بريجيت ماكرون... المرأة التي تهمس في أذن الرئيس بعد أن صنعته

«السيدة الرئيسة»... كتاب يروي تفاصيل حياتها... ويصفها بـ«ماري أنطوانيت»... و«الدماغ الأيمن للرئيس الفرنسي»

بريجيت ماكرون... المرأة التي تهمس في أذن الرئيس بعد أن صنعته
TT

بريجيت ماكرون... المرأة التي تهمس في أذن الرئيس بعد أن صنعته

بريجيت ماكرون... المرأة التي تهمس في أذن الرئيس بعد أن صنعته

قد لا يكون الزمن مثالياً للكتابة عن قصة حب بين شاب طموح وأستاذة رقيقة وجميلة؛ لكنها في عمر أمه.
أغرم بها وهو على مقاعد الدراسة الثانوية. كانت أستاذته في فن المسرح في مدينة أميان الواقعة شمال باريس. هي أستاذة لغات قديمة وأدب ومسرح. متحدرة من عائلة من البورجوازية الريفية المتوسطة. متزوجة ولها ابن وبنتان. وهو تلميذ نحيل القامة، متوسطها، متفوق في الدراسة وشغوف بالمطالعة. واسع «الحشرية»، راغب في الغَرف مما هو متاح، ولكن أيضاً مما هو غير متاح. والده طبيب معروف وأمه ممرضة. انتمى صدفة إلى نادي المسرح في ثانوية المدينة التي تحتضن إحدى أجمل كاتدرائيات فرنسا وأوروبا. هو يتمتع بإحساس مرهف. عينان زرقاوان وجسم نحيل متوسط القامة. ولأنه يحب المسرح ويرغب في التمثيل، فقد توطدت علاقته بأستاذته.

هي رأته متفرداً، وهو رآها متميزة. أقنعها بأن تشاركه في إخراج مسرحية أعادا معاً كتابتها في منزلها، مساء كل يوم جمعة. ألهبت مشاعره وحفزته للاعتراف بولعه بها. بينهما نمت علاقة فريدة.
حاجز السن الذي عنوانه 24 سنة فاصلة بينهما طوَّعاه معاً. أرادها أن تترك زوجها وتلتحق به. الأمر لم يكن رائجاً في بيئة بورجوازية محافظة. أرادها له وحده، وألح عليها لكي تترك زوجها، فكان له ما أراد.
في 20 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2007، تزوج إيمانويل ماكرون بريجيت ترونيو، مطلقة أندريه لويس أوزيير، والد أولادها الثلاثة. هو في مقتبل العمر ولامس الثلاثين. وهي امرأة ناضجة في الـ54 من عمرها. الزواج حصل في مقر بلدية مدينة «لو توكيه»، وهي منتجع صيفي بورجوازي يطل على بحر المانش؛ حيث تملك بريجيت منزلاً ورثته عن والدها، وقد أصبح اليوم «محجة» للزوار، بمن فيهم الإنجليز الذين تضج بهم المدينة كل نهاية أسبوع وخلال الفرص الكبرى.
كُتب الكثير عن إيمانويل وبريجيت ماكرون؛ خصوصاً منذ أن دخلا معاً إلى قصر الإليزيه يوم 17 مايو (أيار) من عام 2017، بعد انتخابه رئيساً للجمهورية وهو لم يبلغ الأربعين من عمره، بحيث بات أصغر رئيس فرنسي منذ تأسيس الجمهورية الخامسة في خمسينات القرن الماضي.
لكن الكتاب الصادر حديثاً تحت عنوان: «السيدة الرئيسة»، لمؤلفتيه الصحافيتين أفا جمشيدي وناتالي شوك، جاء مختلفاً، إذ نجحتا في الدخول إلى قلب هذه العلاقة الاستثنائية. وينضح الكتاب، في كل صفحة من صفحاته، بإعجاب المؤلفتين بشخصية هذه المرأة التي كان قدرها أن تكون معلمة وزوجة وأُماً، وليس أكثر من ذلك. ولكن تلميذها الموهوب، ليس فقط في الدراسة أكان في المرحلة الثانوية أو لاحقاً؛ حيث انتمى إلى معهد العلوم السياسية في باريس، ثم إلى معهد الإدارة العالي الذي يخرج كبار كوادر ونخب البلاد. أدخلها سريعاً إلى دائرة الضوء خلال مشواره المهني: موظفاً رفيعاً في دائرة التفتيش المالي، ثم مصرفياً في أحد أعرق المصارف (بنك روتشيلد في باريس)، ومن هناك التحاقه بالمرشح الرئاسي الاشتراكي فرنسوا هولاند الذي وعده بأن يكون «الشخص الثالث» في الإليزيه في حال انتخابه، وهو ما حصل. ومن مستشار اقتصادي للرئيس، أصبح ماكرون وزيراً للاقتصاد في صيف عام 2014 وحتى صيف عام 2016؛ حيث أطلق حركته السياسية «فرنسا إلى الأمام». وبعد أقل من عام، أصبح رئيساً للجمهورية في انتخابات فريدة من نوعها.
هكذا، بسحر ساحر، أصبحت هذه السيدة الشقراء، نحيلة القامة، في سن الـ64 عقيلة رئيس الجمهورية التي تُفتح أمامها الأبواب، ولا يُرد لها طلب. تدور على عواصم العالم مع زوجها وتستقبل كباره. آمرة ناهية. قبلة الصحافة الشعبية، وصورها تغزو المجلات مصقولة الورق، ويتسابق الإعلاميون والإعلاميات ليحظوا بجملة منها أو بمقابلة.
تتبارى كبار بيوتات الأزياء لإقناعها بارتداء أجمل ما تحيكه معاملها. هي صورة فرنسا في الخارج. دخلت العمل الإنساني. بدَّلت وجددت في قصر الإليزيه، ولم تتردد في أن تطلب استبدال أطباق المائدة الرئاسية حتى تليق بالمطبخ الفرنسي الشهير؛ لكن الكلفة جاءت في زمن عصر النفقات منتفخة؛ إذ وصلت إلى نصف مليون يورو، ما عزز قول القائلين بأن ماكرون «رئيس الأغنياء». وذهب بعضهم إلى تسميتها «ماري أنطوانيت»، زوجة ملك فرنسا لويس السادس عشر التي ردت على من يقول لها إن الفرنسيين يفتقدون الخبز ولا يجدون ما يأكلونه، بقولها: «ليأكلوا البسكويت». وقد انتهت الملكة والملك على المقصلة التي كانت منصوبة في ساحة الكونكورد الحالية في باريس، على بعد رمية حجر من قصر الإليزيه.
لكن هل هذه هي حقيقة بريجيت؟ والسؤال الأهم الذي يمثل الإشكالية التي يدور حولها الكتاب، يمكن اختصارها بهذا السؤال: من صنع من؟ هل استمرت بلعب دور الأستاذة وهو التلميذ؟ أم أن التلميذ تحرر من الوصية؟ هل يستفيد من صورتها أم أنها فقط هي التي تستفيد من موقعه؟
تنقل المؤلفتان عن مصدر مقرب من الثنائي قوله: «إيمانويل يدين بكل شيء لـبريجيت. لقد أصبح رئيساً بفضلها. لقد (أنسنت) صورته، ووفرت له الدخول إلى منازل الفرنسيين وقلوبهم». ويضيف آخر: «إنها المرأة الوحيدة التي ساعدت زوجها وساهمت في انتخابه. هي تمثل العالم الجديد والحداثة، بينما هو أصبح كهلاً في سن العشرين. إنها ضمانته العاطفية وهو الضمانة العقلانية».
ويسهب الكتاب في سرد الأحداث التي تبين كم أن الرئيس الشاب حرص على أن يسمع رأي زوجته في كل ما يقوم به. فعندما اقترح عليه الرئيس السابق فرنسوا هولاند أن يصبح وزيراً طلب منه وقتاً ليستشير زوجته. وعندما أراد خوض مغامرته الرئاسية كانت مستشارته، وهي التي شجعته على ذلك وأخذت بيده. وخلال الحملة الرئاسية كانت دائمة الحضور.
كانت تراجع معه خطاباته، ولا تتردد عن انتقاده إن رأت أنه أطال أو بقي غامضاً. كانت تدربه على إيجاد المستوى الصوتي الملائم، ولطالما عبرت له عن تحفظها على ما قاله أو الطريقة التي استخدمها لإيصال رسالته. كانت تنتقد نسق عمله الذي لا يتوقف عندما كان وزيراً ثم مرشحاً، ولاحقاً رئيساً.
ويروي الكتاب أن مستشاري ماكرون كانوا يشعرون بالسعادة عندما ترافق الرئيس في رحلاته الرسمية إلى الخارج؛ لأنهم كانوا يتيقنون أنه لن يفرض عليهم العمل طوال فترة الرحلة مهما طالت، وإلى أي ساعة تواصلت. إذ إن بريجيت كانت تقترب من الرئيس لتقول له: «كفى تعذيباً لهؤلاء المساكين. اتركهم يرتاحون قليلاً». وليس سراً أن ماكرون مصاب بهوس التواصل مع الوزراء والمستشارين ليلاً نهاراً، وفي ساعات متأخرة جداً من الليل. والويل الويل للوزير أو المستشار الذي يحضر اجتماعاً ولا يكون متمكناً من ملفه بالكامل.
مع تواتر الصفحات، يتبدى بوضوح حرص بريجيت على أن تكون دوماً قريبة من إيمانويل إلى درجة أنها تلح دوماً على مستشاريه ومساعديه بأن يوفروا لهما بعض الوقت بين المواعيد الرسمية ليتلاقيا على انفراد. ثم إنها حريصة على مراقبة نوعية الطعام الذي يتناوله، وهي مثلاً تفرض على العاملين في المطبخ الرئاسي أن يحضروا يومياً عشرة أنواع من الخضراوات والفاكهة.
زوجته فتحت له الأبواب والنوافذ على الثقافة والمثقفين وأهل الفن، وقررت أنه يتعين دعوة فرقة موسيقية أو مسرحية أو مغنٍّ على الأقل مرة في الشهر، في إطار «أمسيات الإليزيه» حتى يعود المقر الرئاسي «صديقاً» للفن والثقافة. وليس سراً أن بريجيت ماكرون، كونها كانت تدرس فن التمثيل، لها علاقات واسعة مع شرائح عديدة في قطاع الفن؛ خصوصاً المسرح. وقبل يومين فقط من فرض الحجر في المنازل، في إطار مكافحة وباء «كورونا»، شوهد الرئيس وزوجته في أحد مسارح وسط العاصمة، لحضور الحفلة الافتتاحية لمخرج صديق لـبريجيت ماكرون.
وتروي المؤلفتان أن بريجيت فرضت على زوجها قضاء عطلة نهاية الأسبوع خارج قصر الإليزيه. ولحسن الحظ، فإن الرئاسة تشغل مقراً ملاصقاً لقصر فرساي، يسمى «لانتيرن» وهو يبعد حوالي نصف ساعة من قلب باريس بالسيارة. وهذا المقر الذي تحيط به أسوار عالية يعد مرتعاً مثالياً. فهو يقع في قلب غابة، ويتميز داخله بالأناقة والحداثة والتجهيزات اللازمة، بما في ذلك ملعب لكرة المضرب (تنس) ومسبح. وكان المقر سابقاً تابعاً لرئاسة الحكومة؛ إلا أن الرئيس السابق نيكولا ساركوزي «وضع» اليد عليه، وأصبح بالتالي في عهدة رئيس الجمهورية.
وفي هذا المقر، كان الرئيس الأسبق فرنسوا ميتران يخفي ابنته غير الشرعية مازارين بينجو عن الأعين، وإليه «هربت» فاليري تريفيلر، رفيقة درب فرنسوا هولاند، بعد أن اكتشفت «خيانته» لها مع الممثلة جولي غاييه. وتقول المؤلفتان إن بريجيت ماكرون «وقعت في حب المكان» وتحرص على الوجود فيه كلما سنحت لها ولزوجها الفرصة. كذلك، فإن زوجة الرئيس أحبت المقر الصيفي الموضوع بتصرف الإليزيه، وهو «حصن بريغونسون» المطل على مياه المتوسط. إلا أن رغبة الزوجي الرئاسي تزويد الحصن بمسبح، أثارت لغطاً في فرنسا، وأعادت إلى الأذهان صورة الرئيس الباذخ الذي كان ينفق ما لا يقل عن عشرين ألف يورو لغرض الماكياج.
حقيقة الأمر أن الفرنسيين دهشوا عندما خرجت بريجيت ماكرون إلى دائرة الضوء. كانوا يعتبرون أنها امرأة بورجوازية محافظة إلى حد ما، رغم أنها بدت «ثورية» عندما استجابت لنداء قلبها وتركت زوجها لتعيش رفقة إيمانويل ماكرون. وتفيض المؤلفتان في سرد تفاصيل تبين كم أنها كانت «خجولة». وإحدى ثوابت الكتاب الرئيسية أن هناك امرأتين في واحدة: ما قبل وما بعد قصر الإليزيه.
تتمتع فرنسا بنظام مركزي هو الأشد من بين كافة البلدان الأوروبية. وقلب هذه المركزية النابض هو قصر الإليزيه الملتحف بدستور الجمهورية الخامسة، الذي فصله الجنرال ديغول في ستينات القرن الماضي على مقاسه. وكثيرون يعتبرون أن رئيس الجمهورية يتمتع بصلاحيات تفوق صلاحيات الملك إبان الملكية. والنتيجة أن عقيلة الرئيس يمكن أن تمارس نوعاً من السلطة الخفية عبر زوجها. ورغم أن بريجيت ماكرون دأبت على أن تبقى بعيدة عن مثل هذه الظنون، فإن الواقع شيء آخر.
ويروي الكتاب أنها هي من اكتشفت جان ميشال بلانكيه، وزير التربية الحالي، وأحد أبرز أفراد الحكومة. هي تستقبل الوزراء، ولها معجبون في صفوفهم.
إلى جانب بلانكيه، وزيرة العمل موريل بينيكو، ووزيرة حقوق المرأة مارلين شيابا. وعن هذه الأخيرة، يروي الكتاب أن ماكرون كان يفكر بإحداث تعديل حكومي وكان متردداً. ولأن الوزيرة شيابا قريبة جداً منها، فقد سارعت لإبلاغ زوجها أنه «يستطيع أن يفعل ما شاء ما دامت محظيتها تبقى في الحكومة». ويأتي الكتاب على شهادة وزير راغب في البقاء مجهولاً، إذ يقول إنه «إذا أراد أحد الوزراء أن يمرر تعديلاً على نص مشروع قانون، فإن الحديث إلى بريجيت يكون بالغ الفائدة، كونها تستطيع التأثير على الرئيس والالتفاف على المستشارين».
هي دعمت الوزير المستقيل ريشار فران، أحد الأوائل الذين التحقوا بـماكرون من بين نواب الحزب الاشتراكي، بسبب فضيحة عقارية لحقت به، وقالت له يوماً وهي تحاول التخفيف عنه: «ريشار، يمكن أن تكون رئيساً عظيماً للبرلمان» وريشار اليوم رئيس للبرلمان. ويسرد عنها الكتاب أنها تردد على أسماع الوزراء: «إذا كنت قادرة على المساعدة، فلا تتأخروا في إخطاري».
تقول عنها المؤلفتان: «إنها تتمتع بحدس سياسي كما أنها بالغة الحساسية»؛ لا بل إنهما يصفانها بأنها «الدماغ الأيمن للرئيس» وأنه «يستشيرها في كل شيء بعد أن يغلق باب الجناح الخاص بهما» في قصر الإليزيه. ويكشف الكتاب أنها دائمة الحضور خلال عشاءات أركان الأكثرية الذين يدعون إلى قصر الإليزيه، الأمر الذي لا يظهر في مفكرة الرئاسة الرسمية. وقد فهم الوزراء والحالمون بالحقائب الوزارية هذا الأمر. لذا هم يسعون للتقرب منها، ما يذكر بـ«حاشيات الملوك».
ولم تتردد بعض أصوات المحتجين في إطار حركة «السترات الصفراء» في تسميتها «بريجيت أنطوانيت» تذكيراً بزوجة الملك لويس السادس عشر. بريجيت تشكل البوصلة بالنسبة للرئيس وفق الكتاب، مكَّنته من إبقاء علاقات جيدة مع الرئيس اليميني نيكولا ساركوزي، ومع كثيرين، ومنهم المتموضع في أقصى اليمين، مثل فيليب دوفيليه، رئيس «الحركة من أجل فرنسا».
وبالنسبة للمؤلفتين، فإن بريجيت ماكرون، رغم حسها السياسي؛ لا بل دهائها، فإنها ارتكبت عديداً من الأخطاء التي سيقت ضد زوجها وضد سياساته. هذه هي بريجيت ماكرون: امرأة ذات شخصية معقدة، ولكنها استثنائية، أكان ذلك في حياتها الشخصية أم «السياسية». ومن لا يعرف تفاصيل حياتها لا يدرك العوائق التي كان عليها اجتيازها لتصل إلى ما وصلت إليه. ولكنها في المحصلة كانت فاعلة بالأحداث بقدر ما كانت متأثرة بها، إن لم يكن أكثر من ذلك.


مقالات ذات صلة

دوا ليبا... حبٌ وأدب وعريسٌ يخرج من بين صفحات كتاب

يوميات الشرق المغنية البريطانية - الألبانية دوا ليبا تزوجت وافتتحت مكتبة في الشهر ذاته (إنستغرام)

دوا ليبا... حبٌ وأدب وعريسٌ يخرج من بين صفحات كتاب

في عصر الشاشات والهواتف، تقود المغنية دوا ليبا ثورةً ناعمةً عنوانُها الكتاب. ويشاركها شغفها هذا زوجها الممثل كالوم تورنر.

كريستين حبيب (بيروت)
كتب همنغواي

أميركا الأخرى بعد 250 سنة... مكتبة كبرى

أميركا إمبراطورية وحروب وتكنولوجيا وهوليوود، لكنها أيضاً مكتبة واسعة، صاخبة، متناقضة، ومفتوحة على كل أشكال الحلم. إن النظر إلى الولايات المتحدة من زاوية القوة

ندى حطيط
كتب إبراهيم الناصر يستعرض تاريخ البنوك السعودية

إبراهيم الناصر يستعرض تاريخ البنوك السعودية

في كتابه الجديد، «التنظيم المصرفي في المملكة العربية السعودية... الهيكل المصرفي والعمليات المصرفية»، يسعى الباحث والمؤرخ الاقتصادي الدكتور إبراهيم الناصر،

بدر الخريف (الرياض)
كتب «شذرات من تاريخ حضرموت» لعبد اللطيف العمودي

«شذرات من تاريخ حضرموت» لعبد اللطيف العمودي

صدر مؤخراً كتاب «شذرات من تاريخ حضرموت» لرجل الأعمال السعودي عبد اللطيف سعيد محمد العمودي، ويقع في 254 صفحة في القطع المتوسط،

«الشرق الأوسط» (الدمام)
ثقافة وفنون سحر الحب الأول في رواية ألمانية

سحر الحب الأول في رواية ألمانية

تقوم الفكرة الرئيسية في رواية «الأرض الصلبة» للكاتب الألماني بينيدكيت ويلز، ترجمة زهراء باحكيم، على قوة الحب الأول وما يكتنفه من سحر ودهشة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

أميركا الأخرى بعد 250 سنة... مكتبة كبرى

همنغواي
همنغواي
TT

أميركا الأخرى بعد 250 سنة... مكتبة كبرى

همنغواي
همنغواي

أميركا إمبراطورية وحروب وتكنولوجيا وهوليوود، لكنها أيضاً مكتبة واسعة، صاخبة، متناقضة، ومفتوحة على كل أشكال الحلم. إن النظر إلى الولايات المتحدة من زاوية القوة وحدها يحجب جانباً بالغ الأهمية في تكوينها الثقافي، فهذه البلاد التي مارست نفوذاً عسكرياً وسياسياً هائلاً، وأنتجت رأسمالية جارفة، وأعادت تشكيل الخيال البصري العالمي عبر السينما والمنصات الافتراضية، أتاحت كذلك ولادة أدب شديد الثراء، دخل في صميم التراث الأنغلوفوني، وفرض أسماءه على الذاكرة الإنسانية الحديثة. والاعتراف بهذه الحقيقة يدخل في باب الإنصاف الثقافي؛ إذ يستطيع المرء أن يقرأ أميركا بعين ناقدة، وأن يرى في الوقت نفسه أن تربتها التاريخية المضطربة أنجبت روائيين وشعراء صنعوا عالماً أدبياً واسعاً، قادراً على مساءلة السلطة، وكشف العنف، وفضح هشاشة الحلم الأميركي من داخله.

نشأ الأدب الأميركي من توتر تناقضيّ بين الأرض والفكرة. فالقارة، منذ بواكير تشكلها الحديث، حملت وعداً بالحرية، وخطاباً عن الخلاص وتجربة عبودية، فضاءً مفتوحاً للمغامرة ونظاماً قاسياً للتوسع والسيطرة. ومن هذه المفارقات خرجت طاقة سردية نادرة. كان الكاتب الأميركي، في معظم محطاته الكبرى، يكتب من قلب تضادٍ حاد: بين الفرد والجماعة، والطبيعة والصناعة، والحلم والمال، والهامش والمركز، واللغة اليومية والبلاغة الموروثة من أوروبا. لذلك؛ اكتسب الأدب الأميركي نبرة خاصة، نبرة تبحث عن شكل جديد لعالم جديد، وتتعامل مع الرواية والقصيدة بصفتهما وسيلتين لاختبار معنى الإنسان وسط مجتمع سريع التحول.

والت ويتمان

في البدايات، كان صوت فيليس ويتلي، الشاعرة السوداء التي نشرت ديوانها خلال القرن الثامن عشر، إشارةً مبكرة إلى أن أدب الولايات المتحدة سيخرج من مناطق التناقض الأخلاقي الكبرى. امرأة مستعبدة تكتب شعراً كلاسيكياً رفيعاً داخل مجتمع يتحدث عن الحرية ويمارس العبودية؛ هذه المفارقة وحدها تلتقط كثيراً من مأساة التجربة الأميركية.

في القرن التاسع عشر، بدأ الأدب الأميركي يقطع صلته التابعة بالذائقة البريطانية شيئاً فشيئاً، وراح يصوغ خياله الخاص عبر الطبيعة، والبحر، والغابة، والمدينة، والحدود المفتوحة. عند ناثانيال هوثورن، في «الحرف القرمزي»، ظهرت أميركا البيوريتانية كذاكرة ذنب وعقاب ورقابة أخلاقية خانقة. وعند هرمان ملفيل مبدع «موبي ديك»، صار البحر مسرحاً ميتافيزيقياً للصراع بين الإنسان والقدر والهوس والمعرفة، وتحولت مطاردة الحوت ملحمةً عن العمى السلطوي وشهوة السيطرة على المجهول.

ثم جاء والت ويتمان ليمنح الشعر الأميركي جسداً واسعاً كالقارة. في «أوراق العشب»، خرجت القصيدة من القوالب المغلقة، واحتفت بالجسد، والعمل، والشارع، والعمال، والبحارة، والعشاق، والغرباء، وفتحت ضمير المتكلم على جماعة بشرية كاملة. كان ويتمان ينحت قصائد تشبه الديمقراطية في اندفاعها وتعددها واتساعها، حتى وإن بقيت تلك الديمقراطية نفسها مثقلة بتناقضاتها التاريخية. على ضفة أخرى، صنعت إميلي ديكنسون ثورة معاكسة: عزلة غرفة صغيرة، ونص مزروع بشرطات فاصلة تقطع الإيقاع وتفتح المعنى، وأسئلة عن الموت، والأبدية، والروح، والطبيعة. إذا كان ويتمان قد كتب أميركا بصيغة الامتداد، فإن ديكنسون كتبتها في صيغة الوميض الداخلي، وكشفت عن أن الشعر يستطيع أن يبلغ الكون من نافذة ضيقة.

توني موريسون

مع مارك توين، وصل الأدب الأميركي إلى نهره الكبير مجازياً وجغرافياً. «مغامرات هكلبيري فين» ليست مجرد حكاية فتى يهرب على طوف في نهر المسيسيبي، إنها مواجهة ساخرة مع العبودية، والنفاق الديني، والعنف الاجتماعي، كما اللغة الرسمية التي تبرر القسوة. أهمية توين أنه أدخل العامية واللهجات والضحك الخشن إلى قلب الأدب، وجعل النهر طريقاً لقراءة مجتمع كامل. من بعده، أعاد هنري جيمس النظر في العلاقة بين أميركا وأوروبا، وبين البراءة والقِدم، وبين المال والذوق، كما في «صورة سيدة»، التي جعلت من الرواية مختبراً للوعي الأخلاقي والنفسي.

عند مطلع القرن العشرين، جاءت الواقعية والطبيعانية لتضع الإنسان تحت ضغط البيئة، والطبقة، والعمل، والغريزة. جاك لندن في «نداء البرية» كتب عن الكائن حين تعيد الطبيعة القاسية تشكيله، وثيودور درايزر في «أخت كاري» و«مأساة أميركية» نظر إلى المجتمع الصناعي بوصفه آلة تصنع الرغبة ثم تسحق أصحابها. ومع إديث وارتون، خصوصاً «عصر البراءة»، دخلت الطبقة الراقية الأميركية غرفة التشريح الروائي، حيث تبدو التقاليد الاجتماعية نظاماً رفيع المظهر، قاسياً في الجوهر.

انفجرت الحداثة الأميركية بعد الحرب العالمية الأولى. كان إرنست همنغواي، في «الشمس تشرق أيضاً» و«وداعاً للسلاح»، يكتب بجمل مقتصدة تخفي تحت سطحها جرحاً عميقاً، ويمارس أسلوباً يقوم على الإيحاء، حيث يطفو القليل وتبقى الكارثة في الأعماق. أما ف. سكوت فيتزجيرالد، في «غاتسبي العظيم»، فقد كتب المرثية الأكثر لمعاناً للحلم الأميركي: قصر، حفلات، أضواء، مال، عشق مستحيل، ورجل يبني حياته حول صورة زائفة عن الخلاص. جنوباً، خلق وليم فوكنر عالماً روائياً كثيفاً في «الصخب والعنف» و«أبشالوم، أبشالوم!»، حيث يتحول التاريخ لعنةً عائلية، وتصبح اللغة نفسها متاهةً تحمل عبء العبودية، والهزيمة، والانهيار الأخلاقي.

ملفيل

وفي الفترة ذاتها، نشأت نهضة هارلم، واحدة من أخصب لحظات الأدب الأميركي. لانغستون هيوز أدخل إيقاع الجاز والبلوز إلى القصيدة، وكتب عن العامل، والمغني، والفقير، والمدينة السوداء التي تصنع جمالها وسط العنصرية. زورا نيل هيرستون في «عيونهم كانت تراقب الله» منحت المرأة السوداء صوتاً سردياً نابضاً باللهجة والحكاية والرغبة. كلود مكاي وكونتي كالن وريتشارد رايت لاحقاً، في «ابن أصلي» جعلوا الأدب ساحة صدام مباشر مع العنصرية البنيوية، ومع ذلك لم يحولوا النص بياناً سياسياً أجوف، بل تجربة إنسانية وفنية شديدة التعقيد.

بعد الحرب العالمية الثانية، تمددت الخريطة أكثر. جون شتاينبك في «عناقيد الغضب» كتب ملحمة الفلاحين المطرودين من أرضهم تحت وطأة الكساد والرأسمال، وسول بيلو ورالف إليسون وفلانري أوكونور وسيلفيا بلاث وألن غينسبرغ وجاك كيرواك فتحوا مسارات جديدة للقلق الأميركي. إليسون في «الرجل الخفي» قدم واحدة من أعظم روايات القرن العشرين عن المحو الاجتماعي والسياسي للإنسان الأسود. غينسبرغ في «عواء» أطلق صرخة ضد الامتثال والجنون الصناعي والفراغ الروحي. بلاث في «آرييل» و«الناقوس الزجاجي» كتبت عن هشاشة الذات الأنثوية تحت ضغط المجتمع والمرض واللغة.

ثم جاءت توني موريسون لتعيد كتابة الذاكرة الأميركية من قلب الجرح. في «محبوبة»، بلغ الأدب الأميركي ذروة مواجهة كبرى مع العبودية بوصفها أثراً حياً يسكن الجسد، والبيت، واللغة، والأمومة. موريسون لم تكتب التاريخ كوقائع منتهية، بل كطاقة تطارد الأحياء، وتطالبهم باعتراف أخلاقي وجمالي. ومع جيمس بالدوين في «اذهب وقلها فوق الجبل» ومقالاته النارية، صار الأدب الأميركي مرآة لأسئلة العِرق والدين والجنس والمنفى الداخلي، بلغة تجمع الغضب والصفاء والنباهة الأخلاقية.

مارك توين

العقود الأخيرة شهدت اتساع أميركا الأدبية عبر تعدد أصوات النساء، والمهاجرين، والسكان الأصليين، واللاتينيين، والآسيويين. ساندرا سيسنيروس في «البيت في شارع مانغو» كتبت عن فتاة تشيكانية تسكن شيكاغو بلغة مقطعية شفافة، تجمع الشعر بالسرد، والفقر بالحلم، والبيت بالتوق للخروج. جوي هارجو، في «شروق أميركي»، أعادت وصل الشعر بتاريخ السكان الأصليين والأرض المسلوبة. ماكسين هونغ كينغستون في «المرأة المحاربة»، وجومبا لاهيري في «مترجم الأوجاع»، وأوشن فونغ في «على الأرض نحن رائعون لوهلة»، كتبوا أميركا بوصفها تعدداً لغوياً، ووعاءً لتقاطع الذاكرات، ومكاناً تتجاور فيه الهجرة مع الفقد، والانتماء مع التشظي.

هكذا يبدو الأدب الأميركي، بأفضل نماذجه، اعترافاً دائماً بأن البلاد التي صنعت القوة صنعت أيضاً نقد القوة، والمجتمع الذي أنتج الأسطورة أنتج كذلك مَن مزقها فنياً. قيمته العميقة تأتي من هذا التوتر: أميركا بوصفها إمبراطورية - تجارياً وعسكرياً وإعلامياً -، وأميركا بوصفها ورشة أدبية هائلة كتب فيها الشعراء والروائيون عن العبودية، والطبيعة، والمدينة، والجسد، والمنفى، والمال، والعنصرية، والحرب، والوحدة، والبحث المضني عن معنى. هذا الأدب يستحق القراءة لأنه يضع تلك البلاد أمام نفسها، ويجعل من اللغة محكمة خفية، ومن الرواية والقصيدة سجلاً للإنسان حين يحاول فهم عالم شديد الاتساع ومطلق القسوة.


إبراهيم الناصر يستعرض تاريخ البنوك السعودية

إبراهيم الناصر يستعرض تاريخ البنوك السعودية
TT

إبراهيم الناصر يستعرض تاريخ البنوك السعودية

إبراهيم الناصر يستعرض تاريخ البنوك السعودية

في كتابه الجديد، «التنظيم المصرفي في المملكة العربية السعودية... الهيكل المصرفي والعمليات المصرفية»، يسعى الباحث والمؤرخ الاقتصادي الدكتور إبراهيم الناصر، للتعريف بالنظام المصرفي السعودي وآفاق التطور التي تنتظره. ويرى المؤلف أن وجود نظام مصرفي يتمتع بالقوة والموثوقية يمثل العصب الرئيسي والقلب النابض لأي اقتصاد حديث؛ فالبنوك والمؤسسات المالية ليست مجرد أماكن لحفظ الأموال، بل هي المحرك الأساسي الذي يوجه السيولة، ويدعم النمو، ويضمن استقرار الدولة مالياً واجتماعياً.

وفي هذا الكتاب، أنجز الباحث ما يمكن أن يعد موسوعة شاملة عن البنوك ودورها في الاقتصاد المحلي السعودي، مستعرضاً تاريخها والصعوبات التي واجهتها منذ إنشائها، مروراً بمراحل تطورها، والعمليات المصرفية وأنظمتها، وتطور تشريعاتها.

وأكد الباحث أنه بالعودة إلى التنظيمات السعودية، وأحياناً إلى التنظيمات الأجنبية وخاصة الفرنسية، فقد سعى إلى تقديم عمل تكميلي يحاول سد الفجوات التي أظهرتها بعض القوانين مقارنة بغيرها. ويضيف: «إلا أن المهم بالنسبة لنا ليس التوقف عند التحليل، بل علينا أن نعي هذه المشكلة حتى نستطيع بناء نظام يستجيب لتطلعات الشعب السعودي وواقع المملكة».

ويرى الدكتور إبراهيم الناصر أنه إذا كان على نظام مراقبة البنوك أن يستجيب للضوابط العالمية، وأن تخضع جميع الدول للشروط نفسها التي تحتمها التجارة الدولية، فمن الضروري أيضاً التحقق من مدى تبعية النظام المصرفي في السعودية للنظام المصرفي الغربي. وزاد بالقول: «ولما كانت غايات النظام المصرفي تتناول ضرورة حماية الادخار وإدارة الائتمان، وبقدر عمومية هذه الغايات وتواجدها في أغلب الأنظمة الأجنبية التي وصلت إلى درجة من النضج تجعل النظام إلزامياً، ولما كان المشرع السعودي قد رأى أن تنظيم القطاع المصرفي أصبح حتمياً بسبب نموه، فقد كان من الطبيعي اللجوء إلى الحلول المتعلقة بهذه الغايات في الأنظمة الأجنبية الرئيسية، والاستفادة من تجاربها الإيجابية والسلبية، واختيار المزايا التي كرستها التجربة العملية».

وأشار الناصر إلى أن حتمية وجود حد أدنى لرأس المال، وشروط السلوك الحسن، والالتزامات المحاسبية، ومعدلات الملاءة والسيولة المختلفة، وانفصال النشاط المصرفي عن الأنشطة الأجنبية ومهنة الصرافة، وحظر المشاركات، ونظام الاحتياطي، كلها تشكل السمات الأساسية للنظام المصرفي السعودي. ونبّه إلى أن استعارة النظام من النماذج الأجنبية لم تكن كاملة؛ بل أخذ في الاعتبار متطلبات ومعطيات الظروف المحلية، واكتسب سمات أصيلة وخاصة لا تصادفها في النظم الأجنبية، كما هي الحال في خاصية إدارة المهنة المصرفية التي يميزها تمركز السلطات المالية والمصرفية تحت تصرف البنك المركزي السعودي (مؤسسة النقد آنذاك).

واعتبر الدكتور الناصر أنه لا يمكن إنكار عمومية الامتيازات الممنوحة للبنك المركزي، ولكن بقدر ملكية الدولة لمثل هذه السلطات السيادية - بمعزل عن أي تشريع - تستطيع الدولة في أي وقت إصدار تنظيمات تراها لازمة لضبط النظام المصرفي. وبيّن أن إحالة هذه السلطات إلى البنك المركزي لا تشكل في الواقع إلا ضماناً موضوعياً ومحايداً تقدمه الدولة ضد أي تدخل للعوامل السياسية أو الشخصية في إعداد التنظيم المصرفي. كما أن وجود هذه السلطات ضمن امتيازات الدولة لا ينبغي أن يُفسر على أنه يتضمن أي مساس بحرية البنوك حتى في ظل نظام الحرية المطلقة.

وبالنسبة للإدارة المصرفية، يرى الباحث أن بعض القواعد المطبقة ليست إلا ترجمة لقواعد الإدارة السليمة المنبثقة من التجربة، التي تمارسها بصفة عامة جميع البنوك الجادة. وبما أنها تمثل الحد الأدنى المطلوب، وتترجم الرقابة الكمية، فإن هذه القواعد لا تعوق حسن سير النشاط المصرفي، وإنما تشكل فقط الإطار الذي يمارس فيه هذا النشاط بحرية. وقد تحاشى المشرع السعودي - بصفة خاصة - إنشاء رقابة نوعية على النشاط المصرفي أو التدخل المباشر في العمليات المصرفية ذاتها عبر النص على طرق معينة لاستخدام الموارد، أو تنظيم الاشتراطات اللازمة لعمليات الائتمان تنظيماً صارماً؛ ولذلك فإن مبادرة المصرفيين ووعيهم الشخصي مصانان تماماً ويمكن ممارستهما بفائدة كبيرة في إطار التنظيم المصرفي.

وشدد الناصر على أن وجود نظام مصرفي بات اليوم ضرورة معترفاً بها، معتبراً أن التنظيم يهدف إلى إيجاد رقابة فاعلة على النشاط المصرفي، وإخضاع البنوك للسياسة الائتمانية وضمان أمن المودعين، حيث كانت سيولة وملاءة المؤسسات من الاهتمامات الرئيسية لتحويل النقود المصرفية إلى عملة قانونية. وأشار إلى أن الرقابة على البنوك التي أقرها المشرع السعودي لا تهدف فقط إلى حماية الودائع، بل إلى تنشيط القطاع أيضاً عبر تشجيع الادخار الخاص وتعزيز ثقة المدخرين بالبنوك بشكل أوسع. ولفت الباحث إلى أن بعض مخاوف الجمهور التاريخية من النظام المصرفي لم تكن نابعة من انعدام الثقة في قدرة وحكمة المصارف، بل أرجأها إلى تأثير الأحكام والتحفظات الدينية التي كانت مسيطرة على الأهالي آنذاك.

وعلى الصعيد الإداري، أكد الباحث أن حسن إدارة البنك يعود قبل كل شيء إلى القيمة البشرية؛ أي الأشخاص المكلفين بإدارته من أعضاء مجلس إدارة ومديرين وعاملين على مختلف مستوياتهم. ويبدو أن ذلك شكل أحد أهم الصعوبات التي واجهتها المملكة تاريخياً، وخصوصاً بعد مرحلة «سعودة» البنوك الأجنبية، مؤكداً ضرورة تعيين كادر من العناصر الوطنية المؤهلة وعالية المستوى. منوّهاً بأن أحد أهم أغراض تأسيس «البنك السعودي العالمي المحدود» كان تدريب أكبر عدد ممكن من الفنيين السعوديين في مختلف مجالات النشاط المصرفي الدولي، لتمكين هؤلاء المواطنين الأكفاء من الوصول إلى مراكز المسؤولية، وتولي إدارة الشؤون المصرفية في نهاية المطاف.


«شذرات من تاريخ حضرموت» لعبد اللطيف العمودي

«شذرات من تاريخ حضرموت» لعبد اللطيف العمودي
TT

«شذرات من تاريخ حضرموت» لعبد اللطيف العمودي

«شذرات من تاريخ حضرموت» لعبد اللطيف العمودي

صدر مؤخراً كتاب «شذرات من تاريخ حضرموت» لرجل الأعمال السعودي عبد اللطيف سعيد محمد العمودي، ويقع في 254 صفحة في القطع المتوسط، ويقدّم رحلة معرفية في تاريخ حضرموت وإرثها الحضاري والإنساني.

يتناول الكتاب صفحات من تاريخ حضرموت وأسباب تسميتها بهذا الاسم، والأهمية الجغرافية لحضرموت، مع استعراض لحدودها ومُناخها وأهم مُدنها والأنشطة الرئيسية لسكانها، كما يتناول قصة دخول الإسلام حضرموت، والصفات التي يتسم بها الحضارمة، ثم يعرج على سرد تاريخ هجرة الحضارم إلى أنحاء العالم، حيث امتدّت الهجرات الحضرمية إلى آسيا وأفريقيا وأوروبا والأميركتين، وأسهم أبناؤها في التجارة والتعليم والعمل الاجتماعي والثقافي، تاركين بصماتٍ واضحة في المجتمعات التي استقرّوا فيها. ويعرض الكتاب تجربة الحضارمة في المهجر بوصفها تجربة إنسانية قائمة على التسامح والاعتدال والأمانة وطلب العلم، وقد أسهمت هذه القيم في بناء صورة إيجابية للحضرمي في المجتمعات المختلفة.

كما يقدّم الكتاب استعراضاً موجزاً للصراعات التي وقعت للسيطرة على حضرموت، ودور بريطانيا في فرض السلام بين الدويلات والقبائل المتنازعة.

ويخصص المؤلف الباب الثاني للحديث عن «وادي دوعن»؛ أشهر الأودية في حضرموت، ويقع في الجزء الغربي من المحافظة شرق اليمن، ويشتهر بطبيعته الخلابة، وقراه التاريخية المبنية من الطين.

يستفتح المؤلف حديثه عن هذا الوادي بمقولة للرحّالة الهولندي دانيال فاندر ميولين في كتابه «حضرموت - إزاحة النقاب عن بعض غموضها»، عندما زار الوادي في عام 1931 مستعرضاً صورة للمكان، قائلاً: «يقع وادي دوعن بين ضفتيْ صخوره العالية منغلقاً في أمان عن العالم، مثل قطعة غير حقيقية من جِنان منسية تنتظر يوم البعث. هذه هي جائزة المسافرين المُرهَقين من السفر في الصحراء. غمرتنا الفرحة ووقفنا على حافة أرضنا الموعودة يغمرنا الإعجاب. وما تجرّأنا ولا كان باستطاعتنا أن نتخيلها بهذا الجمال، هذه ليست بعدُ حضرموت الداخل، وإن كانت في الحقيقة بوابتها الخارجية. وقفنا على شفا الهاوية، وبدأنا نُدير آلات التصوير في صمت. ورغم الحرارة فلم نستطع أن ننتزع أنفسنا من السحر الذي خلبَنا به هذا الوادي الزاخر بالخصوبة والجمال، وسط صحراء قاحلة لا متناهية من الصخر والحجارة».

وعبد اللطيف سعيد محمد العمودي من الشخصيات التجارية والاقتصادية، وسبق أن قدم عدداً من المؤلفات مختصة بالإدارة والقيادة والمبيعات والتسويق؛ من بينها: «أساسيات البيع ومبادئ النجاح»، و«استراتيجيات تسويقية»، و«المدير التنفيذي الناجح»، و«قيادة الشركات العائلية»، و«القيادة الإدارية»، و«القيادة الأخلاقية»، و«كيف تصنع وتسوق العلامة التجارية»، و«فيروس الشركات العائلية والتخارج السليم».