاب الرئيسية أن هناك امرأتين في واحدة: ما قبل وما بعد قصر الإليزيه.
تتمتع فرنسا بنظام مركزي هو الأشد من بين كافة البلدان الأوروبية. وقلب هذه المركزية النابض هو قصر الإليزيه الملتحف بدستور الجمهورية الخامسة، الذي فصله الجنرال ديغول في ستينات القرن الماضي على مقاسه. وكثيرون يعتبرون أن رئيس الجمهورية يتمتع بصلاحيات تفوق صلاحيات الملك إبان الملكية. والنتيجة أن عقيلة الرئيس يمكن أن تمارس نوعاً من السلطة الخفية عبر زوجها. ورغم أن بريجيت ماكرون دأبت على أن تبقى بعيدة عن مثل هذه الظنون، فإن الواقع شيء آخر.
ويروي الكتاب أنها هي من اكتشفت جان ميشال بلانكيه، وزير التربية الحالي، وأحد أبرز أفراد الحكومة. هي تستقبل الوزراء، ولها معجبون في صفوفهم.
إلى جانب بلانكيه، وزيرة العمل موريل بينيكو، ووزيرة حقوق المرأة مارلين شيابا. وعن هذه الأخيرة، يروي الكتاب أن ماكرون كان يفكر بإحداث تعديل حكومي وكان متردداً. ولأن الوزيرة شيابا قريبة جداً منها، فقد سارعت لإبلاغ زوجها أنه «يستطيع أن يفعل ما شاء ما دامت محظيتها تبقى في الحكومة». ويأتي الكتاب على شهادة وزير راغب في البقاء مجهولاً، إذ يقول إنه «إذا أراد أحد الوزراء أن يمرر تعديلاً على نص مشروع قانون، فإن الحديث إلى بريجيت يكون بالغ الفائدة، كونها تستطيع التأثير على الرئيس والالتفاف على المستشارين».
هي دعمت الوزير المستقيل ريشار فران، أحد الأوائل الذين التحقوا بـماكرون من بين نواب الحزب الاشتراكي، بسبب فضيحة عقارية لحقت به، وقالت له يوماً وهي تحاول التخفيف عنه: «ريشار، يمكن أن تكون رئيساً عظيماً للبرلمان» وريشار اليوم رئيس للبرلمان. ويسرد عنها الكتاب أنها تردد على أسماع الوزراء: «إذا كنت قادرة على المساعدة، فلا تتأخروا في إخطاري».
تقول عنها المؤلفتان: «إنها تتمتع بحدس سياسي كما أنها بالغة الحساسية»؛ لا بل إنهما يصفانها بأنها «الدماغ الأيمن للرئيس» وأنه «يستشيرها في كل شيء بعد أن يغلق باب الجناح الخاص بهما» في قصر الإليزيه. ويكشف الكتاب أنها دائمة الحضور خلال عشاءات أركان الأكثرية الذين يدعون إلى قصر الإليزيه، الأمر الذي لا يظهر في مفكرة الرئاسة الرسمية. وقد فهم الوزراء والحالمون بالحقائب الوزارية هذا الأمر. لذا هم يسعون للتقرب منها، ما يذكر بـ«حاشيات الملوك».
ولم تتردد بعض أصوات المحتجين في إطار حركة «السترات الصفراء» في تسميتها «بريجيت أنطوانيت» تذكيراً بزوجة الملك لويس السادس عشر. بريجيت تشكل البوصلة بالنسبة للرئيس وفق الكتاب، مكَّنته من إبقاء علاقات جيدة مع الرئيس اليميني نيكولا ساركوزي، ومع كثيرين، ومنهم المتموضع في أقصى اليمين، مثل فيليب دوفيليه، رئيس «الحركة من أجل فرنسا».
وبالنسبة للمؤلفتين، فإن بريجيت ماكرون، رغم حسها السياسي؛ لا بل دهائها، فإنها ارتكبت عديداً من الأخطاء التي سيقت ضد زوجها وضد سياساته. هذه هي بريجيت ماكرون: امرأة ذات شخصية معقدة، ولكنها استثنائية، أكان ذلك في حياتها الشخصية أم «السياسية». ومن لا يعرف تفاصيل حياتها لا يدرك العوائق التي كان عليها اجتيازها لتصل إلى ما وصلت إليه. ولكنها في المحصلة كانت فاعلة بالأحداث بقدر ما كانت متأثرة بها، إن لم يكن أكثر من ذلك.


مقالات ذات صلة

ليلى سليماني وسؤال يطاردها دائماً: لماذا لا أتحدث العربية؟

ثقافة وفنون ليلى سليماني

ليلى سليماني وسؤال يطاردها دائماً: لماذا لا أتحدث العربية؟

في كتاب لا يتجاوز ثمانين صفحة بعنوان «هجوم على الحدود»، تناقش الكاتبة ليلى سليماني مسألةَ الهوية المغاربية المتشظّية بين لغتين ومرجعيتين.

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون «منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة

«منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة

تتمحور رواية «منام القيلولة»، للروائي والأكاديمي الجزائري أمين الزاوي، حول أسرة ريفية بسيطة، تنتمي لمناضل سابق ضد الاحتلال

عمر شهريار
ثقافة وفنون «شجر الدر» لدرية شفيق في ترجمة عربية

«شجر الدر» لدرية شفيق في ترجمة عربية

صدر عن دار «منشورات الربيع»، في القاهرة، الترجمة العربية لرواية «شجر الدر... امرأة متفردة»، للكاتبة والمناضلة النسوية المصرية درية شفيق.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

ليست المفاوضات مهارة يتقنها المديرون التنفيذيون بينما يعقدون صفقاتهم فحسب، ولا هي ممارسة غامضة حكراً على الدبلوماسيين في أروقة الأمم المتحدة.

ندى حطيط
كتب وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

في عهد قائد مسيرتنا خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وعضده الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد، رئيس مجلس الوزراء،

فيصل بن عبد الرحمن بن معمر

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية
TT

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

ليست المفاوضات مهارة يتقنها المديرون التنفيذيون بينما يعقدون صفقاتهم فحسب، ولا هي ممارسة غامضة حكراً على الدبلوماسيين في أروقة الأمم المتحدة. إنها، في جوهرها، الفعل الإنساني الأقدم الذي رافق وجودنا على هذا الكوكب منذ اللحظة التي أدرك فيها أول كائنين من نوعنا أن البقاء يمكن تحققه بغير الصراع حتى الموت، عبر التفاوض على الموارد، والمساحات، والسلام.

تشتق كلمة مفاوضات باللغة الإنجليزية (Negotiation) من الجذر اللاتيني «Negare Otium»، التي تعني حرفياً «نفي الراحة» أو «حرمان النفس من الفراغ». وهذا التعريف اللغوي يختصر حكاية تاريخنا البشري: المفاوضات هي ضريبة العيش المشترك: عملية ذهنية شاقة تتطلب التخلي عن «الراحة» (التي قد تعني التمسك بالرأي أو الغريزة) للوصول إلى أرضية مشتركة.

لكن لماذا نتفاوض أصلاً؟ يجادل عالم الاجتماع جوناثان غودمان Jonathan Goodman في كتابه «منافسون خفيون Invisible Rivals: How We Evolved to Compete in a Cooperative World» بأننا لسنا «ملائكة» متعاونين بالفطرة، ولا «أشراراً» أنانيين بطبعنا. نحن ببساطة كائنات «تنتظر الفرصة». هذه «الفرصة» لاقتناص مكسبٍ دون تكلفة هي المحرك الخفي لكل صراعاتنا وتوافقاتنا. ومن هنا، فإن تاريخ المفاوضات هو في الحقيقة تاريخ محاولتنا المستمرة للسيطرة على هذه النزعة الانتهازية، والمقايضة تكون بذلك أول اختبار لترويض الغريزة.

في العصور السحيقة، لم يكن ثمة «مفاوض» محترف، بل بشر يطمحون للنجاة. حين بادل الإنسان الأول قطعة لحمٍ بحفنة من الحبوب، لم يكن يقوم بعملية اقتصادية فحسب، بل يُجري أول تجربة في «نظرية الألعاب» لحساب احتمالات الربح والخسارة. يرى روبرت أكسلرود Robert Axelrod في كتابه «تطور التعاون» (The Evolution of Cooperation)، أن تلك المبادلات الأولى كانت ضروريةً لإنشاء ما نسميه «المعاملة بالمثل». لقد تحتمّ على البشر إدراك أن التعاون هو الاستراتيجية الأكثر نجاحاً في الأمد الطويل، ليس بوصفنا «خيّرين بالفطرة»، بل لأن «الدماغ الاجتماعي» لدينا تطور ليقدّر: هل الطرف الآخر شريك يمكن الوثوق به، أم هو منافس خفي يترقب الفرصة للغدر بنا؟

ومع تطور المجتمعات، تحولت هذه المقايضات من التلقائية إلى هياكل مؤسسية (قوانين، عقود، أعراف). في بلاد ما بين النهرين ومصر القديمة، كانت العقود محاولة لتسييج «القيمة»؛ أي لمنع الأفراد من استغلال بعضهم البعض، ونقل المجتمع من منطق الغابة إلى قانون العقد.

تطور الأمر وصولاً إلى «صلح وستفاليا» في القرن السابع عشر، الذي وضع القواعد الأساسية للدبلوماسية الحديثة. منذئذ، أصبحت المفاوضات هي اللغة الوحيدة المعترف بها بين الدول، وغدا التنازل المتبادل هو الثمن الذي تدفعه الدول لتجنب الحروب الشاملة. إن تاريخ العالم هو فعلياً تاريخ للاتفاقات التي تم التوصل إليها، والحروب التي اندلعت حين فشلت هذه المفاوضات.

بيد أن هذه الهياكل ليست حصينة دائماً. فحين تنهار الثقة أو تتفاقم الطموحات بالربح، تنكشف هشاشة تلك القواعد، ويعلو صوت القوة فوق الحق. وعلى المسرح الجيوسياسي، تتخذ تمظهرات أكثر تعقيداً. خذ على سبيل المثال التوترات الأحدث بين الولايات المتحدة وإيران عندما لا تقتصر المفاوضات على الطاولة المستديرة في إسلام آباد؛ بل تتجاوزها لتشمل العقوبات الاقتصادية، والتحركات العسكرية، والرسائل المبطنة، والدبلوماسية الخلفية. وفي هذه البيئات، لا نلجأ فقط إلى العقلانية الاقتصادية، بل ندخل في متاهات علم النفس السياسي، حيث تُستخدم استراتيجيات قد تبدو غير منطقية لتحقيق مكاسب استراتيجية.

في خضم هذا الصراع الجيوسياسي، استعادت الصحف مصطلحاً تاريخياً مثيراً للجدل: «نظرية الرجل المجنون» (Madman Theory) في المفاوضات التي صاغها الحائز على جائزة نوبل توماس شيلينغ Thomas Schelling في كتابه «استراتيجية الصراع» (The Strategy of Conflict). وتقوم النظرية - التي اشتهرت في عهد الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون ومستشاره هنري كيسنجر خلال الحرب الباردة - على فكرة أن يقوم المفاوض بتبني سلوك يبدو «غير عقلاني» تجاه الخصم، لإقناعه بأن لديه استعداداً للذهاب إلى أقصى الحدود، حتى لو أدى ذلك إلى كارثة.

الهدف من هذا الجنون الموجه إخافة الخصم ليدفعه إلى التنازل طواعية دون الحاجة لخوض مواجهة مباشرة. ولكن في عالمنا المعاصر، ومع التداخل الكبير في شبكات المصالح العالمية، أصبحت هذه الاستراتيجية سلاحاً ذا حدين. فالمفاوضات اليوم تتطلب «بناء الثقة» أكثر من «بناء الرعب»، إذ إن التمادي في تكتيكات «الرجل المجنون» قد يؤدي إلى نتائج عكسية، فيفقد الأطراف القدرة على تقدير النوايا، ما يقود إلى سوء التقدير الذي لا تحمد عقباه. هل لا يزال هذا النهج صالحاً اليوم؟ ربما في التكتيكات قصيرة الأمد، لكنه بالتأكيد لا يبني استقراراً طويل الأمد.

وإذا كان أكسلرود يرى في المفاوضات أداة لتثبيت التعاون، فإن شيلينغ يرينا جانبها المظلم، حيث تُستخدم «الفرصة» (فرصة إخافة الآخر) لقلب الطاولة. هذا الانتقال من التعاون إلى الترهيب يعكس التحدي الدائم في عالمنا: كيف نحمي أنفسنا من «المنافس الخفي» الذي قد يستغل غياب القواعد لفرض إرادته؟

بسبب هذا التذبذب التاريخي بين التعاون والصدام، سعت مدارس الفكر الحديث لتقديم نهج بديل. الكتاب الأكثر تأثيراً في هذا المجال، «الوصول إلى نعم» (Getting to Yes) للباحثين في مشروع هارفارد للمفاوضات روجر فيشر وويليام أوري (Roger Fisher & William Ury)، أحدث قطيعة معرفية مع فكرة المفاوضات التنافسية. يدعو فيشر وزميله إلى «المفاوضات القائمة على المبادئ»، أي عزل المشاعر عن المشكلة، والبحث عن توسيع قالب الكعكة بدلاً من تناهش قطع منها. إن هذا النموذج هو في الحقيقة محاولة لتفكيك «المنافس الخفي» داخلنا، وتحويله من كائن يترصد الفرصة للغش، إلى شريك يدرك أن مصلحته الحقيقية تكمن في ازدهار شريكه.

اليوم، نقف أمام منعطف تاريخي يضع هذه المبادئ على المحك: الذكاء الاصطناعي. فهذا التطور الأحدث لا يغير أدواتنا التفاوضية فحسب، وإنما يعيد صياغة فضاء «الفرصة» نفسها. وإذا كان غودمان قد حذر من «المنافسين الخفيين» الذين يتربصون بفرص استغلال الآخر، فإن الخوارزميات اليوم توفر لهؤلاء المنافسين «غطاءً تقنياً» مثالياً.

ولذلك فإن التساؤل الآن ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيجعلنا أكثر عقلانية، إنما هل سيعزز من قدرتنا على «التلاعب الخفي»؟ إننا كنوع بشري نميل إلى تفويض المسؤولية الأخلاقية للآلة؛ فإذا «قرر» الذكاء الاصطناعي شروط العقد، من المسؤول حينها عن استغلال «الفرصة» لظلم الطرف الآخر؟ ولعل تحدي العقد القادم للمفاوضين سيتعلق بتصميم هياكل أخلاقية وقانونية تمنع الآلة من أن تصبح أداة مثالية للمنافس الخفي، وكيف نحافظ على «التعاطف الاستراتيجي» الذي هو جوهر المفاوضة البشرية، والذي لا تستطيع أي خوارزمية محاكاته.

من هذا المنطلق، لم يعد التفاوض التعاوني ترفاً أخلاقياً، بقدر ما هو استجابة تطورية لحقيقتنا ككائنات تعيش في بيئة مليئة بمنافسين يترقبون الفرصة. وعندما ننظر إلى الأزمات الكبرى اليوم من التغير المناخي إلى الانقسامات الجيوسياسية نجد أن الحلول الصفرية (أربحُ وتخسر) تعمق الأزمات وتطيل عمرها.

إن المفاوضات مسار حتمي سيفرض حضوره في تاريخ البشر، كفعلٍ تأسيسي يعيد تشكيل العلاقة بالآخر وبالذات في آنٍ واحد، ويفتح أفقاً للعبور من ماضٍ مديد حكمته غريزة اقتناص «الفرصة» بأي تكلفة، ذلك الماضي الذي تشكّل على إيقاع الغلبة، وتكرّست فيه القوة بوصفها امتلاكاً وإخضاعاً. وفي هذا العبور، تتجلّى القوة في صورةٍ أخرى: القدرة على التقاط ذلك الخيط الرفيع الذي تتقاطع عنده المصالح، وعلى الإصغاء إلى ما يكمن خلف الضجيج من إمكانات التلاقي العميق كأفقٍ أعلى للوجود الإنساني.

ومن هذا الفضاء، ينبثق الغد كثمرة وعيٍ يتجاوز وهم الانفصال ومنطق الفرصة، لتتبدّى حكمة التفاوض صيغةً لإعادة ترتيب العالم على أساس إدراك تشابكه البنيوي.


وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام
TT

وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

في عهد قائد مسيرتنا خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وعضده الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد، رئيس مجلس الوزراء، تشكَّل مسار جديد للثقافة في المملكة بوصفه جزءاً أصيلاً من مشروع الدولة؛ ليعيد تعريف موقع الثقافة داخل الدولة. ودخل ضمن صميم مشروع وطني يرسخ بناء الاقتصاد والمجتمع والهوية معاً؛ إذ حدَّدت «رؤية 2030» هذا المسار بوضوح، حين ربطت الثقافة بجودة الحياة، وبالاقتصاد، وبصناعة الصورة الدولية للمملكة. ومن هنا بدأ الانتقال من رعاية النشاط إلى بناء القطاع.

ضمن هذا الإطار؛ عَملَت وزارة الثقافة بقيادة الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، فنجحت في تحول هذا الملف من الطرح العام إلى التنفيذ المنهجي؛ وتأسَّست هيئات متخصصة لكل قطاع، من المكتبات والأدب إلى الموسيقى إلى الأفلام إلى التراث. هذا التقسيم لم يكن تنظيمياً فقط؛ بل مهنياً. كل هيئة تحمل مساراً واضحاً، وتمتلك أدواتها، وتعمل وفق مؤشرات أداء. بهذه الخطوة، انتقلت الثقافة من خطاب جامع عام إلى قطاعات إنتاجية محددة.

تغيَّر السؤال فعلياً، ولم يعد: ماذا سنعرض؟ بل: ماذا سنبني؟ الفرق بين السؤالين هو الفرق بين حدثٍ ينتهي وأثرٍ يتراكم؛ لذلك ظهرت برامج التدريب، ومسارات الابتعاث الثقافي، وحاضنات الأعمال الإبداعية. دخلت الجامعات، وارتبطت بالسوق، وبدأت المهن الثقافية تتشكل كخيارات عمل مستقرة لا كهوايات مؤقتة.

لم تأتِ الإنجازات منفصلة؛ ولكن كسلسلة مترابطة: تأسيس البنية النظامية؛ إطلاق الاستراتيجيات القطاعية؛ تمكين المستثمرين؛ توسيع الشراكات الدولية؛ كل خطوة تبني على ما قبلها؛ ولعل هذا ما منح المشروع تماسكه.

في ملف الصناعات الثقافية؛ حدث التحول الأوضح: النشر، السينما، الأزياء، التصميم، والموسيقى تحولت إلى أنشطة اقتصادية لها سلاسل قيمة واضحة. صدرت تراخيص، ودخلت شركات، وبدأت السوق تتشكل. في قطاع الأفلام مثلاً، تضاعف الإنتاج المحلي خلال سنوات قليلة، وظهرت دور عرض، وارتفع حجم الإيرادات. هذه مؤشرات سوق، لا مظاهر احتفالية.

أما التراث؛ فخرج من دائرة الحفظ إلى دائرة التشغيل. مبادرات، مثل: ترميم البلدات التراثية أعادت توظيف المكان. في جدة التاريخية والعلا وقرى عسير، ومؤخراً وليس أخيراً إطلاق المشروع الواعد بمشيئة الله (قرية سدوس التاريخية) بهدف عودة النشاط الاقتصادي إلى الأحياء القديمة؛ حيث فُتحت وستُفتح مشاريع ضيافة، ونشطت حرف مهمة، وارتفعت حركة الزوار. التراث هنا أصبح أصلاً منتجاً. هذا التحول يحقق معادلة واضحة: حماية الهوية مع توليد دخل.

ومؤخراً كان لي شرف حضور ملتقى القطاع غير الربحي الثقافي الأخير، بوصفه محطة عمل. كانت النقاشات فيه مباشرة، وتركزت على النماذج التشغيلية، والاستدامة، وقياس الأثر. طُرحت تجارب واقعية من جمعيات ومؤسسات استطاعت الانتقال من الاعتماد على الدعم إلى بناء مواردها. وبرز توجه واضح نحو الحوكمة، ورفع كفاية الإدارة، وربط التمويل بالنتائج. ما ميَّز الملتقى هو وضوح اللغة. لم يكن هناك ميل للتجميل، ولكن التركيز على التحديات الفعلية، وكيفية معالجتها بأدوات عملية. هذا المستوى من الطرح يعكس نضجاً في القطاع، ويؤكد أن المرحلة الحالية تتطلب كفاية تشغيل.

وفي هذا السياق، وضعت كلمة الوزير الإطار الجامع لهذه النقاشات، لتحوِّلها من أطروحات إلى مسار عمل ملزم. وجاءت لتغلق مرحلة وتفتح أخرى. الرسالة الأساسية كانت حاسمة. لا مكان لكيان ثقافي بلا نموذج عمل ولا مؤشرات أداء. الدعم مشروط بالنتائج: النماء والأثر، ولن يكون مفتوحاً. هذا التوجه الرشيد يدفع الجمعيات إلى إعادة بناء نفسها. ويسهم في ظهور هياكل إدارية، وخطط تشغيل، وشراكات تمويل. من التزم استمر، ومن اكتفى بالحماس تراجع!

إعادة تعريف «الشرعية الثقافية» تمثل جوهر المرحلة. لم تعد الشرعية تُمنح بالاسم ولا التاريخ؛ بل بالأثر: كم مشروعاً استمر أكثر من 3 سنوات؟ كم فرصة عمل وُفِّرت؟ كم برنامجاً درَّب على مهارات قابلة للسوق؟ هذه المعايير أصبحت المرجع. هذا التحول -بلا شك- سينعكس على القوى الناعمة للمملكة.

الحضور الثقافي الخارجي لم يعد مناسبات، إنما مشاركة مستمرة في معارض الكتاب، ومهرجانات السينما، وبرامج التبادل الثقافي. المنتج السعودي بدأ يصل بوصفه محتوى منافساً، لا تمثيلاً رمزياً.

وقد تغيَّرت العلاقة بين الدولة والمجتمع أيضاً بعدما حدَّدت الدولة بوصلة الاتجاه، ووضعت الأنظمة، ووفرت الممكنات؛ تمهيداً لدخول المجتمع شريكاً في الإنتاج؛ يستثمر القطاع الخاص؛ ويوسِّع القطاع غير الربحي من الأثر الاجتماعي. هذا التوزيع للأدوار سيخلق توازناً تشغيلياً؛ بما يخفف العبء عن الدولة ويرفع كفاية التنفيذ؛ لتصبح اللغة السائدة اليوم داخل القطاع الثقافي واضحة: أرقام؛ مؤشرات؛ عوائد؛ استدامة.

هذه اللغة الجديدة ستفرض الانضباط، وتحول دون استمرار المشروع الذي لا يقيس أثره. بهذا المعنى، تصبح الثقافة أداة بناء ونماء لا عنصر تزيين. تخلق مزيداً من الوظائف، وتطور مزيداً من المهارات، وتجذب كثيراً من الاستثمارات. وفي الوقت نفسه، تعيد صياغة العلاقة مع الهوية مورداً حياً يدخل في الاقتصاد والحياة اليومية.

وفي يقيني أن المرحلة المقبلة ستدفع نحو تعميق هذا المسار، وزيادة مساهمة القطاع في الناتج المحلي، وتوسيع التصدير الثقافي، ورفع كفاية الكيانات غير الربحية، وتعزيز حضور المدن الصغيرة في المشهد الثقافي.

بهذا الاتساق؛ يمكن قراءة ما يحدث بوصفه انتقالاً مكتمل الأركان: فكرة تتحول إلى مؤسسة، مؤسسة تنتج أثراً، أثر يستقر في حياة الناس. هنا فقط تكتمل دورة الثقافة كجزء من مشروع الدولة.

*المشرف العام على مكتبة الملك عبد العزيز العامة


باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ

باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ
TT

باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ

باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ

أنجز باحث سعودي دراسة علمية ضمّنها في كتاب صدر حديثاً عن تقنية بصمة الدماغ، في إطار يجمع بين علوم السمات الحيوية والعلوم العصبية المعرفية، ويُعد هذا الكتاب الأول من نوعه باللغة العربية الذي يتناول دراسة علمية منهجية لتقنية بصمة الدماغ.

يقول مؤلف الكتاب العميد الدكتور عادل عبد الرحمن العيد لـ«الشرق الأوسط»: «شهدت أنظمة السمات الحيوية تطوراً كبيراً خلال العقود الأخيرة، وأصبحت إحدى الركائز الأساسية في أنظمة التحقق من الهوية والأمن الرقمي في العالم، واعتمدت على خصائص فريدة أودعها الله في الإنسان مثل بصمات الأصابع، وبصمة قزحية العين، وملامح الوجه، وبصمة الصوت، وبصمة الحمض النووي. وقد أسهمت هذه الأنظمة في تعزيز الأمن في المطارات والمنافذ الحدودية والأنظمة المصرفية، وفي الجامعات ومراكز الأبحاث والمستشفيات والمنشآت الحساسة. غير أن التطور السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي وظهور أساليب التزييف العميق وتقليد السمات البيولوجية، كشف عن تحديات جديدة تتعلق بموثوقية بعض هذه الأنظمة. وقد دفع ذلك العلماء إلى البحث عن جيل أكثر تقدماً من تقنيات التحقق يعتمد على خصائص أكثر عمقاً وأصالة، وهو ما أدى إلى ظهور مجالات السمات العصبية، التي تعتمد على النشاط العصبي للدماغ بوصفه أحد أعظم مظاهر التفرد الإنساني».

ويذكر المؤلف العيد أن «الكتاب يركز على تقنية بصمة الدماغ التي تعتمد على تسجيل النشاط الكهربائي للدماغ باستخدام تخطيط الدماغ الكهربائي وتحليل موجات الاستجابة المعرفية المرتبطة بالذاكرة، وعلى رأسها موجة التعرف P300 التي تظهر تلقائياً عندما يتعرف الدماغ على معلومات مخزنة مسبقاً في الذاكرة. وتكشف هذه الاستجابة العصبية عن حقيقة معرفية مهمة، وهي أن الدماغ يحمل توقيعاً معرفياً فريداً يعكس ما يعرفه الإنسان وما يختزنه في ذاكرته».

والكتاب يقدم، كما يضيف المؤلف، عرضاً علمياً لتطور أنظمة السمات الحيوية عبر التاريخ، بدءاً من الاستخدامات المبكرة للبصمات في الحضارات القديمة، مروراً بتطور علم بصمات الأصابع في القرن التاسع عشر، وصولاً إلى الأنظمة الرقمية الحديثة التي تعتمد على قواعد البيانات الضخمة والخوارزميات والذكاء الاصطناعي.

ويبرز الكتاب الدور السعودي المتقدم في تبني وتطوير تقنيات السمات الحيوية، حيث كانت السعودية من الدول الرائدة في المنطقة في بناء منظومات تحقق بيومترية متقدمة ضمن البنية الأمنية والتحول الرقمي. فقد شهدت المملكة خلال العقود الماضية تطوراً كبيراً في تطبيق أنظمة الهوية والبصمة من خلال مركز المعلومات الوطني وقطاعات وزارة الداخلية، إضافة إلى إدماج التقنيات البيومترية في أنظمة الأحوال المدنية والجوازات والمنافذ الحدودية والخدمات الحكومية الرقمية الأخرى، بما يتوافق مع مستهدفات «رؤية المملكة 2030».

وأشار العيد إلى أن الكتاب يناقش الأسس العصبية والإدراكية لتقنية بصمة الدماغ، ويشرح البنية الوظيفية للدماغ وآليات الذاكرة والانتباه المرتبطة بتوليد الإشارات العصبية، إضافة إلى تحليل التطبيقات المحتملة لهذه التقنية في مجالات التحقيق الجنائي والأمن والتحقق من المعلومات. ويتناول كذلك الأبعاد القانونية والأخلاقية المرتبطة باستخدام التقنيات العصبية، مؤكداً ضرورة تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن وحماية الخصوصية والكرامة الإنسانية.

ويخلص إلى أن تقنية بصمة الدماغ تمثل مرحلة متقدمة في تطور أنظمة التحقق من الهوية، إذ تنتقل عملية التحقق من السمات الجسدية الظاهرة إلى الخصائص المعرفية العصبية المرتبطة بذاكرة الإنسان. كما يشير إلى أن التكامل المستقبلي بين علوم الأعصاب والذكاء الاصطناعي قد يسهم في تطوير أنظمة تحقق أكثر دقة وموثوقية، مما يجعل السمات العصبية أحد أهم الاتجاهات العلمية في مستقبل الأمن والتحقق من الهوية.

وبذلك يسعى الكتاب إلى تقديم مرجع علمي عربي يجمع بين العلم الحديث والتأمل في الإعجاز الإلهي في خلق الإنسان، ويواكب التطورات العالمية في مجال السمات العصبية وتقنيات التحقق المتقدمة، مع إبراز الدور المتنامي للمملكة العربية السعودية في تطوير وتبني هذه التقنيات.

هذا الكتاب هو السادس للدكتور العيد، إذ سبق أن أنجز كتباً عن الحاسب في علم البصمات، والأنظمة الآلية في القياسات الحيوية للتحقق من الشخصية، وأنظمة القياسات الحيوية والطموحات من التطبيقات العملية، وتطور التعرف والتحقق من الشخصية بالبطاقة الشخصية، والتحقق من الشخصية في العصر الرقمي.