البعضُ يحبّها نوفيلّا!

خصائص تتفوق بها على المطولات الروائية

هيلاري مانتل  -  إيان ماكوين
هيلاري مانتل - إيان ماكوين
TT

البعضُ يحبّها نوفيلّا!

هيلاري مانتل  -  إيان ماكوين
هيلاري مانتل - إيان ماكوين

هل يمكنُ لأيّ منّا توصيف عصرنا هذا بأنه عصر الرواية القصيرة (النوفيلّا)؟ وهل يستبطنُ هذا القول إشارة مضمرة إلى خفوت عصر الروايات الطويلة، بل وحتى موتها المزعوم؟ أظنّ أنّ النجاح التجاري الذي أصاب الرواية الثالثة المرآة والضوء The Mirror & The Light في سلسلة روايات (أوليفر كرومويل)، الثلاثية للروائية البريطانية هيلاري مانتل Hilary Mantel لكفيل بدحض هذا الرأي الذي قد يعبّرُ عن تفكير رغائبي يدفع صاحبه إلى الإيمان بفكرة موت الأنساق الفكرية - ومنها الأجناس الأدبية المعهودة - بدفعٍ من ترسيمة سيكولوجية تنساق لمثل هذه الأفكار. سيسارعُ البعض للقول بأنّ النجاح التجاري والمبيعات الكبرى ليست دليل صحة وعافية، وهذا أمرٌ صحيحٌ؛ لكن لا ينبغي نسيان أنّ مانتل ليست كاتبة دخيلة على الفن الروائي أو تعتمدُ مخاطبة أطياف عمرية خاصة تؤثر فيها الفذلكات البوليسية أو المبالغات الفنتازية؛ بل هي كاتبة مقتدرة، فازت بجائزة المان بوكر مرتين (سنة 2009 وكذلك سنة 2012) باستحقاق كامل. لا بدّ من الإشارة هنا أنّ روايات (مانتل) بدينة في العموم؛ بل إنّ بعضها مفرط البدانة، ويكفي أن أشير إلى أنّ روايتها الأخيرة (المرآة والضوء) تكاد تقارب الثمانمائة صفحة، وأنّ ثلاثية (أوليفر كرومويل) تبلغ قرابة الألف وسبعمائة صفحة.
كلّ من خبرَ الكتابة الروائية وتمرّس في متاهاتها اللانهائية يعرفُ منذ لحظة الشروع الأولى في الكتابة بأن ثمة أسئلة لا مناص من إجابتها قبل المضي في الكتابة، وثمة أسئلة أخرى يمكن استقصاؤها مع نمو العملية الكتابية وبلوغها إلى آفاق أوسع. أحسبُ من جانبي أن حجم العمل المطلوب كتابته هو أحد الأسئلة الجوهرية التي تنتمي للصنف الأوّل من الأسئلة؛ إذ لا يمكن الشروع في الكتابة قبل أن يحدّد الكاتب بدقّة هل يبتغي كتابة عمل روائي بدين أو نحيف، وهذه ليست مسألة تقنية أو كيفية محضة بقدر ما هي مسألة مفصلية؛ إذ إنّه من خلال تحديد حجم البدانة أو النحافة (بالمعنى الروائي) سيحدّدُ بالتالي طريقة الكتابة المطلوبة ومدى الحرية المتاحة للكاتب في تمرير أفكاره الروائية، فضلاً عن تحديد عدد الثيمات الرئيسية في العمل وجملة من الموضوعات التقنية الأخرى. ثمة سرعةٌ يمضي بها العمل الروائي ويتحسّسها كلّ كاتب بمقتضى خبرته الروائية، وحجمُ العمل الروائي هو وحده من يضع الشرط الأوّلي في تحديد هذه السرعة الروائية.
لطالما اقترنت الكلاسيكيات الأدبية بالمطوّلات الروائية التي تقتضي البدانة بالضرورة؛ ولمّا كنّا عشاقاً للكلاسيكيات فقد صار بمثابة القانون الروائي أن نميل لجانب المطوّلات الروائية البدينة، وتلك خصيصة نلمحها في معظم الأعمال الروائية التي سادت في عصر الحداثة وبعض أعمال ما بعد الحداثة الروائية، والتسويغ لهذا الفعل جاهز ومعلنٌ: الرواية الكلاسيكية مرآة تعكس الحياة التي نعيشها بعد إعمال مبضعنا السردي فيها وتطييبها ببعض المنكّهات التي تدفع المرء المتعجل للاستمرار في القراءة وكأنه يرى حلماً لذيذاً (سمّه حلم يقظة لو شئت)؛ ولما كانت الحياة ممتدّة امتداداً لا نهائياً فسيكون من الطبيعي أن يتضخّم جسم العمل الروائي. هذه هي المقايسة التي سادت حتى بواكير عصر الحداثة الروائية.
تسبّبت الثورات العلمية والتقنية في حدوث انعطافات كبرى في الفكر الروائي؛ فلم يعُد الفن الروائي مادة يلهو بها الأرستقراطيون المتبطّلون - كما كان الحال قبل حقبة الحرب العالمية الأولى - بل صار مادة شعبية يُرادُ منها إعادة تشكيل تضاريس الخارطة الفكرية وتوجيه العقول والقلوب نحو المتغيرات التي باتت تحفر عميقاً في صياغة الوجود البشري، ثمّ جاءت الحرب العالمية الثانية فعزّزت هذا المسار، ثمّ تتالت الثورات العلمية والتقنية التي ضغطت الزمن البشري وجعلته زمناً سائلاً (على حدّ تعبير السوسيولوجي الأشهر زيغمونت باومان)، وما عاد الزمن سائباً وذا نهايات مفتوحة؛ بل صار يُحسَبُ له حسابه الدقيق على مستوى الأفراد والأمم. هنا ينشأ السؤال الجوهري التالي: هل يمتلك الروائي المعاصر الحرية ذاتها التي امتلكها تولستوي أو دوستويفسكي أو بروست أو ديكنز أو ميلفل أو فلوبير... إلخ في كتابة المطوّلات الروائية؟ وحتى لو أتيحت له تلك الحرية؛ فمن ذا الذي سيمتلك الوقت لقراءتها في عصر صار فيه الزمن هاجساً أقرب للمعضلة الاكتئابية التي يشعر معها المرء دوماً بأنه مسبوقٌ حتى لو عمل عشرين ساعة متصلة في اليوم الواحد؟
عندما شرعتُ في كتابة روايتي الأخيرة (عشّاقٌ وفونوغراف وأزمنة) كنتُ أعرفُ منذ البدء أنني سأكتبُ رواية بدينة لكونها رواية جيلية تنتمي لجنس التخييل التأريخي، ولستُ أجانبُ الصدق لو قلتُ إنّ أفكاراً كثيرة متباينة تناهبتني آنذاك وجعلتني ميداناً مفتوحاً لعناصر صراعية قاسية؛ فأنا من جانب أعرفُ أنّ رواية قصيرة (في حدود أربعين ألف كلمة) هي الأكثر مقبولية بحسب الأعراف السائدة من حيث اعتبارات التسويق والقراءة؛ لكنّ هاجساً كان يلحُّ عليّ بضرورة الإصغاء لصوتي الداخلي فحسب وعدم الخضوع للاعتبارات السائدة.
ثمة عبارةٌ سادت في العقدين الأخيرين تقول: الصغير هو الجميل Small is Beautiful وهي عبارة تضمنتها أدبيات التنمية الاقتصادية للبلدان النامية، وتُعلي هذه الرؤية شأن المساهمات الاقتصادية التي تقوم بها وحدات صغيرة (فرد، عائلة، مجموعة بشرية تتكون من عدّة أفراد...) عوضاً عن المشاريع العملاقة التي شكّلت النظام الرأسمالي. أتساءل أحياناً: هل ستجد الرواية منقذاً لها في الفكر الاقتصادي الخاص بتنمية البلدان الفقيرة؟ هل الصغير هو الأجمل دوماً؟ ماذا عن الكلاسيكيات التي أحببناها وقضينا معها أسعد أوقاتنا؟
أرى أنّ الكلاسيكيات ستبقى في مكانتها الاعتبارية المهيمنة باعتبارها مسعى تأسيسياً ريادياً؛ لكن ما عاد الحديث اليوم يتناول شكل الرواية في الحاضر والمستقبل في خضمّ الثورة المعلوماتية وإسقاطاتها الضخمة على الكائن البشري، وليس الذكاء الصناعي العام AGI الذي سيكون الخصيصة المميزة لعصر الثورة الرابعة القادمة سوى وجه واحد من أوجه التغييرات الثورية التي ستشهدها حياتنا، والرواية ليست بمعزل عنها في كلّ الأحوال.
تناول الروائي البريطاني ذائع الشهرة إيان ماكيوان Ian McEwan موضوع الرواية القصيرة (النوفيلا) في مقالة رائعة له نشرها في مجلة «النيويوركر»، وأرى أنّ مقالته هذه هي نوعٌ من رسالة تبشيرية بسيادة هذا النوع الروائي في المستقبل القريب، ولعلّ مصداق هذا القول يتجسّدُ في نشر الكاتب (وهو المعروف بمطوّلاته الروائية) لنوفيلّا بعنوان الصرصار The Cockroach بعد بضعة أشهر من نشر رواية طويلة له بعنوان Machines Like Me آلات تحبني عام 2019.
يرى (ماكيوان) أنّ ممّا يثيرُ الغرابة هو كون القصة القصيرة، وعلى عكس الحال مع الرواية القصيرة (النوفيلّا)، لم تنشأ حولها التساؤلات التشكيكية بشأن هيكليتها القصيرة وما يترتّبُ عليها من مترتبات تابعة، وربما يعود السبب في هذا إلى كون القصة القصيرة مختلفة عن الرواية اختلافاً جوهرياً وليست فرعاً مشتقاً منه بشكلٍ ما. يضيف ماكيوان إلى ما سبق رؤيته بأنّ (النوفيلّا) هي الشكل الكامل للنثر الروائي، وهي بمثابة الابنة الجميلة لذلك العملاق الجوّال، السكران، المترهّل، سيئ الحلاقة (الإشارة إلى الرواية الكلاسيكية)؛ لكنّ هذا لا ينفي أنّ ذلك الكائن المتعملق عبقريٌّ يعيشُ أزهى أيامه، وأنّ هذه الابنة الجميلة هي الوسيلة التي بها - ومن خلالها - عرفنا العديد من أوائل عظماء الكتّاب الروائيين: عرف معظم القرّاء (توماس مان) عن طريق (موتٌ في البندقية)، وعرفوا (هنري جيمس) عن طريق (منعطف اللولب)، وعرفوا (كافكا) عن طريق (التحوّل)، وعرفوا (جوزيف كونراد) عن طريق (قلبُ الظلام)، وعرفوا (ألبير كامو) عن طريق (الغريب)، ويمكن للمرء المضيّ في تعداد أسماء روائية كبيرة أخرى كتبت النوفيلّا: فولتير، تولستوي، جويس، سولجنتسين، أورويل، شتاينبك، بينكون، ميلفل، لورنس، مونرو... يضيفُ ماكيوان أنّ هذا التقليد الكتابي في كتابة (لنوفيلا) لهوَ تقليد طويلٌ حافلٌ بضروب المجد، ولا تنفكُّ متطلبات الاقتصاد في الكتابة الروائية تدفعُ الكُتّاب إلى إعادة ترشيق كتابتهم ابتغاءً للمزيد من الدقة والوضوح، ولتمرير المؤثرات التي يبتغونها بقدرة غير متوقّعة، وللإبقاء على بؤرتهم الروائية مصوّبة على صنيعتهم الروائية المميزة ودفعها إلى الأمام بالطاقة الخلاقة التي تتأتّى من العقل الوظيفي العامل في اتجاهية واحدة، ومن ثمّ بلوغ النهايات المأمولة والقارئ قد حافظ على وحدة عقله ولم يبعثر طاقته في بؤرٍ سردية متشظية عديدة كما تفعل الرواية. الروايات القصيرة (النوفيلات) لا تهيم في الفضاء أو تعتمد اللغة التبشيرية؛ وهي إذ تفعل هذا فهي تجنّبُنا الحبكات الثانوية المتكاثرة والنصوص البينية المنتفخة.
النوفيلا - بشكل عام - مادة روائية تقعُ في حدود عشرين إلى أربعين ألفاً من الكلمات، وهي مادة طويلة بما يكفي للقارئ لكي يستوطن عالماً روائياً بتضاريسه الكاملة الخليقة بالبقاء في عقل القارئ لأجل ليس بالقصير، وفي الوقت ذاته فإنّ تلك المادة الروائية قصيرة بما يكفي لكي تُقرَأ في جلسة متصلة واحدة أو جلستيْن وبما يتيحُ لهيكليتها الكاملة أن تبقى مترسّخة في عقل القارئ منذ لحظة القراءة الأولى، وهذه خصائص تتفوّق بها النوفيلا على المطوّلات الروائية؛ لكن ليس من مقايسة معيارية في هذا الشأن: القارئ الشغوف بعمل ما سيتحمّل عبء قراءة آلاف الصفحات وهو مستمتع وكأنه في حلم يقظة فائق المتعة؛ أما القارئ غير الشغوف فلن يتحمّل عبء قراءة حتى عشرة آلاف من الكلمات تضمّها نوفيلا بالغة القصر.
هل ستسود النوفيلّا في العقود القادمة لتكون مصداقاً لرؤية ماكيوان في أنّ (الصغير هو الجميل) أم سنشهد تعايشاً بين النوفيلا والروايات الطويلة؟
ليس لنا إلّا أن ننتظر ونرى.

- كاتبة وروائية ومترجمة عراقية تقيم في عمّان



لا ترغب في فعل أي شيء؟ 8 خطوات بسيطة قد تساعدك

عدم رغبتك في القيام بأي شيء قد يكون أحياناً رسالة من عقلك وجسدك بأنهما بحاجة إلى الراحة (بكسلز)
عدم رغبتك في القيام بأي شيء قد يكون أحياناً رسالة من عقلك وجسدك بأنهما بحاجة إلى الراحة (بكسلز)
TT

لا ترغب في فعل أي شيء؟ 8 خطوات بسيطة قد تساعدك

عدم رغبتك في القيام بأي شيء قد يكون أحياناً رسالة من عقلك وجسدك بأنهما بحاجة إلى الراحة (بكسلز)
عدم رغبتك في القيام بأي شيء قد يكون أحياناً رسالة من عقلك وجسدك بأنهما بحاجة إلى الراحة (بكسلز)

قد تمرّ بأوقات لا تشعر فيها بأي رغبة في القيام بشيء، حتى إن الأنشطة التي اعتدت الاستمتاع بها لا تبدو جذابة بالنسبة إليك. وربما لا تجد في أي من الخيارات المتاحة ما يثير اهتمامك، بل قد تشعر بالضيق أو الانزعاج من اقتراحات المقرّبين منك، رغم أنها تنبع من نيات طيبة.

ويُعد هذا الشعور طبيعياً من حين إلى آخر، خصوصاً خلال فترات الضغط النفسي أو عندما تتزايد مسؤولياتك وانشغالاتك اليومية.

لكن إذا استمر فقدان الاهتمام، المعروف باسم «اللامبالاة»، أو تراجعت قدرتك على الاستمتاع بالأشياء التي كانت تمنحك المتعة سابقاً، وهي حالة تُعرف باسم «انعدام التلذذ»، فقد يشير ذلك إلى مشكلة أكثر جدية.

ومع ذلك، يكون هذا الشعور مؤقتاً في كثير من الحالات، ويمكن لبعض الخطوات البسيطة أن تساعدك على تجاوزه واستعادة نشاطك تدريجياً، وفقاً لموقع «هيلث لاين».

1. امنح نفسك استراحة تستعيد خلالها طاقتك

قد يكون عدم رغبتك في القيام بأي شيء أحياناً رسالة من عقلك وجسدك بأنهما بحاجة إلى الراحة.

وإذا كنت معتاداً على الضغط على نفسك باستمرار، فإن الاستجابة لهذه الحاجة ومنح نفسك فرصة للاسترخاء قد يساعدانك على تجنب الاحتراق النفسي.

ويؤدي التعاطف مع الذات دوراً أساسياً في مثل هذه المواقف؛ فمن المهم أن تعترف بحجم الجهد الذي تبذله، وأن تسمح لنفسك بالحصول على بعض الوقت للراحة من دون الشعور بالذنب.

ويمكنك أخذ قيلولة قصيرة، أو تصفح تطبيقات التواصل الاجتماعي المفضلة لديك، أو الاسترخاء تحت غطائك المفضل برفقة حيوانك الأليف، أو ممارسة أي نشاط بسيط يمنحك شعوراً بالهدوء والراحة.

وقد تساعدك الاستراحة على:

- استعادة طاقتك الذهنية والجسدية.

- التفكير بوضوح أكبر وتحسين مستوى أدائك.

- تقليل احتمالات ارتكاب الأخطاء، سواء في العمل أو أثناء القيادة أو في مواقف أخرى.

- الوقاية من الاحتراق النفسي.

وفي هذا السياق، أشارت دراسة أُجريت عام 2019 إلى أن ارتفاع مستويات الاحتراق النفسي لدى الممرضين قد يؤثر في سلامة الأشخاص الذين يتولون رعايتهم.

وهذا يعني أن الحصول على قسط من الراحة لا يعود بالنفع عليك وحدك، بل قد ينعكس إيجاباً أيضاً على الأشخاص المحيطين بك.

2. اخرج إلى الهواء الطلق ولو لدقائق

يمكن لممارسة نشاط بدني خفيف في الهواء الطلق، حتى لو اقتصر على المشي لمدة 10 دقائق حول الحي، أن تساعد على تحسين مزاجك.

وقد أظهرت الأبحاث أن ممارسة التمارين الرياضية ترتبط بمجموعة واسعة من الفوائد الصحية والنفسية، من أبرزها:

- تقليل خطر الإصابة بأمراض مختلفة، بما فيها السكري من النوع الثاني وبعض أنواع السرطان.

- المساعدة على التعامل مع القلق والاكتئاب.

- تعزيز القوة البدنية والتناسق الحركي والمرونة.

- تقوية جهاز المناعة.

- تحسين المزاج وتعزيز الشعور بالرفاه العاطفي.

وفي إحدى الدراسات، حققت الممرضات اللواتي أمضين فترات استراحتهن في حديقة المستشفى نتائج أفضل في اختبارات تقييم الأعراض النفسية المرتبطة بالاحتراق الوظيفي، مقارنة بزميلاتهن اللواتي قضين استراحاتهن داخل المبنى.

وحتى إذا لم تكن لديك رغبة في المشي أو ممارسة الرياضة، فإن مجرد الجلوس على مقعد في مكان مفتوح وقضاء بعض الوقت وسط الطبيعة قد يمنحك فوائد ملموسة.

3. دوّن مشاعرك لفهم أسباب فتورك

قد تساعدك الكتابة اليومية على ترتيب أفكارك ومشاعرك، إذ إن محاولة فهم حالتك العاطفية قد تكشف عن الأسباب الكامنة وراء فقدان رغبتك في القيام بأي شيء.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة إذا استمر شعورك بعدم الرغبة في ممارسة الأنشطة لأكثر من بضعة أيام.

ابدأ بسؤال نفسك عما إذا كنت تشعر بأي من المشاعر التالية:

- القلق أو التوتر أو العصبية بشأن أمر معين.

- الغضب أو الإحباط.

- الحزن أو الوحدة.

- اليأس.

- الشعور بالانفصال عن ذاتك أو العزلة عنها.

فقد يستحوذ أي من هذه المشاعر على تفكيرك، إلى درجة تجعل التركيز على الأنشطة أو المسؤوليات الأخرى أمراً صعباً.

وحاول تدوين ما تشعر به بكلمات بسيطة، حتى لو بدت أفكارك غير مترابطة أو لم تتمكن من التعبير عنها بوضوح كامل.

4. جرّب التأمل لتهدئة ذهنك

قد يبدو التأمل نشاطاً يتطلب منك القيام بشيء، لكن يمكنك النظر إليه باعتباره طريقة واعية ومقصودة لعدم القيام بأي شيء.

وفي عام 2019، شاركت مجموعة من الأشخاص في جلسات تأمل استمرت 13 دقيقة يومياً.

وبعد مرور 8 أسابيع، أظهرت النتائج لديهم مجموعة من التحسينات، شملت:

- انخفاض مستويات التوتر والقلق والمزاج السلبي.

- تعزيز القدرة على التركيز.

- تحسّن الذاكرة العاملة وذاكرة التعرّف.

وقد لا تكون ممارسة التأمل سهلة دائماً، خصوصاً في البداية، لكنها قد تساعدك تدريجياً على ملاحظة مشاعرك وفهمها وتقبّلها من دون إصدار أحكام على نفسك، أو السماح لتلك المشاعر بالتأثير سلباً فيك.

5. تواصل مع صديق أو شخص مقرّب

عندما تفقد الرغبة في القيام بأي شيء، قد يكون التحدث إلى صديق أو جار أو أحد أفراد العائلة وسيلة بسيطة لتحسين حالتك النفسية.

ويمكنك التواصل مع شخص يجيد الاستماع إليك بتفهّم، أو الاكتفاء بمرافقة شخص ترتاح لوجوده في نزهة قصيرة أو قضاء بعض الوقت معه.

وقد أشار بعض الباحثين إلى أن كبار السن الذين يعانون ضعفاً في نشاطهم الاجتماعي قد يكونون أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب.

كما وجدت دراسات أخرى أدلة تشير إلى أن وجود شبكة اجتماعية داعمة قد يساعد على الوقاية من الاكتئاب والتدهور المعرفي، الذي يشمل مشكلات مرتبطة بالتفكير والذاكرة.

ورغم أنك قد تميل إلى الانعزال عندما لا تشعر برغبة في فعل أي شيء، فمن المهم الانتباه إلى عدم استمرار هذه العزلة لفترة طويلة.

فالتخلي عن الأنشطة والعلاقات الاجتماعية قد يؤدي إلى تفاقم المشكلات على المدى البعيد.

6. استمع إلى الموسيقى المفضلة لديك

قد تساعدك الموسيقى على كسر الصمت ومنح ذهنك شيئاً للانشغال به، خصوصاً عندما لا تكون لديك رغبة في ممارسة الكثير من الأنشطة.

ويمكن للاستماع إلى موسيقاك المفضلة أن يمنحك شعوراً بالهدوء، أو يمدّك بالطاقة والحماس، أو يثير مشاعر أخرى، بحسب نوع الموسيقى التي تفضلها.

ولا تقتصر فوائد الموسيقى المحتملة على تحسين الحالة المزاجية، إذ قد تنعكس إيجاباً أيضاً على وظائف الدماغ، بما في ذلك تعزيز الانتباه والذاكرة.

وتشير بعض الأبحاث كذلك إلى أن الموسيقى قد تسهم في تخفيف الألم والمساعدة على علاج الاكتئاب.

7. ابدأ بإنجاز مهمة منزلية بسيطة

قد تفقد الرغبة في القيام بأي شيء عندما تتراكم أمامك مهام مزعجة أو مملة، مثل الأعمال المنزلية أو دفع الفواتير أو إنجاز المشاوير اليومية.

ومع تزايد هذه المسؤوليات، قد تبدو فكرة البدء في تنفيذها مرهقة وصعبة، حتى لو كانت بعض المهام بسيطة في حد ذاتها.

وفي هذه الحالة، يمكنك البدء بمهمة صغيرة لا تتطلب جهداً ذهنياً أو تركيزاً كبيراً، مثل:

- غسل الأطباق.

- ترتيب السرير.

- تنظيم إحدى الخزائن.

- أخذ كيس من الأغراض التي لم تعد بحاجة إليها إلى إحدى الجمعيات الخيرية.

- إجراء مكالمة هاتفية واحدة.

- تحضير وجبة بسيطة.

- إعادة الملابس المغسولة إلى أماكنها.

- ترتيب سطح المكتب.

وقد يكون إنجاز مهمة واحدة فقط، خصوصاً إذا كنت تؤجلها منذ فترة، كافياً لمنحك شعوراً بالإنجاز، وإتاحة الفرصة لشطبها من قائمة مهامك.

8. ضع جدولاً زمنياً ينظم يومك

إذا كنت تشعر باستمرار بعدم الرغبة في القيام بأي شيء، وتجد صعوبة متكررة في إنجاز الأعمال المنزلية أو الوفاء بمسؤولياتك الأخرى، فقد يساعدك إعداد جدول زمني على تنظيم يومك.

وربما تستخدم بالفعل مفكرة لتسجيل المهام المهمة أو المواعيد التي لا تريد نسيانها، لكن الجدول الزمني يمنحك خطة أكثر وضوحاً وتحديداً لما يمكنك القيام به، حتى خلال الأوقات التي تشعر فيها بفتور الحماس.

وليس من الضروري أن تخطط لكل دقيقة من يومك، إلا إذا وجدت أن ذلك يناسبك، بل يكفي تخصيص فترات زمنية عامة للأنشطة الأساسية، مثل:

- الاستيقاظ من النوم.

- الاستعداد لبدء اليوم.

- تحضير الوجبات.

- إنجاز المهام الدراسية أو المهنية أو المسؤوليات المنزلية.

- لقاء الأصدقاء أو المشاركة في أنشطة اجتماعية أخرى.

- الذهاب إلى النوم.

ومن المهم أيضاً تخصيص وقت للأنشطة التي تستمتع بها، وللقاء الأشخاص الذين تحب قضاء الوقت معهم.

وفي المقابل، حاول ألا تقسو على نفسك إذا لم تتمكن من الالتزام بالجدول الذي وضعته؛ فقد يكون ذلك مجرد مؤشر إلى حاجتك إلى إعادة ترتيب بعض الأولويات، أو تخصيص وقت أطول لإنجاز مهام معينة.


حسين فهمي: «بوستر القاهرة السينمائي» يعبر عن موقف سياسي

حسين فهمي (حسابه على فيسبوك)
حسين فهمي (حسابه على فيسبوك)
TT

حسين فهمي: «بوستر القاهرة السينمائي» يعبر عن موقف سياسي

حسين فهمي (حسابه على فيسبوك)
حسين فهمي (حسابه على فيسبوك)

قال الفنان حسين فهمي، رئيس مهرجان «القاهرة السينمائي الدولي»، إن الجدل حول الملصق الترويجي للدورة الجديدة انصبّ على مدى تشابه الصورة مع ملامح الفنانة شادية، وأغفل الدلالة السياسية وراء استدعاء شخصية «فؤادة»، التي جسّدتها في فيلم «شيء من الخوف»، موضحاً أن مشهد فتح الهويس وتدفّق المياه إلى الأراضي يمثل جوهر الفكرة التي أراد المهرجان تقديمها.

وأضاف فهمي لـ«الشرق الأوسط» أن اختيار الشخصية يرتبط بموقفها في مواجهة حرمان الأهالي من المياه، وما يحمله ذلك من دلالة على الدفاع عن حق المصريين فيها. وأوضح أن المهرجان استند إلى الذاكرة السينمائية المصرية للتعبير عن هذا الموقف، مستحضراً شخصية ارتبطت في وجدان الجمهور بالشجاعة والقدرة على مواجهة الخوف والانتصار للحياة.

وأكد أن الملصق الترويجي سيخضع لتعديل يجعل ملامح شادية أكثر وضوحاً، مع الاحتفاظ بفكرته الأساسية، مشيراً إلى أن النقاش حول استخدام الذكاء الاصطناعي لا ينتقص من المعنى الذي يستهدفه التصميم؛ إذ ينبغي لملصق مهرجان بحجم مهرجان القاهرة السينمائي وتاريخه أن يحمل رسالة توازي مكانته، وأن يستند اختيار شخصياته وعناصره البصرية إلى فكرة واضحة.

وتعرّضت إدارة مهرجان «القاهرة السينمائي الدولي» لانتقادات عقب الكشف عن الملصق الترويجي للدورة الجديدة، بسبب عدم تطابق ملامح الصورة مع الملامح الحقيقية للفنانة شادية.

وتدور أحداث فيلم «شيء من الخوف» حول «فؤادة»، التي تتحدى سطوة «عتريس»، وتفتح الهويس لتصل المياه إلى أراضي الفلاحين، بعدما حُرِموا منها عقاباً لهم، فيتحول موقفها إلى تحدٍّ للخوف الذي يسيطر على القرية. والفيلم مأخوذ عن رواية للكاتب ثروت أباظة، وأخرجه حسين كمال، وعُرض عام 1969، وهو من بطولة شادية ومحمود مرسي. ويأتي استحضار الفيلم مجدداً في ظل الأزمة بين مصر وإثيوبيا حول مياه النيل.

الملصق الترويجي للمهرجان (إدارة المهرجان)

وأبدى حسين فهمي تقديره للتصميمات البديلة التي تداولها مستخدمون على مواقع التواصل الاجتماعي، معتبراً أن احتفاظ عدد منها بشخصية «فؤادة» يعكس وصول الفكرة إلى أصحابها. لكنه أشار إلى أن ما أحزنه هو اختزال النقاش في ملامح الوجه، من دون التوقف عند البعد السياسي لاختيار الشخصية، أو دلالة موقفها في الفيلم الذي استلهم منه الملصق رسالته.

ونفى فهمي أن تكون الانتقادات قد أصابته بالإحباط، مؤكداً تمسكه بحرية النقد وإبداء الرأي، وأن اختلافه مع بعض التعليقات لا ينتقص من حق أصحابها في التعبير عنها. وشدد على أن تبادل الأفكار لا يشترط انتهاء النقاش إلى اتفاق، إذ يحق لكل طرف الاحتفاظ بقناعته، مع إتاحة المجال لعرض وجهات النظر ومناقشتها بحرية.

وعن اختيار أفلام الدورة الجديدة، قال حسين فهمي إن المهرجان يكتسب ثقلاً متزايداً عاماً بعد آخر، وهو ما انعكس على علاقته بصناع الأفلام ورغبتهم في المشاركة فيه. ولفت إلى أن استقطاب الأعمال أصبح أقل صعوبة مقارنة بالسابق، بعدما بات بعض السينمائيين يفضلون عرض أفلامهم في القاهرة، ويحتفظون بها انتظاراً للمشاركة في المهرجان، عاداً أن ذلك نتيجة للمصداقية التي راكمها المهرجان.

وأضاف أن «هذا الإقبال منح إدارة المهرجان خيارات أوسع، ودفعها إلى الاعتذار عن عدم ضم عدد من الأعمال»، مؤكداً أن «الأولوية تظل للمستوى الفني، وأن كثرة الأفلام المتاحة تفرض مزيداً من التدقيق والمفاضلة، للوصول إلى برنامج يعبر عن قيمة المهرجان، ويحافظ على ثقة الجمهور وصناع السينما في اختياراته».

وتضم الدورة الـ47 من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، المقررة إقامتها خلال الفترة من 11 إلى 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026، نحو 145 فيلماً وعملاً سينمائياً من 64 دولة وجهة إنتاج، بينها 17 عرضاً عالمياً أول، و5 عروض دولية أولى، و87 عرضاً أول في العالم العربي. وتأتي هذه الاختيارات بعدما استقبل المهرجان 5600 طلب مشاركة، توزعت بين 2100 طلب للأفلام الطويلة و3500 طلب للأفلام القصيرة.

يمنح المهرجان جائزة فاتن حمامة للفنان المصري آسر ياسين (إدارة المهرجان)

وربط فهمي بين تطور برنامج المهرجان والحضور المستمر في المهرجانات الدولية، مثل «برلين» و«كان»، موضحاً أن هذه المشاركات تتيح له لقاء صناع الأفلام، والتعرف إلى مشروعاتهم، ومتابعة أعمالهم في مراحل مبكرة. وأضاف أن التواصل المباشر يساعد على بناء علاقات ممتدة، ويفتح المجال لمناقشة مشاركات محتملة، إلى جانب التعريف بأنشطة مهرجان القاهرة وما يتيحه للسينمائيين من فرص للقاء الجمهور.

وأشار إلى أن هذه اللقاءات تشمل أيضاً التواصل مع الاتحاد الدولي لجمعيات منتجي الأفلام، واستعراض ما قدمه المهرجان في دوراته السابقة، بما في ذلك المبادرات الموجهة إلى الطلاب. وأكد أن النقاش يمتد إلى دور المهرجان في نشر الثقافة السينمائية، وإتاحة المعرفة وفرص المشاهدة لفئات قد لا تتوافر لها إمكانات منتظمة لمتابعة الأفلام والفعاليات.

ووفقاً لفهمي، تسعى إدارة المهرجان باستمرار إلى تطوير أنشطة جديدة، لافتاً إلى أن تبادل الخبرات مع رؤساء المهرجانات الأخرى يساعد على مناقشة هذه الأفكار وتوسيع أثرها، ومشيراً إلى أن بعض المبادرات التي يقدمها المهرجان تثير اهتمام زملائه في الخارج.

وفيما يتعلق بترميم كلاسيكيات السينما المصرية، قال فهمي إن اختيار الأفلام يستند إلى قيمتها الفنية، وأهمية مخرجيها وكتّابها، ومكانتها في تاريخ السينما المصرية، موضحاً أن مشروع الترميم شمل هذا العام نحو 6 أفلام، من بينها «شفيقة القبطية»، و«المتمردون»، و«البوسطجي»، و«إحنا التلامذة».

وعن تمويل المهرجان، أقرّ فهمي بأن الظروف الاقتصادية والحروب في المنطقة تزيدان من صعوبة الحصول على الرعاية، لكنه أشار إلى استمرار التعاون مع عدد من الرعاة السابقين، بالتوازي مع التفاوض مع جهات أخرى.

وأكد استمرار مقاطعة الشركات التي تتعامل مع إسرائيل، موضحاً أن إدارة المهرجان تعتذر عن عدم قبول عروض الرعاية المقدمة من هذه الجهات، وتواصل التعاون مع شركات مصرية وطنية. وأشار إلى أن هذا الموقف يظل حاكماً لاختيارات الرعاية، رغم التحديات التي تواجه توفير التمويل، والحاجة المستمرة إلى دعم يضمن تقديم الفعاليات بالمستوى الذي تسعى إليه الإدارة.


رزان الصغير... من ذاكرة الأحساء إلى شاشات السينما العالمية

صورة للمخرجة رزان الصغير من كواليس العمل (الشرق الأوسط)
صورة للمخرجة رزان الصغير من كواليس العمل (الشرق الأوسط)
TT

رزان الصغير... من ذاكرة الأحساء إلى شاشات السينما العالمية

صورة للمخرجة رزان الصغير من كواليس العمل (الشرق الأوسط)
صورة للمخرجة رزان الصغير من كواليس العمل (الشرق الأوسط)

من حنان امرأة لم ترزق بالأطفال، لكنها منحت طفلةً شعورَ الأمومة والأمان، ولدت حكاية سينمائية شقت طريقها من الأحساء إلى مهرجان الجونة السينمائي في مصر. تلك الطفلة هي المخرجة السعودية رزان الصغير، التي استعادت علاقتها بعمّة والدتها الراحلة لتقدم فيلمها القصير «ولد الحجية»، محوّلة تجربة شخصية رافقتها لسنوات إلى حكاية إنسانية عن الطفولة والفراق والأشخاص الذين يتركون أثرهم في حياتنا.

لم تكن الصغير تبحث عن قصة تستعرض من خلالها المكان الذي نشأت فيه، بقدر ما أرادت استعادة شعور يصعب الإمساك به؛ ذلك المزيج من الحرية والحنان الذي عاشته في طفولتها. وتوضح المخرجة السعودية في حديثها لـ«الشرق الأوسط» أن فكرة الفيلم بدأت من تساؤلات رافقتها حول علاقتها بعمّة والدتها، وكيف استطاعت امرأة لم ترزق بالأطفال أن تمنحها إحساساً بالأمومة، وتوفر لها مساحة تشعر فيها بحرية مطلقة، دون أن تفقد في الوقت نفسه شعورها بالأمان.

الملصق الرسمي لفيلم «ولد الحجية» من إخراج رزان الصغير (إنستغرام)

ومن هذه العلاقة ولدت حكاية الطفل «حمد»، ذي السنوات السبع، الذي يقضي يومه الأخير في القرية برفقة عمّة والدته، قبل أن يغادر العالم الصغير الذي نشأ فيه وألفه. ولا يتوقف مشهد الوداع في الفيلم على لحظة مغادرة المكان، بل يمتد للتحولات النفسية العميقة التي يختبرها الإنسان حين يبتعد عمّن منحه الأمان في سنواته الأولى.

وتوضح الصغير أن اختيارها لهذا اليوم الأخير جاء بوصفه استعارة للفراق والتغيّر، سواء أكان الابتعاد عن شخص عزيز، أو مكان مألوف، أو مرحلة من الطفولة. وعلى الرغم من تصوير العمل في الأحساء، فإنها تعمّدت عدم تحديد موقع القرية جغرافياً داخل الحكاية، ليبقى المكان امتداداً لذاكرتها، وقابلاً لأن يجد فيه الآخرون شيئاً من ذكرياتهم.

صورة تشبه الذاكرة

لم تكتفِ المخرجة باستعادة طفولتها عبر النص، بل اختارت للصورة أيضاً ما يتناسب مع طبيعة الحكاية، مستخدمة خام الفيلم السينمائي بقياس 16 ملليمتراً، في قرار أضاف تحديات تقنية إلى عملية الإنتاج.

وتشير إلى أن التصوير بهذه التقنية، خلافاً للتصوير الرقمي، يتطلب تحميض الخام ومسحه ضوئياً قبل مشاهدة النتيجة، لكنها تمسكت باختيارها لما تحمله الصورة التناظرية من إحساس بالحنين والذاكرة، وهما العنصران اللذان يقوم عليهما الفيلم.

أما التحدي الآخر فكان العمل مع الطفل سعود الراشدي، الذي يؤدي شخصية «حمد»، إذ حرصت على ألا يشعر بأنه مطالب بتقديم أداء تمثيلي طوال الوقت. وتقول إن الفريق سعى إلى خلق بيئة طبيعية ومريحة، حتى أصبح الطفل صديقاً لجميع أفراد العمل، وانعكست تلك الألفة على عفويته أمام الكاميرا.

صورة تجمع طاقم عمل فيلم «ولد الحجية» (الشرق الأوسط)

ويشارك في بطولة الفيلم خيرية نظمي، إلى جانب إبراهيم الحساوي، وعلي الأحمد، وحسن العاشور، فيما تولّى إنتاجه بكر الدحيم، ضمن إنتاج سعودي هولندي مشترك، بدعم من مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي «إثراء» وصندوق البحر الأحمر.

من التجربة إلى صناعة الحكاية

لم تكن «ولد الحجية» المحطة الأولى في مسيرة الصغير، لكنها مثّلت تحولاً في علاقتها بصناعة الأفلام. ففي عام 2019، شاركت في برنامج تدريبي نظّمه «إثراء» بالتعاون مع معهد الفيلم البريطاني، وأنجزت خلاله فيلم «نَفَس»، الذي شكّل إحدى تجاربها الإخراجية المبكرة.

تستعيد المخرجة تلك التجربة بوصفها مرحلة لاكتشاف أدواتها الفنية، فبينما كان النص جاهزاً، ولم يستغرق التصوير سوى نحو أسبوع، انصبّ تركيزها على التعلم والتعامل مع الممثلين وفريق العمل.

أما مشروع «ولد الحجية» فكان مشروعاً أكثر خصوصية إذ تولت كتابته بنفسها، واستغرقت رحلته من تطوير السيناريو إلى التصوير قرابة عامين، تزامناً مع دراستها للماجستير. وبعد انتهاء دراستها، تفرغت للتحضيرات، من اختيار الممثلين ومواقع التصوير إلى متابعة التفاصيل الفنية للعمل.

تقول إن فيلم «نَفَس» أتاح لها اكتشاف نفسها كمخرجة، بينما منحها «ولد الحجية» فرصة خوض تجربة متكاملة، من الكتابة حتى مراحل ما بعد الإنتاج، فضلاً عن مساحة أوسع لتقديم رؤيتها الخاصة.

وتكشف تجربتها عن دور برامج التدريب والدعم السينمائي السعودية في مرافقة صناع الأفلام خلال مراحل تطورهم، من التجارب التعليمية الأولى إلى إنجاز مشاريع مستقلة قادرة على الوصول إلى المهرجانات.

حكاية محلية بمشاعر عالمية

بين فرنسا وبريطانيا وهولندا، تنقلت الصغير لاكتساب المعرفة السينمائية، فدرست في مدرسة «لا فيميس» الفرنسية بدعم من المجلس السعودي للأفلام آنذاك، وفي بريطانيا بدعم من «إثراء»، قبل أن تكمل الماجستير في الدراسات السينمائية بجامعة أمستردام عبر برنامج الابتعاث الثقافي.

غير أن هذا التنوع في المدارس والخبرات لم يدفعها بعيداً عن الحكايات المحلية، بل عزّز قناعتها بأن خصوصية المكان ليست عائقاً أمام وصول الفيلم إلى جمهور عالمي.