هكذا يستغل أوربان «كوفيد ـ 19» لإحكام قبضته على المجر

الزعيم اليميني المتشدد الذي أخفقت جهود أوروبا الهادئة في احتواء طموحه

هكذا يستغل أوربان «كوفيد ـ 19» لإحكام قبضته على المجر
TT

هكذا يستغل أوربان «كوفيد ـ 19» لإحكام قبضته على المجر

هكذا يستغل أوربان «كوفيد ـ 19» لإحكام قبضته على المجر

قبل خمس سنوات، في إحدى القمم الأوروبية في مدينة ريغا عاصمة لاتفيا، وقف جان كلود يونكر، رئيس المفوضية الأوروبية - حينذاك - منتظراً وصول القادة الأوروبيين لأخذ الصورة التذكارية معهم. وعندما اقترب رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، التفت يونكر إلى شماله متحدثاً لمن بجانبه قائلاً «ها قد وصل الديكتاتور». ابتسم هو ومن سمعه، وما كانت إلا لحظات حتى وصل أوربان مادّا يده ليونكر... فبادله الأخير المصافحة ضاحكاً مكرّراً «أهلا بالديكتاتور». ولم يبد أوربان منزعجاً من هذا الترحيب. وفي الواقع يُقال إنه لا يمانع أن يحمل هذا اللقب. ومع أن الوصف ألصق به في حينه عن طريق المزاح، إلا أنه اليوم يعود ليوصف بأنه «ديكتاتور» عن جدارة بعدما مرّر قانون طوارئ في البرلمان نهاية الشهر الماضي، يسمح له بالحكم منفرداً عبر إصدار مراسيم من دون الاضطرار إلى العودة إلى البرلمان، ولأجل غير مسمى. الحجة، كانت بالطبع مواجهة وباء «كوفيد - 19» (كورونا)، إلا أنه واقعياً أعطى نفسه صلاحيات غير محدودة لأجل غير مسمى. هذا أشعل غضباً كبيراً في أوروبا، رغم أن دولها منشغلة كل واحدة بنفسها بسبب الوباء الذي وصف بأنه أكبر تحد يواجه القارة منذ الحرب العالمية الثانية.
لم تشغل أزمة القارة الأوروبية منذ زمن، كما يشغلها الآن «كوفيد - 19» (كورونا).
عندما وصل هذا الوباء إلى أوروبا، تقوقعت كل دولة على نفسها محاولة أن تجد سبيلاً للسيطرة على التمدد المخيف لفيروسه المتنقل بين القارات.
وفي حين اتخذت كل دولة أوروبية تدابير خاصة لتسريع إصدار قرارات تمكنها من سرعة السيطرة على انتشار الوباء، مثل قوانين مؤقتة تعطي السلطات المركزية قوة أكبر وصلاحيات أوسع، بدت المجر وكأنها تقوم بالمثل. إذ قدم رئيس حكومتها فيكتور أوربان قانون الطوارئ الجديد أمام البرلمان الذي يسيطر عليه حزب القومي اليميني المتشدد «فيديز»، يسمح له بالحكم منفرداً من خلال إصدار مراسيم من دون الاضطرار إلى العودة للبرلمان، ولأجل غير مسمى. وأكثر من هذا، فإن القانون يجرّم كل مَن ينشر «معلومات خاطئة عن الفيروس تعرقل رد الحكومة»، ويعاقب بالسجن لخمس سنوات.
كثيرون اعتبروا أن هذا البند موجه للإعلام تحديداً، مع أنه لم يتبقّ في المجر الكثير من الإعلام المستقل. فمعظم وسائل الإعلام المجرية هي إما تابعة للحكومة أو مملوكة لأشخاص من دائرة أوربان. وعليه، لم تعُد هناك إلا بضع صحف صغيرة تُوصف بأنها مستقلة.
تعليقاً على القانون الجديد، قال الصحافي زولتان باتكا، الذي يكتب في صحيفة «نبسزافا» اليومية الصغيرة المعارضة، بحسب ما نقلت عنه قناة «دويتشه فيله» الألمانية - «هذا القانون يثير الكثير من الشك لأننا لا نعرف كيفية اتخاذ القرارات». وأضاف باتكا، أن القانون يشير إلى عقوبات لمن «ينشر معلومات حتى لو كانت صحيحة، لكن بطريقة ملتوية، يمكن أن تؤثر على حملة الحكومة، وهذا يعني أنه يمكننا أن نتعرض للسجن. ولكن مَن يحدد المقصود بـ(طريقة ملتوية)...؟».
- الاستفادة من حجم الغالبية
وعلى الرغم من إصرار المعارضة على إدخال بند يحدد المهلة الزمنية لهذا القانون، فقد رفض أوربان، ونجح بتمرير القانون بسبب سيطرته على ثلثي مقاعد النواب. ثم إنه رغم اعتراف النقاد والمعارضين بالظروف الاستثنائية التي توجب تمرير قوانين طوارئ، فإن مخاوفهم من الامتناع عن تحديد مهلة زمنية لإنهاء الطوارئ يعني أن الحكومة قد تبقي على هذا القانون حتى تاريخ الانتخابات المقبلة المقررة عام 2022 بحجة مكافحة الوباء، الذي يعتقد بأنه لن يكون تحت السيطرة الفعلية إلا بعد الموافقة على اللقاح، وهو أمر قد يستغرق سنة إضافية.
وحتى بعد إعلان المعارضة استعدادها لدعم القانون في حال جرى إدخال بند يحدد مهلة زمنية لرفعه، رفض الحزب اليميني الحاكم بزعامة أوربان رفض، وفق النائبة المعارضة أنياس فاداي. بل استخدم حزب أوربان رفض المعارضة التصويت على قانون الطوارئ في البرلمان ليتهمها بأنها «ضد الحرب على الفيروس». ووفق النائبة فاداي «بالطبع نحن ندعم الوضع الطارئ، ونوافق الحكومة على أن هناك حالة طارئة تستوجب فعل كل شيء لمواجهتها، وما كان طلبنا الوحيد إلا إدخال بند يحدد مهلة زمنية لقانون الطوارئ».
- انتقادات أوروبية بالجملة
المعارضة المجرية لم تكن وحدها الجهة التي أقلقها قانون الطوارئ هذا، بل سارعت الدول الأوروبية لانتقاد هذه الخطوة كذلك. وأصدرت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، بياناً في اليوم التالي للتصويت، دعت فيه إلى أن تكون كل الإجراءات الطارئة التي تتخذها الدول الأوروبية «محددة بما هو ضروري ومتناسب» ولا تدوم لأجل غير محدد، من دون أن تذكر المجر بشكل محدد.
وجاء في بيان فون دير لاين – وهي طبيبة – قولها «من المهم جداً ألا تكون الإجراءات الطارئة على حساب المبادئ الأساسية المحددة في معاهداتنا». وأعلنت المفوضية أنها ستراقب الإجراءات الطارئة التي تبنتها دول الاتحاد، كي تتأكد من أن القيم والمبادئ الأساسية ما زالت محفوظة.
وفي اليوم التالي، صدر بيان آخر عن كل من فرنسا، وألمانيا، وبلجيكا، والدنمارك، واليونان، وجمهورية آيرلندا، وإيطاليا، ولاتفيا، ولوكسمبورغ، وهولندا، والبرتغال، وإسبانيا، والسويد. وعبّر هذا البيان عن دعمه إعلان المفوضية مراقبة الإجراءات الطارئة في دول الاتحاد، وانتقد الخطوات المجرية من دون تسمية الدولة بالاسم. ومما جاء «في هذه الظروف غير المسبوقة، يحق للدول الأعضاء أن تتبنى إجراءات طارئة بهدف حماية موطنيها، ولكننا مع ذلك قلقون للغاية من خطر خرق القوانين والديمقراطية والحريات الأساسية عبر تبني بعض الإجراءات الطارئة». وأضاف، أن الإجراءات الطارئة «يجب آن تكون محددة بما هو ضروري ومتناسبة ومؤقتة، وتخضع للتدقيق المستمر وتحترم القوانين والواجبات الدولية من دون أن تحد من حرية التعبير والإعلام».
وذهب وزير خارجية لوكسمبورغ جان أسيلبورن أبعد من ذلك، عندما قال بأن على الاتحاد الأوروبي أن «يعاقب» المجر، وأنه «ليس علينا القبول بأن تكون هناك حكومة يرأسها ديكتاتور داخل الاتحاد الأوروبي». ونقلت عنه صحيفة «دي فيلت» الألمانية قوله، إنه «يجب عزل المجر سياسياً من دون إضاعة الكثير من الوقت»، مضيفاً «أكثر من ذلك، فإن حكومة ما عادت تخضع للتدقيق من قبل البرلمان لا يجوز احتفاظها بصوت في مجالس الوزراء الأوروبية التي تتخذ قرارات تتعلق بالأوروبيين».
- الكتلة الحامية حتى الآن
لكن حزب أوربان ينتمي إلى كتلة الشعب في البرلمان الأوروبي، وهي الكتلة نفسها التي تضم حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي الذي تنتمي إليه المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل وباقي الأحزاب اليمينية المعتدلة الأوروبية. وعلى الرغم من الكثير من النقاشات التي دارت في الماضي داخل الكتلة الكبيرة داعية لطرد حزب أوربان على اعتبار أنه ينتمي إلى تيار أحزاب اليميني المتطرف، فهو ما زال حتى الآن ينتمي إلى كتلة الشعب الأوروبية، مع أن الكتلة بالفعل علقت مشاركة الحزب خلال مارس (آذار) من العام الماضي؛ ما يعني أنه لم يعد يسمح له بالتصويت مع أحزاب الكتلة منذ ذلك الحين.
كان سبب الخلاف في ذلك الوقت تراكمياً يتعلق بخلافات حول السياسات الأوروبية للجوء. وكانت «القشة التي قصمت ظهر البعير» صورة دعائية مُعادية للمهاجرين نشرها الحزب وعليها صورة للملياردير اليهودي المجري (الأصل) جورج سوروس، ورئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر. وللعلم، دائماً ما يهاجم حزب أوربان سوروس لمساعداته السخية للاجئين، علماً بأنه من اليهود الناجين من المحرقة النازية في المجر. وخلال العام الماضي، تسببت قوانين جديدة تحد من حرية التعبير أدخلها أوربان، بدفع سوروس إلى نقل جامعته «الجامعة الأوروبية الوسطى» من العاصمة المجرية بودابست إلى العاصمة النمساوية فيينا بعدما بات مناخ العمل في المجر صعباً للغاية.
كذلك، بعد إعلان أوربان حالة الطوارئ، كتب 13 حزباً من أصل 47 ينتمون إلى كتلة الشعب الأوروبية، رسالة إلى رئيسها دونالد توسك يطلبون فيها طرد حزب «فيديز» من الكتلة، وعدم الاكتفاء فقط بتعليق عضويته.
... وموقف أميركي أيضاً
ولم تقتصر المواقف السلبية على أوروبا، بل جاءت كذلك انتقادات من الولايات المتحدة كانت أكثر وضوحاً. إذ قال إليوت إنغل، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس الأميركي، إن أوربان «ينتزع السلطة بشكل صارخ في ظل أسوأ أزمة صحية عالمية في التاريخ الحديث». وأضاف إنغل، أن قانون الطوارئ «يهمّش البرلمان، ويسمح لرئيس الحكومة أوربان بأن يحكم بالمراسيم كالديكتاتورين. هذا ازدراء بالديمقراطية في أي مكان، وهو أمر شنيع، وخاصة إذا كان في دولة عضو في حلف شمال الأطلسي (ناتو) والاتحاد الأوروبي».
أيضاً، أثار القانون قلقاً شديداً في مجال حرية الإعلام؛ إذ دفع بالمجموعة التنفيذية لتحالف حرية الإعلام، التي تضم ألمانيا، وكندا، ولاتفيا، وهولندا، وبريطانيا، والولايات المتحدة، إلى إصدار بيان منفصل من دون تسمية المجر. وعبّرت المجموعة عن قلقها «من جهود بعض الدول في الأزمة لفرض قيود تحد من حرية واستقلال الإعلام... هكذا أعمال تمنع المجتمعات من الحصول على معلومات مهمة فيما يتعلق بانتشار الوباء ويقلل من الثقة بالحكومات المسؤولة».
غير أنه رغم كل الجو العام، رد أوربان على كل الاتهامات بنفيها. وقال المتحدث باسمه زولتان كوفاكس، إن قانون الطوارئ «يتماشى مع المعاهدات الدولية والدستور المجري، وهدفه فقط مواجهة فيروس كورونا». وبرر كذلك وزير الدولة في حكومته سابا دوموتر الامتناع عن تحديد فترة زمنية لقانون الطوارئ بالقول، إن «لا أحد من الاختصاصيين والأطباء يمكنه القول إلى كم شهر علينا أن نستمر بالكفاح» ضد الوباء.
- التسلط المتزايد صار عادة
الواقع أنه منذ تسلّم أوربان رئاسة حكومة المجر عام 2010 وهو يدخل تعديلات تعزّز صلاحيات رئيس الحكومة. وخلال السنوات الماضية، قلص من صلاحيات المحكمة الدستورية، بل، لقد أصدر تعيينات لقضاة فيها يعتبرون مؤيدين له؛ ما يمنع حتى هذه السلطة الوحيدة القادرة على نزع قانون الطوارئ، عاجزة من مواجهته. كذلك لا يتوقع من البرلمان الذي يحكم السيطرة أوربان وحزبه قبضتهما عليه، أن يكون قادراً على نزع قانون الطوارئ. ما يعني بأن القرار برفعه عائد بشكل أساسي لأوربان نفسه.
في أي حال، تتردد أوروبا بمواجهة أوربان منذ سنوات. ولم يكن تعليق عضوية حزبه من كتل الشعب الأوروبية إلا خطوة أخرى ناقصة، تتأنى أوروبا في اتخاذها قبل الدخول في مواجهة مفتوحة مع الرجل الذي يحكم المجر منذ عقد من الزمن، ويدفع بالبلاد منذ الحين نحو سلطة مركزة أكثر فأكثر بيد رجل واحد.
من جهته، أوربان يسمي مقاربته مع الاتحاد الأوروبي بـ«رقصة الطاووس»، وهي المقاربة التي يعتمدها عبر تقديم تنازلات صغيرة كافية لإخراجه من مأزق كبير بينما يستمر بالعمل على إحداث التغييرات الكبيرة التي يسعى إليها لتحويل المجر إلى دولة أقل ديمقراطية، كما يراها كثيرون اليوم. وحقاً، اعتمد هذه المقاربة في معظم القوانين التي أثارت جدلاً داخل الاتحاد الأوروبي، وتسببت له بمشاكل معه.
ولعل مقاربته للجدل الذي أحاط إقالته لما يزيد على الـ400 قاض عام 2018 عبر تخفيض سن التقاعد من 70 إلى 62 سنة هي المثال الأفضل لشرح أسلوبه في التعاطي مع الاتحاد الأوروبي. فعندما خفّض سن تقاعد القضاة وعلت صرخة المعارضة، التي اتهمته بمحاولة تشديد قبضته على السلك القضائي من خلال إقالة هؤلاء القضاة لاستبدالهم بآخرين هو يختارهم. ومن ثم دخل في صراع قانوني طويل مع الاتحاد الأوروبي، في نهايته كان معظم القضاة قد اضطروا إلى قبول العرض الذي قدمته له الحكومة وقرّروا الاستقالة باكراً.
- ثمن التراخي الأوروبي
لذا؛ يوجه البعض اللوم للاتحاد الأوروبي بالتراخي مع أوربان، والسماح له منذ سنوات بتشديد قبضته على الحكم. وهذا، مع أن الرجل غالباً ما ينتقد الاتحاد الأوروبي، ويرفض حتى قرارات لا تتماشى مع أجندته الشعبوية، ولا سيما، تلك المتعلقة بـ«الكوتا» التي فرضها على دول الاتحاد لتوزيع اللاجئين. وراهناً، يروج الإعلام اليميني التابع لأوربان منذ بداية انتشار الوباء لقصص عن مدى «نجاعة» تعاطي الصين وروسيا مع الأزمة مقابل الفوضى التي تلف دول أوروبا الغربية في التعاطي مع الأزمة نفسها.
كل هذا رغم تلقي المجر مساعدات مالية كبيرة من الاتحاد الأوروبي بلغت 6 مليارات يورو في عام 2018، أي ما يعادل 5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل مساهمة المجر بمليار يورو فقط لصندوق الاتحاد الأوروبي. أضف إلى ذلك، أن الكثير من المشاريع الممولة من الاتحاد الأوروبي، يستفيد منها أقرباء ومقرّبون من أوربان الذين يكافئهم بمنحهم معظم العقود التي تقدمها الدولة.
ويجمع عدد من السياسيين اليوم، من بينهم النائبة السابقة لرئيس المفوضية الأوروبية فيفيان ريدينغ، وهي من لوكسمبورغ، على أن الحل الوحيد المتبقي أمام أوروبا لمواجهة أوربان هو بقطع التمويل عنه، بعد طرد حزبه من كتلة الشعب الأوروبية.
وذكرت ريدينغ في حديث لموقع «بلومبيرغ» بأن الوقت قد لا يكون ملائماً الآن للاتحاد الأوروبي المثقل بأزمة الوباء، بأن يفتح باب أزمات جديداً، لكن على المدى الأبعد تقول فإن «إساءة استخدام حكم القانون يمكنه أن يسمم الاتحاد من الداخل»، وعلى أوروبا أن تواجه أوربان.
- المجر... لمحة تاريخية جغرافية
> المجر دولة من دول أوروبا الوسطى، و«حلف وارسو» سابقاً إبان حقبة الحرب الباردة. وهي بحدودها الحالية دولة لا تطل على البحر تبلغ مساحتها أكثر بقليل من 93 ألف كلم مربع، معظمها في سهل المجر الخصب، أما أهم أجسامها المائية فنهر الدانوب وبحيرة بالاتون.
يبلغ عدد سكان المجر نحو عشرة ملايين نسمة، غالبيتهم من المسيحيين الكاثوليك، ولغتها الرسمية اللغة المجرية كبرى مجموعة اللغات الفينو - أوغرية الأورالية التي تضم أيضاً الفنلندية، والإستونية، والكاريلية. وتحدها من الشمال سلوفاكيا، ومن الشمال الشرقي أوكرانيا، ومن الشرق والجنوب الشرقي رومانيا، ومن الجنوب صربيا، ومن الجنوب الغربي كرواتيا وسلوفينيا، ومن الغرب النمسا.
عاصمة البلاد وكبرى مدنها مدينة بودابست، التي هي أصلاً عبارة عن مدينتين بست وبودا اللتين يفصلهما الواحدة عن الأخرى نهر الدانوب. أما أبرز المدن الأخرى فهي ديبريسن وسيغيد وميشكولتس وبيش وديور وبيكشوبو.
عبر التاريخ تعاقبت على سكن أرض المجر الحالية شعوب عديدة، بينها الكلت، والرومان، والقبائل الجرمانية، والهون، والسلاف، والآفار. أما بدايات الكيان السياسي المجري فتعود إلى أواخر القرن الميلادي التاسع بفضل الأمير آرباد. وعام 1000م دخلت المسيحية مملكة المجر مع تولي الملك إسطفان الأول أحد أحفاد آرباد العرش.
خلال الفترة بين القرنين الثاني عشر والخامس عشر صارت المجر قوة إقليمية مرموقة. إلا أن هزيمتها في معركة موهاتش عام 1526 أمام العثمانيين بقيادة السلطان سليمان القانوني مكّن العثمانيين من احتلال إجزاء من أراضيها. وبعدها رضخت لحكم سلالة الهابسبورغ في مطلع القرن الثامن، ثم صارت جزءاً من الإمبراطورية النمساوية – المجرية، وذلك حتى نهاية الحرب العالمية الأولى. وعبر معاهدة التريانون رسمت حدود المجر الحالية بخسارة 71 في المائة من أراضيها وأكثر من 58 في المائة من سكانها.
في الحرب العالمية الثانية كانت المجر ضمن قوى «المحور»، وبالتالي، مُنيت بخسائر فادحة، وانتهت في الفلك السوفياتي، جزءاً من أوروبا الشرقية الشيوعية، حتى سقوطها وانفراط «حلف وارسو» عام 1989. وهي منذ 2004 عضو في الاتحاد الأوروبي و«ناتو».


مقالات ذات صلة

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

علوم عاملون مختبريون يفحصون عينات فيروس «كوفيد» ميدانياً

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

الفيروسات تتطور بشكل عادي لدى الحيوانات، إلا أنها تتطور بشكل جذري عند إصابتها الإنسان.

كارل زيمر (نيويورك)
صحتك اللقاح يُعطى عن طريق الأنف عبر رذاذ أنفي (أرشيف - أ.ب)

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

طوَّر باحثون أميركيون لقاحاً جديداً قادراً على الوقاية من عدة فيروسات في آنٍ واحد، بما في ذلك «كوفيد-19» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

التطعيم يحمي الأم ووليدها

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)
صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».


بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
TT

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته في تأسيس شركة «باي بال». ذلك أنه إذا كانت مكافحة الاحتيال المالي تعني جمع إشارات متناثرة وتحويلها إلى «خريطة خطر» في الوقت الحقيقي، فلماذا لا تُنقل الفكرة إلى مكافحة الإرهاب والاستخبارات ثم إلى ساحة القتال؟ هكذا وُلدت «بالانتير» عام 2003، بوصفها شركة تبني «أنظمة تشغيل للبيانات» أكثر منها شركة برمجيات تقليدية، وتحوّل التراكم الهائل للمعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.

في السيرة العامة لبيتر ثيل، من ألمع شخصيات العالم وأخطرها اليوم، يتكرّر خيط واحد: الارتياب من الدولة حين تعجز، والارتياب منها أيضاً حين تتضخّم. لكن الرجل اختار أن يبني جسراً بين الطرفين: إذ يزوّد المؤسّسات الأمنية والعسكرية بأدوات تجعلها «أكثر قدرة»، مع إبقاء المساءلة الأخلاقية والسياسية معلّقة في الهواء. وهو اليوم الرئيس العام «بالانتير»، وشريك في منظومات استثمارية شكّلت ما يُعرف بـ«مافيا باي بال»، وامتدت من رأس المال المغامر إلى السياسة والإعلام.

سيرة ذاتية

وُلد بيتر أندرياس ثيل عام 1967 في مدينة فرنكفورت بألمانيا، لوالديه سوزان وكلاوس فريدريش ثيل اللذين هاجرا مع العائلة إلى الولايات المتحدة عندما كان بيتر في سنته الأولى. وعاشت العائلة في مدينة كليفلاند (بولاية أوهايو)، حيث عمل والده كلاوس مهندساً كيميائياً. ثم عمل في كثير من شركات التعدين، ما تسبب في تنقل بيتر وشقيقه الأصغر باتريك مايكل بكثرة. وللعلم، في حين حصلت والدته على الجنسية الأميركية فإن أباه لم يحصل عليها. وهذا الإحساس المبكّر بالتنقّل والهشاشة المؤسسية، كما يقرأه مقرّبون من مسار ثيل، ترك أثره على نظرته إلى الدولة والسلطة.

درس ثيل في جامعة ستانفورد الشهيرة وتخرّج فيها، وهناك جمع بين القانون والفلسفة وثقافة المناظرة، قبل أن يخوض تجارب قصيرة في عالم المحاماة والمال. ثم ينعطف إلى ما سيصبح «ديناً» لوادي السيليكون الجديد: تحويل الأفكار إلى منصّات تُعيد تعريف الأسواق.

بدايات الثروة والمغامرة

في أواخر التسعينات شارك ثيل في تأسيس «باي بال»، التجربة التي صاغت ثروته الأولى وشبكته الأوسع. وهناك تبلوَرت قناعته بأن الخطر الحقيقي ليس الحدث الظاهر، بل «النمط» المخفي خلف ملايين الإشارات الصغيرة، وأن القدرة على الربط بين بيانات - أو معطيات Data - متفرّقة يمكن أن تمنح المؤسسة، أي مؤسسة، تفوّقاً نوعياً.

وبعد بيع «باي بال» مطلع الألفية، تحوّل إلى مستثمر مبكّر وفاعل حين أسس شركة «فاوندر فند»، وصار اسمه يتردّد بصفته أحد أول المستثمرين الخارجيين في «فيسبوك»، في خطوة رسّخت صورته كمَن يقرأ التحوّلات قبل أن تصبح تياراً جارفاً.

وبالفعل، احتل بيتر ثيل، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو، المرتبة الـ293 في «فوربس 400» عام 2011، مع ثروة صافية تقدّر بـ1.5 مليار دولار منذ مارس (آذار) 2012، ثم احتل المرتبة الرابعة في قائمة «فوربس ميداس» لعام 2014 بـ2.2 مليار دولار.

«بالانتير»... واليمين السياسي المحافظ

إلا أن «بالانتير» بقيت مشروعه الأكثر تعبيراً عن شخصية الرجل... إنها شركة تقف على الحد الفاصل بين وادي السيليكون وأجهزة الأمن القومي، وبين هوَس الخصوصية العام وحاجة الدولة إلى أدوات أسرع في الرصد والتحليل. موقع ثيل كرئيس لمجلس إدارة الشركة لسنوات جعل حضوره يتجاوز التمويل إلى تشكيل السردية: التكنولوجيا ليست ترفاً، بل «بنية قوة» في زمن تُخاض فيه الحروب عبر البيانات قبل الصواريخ.

وسياسياً، تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة. وهنا لم يكن دعمه العلني لدونالد ترمب عام 2016، ولا خطابه في المؤتمر الجمهوري، مجرّد تفاصيل؛ بل جاء ذلك إعلاناً بأن المعركة على «شكل أميركا» تُدار أيضاً من داخل منظومات التقنية والتمويل. وفي الخلفية، أثارت رهاناته واستثماراته في شركات مرتبطة بالتعرّف إلى الوجوه وتحليلات المراقبة جدلاً متصاعداً حول الحدود الأخلاقية: متى تصبح أدوات «الأمن» شبكة تجسّس، ومتى يتحول «القرار المدعوم بالبيانات» إلى قرارٍ يتخفف من المساءلة؟

من هنا يصبح الخلاف الراهن بين إدارة ترمب و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وفي طليعتها شركة «أنثروبيك»، امتداداً طبيعياً لعالم صنعه ثيل ورعاه. إنه عالم تتنافس فيه الدولة والشركات، لا على «الفكرة» بل على شروط تشغيلها. فالشركات تحاول وضع قيود أخلاقية وقانونية على نماذجها وخوارزمياتها، بينما تريد المؤسسات الأمنية هامشاً أوسع للاستخدام باسم الأمن الوطني.

وبين الطرفين، تقف منصّات مثل «بالانتير» بوصفها «بوابة الإدماج»... ليست النموذج نفسه، بل الطبقة التي تُدخل النماذج في قلب آلة الدولة، حيث يتحوّل التحليل إلى قرار، ثم إلى فعل... وتصبح معركة الشروط معركة على السيادة وعلى مسؤولية من يضغط الزّر.

«حصّاد البيانات» في ثوب منصة

تقدّم «بالانتير» منصتين أساسيتين، هما: «غوثام» الموجّهة للاستخبارات والدفاع والعمليات الأمنية، و«فاوندري» الموجّهة للحكومات المدنية والشركات.

الفكرة المركزية ليست «امتلاك البيانات» بقدر ما هي «وصل البيانات»، عبر ربط قواعد متفرقة، وتنظيفها، وبناء طبقة دلالية (من الشخص/الكيان؟ ما العلاقة؟ ما الحدث؟). ومن ثم تمكين فرق العمل من تتبّع الأنماط، وبناء سيناريوهات، وتوليد توصيات عمل. هذا ما يجعلها قابلة لأن تصبح «غرفة عمليات» رقمية... من مكافحة الاحتيال، إلى تتبّع الشبكات، إلى التخطيط اللوجيستي، ووصولاً إلى الاستهداف العسكري.

هنا تحديداً تتقاطع «تقنيات الرصد» مع «الحرب». فما كان يُنجَز عبر الاستعانة بفرق تحليل ضخمة تعمل لأيام، بات يمكن ضغطه إلى ساعات أو دقائق، شرط أن تكون خطوط البيانات مفتوحة، أي من خلال: أقمار اصطناعية، ومسيّرات، واتصالات، وسجلات مالية، ونقاط عبور، ومصادر مفتوحة، أي كل ما يوسّع صورة الميدان.

وفي برامج مثل منظومة «مايفن»، التابعة لـ«البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية)، تظهر «بالانتير» بوصفها مشغّلاً برمجياً يرفع «سقف السرعة» في تحويل الرصد إلى قرار. ولقد زادت وزارة الدفاع سقف عقود «مايفن» عبر تعديلات كبيرة، ما يعكس توسع الطلب العسكري على هذا النوع من القدرات.

من الرصد إلى «الضغط على الزناد»

في أحدث تجلّيات هذا التحوّل، تصف تقارير أميركية كيف أصبح الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات وتكاملات داخل المنظومات العسكرية، جزءاً من دورة اختيار الأهداف وترتيب أولوياتها في عمليات ضد إيران، وسط جدل سياسي وأخلاقي حاد حول حدود الاستخدام، ومَن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ.

واللافت أن «الخصومة» بين «البنتاغون» وبعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول الأسعار أو الملكية الفكرية، بل أيضاً حول شروط الاستخدام: فهل تسمح الشركة بتطبيق نماذجها في مراقبة داخلية واسعة؟ وهل تقبل أن تكون خوارزمياتها جزءاً من أنظمة قد تنزلق إلى «الاستقلال الذاتي» في القتل؟

في هذا المناخ، برزت قضية شركة «أنثروبيك» بوصفها نموذجاً للصدام. إذ إن الشركة تتمسّك بقيود أخلاقية، بينما يضغط مسؤولون في إدارة ترمب و«البنتاغون» لتوسيع نطاق الاستخدام في ملفات الأمن الوطني، وفق ما أوردته تقارير حديثة.

هنا أيضاً يظهر «معنى ثيل» تحديداً: فـ«بالانتير» ليست شركة نماذج لغوية فقط، بل شركة «بنية تحتية تشغيلية» تستطيع إدخال أي نموذج من أي جهة، إلى «خط الإنتاج العسكري»، أي إلى سلسلة الاستشعار، والتحليل، والتوصية، والقرار، والتنفيذ. ومن ثم تصبح المعركة بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي معركة على من يتحكم ببوابة الإدماج: النموذج؟ أم المنصة التي تضعه داخل آلة الدولة؟

«المسح الوجهي» والرصد الشخصي

حين يُذكر «المسح الوجهي» بوصفه سلاحاً جديداً، لا يعني هذا أن «بالانتير» شركة كاميرات أو خوارزميات تعرُّف وجوه بحد ذاتها؛ لكنها بحكم طبيعتها التكاملية قادرة على إدخال مُخرجات أنظمة التعرف إلى الوجوه ضمن لوحة واحدة تربط الهوية بالحركة بالاتصالات بالمعاملات.

ومن جهة ثيل، يظهر اسمه مباشرة في ملف الاستثمار المبكّر في شركة «كلير فيو إيه آي» المثيرة للجدل، التي عُرفت بقدرتها على مطابقة الوجوه مع قواعد صور ضخمة جُمعت من الإنترنت، وما أثاره ذلك من مخاوف حقوقية.

بهذا المعنى، يغدو ثيل جزءاً من مشهد أوسع، حيث التزاوج بين رأس مال وادي السيليكون، وشهية الدولة للأدوات السريعة، وتحوّل الخصم من «إرهابي» إلى «دولة» إلى «شبكة سيبرانية»، إلى هدفٍ لا يمكن التعامل معه من دون تفوق معلوماتي. وفي الحروب الحديثة، السيبرانية والتدميرية معاً، لا تعود المعركة على السلاح وحده، بل على «الزمن»، بالذات: من يختصر دورة القرار، ومن يربح ثانية واحدة إضافية في الرصد والتشويش والضرب.

أوكرانيا وإسرائيل... مختبر حرب البيانات

إبان حرب أوكرانيا، نُقل النقاش إلى العلن أكثر. إذ نقلت تقارير موثوقة عن مسؤولين وشركة «بالانتير» أن البرمجيات تُستخدم في مجالات تتّصل بالاستهداف، وتحليل بيانات الميدان، وحتى توثيق ملفات يُراد استخدامها في ملاحقات جرائم حرب.

وفي ملف إسرائيل، ظهرت حساسية أكبر بسبب الاتهامات الحقوقية، إلى حد أن مستثمراً مؤسّسياً نرويجياً أعلن التخارج من أسهم الشركة بسبب مخاوف مرتبطة بعملها هناك، وفق ما أوردته «رويترز».

هذه الأمثلة ليست هامشية في «بروفايل» ثيل، لأنها تشرح كيف انتقلت أدوات جمع البيانات من كونها «مساعدة» إلى كونها «محدِّدة لمسار الحرب». فحين تكون المنصة قادرة على ابتلاع تدفقات متعددة (صورة - إشارة - نص - إحداثيات) وإخراج «قائمة أولويات» في الوقت الحقيقي، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي حول القيود أو غيابها، جزءاً من الأمن الوطني نفسه.

من «مايفن»... إلى «تيتان»

وفي السنوات الأخيرة، تقدّمت «بالانتير» خطوة إضافية هي الدخول إلى برامج عسكرية تُجسّد فكرة «المعركة الموصولة» مثل مشروع «تيتان» (عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية) للجيش الأميركي. وهو نظام يهدف إلى استيعاب بيانات من الجو والبر والفضاء، وتحويلها إلى معلومات استهداف أسرع وأكثر دقة. هذا، وأُعلنت عقود التطوير والنمذجة بوضوح عبر قنوات رسمية وعلاقات مستثمرين، بما يعكس انتقال الشركة من «مزوّد برمجيات» إلى لاعب دفاعي مكتمل الأركان.

وهنا أيضاً، تكتسب قصة ثيل قيمة تفسيرية. ذلك أن الرجل الذي دافع طويلاً عن فكرة أن ليس على التكنولوجيا أن تخجل من الدفاع، يجد في «بالانتير» منصة تقول عملياً إن تفوق الدولة في الحروب المقبلة سيُقاس بقدرتها على «تنظيم البيانات» مثلما يُقاس بقدرتها على امتلاك الذخيرة.

والصدام الذي ظهر أخيراً بين الإدارة و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليس تفصيلاً تقنياً. إنه صدام على «شكل القوة الأميركية»... فهل تُبنى على نماذج مغلقة بشروط أخلاقية صارمة تفرضها الشركات لحماية سمعتها؟ أم تُبنى على «منطق الدولة» الذي يريد حرية استخدام أوسع ما دام ذلك تحت عنوان الأمن القومي؟

تقارير حديثة عن التوتر مع «أنثروبيك»، وعن بحث جهات رسمية وشبه رسمية عن بدائل، تضع هذا السؤال في مركز السياسة الدفاعية.وفي هذا السياق، تبدو «بالانتير» ومعها إرث ثيل، أقرب إلى «حلقة الوصل» التي تقلق الجميع. فهي ليست مجرد نموذج ذكاء اصطناعي يمكن التوقف عن استخدامه، بل «بنية تشغيل» إذا استقرت داخل المؤسسات يصبح فِكاكها مكلفاً، وتصبح شروط استخدامها جزءاً من هندسة الدولة نفسها. وهذا ما يفسر لماذا يتحوّل الجدل حول «خوارزمية» إلى جدل حول السيادة، ولماذا تُقرأ الحروب الحديثة، من ساحات أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، بوصفها حروباً على من يمتلك «منصة القرار» قبل أن يمتلك منصة الإطلاق.


«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
TT

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة، لا السوق الاستهلاكية، هي الزبون الذي يضمن النمو الطويل، وبخاصة مع عودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتحوّل الحروب إلى صراعات تُدار بالاستشعار والخوارزميات.

أُسست الشركة عام 2003، واليوم تبلغ قيمتها السوقية نحو 433 مليار دولار (مارس/ آذار 2026). وبحسب تقريرها السنوي عن 2025، بلغ «الرصيد المتبقي من قيمة العقود» أكثر من 11 مليار دولار، بينها 6.8 مليار لزبائن تجاريين، و4.4 مليار لزبائن حكوميين.

وتوضح الشركة أن هذه الأرقام لا تشمل العقود الحكومية غير المموّلة بالكامل، التي يصل سقفها التعاقدي الإجمالي إلى نحو 12.3 مليار دولار. وعلى صعيد العقود الأميركية الكبرى، وقّع الجيش اتفاقاً مؤسّسياً لمدة 10 سنوات بسقف حتى 10 مليارات يدمج 75 عقداً. وأعلنت عقداً ثابت السعر حتى نحو 100 مليون دولار على 5 سنوات لبرنامج «مايفين» مع «البنتاغون»، وعقداً آخر بقيمة 480 مليون دولار لتطوير البرنامج نفسه عام 2024. كذلك أبرمت وزارة الأمن الداخلي اتفاق شراء بسقف حتى مليار دولار، وتشمل العقود الحكومية جهات أميركية وحكومات حليفة خارجياً.

في الخارج، ساهمت الحروب في تسويق «بالانتير» بوصفها «أداة حرب بيانات» بقدر ما هي شركة تقنية. ففي أوكرانيا، نُقل عن الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، أن البرمجيات تُستخدم في سياقات تتصل بالاستهداف وتحليل الميدان، وفي توثيق ملفات لادعاءات جرائم حرب. وفي إسرائيل، أثارت طبيعة العمل حساسية استثمارية وحقوقية وصلت إلى تخارج مستثمر مؤسسي كبير.

هذا التوسّع السريع لا ينفصل عن موجة «عسكرة الذكاء الاصطناعي» داخل الغرب. هنا الشركات لم تعد تُباع كبرمجيات مكتبية، بل كمنصات تشغيل للقرار. وحين تصبح المنصّة جزءاً من بنية الدولة، يصبح نموها أقرب إلى «قصة اعتماد» طويلة الأجل: عقود متعددة السنوات، وتراكم بيانات، وتكلفة عالية للاستبدال، وهو ما يفسّر كيف تحوّلت «بالانتير» من اسم جدلي في وادي السيليكون إلى عنوان دائم في سوق الدفاع والأمن.