هكذا يستغل أوربان «كوفيد ـ 19» لإحكام قبضته على المجر

الزعيم اليميني المتشدد الذي أخفقت جهود أوروبا الهادئة في احتواء طموحه

هكذا يستغل أوربان «كوفيد ـ 19» لإحكام قبضته على المجر
TT

هكذا يستغل أوربان «كوفيد ـ 19» لإحكام قبضته على المجر

هكذا يستغل أوربان «كوفيد ـ 19» لإحكام قبضته على المجر

قبل خمس سنوات، في إحدى القمم الأوروبية في مدينة ريغا عاصمة لاتفيا، وقف جان كلود يونكر، رئيس المفوضية الأوروبية - حينذاك - منتظراً وصول القادة الأوروبيين لأخذ الصورة التذكارية معهم. وعندما اقترب رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، التفت يونكر إلى شماله متحدثاً لمن بجانبه قائلاً «ها قد وصل الديكتاتور». ابتسم هو ومن سمعه، وما كانت إلا لحظات حتى وصل أوربان مادّا يده ليونكر... فبادله الأخير المصافحة ضاحكاً مكرّراً «أهلا بالديكتاتور». ولم يبد أوربان منزعجاً من هذا الترحيب. وفي الواقع يُقال إنه لا يمانع أن يحمل هذا اللقب. ومع أن الوصف ألصق به في حينه عن طريق المزاح، إلا أنه اليوم يعود ليوصف بأنه «ديكتاتور» عن جدارة بعدما مرّر قانون طوارئ في البرلمان نهاية الشهر الماضي، يسمح له بالحكم منفرداً عبر إصدار مراسيم من دون الاضطرار إلى العودة إلى البرلمان، ولأجل غير مسمى. الحجة، كانت بالطبع مواجهة وباء «كوفيد - 19» (كورونا)، إلا أنه واقعياً أعطى نفسه صلاحيات غير محدودة لأجل غير مسمى. هذا أشعل غضباً كبيراً في أوروبا، رغم أن دولها منشغلة كل واحدة بنفسها بسبب الوباء الذي وصف بأنه أكبر تحد يواجه القارة منذ الحرب العالمية الثانية.
لم تشغل أزمة القارة الأوروبية منذ زمن، كما يشغلها الآن «كوفيد - 19» (كورونا).
عندما وصل هذا الوباء إلى أوروبا، تقوقعت كل دولة على نفسها محاولة أن تجد سبيلاً للسيطرة على التمدد المخيف لفيروسه المتنقل بين القارات.
وفي حين اتخذت كل دولة أوروبية تدابير خاصة لتسريع إصدار قرارات تمكنها من سرعة السيطرة على انتشار الوباء، مثل قوانين مؤقتة تعطي السلطات المركزية قوة أكبر وصلاحيات أوسع، بدت المجر وكأنها تقوم بالمثل. إذ قدم رئيس حكومتها فيكتور أوربان قانون الطوارئ الجديد أمام البرلمان الذي يسيطر عليه حزب القومي اليميني المتشدد «فيديز»، يسمح له بالحكم منفرداً من خلال إصدار مراسيم من دون الاضطرار إلى العودة للبرلمان، ولأجل غير مسمى. وأكثر من هذا، فإن القانون يجرّم كل مَن ينشر «معلومات خاطئة عن الفيروس تعرقل رد الحكومة»، ويعاقب بالسجن لخمس سنوات.
كثيرون اعتبروا أن هذا البند موجه للإعلام تحديداً، مع أنه لم يتبقّ في المجر الكثير من الإعلام المستقل. فمعظم وسائل الإعلام المجرية هي إما تابعة للحكومة أو مملوكة لأشخاص من دائرة أوربان. وعليه، لم تعُد هناك إلا بضع صحف صغيرة تُوصف بأنها مستقلة.
تعليقاً على القانون الجديد، قال الصحافي زولتان باتكا، الذي يكتب في صحيفة «نبسزافا» اليومية الصغيرة المعارضة، بحسب ما نقلت عنه قناة «دويتشه فيله» الألمانية - «هذا القانون يثير الكثير من الشك لأننا لا نعرف كيفية اتخاذ القرارات». وأضاف باتكا، أن القانون يشير إلى عقوبات لمن «ينشر معلومات حتى لو كانت صحيحة، لكن بطريقة ملتوية، يمكن أن تؤثر على حملة الحكومة، وهذا يعني أنه يمكننا أن نتعرض للسجن. ولكن مَن يحدد المقصود بـ(طريقة ملتوية)...؟».
- الاستفادة من حجم الغالبية
وعلى الرغم من إصرار المعارضة على إدخال بند يحدد المهلة الزمنية لهذا القانون، فقد رفض أوربان، ونجح بتمرير القانون بسبب سيطرته على ثلثي مقاعد النواب. ثم إنه رغم اعتراف النقاد والمعارضين بالظروف الاستثنائية التي توجب تمرير قوانين طوارئ، فإن مخاوفهم من الامتناع عن تحديد مهلة زمنية لإنهاء الطوارئ يعني أن الحكومة قد تبقي على هذا القانون حتى تاريخ الانتخابات المقبلة المقررة عام 2022 بحجة مكافحة الوباء، الذي يعتقد بأنه لن يكون تحت السيطرة الفعلية إلا بعد الموافقة على اللقاح، وهو أمر قد يستغرق سنة إضافية.
وحتى بعد إعلان المعارضة استعدادها لدعم القانون في حال جرى إدخال بند يحدد مهلة زمنية لرفعه، رفض الحزب اليميني الحاكم بزعامة أوربان رفض، وفق النائبة المعارضة أنياس فاداي. بل استخدم حزب أوربان رفض المعارضة التصويت على قانون الطوارئ في البرلمان ليتهمها بأنها «ضد الحرب على الفيروس». ووفق النائبة فاداي «بالطبع نحن ندعم الوضع الطارئ، ونوافق الحكومة على أن هناك حالة طارئة تستوجب فعل كل شيء لمواجهتها، وما كان طلبنا الوحيد إلا إدخال بند يحدد مهلة زمنية لقانون الطوارئ».
- انتقادات أوروبية بالجملة
المعارضة المجرية لم تكن وحدها الجهة التي أقلقها قانون الطوارئ هذا، بل سارعت الدول الأوروبية لانتقاد هذه الخطوة كذلك. وأصدرت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، بياناً في اليوم التالي للتصويت، دعت فيه إلى أن تكون كل الإجراءات الطارئة التي تتخذها الدول الأوروبية «محددة بما هو ضروري ومتناسب» ولا تدوم لأجل غير محدد، من دون أن تذكر المجر بشكل محدد.
وجاء في بيان فون دير لاين – وهي طبيبة – قولها «من المهم جداً ألا تكون الإجراءات الطارئة على حساب المبادئ الأساسية المحددة في معاهداتنا». وأعلنت المفوضية أنها ستراقب الإجراءات الطارئة التي تبنتها دول الاتحاد، كي تتأكد من أن القيم والمبادئ الأساسية ما زالت محفوظة.
وفي اليوم التالي، صدر بيان آخر عن كل من فرنسا، وألمانيا، وبلجيكا، والدنمارك، واليونان، وجمهورية آيرلندا، وإيطاليا، ولاتفيا، ولوكسمبورغ، وهولندا، والبرتغال، وإسبانيا، والسويد. وعبّر هذا البيان عن دعمه إعلان المفوضية مراقبة الإجراءات الطارئة في دول الاتحاد، وانتقد الخطوات المجرية من دون تسمية الدولة بالاسم. ومما جاء «في هذه الظروف غير المسبوقة، يحق للدول الأعضاء أن تتبنى إجراءات طارئة بهدف حماية موطنيها، ولكننا مع ذلك قلقون للغاية من خطر خرق القوانين والديمقراطية والحريات الأساسية عبر تبني بعض الإجراءات الطارئة». وأضاف، أن الإجراءات الطارئة «يجب آن تكون محددة بما هو ضروري ومتناسبة ومؤقتة، وتخضع للتدقيق المستمر وتحترم القوانين والواجبات الدولية من دون أن تحد من حرية التعبير والإعلام».
وذهب وزير خارجية لوكسمبورغ جان أسيلبورن أبعد من ذلك، عندما قال بأن على الاتحاد الأوروبي أن «يعاقب» المجر، وأنه «ليس علينا القبول بأن تكون هناك حكومة يرأسها ديكتاتور داخل الاتحاد الأوروبي». ونقلت عنه صحيفة «دي فيلت» الألمانية قوله، إنه «يجب عزل المجر سياسياً من دون إضاعة الكثير من الوقت»، مضيفاً «أكثر من ذلك، فإن حكومة ما عادت تخضع للتدقيق من قبل البرلمان لا يجوز احتفاظها بصوت في مجالس الوزراء الأوروبية التي تتخذ قرارات تتعلق بالأوروبيين».
- الكتلة الحامية حتى الآن
لكن حزب أوربان ينتمي إلى كتلة الشعب في البرلمان الأوروبي، وهي الكتلة نفسها التي تضم حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي الذي تنتمي إليه المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل وباقي الأحزاب اليمينية المعتدلة الأوروبية. وعلى الرغم من الكثير من النقاشات التي دارت في الماضي داخل الكتلة الكبيرة داعية لطرد حزب أوربان على اعتبار أنه ينتمي إلى تيار أحزاب اليميني المتطرف، فهو ما زال حتى الآن ينتمي إلى كتلة الشعب الأوروبية، مع أن الكتلة بالفعل علقت مشاركة الحزب خلال مارس (آذار) من العام الماضي؛ ما يعني أنه لم يعد يسمح له بالتصويت مع أحزاب الكتلة منذ ذلك الحين.
كان سبب الخلاف في ذلك الوقت تراكمياً يتعلق بخلافات حول السياسات الأوروبية للجوء. وكانت «القشة التي قصمت ظهر البعير» صورة دعائية مُعادية للمهاجرين نشرها الحزب وعليها صورة للملياردير اليهودي المجري (الأصل) جورج سوروس، ورئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر. وللعلم، دائماً ما يهاجم حزب أوربان سوروس لمساعداته السخية للاجئين، علماً بأنه من اليهود الناجين من المحرقة النازية في المجر. وخلال العام الماضي، تسببت قوانين جديدة تحد من حرية التعبير أدخلها أوربان، بدفع سوروس إلى نقل جامعته «الجامعة الأوروبية الوسطى» من العاصمة المجرية بودابست إلى العاصمة النمساوية فيينا بعدما بات مناخ العمل في المجر صعباً للغاية.
كذلك، بعد إعلان أوربان حالة الطوارئ، كتب 13 حزباً من أصل 47 ينتمون إلى كتلة الشعب الأوروبية، رسالة إلى رئيسها دونالد توسك يطلبون فيها طرد حزب «فيديز» من الكتلة، وعدم الاكتفاء فقط بتعليق عضويته.
... وموقف أميركي أيضاً
ولم تقتصر المواقف السلبية على أوروبا، بل جاءت كذلك انتقادات من الولايات المتحدة كانت أكثر وضوحاً. إذ قال إليوت إنغل، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس الأميركي، إن أوربان «ينتزع السلطة بشكل صارخ في ظل أسوأ أزمة صحية عالمية في التاريخ الحديث». وأضاف إنغل، أن قانون الطوارئ «يهمّش البرلمان، ويسمح لرئيس الحكومة أوربان بأن يحكم بالمراسيم كالديكتاتورين. هذا ازدراء بالديمقراطية في أي مكان، وهو أمر شنيع، وخاصة إذا كان في دولة عضو في حلف شمال الأطلسي (ناتو) والاتحاد الأوروبي».
أيضاً، أثار القانون قلقاً شديداً في مجال حرية الإعلام؛ إذ دفع بالمجموعة التنفيذية لتحالف حرية الإعلام، التي تضم ألمانيا، وكندا، ولاتفيا، وهولندا، وبريطانيا، والولايات المتحدة، إلى إصدار بيان منفصل من دون تسمية المجر. وعبّرت المجموعة عن قلقها «من جهود بعض الدول في الأزمة لفرض قيود تحد من حرية واستقلال الإعلام... هكذا أعمال تمنع المجتمعات من الحصول على معلومات مهمة فيما يتعلق بانتشار الوباء ويقلل من الثقة بالحكومات المسؤولة».
غير أنه رغم كل الجو العام، رد أوربان على كل الاتهامات بنفيها. وقال المتحدث باسمه زولتان كوفاكس، إن قانون الطوارئ «يتماشى مع المعاهدات الدولية والدستور المجري، وهدفه فقط مواجهة فيروس كورونا». وبرر كذلك وزير الدولة في حكومته سابا دوموتر الامتناع عن تحديد فترة زمنية لقانون الطوارئ بالقول، إن «لا أحد من الاختصاصيين والأطباء يمكنه القول إلى كم شهر علينا أن نستمر بالكفاح» ضد الوباء.
- التسلط المتزايد صار عادة
الواقع أنه منذ تسلّم أوربان رئاسة حكومة المجر عام 2010 وهو يدخل تعديلات تعزّز صلاحيات رئيس الحكومة. وخلال السنوات الماضية، قلص من صلاحيات المحكمة الدستورية، بل، لقد أصدر تعيينات لقضاة فيها يعتبرون مؤيدين له؛ ما يمنع حتى هذه السلطة الوحيدة القادرة على نزع قانون الطوارئ، عاجزة من مواجهته. كذلك لا يتوقع من البرلمان الذي يحكم السيطرة أوربان وحزبه قبضتهما عليه، أن يكون قادراً على نزع قانون الطوارئ. ما يعني بأن القرار برفعه عائد بشكل أساسي لأوربان نفسه.
في أي حال، تتردد أوروبا بمواجهة أوربان منذ سنوات. ولم يكن تعليق عضوية حزبه من كتل الشعب الأوروبية إلا خطوة أخرى ناقصة، تتأنى أوروبا في اتخاذها قبل الدخول في مواجهة مفتوحة مع الرجل الذي يحكم المجر منذ عقد من الزمن، ويدفع بالبلاد منذ الحين نحو سلطة مركزة أكثر فأكثر بيد رجل واحد.
من جهته، أوربان يسمي مقاربته مع الاتحاد الأوروبي بـ«رقصة الطاووس»، وهي المقاربة التي يعتمدها عبر تقديم تنازلات صغيرة كافية لإخراجه من مأزق كبير بينما يستمر بالعمل على إحداث التغييرات الكبيرة التي يسعى إليها لتحويل المجر إلى دولة أقل ديمقراطية، كما يراها كثيرون اليوم. وحقاً، اعتمد هذه المقاربة في معظم القوانين التي أثارت جدلاً داخل الاتحاد الأوروبي، وتسببت له بمشاكل معه.
ولعل مقاربته للجدل الذي أحاط إقالته لما يزيد على الـ400 قاض عام 2018 عبر تخفيض سن التقاعد من 70 إلى 62 سنة هي المثال الأفضل لشرح أسلوبه في التعاطي مع الاتحاد الأوروبي. فعندما خفّض سن تقاعد القضاة وعلت صرخة المعارضة، التي اتهمته بمحاولة تشديد قبضته على السلك القضائي من خلال إقالة هؤلاء القضاة لاستبدالهم بآخرين هو يختارهم. ومن ثم دخل في صراع قانوني طويل مع الاتحاد الأوروبي، في نهايته كان معظم القضاة قد اضطروا إلى قبول العرض الذي قدمته له الحكومة وقرّروا الاستقالة باكراً.
- ثمن التراخي الأوروبي
لذا؛ يوجه البعض اللوم للاتحاد الأوروبي بالتراخي مع أوربان، والسماح له منذ سنوات بتشديد قبضته على الحكم. وهذا، مع أن الرجل غالباً ما ينتقد الاتحاد الأوروبي، ويرفض حتى قرارات لا تتماشى مع أجندته الشعبوية، ولا سيما، تلك المتعلقة بـ«الكوتا» التي فرضها على دول الاتحاد لتوزيع اللاجئين. وراهناً، يروج الإعلام اليميني التابع لأوربان منذ بداية انتشار الوباء لقصص عن مدى «نجاعة» تعاطي الصين وروسيا مع الأزمة مقابل الفوضى التي تلف دول أوروبا الغربية في التعاطي مع الأزمة نفسها.
كل هذا رغم تلقي المجر مساعدات مالية كبيرة من الاتحاد الأوروبي بلغت 6 مليارات يورو في عام 2018، أي ما يعادل 5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل مساهمة المجر بمليار يورو فقط لصندوق الاتحاد الأوروبي. أضف إلى ذلك، أن الكثير من المشاريع الممولة من الاتحاد الأوروبي، يستفيد منها أقرباء ومقرّبون من أوربان الذين يكافئهم بمنحهم معظم العقود التي تقدمها الدولة.
ويجمع عدد من السياسيين اليوم، من بينهم النائبة السابقة لرئيس المفوضية الأوروبية فيفيان ريدينغ، وهي من لوكسمبورغ، على أن الحل الوحيد المتبقي أمام أوروبا لمواجهة أوربان هو بقطع التمويل عنه، بعد طرد حزبه من كتلة الشعب الأوروبية.
وذكرت ريدينغ في حديث لموقع «بلومبيرغ» بأن الوقت قد لا يكون ملائماً الآن للاتحاد الأوروبي المثقل بأزمة الوباء، بأن يفتح باب أزمات جديداً، لكن على المدى الأبعد تقول فإن «إساءة استخدام حكم القانون يمكنه أن يسمم الاتحاد من الداخل»، وعلى أوروبا أن تواجه أوربان.
- المجر... لمحة تاريخية جغرافية
> المجر دولة من دول أوروبا الوسطى، و«حلف وارسو» سابقاً إبان حقبة الحرب الباردة. وهي بحدودها الحالية دولة لا تطل على البحر تبلغ مساحتها أكثر بقليل من 93 ألف كلم مربع، معظمها في سهل المجر الخصب، أما أهم أجسامها المائية فنهر الدانوب وبحيرة بالاتون.
يبلغ عدد سكان المجر نحو عشرة ملايين نسمة، غالبيتهم من المسيحيين الكاثوليك، ولغتها الرسمية اللغة المجرية كبرى مجموعة اللغات الفينو - أوغرية الأورالية التي تضم أيضاً الفنلندية، والإستونية، والكاريلية. وتحدها من الشمال سلوفاكيا، ومن الشمال الشرقي أوكرانيا، ومن الشرق والجنوب الشرقي رومانيا، ومن الجنوب صربيا، ومن الجنوب الغربي كرواتيا وسلوفينيا، ومن الغرب النمسا.
عاصمة البلاد وكبرى مدنها مدينة بودابست، التي هي أصلاً عبارة عن مدينتين بست وبودا اللتين يفصلهما الواحدة عن الأخرى نهر الدانوب. أما أبرز المدن الأخرى فهي ديبريسن وسيغيد وميشكولتس وبيش وديور وبيكشوبو.
عبر التاريخ تعاقبت على سكن أرض المجر الحالية شعوب عديدة، بينها الكلت، والرومان، والقبائل الجرمانية، والهون، والسلاف، والآفار. أما بدايات الكيان السياسي المجري فتعود إلى أواخر القرن الميلادي التاسع بفضل الأمير آرباد. وعام 1000م دخلت المسيحية مملكة المجر مع تولي الملك إسطفان الأول أحد أحفاد آرباد العرش.
خلال الفترة بين القرنين الثاني عشر والخامس عشر صارت المجر قوة إقليمية مرموقة. إلا أن هزيمتها في معركة موهاتش عام 1526 أمام العثمانيين بقيادة السلطان سليمان القانوني مكّن العثمانيين من احتلال إجزاء من أراضيها. وبعدها رضخت لحكم سلالة الهابسبورغ في مطلع القرن الثامن، ثم صارت جزءاً من الإمبراطورية النمساوية – المجرية، وذلك حتى نهاية الحرب العالمية الأولى. وعبر معاهدة التريانون رسمت حدود المجر الحالية بخسارة 71 في المائة من أراضيها وأكثر من 58 في المائة من سكانها.
في الحرب العالمية الثانية كانت المجر ضمن قوى «المحور»، وبالتالي، مُنيت بخسائر فادحة، وانتهت في الفلك السوفياتي، جزءاً من أوروبا الشرقية الشيوعية، حتى سقوطها وانفراط «حلف وارسو» عام 1989. وهي منذ 2004 عضو في الاتحاد الأوروبي و«ناتو».


مقالات ذات صلة

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)
أوروبا سجّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة كورونا في أوروبا إذ حصد «كوفيد - 19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

أكثر من 14 مليار دولار تكلفة الاحتيال المتعلق بـ«كوفيد - 19» في بريطانيا

بلغت تكلفة الاحتيال المتعلق ببرامج الدعم الحكومي خلال جائحة كوفيد - 19 في بريطانيا 10.9 مليار جنيه إسترليني (14.42 مليار دولار).

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق امرأة ترتدي الكمامة خلال فترة انتشار الجائحة في كندا (رويترز)

كيف أثّر وباء «كوفيد» على مرحلة البلوغ لدى الفتيات؟

تسبب الإغلاق الذي فُرض بعد انتشار جائحة «كوفيد - 19» في توقف شبه تام للحياة، وشهد مئات الملايين من الأشخاص تغيُّرات جذرية في أنماط حياتهم.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

أصداء آسيوية متفاوتة لعملية فنزويلا الأميركية

صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

أصداء آسيوية متفاوتة لعملية فنزويلا الأميركية

صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)

تعد العملية الدراماتيكية التي نفّذتها الولايات المتحدة لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وزوجته سيليا فلوريس، وإزاحتهما من السلطة على يد قوات عسكرية أميركية خاصة، واحدة من أهم الأحداث الجيوسياسية في حقبة ما بعد «الحرب الباردة». ومع أن «مسرح» العملية كان في أميركا اللاتينية، فإن تداعياتها تمتد إلى ما هو أبعد من المنطقة. أيضاً يشير الواقع إلى أن الهدف من العملية لم يكن مجرد إسقاط نظام مادورو، بل أيضاً العرض المتعمد للقوة الأميركية، من أجل تعطيل الشبكات الاستراتيجية لأبرز منافسي واشنطن على الساحة العالمية.

يرى مراقبون استراتيجيون أن الولايات المتحدة، عبر عملية اختطاف نيكولاس مادورو واعتقاله، لم تكتفِ بتحييد نظام معادٍ، بل أظهرت كذلك قدرتها على اختراق قيادة حاكمة، وإسقاطها من السلطة، داخل دولة لطالما حظيت بحماية دبلوماسية واقتصادية وعسكرية من منافسي واشنطن الكبار. وبذا، لم تتحدَّ واشنطن حكومة مادورو فحسب، بل تحدّت أيضاً الفرضيات التي يقوم عليها التخطيط الاستراتيجي الصيني والروسي والكوري الشمالي.

في هذا السياق، يعرب المحلل الجيوسياسي الهندي مانيش تشيبر عن اعتقاده بأن العملية الأميركية «ما كانت تهدف إلى تغيير النظام في كاراكاس، بقدر ما كانت تهدف إلى إعادة تأكيد الهيمنة الأميركية... وعموماً سعت العملية إلى تعطيل قدرة الدول المنافسة على بسط نفوذها وتعزيز التسلسل الهرمي في النظام الدولي. وجاءت الرسالة واضحة لا لبس فيها: التحالف مع خصوم الولايات المتحدة لا يضمن الحماية». ويضيف تشيبر: «من وجهة نظر واشنطن، مثّلت فنزويلا نقطة ضغط مثالية؛ إذ كانت متجذّرة بعمق في البنية الاستراتيجية لكل من الصين وروسيا، وتعتمد بشدة على دعمهما الاقتصادي والعسكري، ناهيك من أنها تقع جغرافياً في منطقة تُعتبر تاريخياً حيوية للأمن الوطني الأميركي. وبالتالي، فالضربة في فنزويلا مكّنت واشنطن في آن معاً من تعطيل شبكات منافسة متعددة». وحقاً، كان كل من الصين وروسيا قد استثمرتا بكثافة في فنزويلا ضمن مساعيهما لتحدي النفوذ الأميركي في ما تعتبره واشنطن منذ فترة طويلة «فناءها الخلفي» الاستراتيجي.

انتكاسة استراتيجية لبكين

بالنسبة للصين، يأتي إسقاط مادورو بمثابة ضربة قاسية. إذ إن فنزويلا لم تكُن مجرد شريك آخر في جهود بكين المتنامية للانخراط داخل دول «الجنوب»، بل كانت محوراً استراتيجياً لها في أميركا اللاتينية، واختباراً حاسماً لقدرتها على حماية مصالحها وتحدّي هيمنة واشنطن خارج شرق آسيا.

وحقاً، طيلة عقدين، رسّخت بكين مكانتها كشريك لا غنى عنه لفنزويلا - بلداً وسلطةً - بفضل القروض المدعومة بالنفط، والتعاون في مجال الطاقة، وتمويل البنية التحتية، والدعم الدبلوماسي. وكثيراً ما وصف المحلّلون الصينيون هذه الشراكة بأنها تقوم على «المنفعة المتبادلة»، إذ تلقت كاراكاس دعماً مالياً ودعماً سياسياً. وفي المقابل، أمّنت بكين إمدادات الطاقة ونفوذاً إقليمياً.

أيضاً، برزت الصين كأكبر مستورد للنفط الخام الفنزويلي، وتكشف الأرقام أنها استوردت ما يقارب 400 ألف برميل يومياً عام 2025، أي أكثر من نصف إجمالي صادرات فنزويلا. وكانت هذه التدفّقات النفطية «شريان حياة» لحكومة مادورو، إذ حافظت على إيرادات الدولة تحت وطأة عقوبات وانهيار اقتصادي واضطرابات داخلية مستمرة.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن فنزويلا تهدّدت بأزمات مالية هائلة. ومنذ مطلع العقد الأول من الألفية الثانية، قدّمت لها بكين قروضاً تجاوزت قيمتها 100 مليار دولار، أي ما يقارب 39 في المائة من إجمالي القروض الصينية المقدمة لمجمل دول أميركا اللاتينية. ومع أنها سددت جزءاً من هذه الديون، لا تزال فنزويلا مدينة للصين بما يُقدّر بما بين 10 و12 مليار دولار، معظمها مُرتبط بترتيبات تتعلق بالسلع الأساسية. وبجانب النفط، استثمرت الشركات الصينية بكثافة في التعدين، (بالذات) الذهب والاتصالات والبنية التحتية.

نقاط الضعف الصينية

بالتوازي، وبينما ركّزت التحركات الأميركية الأخيرة في فنزويلا علناً على النفط والنفوذ السياسي، يرى محللون أن «تقييد» المصالح الصينية شكّل هدفاً رئيسياً. إذ لطالما كانت الصين مشترياً أساسياً للنفط الخام الفنزويلي، واستثمرت بكثافة عبر صفقات «قروض مقابل النفط»، التي ربطت التمويل بضمانات إمدادات النفط. ويُبرز تعطيل هذا الترتيب هشاشة أصول الطاقة الصينية في الخارج، ولا سيما المناطق الهشّة سياسياً، وتلك التي تقع خارج نطاق سيطرتها العسكرية. وربما يدفع هذا الانكشاف بكين إلى إعادة تقييم استثماراتها في أميركا اللاتينية وأفريقيا وآسيا الوسطى.

الواقع أن فنزويلا تمثّل معضلة في الاستراتيجية الصينية تجاه الموارد الخارجية. فغالباً ما يؤدي تأمين أصول الطاقة والمعادن البعيدة من دون التزامات أمنية مقابلة إلى انكشافها، بدلاً من تعزيز قدرتها على الصمود. وقد تتحوّل الأصول التي كانت تُعدّ في السابق حواجز استراتيجية إلى أعباء في المناطق المتنازع عليها، خاصةً في ظل اشتداد المنافسة الجيوسياسية وقدرة الخصوم على إعادة رسم النتائج بالقوة أو الدبلوماسية.

الثروات الأرضية النادرة

وهنا يتناقض ضعف الصين بشكل حادّ مع موقعها في مجال الثروات الأرضية النادرة والمعادن الحيوية. ولقد وصف مسؤولون ومحللون أميركيون المتطلبات الصينية المتعلقة بتراخيص التصدير التي أقرّت أواخر عام 2025 بأنها محاولات «لاستغلال» قدرتها التصنيعية شبه المهيمنة، خاصة في مجال المعادن النادرة المتوسطة والثقيلة التي تتسم بأهمية بالغة لأنظمة الدفاع والإلكترونيات المتقدمة والمركبات الكهربائية وتقنيات الطاقة المتجددة. وجاءت هذه الإجراءات عقب فرض واشنطن قيوداً على أشباه الموصلات وغيرها من التقنيات ذات الاستخدام المزدوج للشركات الصينية. ومع أن بكين حافظت لاحقاً على الصادرات بموجب ترتيبات محدودة ومؤقتة، عزّزت هذه العملية المخاوف من جاهزيتها لتحويل هيمنتها التصنيعية إلى نفوذ جيوسياسي.

في هذا الإطار، يرى المحلل الهندي راجا موهان أن الضغط الأميركي على فنزويلا «قد يُستخدم كورقة ضغط مضادة غير مباشرة في مواجهة السيطرة الصينية على المعادن النادرة وغيرها من المواد الاستراتيجية». وعبر تهديد مصدر طاقة رئيس واحتياطيات معدنية محتملة، «تضغط واشنطن على بكين في مجالات استراتيجية متعدّدة»... وبالتالي، يمكن اعتبار تشديد بكين اللاحق على «ضوابط» تصدير المعادن النادرة خطوة دفاعية أو انتقامية في خضم صراع جيوسياسي متصاعد، لا مجرّد إجراء اقتصادي معزول.

من جهة ثانية، لا تقتصر الأهمية الاستراتيجية لفنزويلا على النفط وحده، إذ تختزن أرضها أيضاً احتياطيات غير مستغلة من المعادن النادرة البالغة الأهمية للتخطيط الصناعي والتكنولوجي والدفاعي الطويل الأجل. وفي هذا الإطار، رأى المحلل الهندي سوشانت سارين أن قضية المعادن النادرة «تُسلط الضوء على حدود جهود الإكراه الاقتصادي من دون وجود نفوذ أمني مُكمّل. فالهيمنة على سلاسل التوريد قد تُوفر قوة تفاوضية قصيرة الأجل، لكنها لا تستطيع منع الخصوم من إعادة تشكيل المشهد الاستراتيجي بالوسائل السياسية أو العسكرية». وهكذا، تحمل فنزويلا درساً مهماً لبكين: فالسيطرة على نقاط الاختناق في عمليات المعالجة لا تعني بالضرورة السيطرة على نتائجها داخل المساحات الجيوسياسية، التي تحركها الأزمات.

انكشاف فجوة الصدقية

وللعلم، في أعقاب العملية مباشرة، أصدرت بكين إدانة دبلوماسية شديدة اللهجة، متهمة واشنطن بانتهاك القانون الدولي وتهديد الاستقرار الإقليمي. واستنكر المسؤولون الصينيون ما وصفوه بـ«السلوك الساعي لفرض الهيمنة»، وحذّروا من الإجراءات أحادية الجانب. لكن، بخلاف الخطابات والتصريحات، لم تُقدّم القيادة الصينية أي ردّ ملموس. إذ لم تكن هناك أي إشارة عسكرية، ولا أي نشر وقائي، ولا أي إجراء مضاد لحماية مصالحها أو أفرادها على الأرض. وأكثر من هذا، تشير تقارير إلى أن الاستخبارات الصينية بوغتت بالعملية الأميركية، في حين أثبتت أنظمة الدفاع الجوي الصينية في فنزويلا انعدام فاعليتها خلال العملية.

بخلاف التداعيات الدبلوماسية المباشرة، قد تجبر الأزمة الفنزويلية بكين على مواجهة تناقضات هيكلية أعمق في استراتيجيتها العالمية؛ فقد بنت الصين نفوذها الخارجي أصلاً على المهارة الاقتصادية للدولة كالقروض، والبنية التحتية، وشراكات الطاقة، والإحجام عن فرض شروط سياسية. لكن أزمة فنزويلا الأخيرة كشفت أن العمق الاقتصادي لا يُترجم تلقائياً إلى قدرة على الصمود في وجه الأزمات. وهنا يحلّل راجا موهان المسألة على النحو الآتي: «تكشف هذه الحادثة عن فجوة في مصداقية الاستراتيجية الصينية العالمية. إذ بمقدور بكين تقديم الاستثمار والتجارة والدعم السياسي، لكنها عاجزة حتى الآن عن تقديم ضمانات أمنية قاطعة بمواجهة قوة أحادية حاسمة».

ويتابع المحلل الهندي: «بما يخص حكومات أميركا اللاتينية، تثير التداعيات القلق، فالتقارب مع الصين يُحقق فوائد اقتصادية، لكنه لا يُترجم بالضرورة إلى حماية عند مواجهة ضغوط واشنطن. بل قد يتبع ذلك إعادة تقييم هادئة للتوجّه نحو واشنطن للحصول على ضمانات أمنية... ما يُبطئ وتيرة التوسع الصيني إقليمياً».

أما المحلل الاستراتيجي الهندي أماليندو ميسرا، فيوضح: «إن أمام صانعي السياسة الصينيين الآن مراجعة صعبة. فحماية الاستثمارات الخارجية بالوسائل العسكرية تتطلب تمركزاً متقدماً، واختراقاً استخباراتياً، وتأهباً للتصعيد... وهذه خطوات تتناقض في مجملها مع تركيز بكين المُستمر على تجنّب التدخل. ومع ذلك، فإن استمرار ضبط النفس يُهدد بمزيد من تآكل المصداقية بين الدول الشريكة».

هذه الفجوة في الصدقية لا تنطبق على فنزويلا وحدها، بل يتردد صداها في جميع أنحاء منطقة «مبادرة الحزام والطريق» الصينية الأوسع، حيث يجري عدد من الدول المستفيدة من «المبادرة» تقييماً هادئاً لمدى ضمان الشراكات الاقتصادية مع الصين، أي حماية أمنية فعّالة خلال فترات الأزمات الحادة. وعليه، فمثال انعدام الحماية الصينية في فنزويلا قد يؤثر على المفاوضات المستقبلية، وتقييمات المخاطر، والتوقعات السياسية في مناطق بعيدة عن أميركا اللاتينية.

هل تُشكّل فنزويلا نموذجاً لتايوان؟

على صعيد آخر، بين القراءات الأكثر جدية لعواقب العملية الأميركية القراءة الخاصة بمصير تايوان. فهل تعتبر بكين العملية نموذجاً لمعاملة تايوان؟

ظاهرياً، استغلّ المسؤولون الصينيون العملية للتشكيك في صدقية الولايات المتحدة حيال الالتزام بمبادئ السيادة والقانون الدولي. لكن ثمة محللين عقدوا مقارنات مباشرة بين فنزويلا وتايوان. وكمثال، وصف ستيف تسانغ، مدير معهد الدراسات الصينية في مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية (سواس) بجامعة لندن، هذا بأنه «فخّ نفاق» يسمح لبكين بالزعم أن المعايير الدولية تُطبّق بشكل انتقائي، وبالتالي فهي قابلة للتفاوض.

وفي المقابل، يرفض آخرون فكرة أن فنزويلا تُقدّم نموذجاً تكتيكياً لتايوان. ووفق واي كيه سينها، السفير الهندي السابق لدى فنزويلا: «ثمة فوارق واضحة... فنزويلا تفتقر إلى حلفاء موثوقين مستعدين للقتال، ولم تكن لديها ضمانات أمنية مُلزمة، كما كانت قدراتها الردعية ضئيلة. أما تايوان فتشكل النقيض تماماً، إذ تتميّز بدعم أميركي عميق، وتكامل عسكري كثيف، ومخاطر تصعيد عالية للغاية، الأمر الذي تدركه بكين بوضوح».

ولكن رغم استبعاد أن تُشكّل فنزويلا نموذجاً عسكرياً لتايوان، فإنها تُزوّد بكين بذخيرة خطابية في بحر الصين الجنوبي. وعبر تسليط الضوء على الأحادية الأميركية، تستطيع بكين أن تُجادل بأن الأعراف السائدة تتبع القوة، بدلاً من أن تُقيّدها. ويدعم هذا التأطير ادعاء بكين القديم بأن أفعالها في المياه المتنازع عليها لا تختلف عن التدخلات الأميركية في أماكن أخرى.

كوريا الشمالية...وتعزيز خطاب الردع

في اتجاه آخر، إلى جانب الصين، وجّهت عملية فنزويلا رسالة ردع إلى كوريا الشمالية. وجاء ردّ فعل قيادتها أقوى وأكثر حدة من كثير من الردود الدولية الأخرى. وبعكس بعض حلفاء واشنطن، الذين أعربوا عن قلقهم، لكنهم لم يصلوا إلى حد الإدانة الصريحة، كان ردّ بيونغ يانغ قاسياً وذا طابع آيديولوجي، متسقاً مع معارضتها التاريخية للعمليات العسكرية الأميركية.

إذ أدانت وزارة خارجية بيونغ يانغ، عبر وكالة الأنباء المركزية الكورية الرسمية، العملية، ووصفتها بأنها «أخطر شكل من أشكال التعدي على السيادة»، واصفةً الولايات المتحدة بأنها «مارقة ووحشية». وأعقب هذه الإدانة إطلاق صواريخ باليستية - الأولى منذ عدة أسابيع – ما فُسِّر على نطاق واسع بأنه إشارة متعمدة.

ومن ثم، يرى محللون أن العملية الفنزويلية تعزز الاعتقاد الاستراتيجي الأساسي لدى كوريا الشمالية بأن الأسلحة النووية لا تزال الضمانة النهائية لبقاء النظام. ووفق المحلل الهندي سوشانت سارين: «فيما يخص يونغ يانغ، تُعزز فنزويلا قناعة راسخة مفادها أن الأنظمة التي تفتقر إلى رادع موثوق، تظل عرضة للخطر بغضّ النظر عن التحالفات الدبلوماسية. وتُعزز هذه الحادثة مبررات كوريا الشمالية للاحتفاظ بترسانتها النووية وتوسيعها، وتُصعّد مقاومتها لنزع السلاح النووي، وتُرسّخ فكرة أن القوة العسكرية الضمانة الوحيدة ضد التدخل الخارجي».

نمط استراتيجي أوسع

في نهاية المطاف، تُبرز عملية فنزويلا سمة أساسية للجغرافيا السياسية المعاصرة: أن القوة تُمارس بشكل متزايد من خلال السرعة والدقة والتأثير النفسي، بدلاً من المواجهة المطولة. وفي ما يخص الصين وكوريا الشمالية، بل روسيا أيضاً، تُذكّر هذه الحادثة بأن النفوذ دون حماية قابلة للتنفيذ يبقى مشروطاً. وفي نظام تكون فيه مصداقية الردع أهم من التحالفات القائمة على التصريحات والبيانات، من المرجح أن يشكل التوازن بين النطاق الاقتصادي والقدرة الأمنية النتائج الاستراتيجية في السنوات المقبلة.


مامادي دومبويا... «عسكري استثنائي» و«قيادي أمني» يتولَّى الرئاسة في غينيا

سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
TT

مامادي دومبويا... «عسكري استثنائي» و«قيادي أمني» يتولَّى الرئاسة في غينيا

سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع

في قلب غرب أفريقيا، تبرز قصة الرئيس الغيني مامادي دومبويا، كواحدة من أكثر التحولات السياسية دراماتيكية، المشحونة بالتناقضات خلال العقد الأخير. إذ نجح العسكري الذي أمضى معظم حياته برتبة عريف أوَّل في الجيش الفرنسي، خلال 4 سنوات فقط في التدرّج من قائد انقلاب عسكري إلى رئيس منتخب أخيراً، في مشهد يعكس تعقيدات السلطة والسياسة في «القارة السمراء». ما يجعل رحلة دومبويا أكثر إثارة للجدل هو التناقض العميق في شخصيته وسياساته، فهو يحكم بلداً غنياً بالثروات المعدنية، لكن البلاد تعاني تحت وطأة الفقر. ثم إن دومبويا، الذي تلقى إعداداً عسكرياً مبكّراً في إسرائيل، يقف في قلب مفارقة تاريخية وسياسية، فقيادته جاءت في بلد عرف بدعمه لحركات التحرّر الوطني الأفريقي وبتوتراته مع إسرائيل، لكنه اليوم يسعى لإعادة تشكيل الدولة وفق رؤيته الخاصة.

مامادي دومبويا، البالغ من العمر 42 سنة، لم يتردّد في استخدام سرعته العسكرية لتحقيق السلطة، لكنه لم يكتفِ بذلك، بل مضى نحو كسب شرعية انتخابية لإعادة إنتاج قيادته وإضفاء طابع قانوني على حكمه، في قارة شهدت عشر انقلابات خلال 5 سنوات.

تحيط أستار السرّية بنشأة دومبويا، المولود يوم 5 ديسمبر (كانون الأول) 1984 في مدينة كانكان بشرق غينيا، لكن المعروف أنه ينتمي إلى شعب «المالينكي»، وهو مجتمع تاريخياً محافظ، وقيادي، ومتماسك اجتماعياً، له تأثير سياسي واضح، ما يفسّر حضور شخصيات مثل دومبويا في المشهد العسكري والسياسي لغينيا وأفريقيا الغربية.

زوجة فرنسية

هذا الانتماء العرقي الأصيل لم يمنع دومبويا من الزواج من سيدة فرنسية بيضاء، اسمها لوريان داربو، وسط شحِ في المعلومات عن «سيدة غينيا الأولى» المرتقبة. ومن ناحية ثانية، يُنظر إلى الرئيس الغيني كقائد عسكري استثنائي، تميَّز عن نظرائه من قادة الانقلابات في القارة الأفريقية، إذ جمع بين التدريب التكتيكي التقليدي والخبرة في الأمن السيبراني والإدارة الاستراتيجية. ولقد صُقلت هذه المهارات عبر مسار مهني طويل، تميّز بالتدريب الدولي والعمل الميداني في عدة دول، أبرزها فرنسا حيث أمضى 15 سنة ضمن صفوف الجيش و«الفيلق الأجنبي» الفرنسي، مكتسباً خبرة لا تقتصر على التكتيكات العسكرية التقليدية فحسب، بل شملت أيضاً مهارات القيادة في بيئات معقّدة ومتعدِّدة الأبعاد.

خلال مسيرته، شارك دومبويا في عدة مهام عملياتية في مناطق النزاعات حول العالم، من أفغانستان وكوت ديفوار إلى جيبوتي وجمهورية أفريقيا الوسطى، كما تولّى حماية شخصيات دولية في إسرائيل وقبرص وبريطانيا وغينيا، وفق تقارير «إنتليجنس أونلاين». كلّ هذه التجارب أكسبته رؤية شاملة لمفاهيم الأمن وإدارة الأزمات، جعلته قادراً على التحرّك بسرعة وكفاءة في مواجهة التحدّيات السياسية والعسكرية على حد سواء.

وبدت مفارقة الأقدار متجسّدة بوضوح في المسار الذي أوصل دومبويا إلى قمة السلطة، بتناغم لافت مع مقولة الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه «مَن يرفعكَ إلى القمة قد يكون أول مَن يدفعك منها». إذ في عام 2018، لم يكُن الرئيس السابق ألفا كوندي يتوقّع أن قراره بتكليف دومبويا بقيادة مجموعة «القوات الخاصة» النخبوية (GFS) سيؤسس، بعد ثلاث سنوات فقط، لانقلاب عسكري أطاح به في سبتمبر (أيلول) 2021 على يد «الوحدة» ذاتها التي أوكل إليها حمايته وترسيخ نفوذه.

نموذج معقّد للقادة الانتقاليين

بعد هذا الانقلاب، الذي لحق بموجة انقلابات اجتاحت «القارة السمراء» منذ مطلع هذا العقد، جسَّد مامادي دومبويا نموذجاً معقداً لقائد انتقالي يجمع بين خطاب الاستقرار والتنمية وطموح تثبيت السلطة، في ظل مسار سياسي يثير جدلاً واسعاً حول الالتزام بالديمقراطية والحرّيات.

ذلك أنه بينما قدّم نفسه منقذاً للدولة من «حكم الفرد» التسلّطي في أول ظهور تليفزيوني له عقب الانقلاب، تلازمت سلطته مع تضييق غير مسبوق على المعارضة، شمل حلّ عشرات الأحزاب وإقصاء المنافسين المحتملين، ما أفرغ الانتخابات الرئاسية من مضمون التعدّدية.

وفي الاتجاه نفسه، حمل تحوّل الرجل من «قائد انقلاب» إلى «رئيس منتخب» تناقضات صارخة، أبرزها تراجعه عن تعهدات سابقة بالامتناع عن الترشح، عقب تعديل دستوري أزال القيود المفروضة على أعضاء المجلس العسكري. وفي مقابل خطابه الذي بشّر بإنهاء الحكم الفردي، تتهمه تقارير دولية ومحلية اليوم بتقييد الحرّيات وقمع الاحتجاجات وتهميش الخصوم السياسيين.

وحقاً، بين تثبيت الشرعية والتضييق على المعارضين داخلياً، يخضع مسار مامادي دومبويا لاختبار دقيق بين السلطة والحقوق. ففوزه الرئاسي بنسبة 86.72 في المائة بيَّن دعماً شعبياً شكلياً، خاصة بين الشباب والعمال، وهو ما كشفته شهادات بثتها وكالات أنباء عالمية. وفي المقابل، حاول ترسيخ صورة انتقاله من قائد عسكري إلى صاحب شرعية انتخابية مدنية وسياسية جديدة كاملة، بكلامه عن «غينيا للجميع».

من جهة أخرى، ركَّز دومبويا اقتصادياً، على قطاع التعدين ومشروع «سيماندو» للحديد، الذي تملك الصين 75 في المائة منه، مع استثمارات البوكسيت والبنية التحتية. وهنا نشير إلى أنه، على الرغم من برامج تدريب الشباب الرقمية، يواجه نصف سكان غينيا فقراً، وأمناً غذائياً هشّاً، وسط انتقادات ترى الإصلاحات تكريساً للسلطة واستمرار التحديات الاجتماعية الكبرى.

اختبار السياسة... إقليمياً ودولياً

على الصعيد السياسي، يأتي الاختبار التقليدي لمسار دومبويا على المستوى القاري الأفريقي، ضمن موجة الانقلابات التي وقعت منذ عام 2020 في غرب أفريقيا والساحل. وهذه الانقلابات تجسّد توتر علاقة الجيوش بالسلطة المدنية، مع سعي قادتها «إنتاج» شرعيتهم انتخابياً. وكما هو معروف، تشهد أفريقيا جنوبي الصحراء عدة حالات لقادة عسكريين شرعنوا بقاءهم حتى 2029 تقريباً، مع إمكانية إجراء انتخابات فقط إذا تحسّنت الظروف الأمنية.

أما لجهة السياسة الدولية العليا، فلم توضع علاقات دومبويا مع واشنطن على محك التجربة بعد بشكل مباشر ومعلن. إلا أن فوزه حظي بلهجة معتدلة من جانب واشنطن، عبر سفارتها، التي أعربت عن دعمها الرسمي للرئيس المنتخب، مع التركيز على العلاقات الاقتصادية والاستقرار. واللافت أن الصين، الشريك الاقتصادي الرئيسي لدومبويا، لم تكن بمنأى عن المشهد، إذ سارع رئيسها شي جينبينغ برسالة تهنئة، مشدّداً على تطوير الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين.

دور إسرائيل الموعود... والمتعاظم مستقبلاً

ولكن بجانب هذه المفارقة، ثمة مفارقة مهمة أخرى لا تبدو اليوم لافتة بقدر ما هي دالة تاريخياً. ففي بلدٍ، كغينيا ارتبط اسمه طويلاً بموقف عدائي صريح من إسرائيل إبان عهد زعيمه الاستقلالي التاريخي أحمد سيكوتوري، تبدو الأمور إلى تغيّر جذري.

سيكوتوري كان قد قطع العلاقات مع الدولة العبرية تضامناً مع الدول العربية عقب نكسة الخامس من يونيو (حزيران) 1967، إلا أن المشهد السياسي الراهن يسير في مسار مغاير تماماً، ولعل الترحيب الأميركي بانتخاب دومبويا ينمّ عن التغيّر المرجح. ذلك أنه سبق لدومبويا، أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع، بعدما أوفدته فرنسا ضمن برامج ذات طابع أمني، فيما يوحي بوجود تحوّل عميق في بوصلة العلاقات الخارجية لكوناكري.

أيضاً، إبان عهد دومبويا، أبدت إسرائيل اهتماماً خاصاً بتعزيز حضورها في قطاع الأمن السيبراني الغيني، وفق ما أورده موقع «إنتليجنس أونلاين» الاستخباراتي، وهذه خطوة تعكس استمرارية العلاقات الدبلوماسية التي أُعيد إحياؤها عام 2016 بعد قطيعة دامت قرابة خمسة عقود. وكذلك يشير هذا التطور إلى فتح صفحة جديدة من التعاون تتجاوز الطابع الدبلوماسي التقليدي إلى شراكات أمنية وتقنية أكثر عمقاً. ويرى خبراء أن هذا المسار مرشّح لمزيد من التوسّع.

تطبيع واستخبارات

وفي تقدير للدكتور يسري العزباوي، الباحث السياسي في «مركز تريندز للبحوث والاستشارات» في أبوظبي، فإن دومبويا، سواءً استمر في السلطة أو خلفه غيره، «سيمضي بخطوات أوسع على طريق التطبيع مع إسرائيل، لا سيما في مجالي التعاون العسكري والتسليح». ويضيف العزباوي أن مجموعة كبيرة من الدول الأفريقية التي تشهد انقلابات عسكرية تبقى عملياً رهينة للرضى الأميركي، مذكّراً بأن «المدخل إلى هذا الرضى يمر غالباً عبر إسرائيل».

ويستند العزباوي في تحليله، إلى ما يصفه بـ«التوغّل الإسرائيلي المتنامي في أفريقيا طيلة السنوات الأخيرة، في مقابل غياب تنسيق عربي فاعل». ويلفت في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن السلاح الإسرائيلي لم يعُد حاضراً في دول أفريقيا جنوبي الصحراء ووسطها فحسب، بل امتد أيضاً إلى شمال القارة.

ووفق العزباوي، يكتسب هذا التوجّه زخماً إضافياً، من «التأييد الكامل الذي وفّرته إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب لإسرائيل»، ما يمنحها هامش حركة أوسع في الساحة الأفريقية.وإجمالاً، فإن نجاح دومبويا في الانتقال من قائد انقلاب إلى رئيس منتخب يمثل اختباراً نادراً في أفريقيا، حيث لا تتيح الانقلابات العسكرية عادةً فرصة للتحوّل إلى قيادة مدنية شرعية، بما يفتح باب التساؤل... هل تكون تناقضات دومبويا هي «كلمة السرّ» التي ستجعله استثناءً في «القارة السمراء»؟


في غينيا ثروات هائلة يلاحقها شبح الانقلابات

 FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
TT

في غينيا ثروات هائلة يلاحقها شبح الانقلابات

 FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo

تقف غينيا، الواقعة في قلب غرب أفريقيا، عند مفترق طرق اقتصادي وسياسي حاسم وبالغ الحساسية. فالبلد الذي يزخر بواحدة من أغنى الثروات الطبيعية في القارة، يجد نفسه أمام تحدٍ مزدوج يتمثل في تحويل هذه الموارد الهائلة إلى نمو اقتصادي شامل ومستدام، بالتوازي مع مساعٍ لتحقيق استقرار سياسي بعد عقود من الاضطرابات والانقلابات العسكرية التي ألقت بظلالها الثقيلة على مسار التنمية.

منذ الاستقلال عن فرنسا عام 1958، شهدت غينيا ثلاثة انقلابات عسكرية بارزة أعوام 1984 و2008 و2021، أطاحت برؤساء مدنيين أو عسكريين، ورسّخت صورة بلد يعاني من هشاشة سياسية مزمنة.

هذا الإرث الانقلابي أسهم في إضعاف ثقة المستثمرين، وعرقل في فترات كثيرة الاستفادة الكاملة من الثروات الطبيعية، وبالتالي الإمكانات الاقتصادية الكبيرة التي تمتلكها غينيا.

وأيضاً رغم هذا السياق السياسي المعقَّد، شهد الاقتصاد الغيني خلال السنوات الأخيرة نمواً ملحوظاً، مدفوعاً أساساً بقطاع التعدين. إذ أعادت الطفرة في صادرات المعادن غينيا إلى واجهة الاهتمام الدولي، لا سيما مع امتلاكها أكثر من 25 في المائة من احتياطيات البوكسيت العالمية، ما يجعل منها واحدة من أكبر مصدّري هذه المادة الخام الأساسية لصناعة الألمنيوم. وبالإضافة إلى البوكسيت، تزخر البلاد باحتياطيات معتبرة من الذهب والألماس ومعادن أخرى، ما يمنحها موقعاً استراتيجياً في خريطة الموارد الطبيعية الأفريقية.

في نهاية عام 2025، خطت الحكومة الغينية خطوة وُصفت بالتاريخية عبر تدشينها استغلال منجم سيماندو العملاق للحديد في جنوب البلاد، وهو أحد أكبر مكامن الحديد غير المستغلة في العالم. ولقد رُوّج للمشروع رسمياً بأنه «حلم أجيال»، نظراً لما يُنتظر أن يوفره من عائدات مالية وفرص عمل، إضافة إلى دوره في تعزيز البنية التحتية عبر إنشاء خطوط سكك حديدية وموانئ مرتبطة به. بيد أن المشروع، على ضخامته، يضع غينيا قبالة تحديات كبيرة تتعلق بالحوكمة والشفافية، بالذات في قطاع التعدين الذي لطالما كان بؤرة نزاعات سياسية وقانونية.

بيانات البنك الدولي تفيد بأن الناتج المحلي الإجمالي لغينيا سجل نمواً ثابتاً في السنوات الأخيرة، مستفيداً من توسع أنشطة التعدين وارتفاع الإنتاج الزراعي. ومع هذا، لا يزال الاقتصاد الغيني يعاني من اختلالات هيكلية، في مقدمتها الاعتماد المُفرط على الموارد الطبيعية وضعف تنويع القطاعات الاقتصادية، إلى جانب محدودية الإيرادات الضريبية، ما يقيّد قدرة الدولة على تمويل الخدمات الاجتماعية الأساسية.

من ناحية أخرى، تظل الزراعة، التي تشغّل أكثر من نصف القوى العاملة، قطاعاً حيوياً، لكنه يعاني من ضعف الإنتاجية واعتماد أساليب تقليدية، الأمر الذي يقلص مساهمته في الصادرات والنمو الاقتصادي. ويرى خبراء أن تحديث هذا القطاع يمكن أن يشكل رافعة حقيقية للتنمية، خصوصاً في المناطق الريفية الأكثر فقراً.

إلى جانب التعدين والزراعة، تمتلك غينيا إمكانات هيدروليكية كبيرة تؤهلها لأن تغدو مصدراً رئيساً للطاقة في غرب أفريقيا. وراهناً تسعى السلطات إلى استثمار هذه الموارد عبر مشاريع لتوسيع إنتاج الكهرباء، وتحديث الموانئ، وتطوير شبكات السكك الحديدية، من بينها خط سيماندو – موريبايا الذي يمتد لأكثر من 650 كيلومتراً، بما يعزّز ربط البلاد بالأسواق العالمية ويسهل حركة التجارة.

ولكن، رغم هذه الآفاق الواعدة، تبقى التحديات الاجتماعية والاقتصادية حاضرة بقوة. فالفقر ما زال واسع الانتشار، وإمكانات الدولة المالية محدودة، في حين يواصل ضعف الشفافية في قطاع التعدين إثارة مخاوف المستثمرين الدوليين. وبالطبع يبقى الاستقرار السياسي عاملاً حاسماً وضرورياً في مستقبل البلاد، في ظل تاريخ طويل من الانقلابات والحكم المدني المتعثر.

وبالتالي، يرجّح مراقبون أن نجاح غينيا في تحويل ثرواتها الطبيعية إلى تنمية حقيقية يتوقف على تنفيذ تغييرات بنيوية عميقة، تشمل تعزيز الإدارة المالية والاستثمار في رأس المال البشري وتنويع الاقتصاد بدلاً من الاعتماد الأحادي على التعدين، وقبل كل ذلك بيئة سياسية دون انقلابات عسكرية أو توترات سياسية.