هكذا يستغل أوربان «كوفيد ـ 19» لإحكام قبضته على المجر

الزعيم اليميني المتشدد الذي أخفقت جهود أوروبا الهادئة في احتواء طموحه

هكذا يستغل أوربان «كوفيد ـ 19» لإحكام قبضته على المجر
TT

هكذا يستغل أوربان «كوفيد ـ 19» لإحكام قبضته على المجر

هكذا يستغل أوربان «كوفيد ـ 19» لإحكام قبضته على المجر

قبل خمس سنوات، في إحدى القمم الأوروبية في مدينة ريغا عاصمة لاتفيا، وقف جان كلود يونكر، رئيس المفوضية الأوروبية - حينذاك - منتظراً وصول القادة الأوروبيين لأخذ الصورة التذكارية معهم. وعندما اقترب رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، التفت يونكر إلى شماله متحدثاً لمن بجانبه قائلاً «ها قد وصل الديكتاتور». ابتسم هو ومن سمعه، وما كانت إلا لحظات حتى وصل أوربان مادّا يده ليونكر... فبادله الأخير المصافحة ضاحكاً مكرّراً «أهلا بالديكتاتور». ولم يبد أوربان منزعجاً من هذا الترحيب. وفي الواقع يُقال إنه لا يمانع أن يحمل هذا اللقب. ومع أن الوصف ألصق به في حينه عن طريق المزاح، إلا أنه اليوم يعود ليوصف بأنه «ديكتاتور» عن جدارة بعدما مرّر قانون طوارئ في البرلمان نهاية الشهر الماضي، يسمح له بالحكم منفرداً عبر إصدار مراسيم من دون الاضطرار إلى العودة إلى البرلمان، ولأجل غير مسمى. الحجة، كانت بالطبع مواجهة وباء «كوفيد - 19» (كورونا)، إلا أنه واقعياً أعطى نفسه صلاحيات غير محدودة لأجل غير مسمى. هذا أشعل غضباً كبيراً في أوروبا، رغم أن دولها منشغلة كل واحدة بنفسها بسبب الوباء الذي وصف بأنه أكبر تحد يواجه القارة منذ الحرب العالمية الثانية.
لم تشغل أزمة القارة الأوروبية منذ زمن، كما يشغلها الآن «كوفيد - 19» (كورونا).
عندما وصل هذا الوباء إلى أوروبا، تقوقعت كل دولة على نفسها محاولة أن تجد سبيلاً للسيطرة على التمدد المخيف لفيروسه المتنقل بين القارات.
وفي حين اتخذت كل دولة أوروبية تدابير خاصة لتسريع إصدار قرارات تمكنها من سرعة السيطرة على انتشار الوباء، مثل قوانين مؤقتة تعطي السلطات المركزية قوة أكبر وصلاحيات أوسع، بدت المجر وكأنها تقوم بالمثل. إذ قدم رئيس حكومتها فيكتور أوربان قانون الطوارئ الجديد أمام البرلمان الذي يسيطر عليه حزب القومي اليميني المتشدد «فيديز»، يسمح له بالحكم منفرداً من خلال إصدار مراسيم من دون الاضطرار إلى العودة للبرلمان، ولأجل غير مسمى. وأكثر من هذا، فإن القانون يجرّم كل مَن ينشر «معلومات خاطئة عن الفيروس تعرقل رد الحكومة»، ويعاقب بالسجن لخمس سنوات.
كثيرون اعتبروا أن هذا البند موجه للإعلام تحديداً، مع أنه لم يتبقّ في المجر الكثير من الإعلام المستقل. فمعظم وسائل الإعلام المجرية هي إما تابعة للحكومة أو مملوكة لأشخاص من دائرة أوربان. وعليه، لم تعُد هناك إلا بضع صحف صغيرة تُوصف بأنها مستقلة.
تعليقاً على القانون الجديد، قال الصحافي زولتان باتكا، الذي يكتب في صحيفة «نبسزافا» اليومية الصغيرة المعارضة، بحسب ما نقلت عنه قناة «دويتشه فيله» الألمانية - «هذا القانون يثير الكثير من الشك لأننا لا نعرف كيفية اتخاذ القرارات». وأضاف باتكا، أن القانون يشير إلى عقوبات لمن «ينشر معلومات حتى لو كانت صحيحة، لكن بطريقة ملتوية، يمكن أن تؤثر على حملة الحكومة، وهذا يعني أنه يمكننا أن نتعرض للسجن. ولكن مَن يحدد المقصود بـ(طريقة ملتوية)...؟».
- الاستفادة من حجم الغالبية
وعلى الرغم من إصرار المعارضة على إدخال بند يحدد المهلة الزمنية لهذا القانون، فقد رفض أوربان، ونجح بتمرير القانون بسبب سيطرته على ثلثي مقاعد النواب. ثم إنه رغم اعتراف النقاد والمعارضين بالظروف الاستثنائية التي توجب تمرير قوانين طوارئ، فإن مخاوفهم من الامتناع عن تحديد مهلة زمنية لإنهاء الطوارئ يعني أن الحكومة قد تبقي على هذا القانون حتى تاريخ الانتخابات المقبلة المقررة عام 2022 بحجة مكافحة الوباء، الذي يعتقد بأنه لن يكون تحت السيطرة الفعلية إلا بعد الموافقة على اللقاح، وهو أمر قد يستغرق سنة إضافية.
وحتى بعد إعلان المعارضة استعدادها لدعم القانون في حال جرى إدخال بند يحدد مهلة زمنية لرفعه، رفض الحزب اليميني الحاكم بزعامة أوربان رفض، وفق النائبة المعارضة أنياس فاداي. بل استخدم حزب أوربان رفض المعارضة التصويت على قانون الطوارئ في البرلمان ليتهمها بأنها «ضد الحرب على الفيروس». ووفق النائبة فاداي «بالطبع نحن ندعم الوضع الطارئ، ونوافق الحكومة على أن هناك حالة طارئة تستوجب فعل كل شيء لمواجهتها، وما كان طلبنا الوحيد إلا إدخال بند يحدد مهلة زمنية لقانون الطوارئ».
- انتقادات أوروبية بالجملة
المعارضة المجرية لم تكن وحدها الجهة التي أقلقها قانون الطوارئ هذا، بل سارعت الدول الأوروبية لانتقاد هذه الخطوة كذلك. وأصدرت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، بياناً في اليوم التالي للتصويت، دعت فيه إلى أن تكون كل الإجراءات الطارئة التي تتخذها الدول الأوروبية «محددة بما هو ضروري ومتناسب» ولا تدوم لأجل غير محدد، من دون أن تذكر المجر بشكل محدد.
وجاء في بيان فون دير لاين – وهي طبيبة – قولها «من المهم جداً ألا تكون الإجراءات الطارئة على حساب المبادئ الأساسية المحددة في معاهداتنا». وأعلنت المفوضية أنها ستراقب الإجراءات الطارئة التي تبنتها دول الاتحاد، كي تتأكد من أن القيم والمبادئ الأساسية ما زالت محفوظة.
وفي اليوم التالي، صدر بيان آخر عن كل من فرنسا، وألمانيا، وبلجيكا، والدنمارك، واليونان، وجمهورية آيرلندا، وإيطاليا، ولاتفيا، ولوكسمبورغ، وهولندا، والبرتغال، وإسبانيا، والسويد. وعبّر هذا البيان عن دعمه إعلان المفوضية مراقبة الإجراءات الطارئة في دول الاتحاد، وانتقد الخطوات المجرية من دون تسمية الدولة بالاسم. ومما جاء «في هذه الظروف غير المسبوقة، يحق للدول الأعضاء أن تتبنى إجراءات طارئة بهدف حماية موطنيها، ولكننا مع ذلك قلقون للغاية من خطر خرق القوانين والديمقراطية والحريات الأساسية عبر تبني بعض الإجراءات الطارئة». وأضاف، أن الإجراءات الطارئة «يجب آن تكون محددة بما هو ضروري ومتناسبة ومؤقتة، وتخضع للتدقيق المستمر وتحترم القوانين والواجبات الدولية من دون أن تحد من حرية التعبير والإعلام».
وذهب وزير خارجية لوكسمبورغ جان أسيلبورن أبعد من ذلك، عندما قال بأن على الاتحاد الأوروبي أن «يعاقب» المجر، وأنه «ليس علينا القبول بأن تكون هناك حكومة يرأسها ديكتاتور داخل الاتحاد الأوروبي». ونقلت عنه صحيفة «دي فيلت» الألمانية قوله، إنه «يجب عزل المجر سياسياً من دون إضاعة الكثير من الوقت»، مضيفاً «أكثر من ذلك، فإن حكومة ما عادت تخضع للتدقيق من قبل البرلمان لا يجوز احتفاظها بصوت في مجالس الوزراء الأوروبية التي تتخذ قرارات تتعلق بالأوروبيين».
- الكتلة الحامية حتى الآن
لكن حزب أوربان ينتمي إلى كتلة الشعب في البرلمان الأوروبي، وهي الكتلة نفسها التي تضم حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي الذي تنتمي إليه المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل وباقي الأحزاب اليمينية المعتدلة الأوروبية. وعلى الرغم من الكثير من النقاشات التي دارت في الماضي داخل الكتلة الكبيرة داعية لطرد حزب أوربان على اعتبار أنه ينتمي إلى تيار أحزاب اليميني المتطرف، فهو ما زال حتى الآن ينتمي إلى كتلة الشعب الأوروبية، مع أن الكتلة بالفعل علقت مشاركة الحزب خلال مارس (آذار) من العام الماضي؛ ما يعني أنه لم يعد يسمح له بالتصويت مع أحزاب الكتلة منذ ذلك الحين.
كان سبب الخلاف في ذلك الوقت تراكمياً يتعلق بخلافات حول السياسات الأوروبية للجوء. وكانت «القشة التي قصمت ظهر البعير» صورة دعائية مُعادية للمهاجرين نشرها الحزب وعليها صورة للملياردير اليهودي المجري (الأصل) جورج سوروس، ورئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر. وللعلم، دائماً ما يهاجم حزب أوربان سوروس لمساعداته السخية للاجئين، علماً بأنه من اليهود الناجين من المحرقة النازية في المجر. وخلال العام الماضي، تسببت قوانين جديدة تحد من حرية التعبير أدخلها أوربان، بدفع سوروس إلى نقل جامعته «الجامعة الأوروبية الوسطى» من العاصمة المجرية بودابست إلى العاصمة النمساوية فيينا بعدما بات مناخ العمل في المجر صعباً للغاية.
كذلك، بعد إعلان أوربان حالة الطوارئ، كتب 13 حزباً من أصل 47 ينتمون إلى كتلة الشعب الأوروبية، رسالة إلى رئيسها دونالد توسك يطلبون فيها طرد حزب «فيديز» من الكتلة، وعدم الاكتفاء فقط بتعليق عضويته.
... وموقف أميركي أيضاً
ولم تقتصر المواقف السلبية على أوروبا، بل جاءت كذلك انتقادات من الولايات المتحدة كانت أكثر وضوحاً. إذ قال إليوت إنغل، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس الأميركي، إن أوربان «ينتزع السلطة بشكل صارخ في ظل أسوأ أزمة صحية عالمية في التاريخ الحديث». وأضاف إنغل، أن قانون الطوارئ «يهمّش البرلمان، ويسمح لرئيس الحكومة أوربان بأن يحكم بالمراسيم كالديكتاتورين. هذا ازدراء بالديمقراطية في أي مكان، وهو أمر شنيع، وخاصة إذا كان في دولة عضو في حلف شمال الأطلسي (ناتو) والاتحاد الأوروبي».
أيضاً، أثار القانون قلقاً شديداً في مجال حرية الإعلام؛ إذ دفع بالمجموعة التنفيذية لتحالف حرية الإعلام، التي تضم ألمانيا، وكندا، ولاتفيا، وهولندا، وبريطانيا، والولايات المتحدة، إلى إصدار بيان منفصل من دون تسمية المجر. وعبّرت المجموعة عن قلقها «من جهود بعض الدول في الأزمة لفرض قيود تحد من حرية واستقلال الإعلام... هكذا أعمال تمنع المجتمعات من الحصول على معلومات مهمة فيما يتعلق بانتشار الوباء ويقلل من الثقة بالحكومات المسؤولة».
غير أنه رغم كل الجو العام، رد أوربان على كل الاتهامات بنفيها. وقال المتحدث باسمه زولتان كوفاكس، إن قانون الطوارئ «يتماشى مع المعاهدات الدولية والدستور المجري، وهدفه فقط مواجهة فيروس كورونا». وبرر كذلك وزير الدولة في حكومته سابا دوموتر الامتناع عن تحديد فترة زمنية لقانون الطوارئ بالقول، إن «لا أحد من الاختصاصيين والأطباء يمكنه القول إلى كم شهر علينا أن نستمر بالكفاح» ضد الوباء.
- التسلط المتزايد صار عادة
الواقع أنه منذ تسلّم أوربان رئاسة حكومة المجر عام 2010 وهو يدخل تعديلات تعزّز صلاحيات رئيس الحكومة. وخلال السنوات الماضية، قلص من صلاحيات المحكمة الدستورية، بل، لقد أصدر تعيينات لقضاة فيها يعتبرون مؤيدين له؛ ما يمنع حتى هذه السلطة الوحيدة القادرة على نزع قانون الطوارئ، عاجزة من مواجهته. كذلك لا يتوقع من البرلمان الذي يحكم السيطرة أوربان وحزبه قبضتهما عليه، أن يكون قادراً على نزع قانون الطوارئ. ما يعني بأن القرار برفعه عائد بشكل أساسي لأوربان نفسه.
في أي حال، تتردد أوروبا بمواجهة أوربان منذ سنوات. ولم يكن تعليق عضوية حزبه من كتل الشعب الأوروبية إلا خطوة أخرى ناقصة، تتأنى أوروبا في اتخاذها قبل الدخول في مواجهة مفتوحة مع الرجل الذي يحكم المجر منذ عقد من الزمن، ويدفع بالبلاد منذ الحين نحو سلطة مركزة أكثر فأكثر بيد رجل واحد.
من جهته، أوربان يسمي مقاربته مع الاتحاد الأوروبي بـ«رقصة الطاووس»، وهي المقاربة التي يعتمدها عبر تقديم تنازلات صغيرة كافية لإخراجه من مأزق كبير بينما يستمر بالعمل على إحداث التغييرات الكبيرة التي يسعى إليها لتحويل المجر إلى دولة أقل ديمقراطية، كما يراها كثيرون اليوم. وحقاً، اعتمد هذه المقاربة في معظم القوانين التي أثارت جدلاً داخل الاتحاد الأوروبي، وتسببت له بمشاكل معه.
ولعل مقاربته للجدل الذي أحاط إقالته لما يزيد على الـ400 قاض عام 2018 عبر تخفيض سن التقاعد من 70 إلى 62 سنة هي المثال الأفضل لشرح أسلوبه في التعاطي مع الاتحاد الأوروبي. فعندما خفّض سن تقاعد القضاة وعلت صرخة المعارضة، التي اتهمته بمحاولة تشديد قبضته على السلك القضائي من خلال إقالة هؤلاء القضاة لاستبدالهم بآخرين هو يختارهم. ومن ثم دخل في صراع قانوني طويل مع الاتحاد الأوروبي، في نهايته كان معظم القضاة قد اضطروا إلى قبول العرض الذي قدمته له الحكومة وقرّروا الاستقالة باكراً.
- ثمن التراخي الأوروبي
لذا؛ يوجه البعض اللوم للاتحاد الأوروبي بالتراخي مع أوربان، والسماح له منذ سنوات بتشديد قبضته على الحكم. وهذا، مع أن الرجل غالباً ما ينتقد الاتحاد الأوروبي، ويرفض حتى قرارات لا تتماشى مع أجندته الشعبوية، ولا سيما، تلك المتعلقة بـ«الكوتا» التي فرضها على دول الاتحاد لتوزيع اللاجئين. وراهناً، يروج الإعلام اليميني التابع لأوربان منذ بداية انتشار الوباء لقصص عن مدى «نجاعة» تعاطي الصين وروسيا مع الأزمة مقابل الفوضى التي تلف دول أوروبا الغربية في التعاطي مع الأزمة نفسها.
كل هذا رغم تلقي المجر مساعدات مالية كبيرة من الاتحاد الأوروبي بلغت 6 مليارات يورو في عام 2018، أي ما يعادل 5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل مساهمة المجر بمليار يورو فقط لصندوق الاتحاد الأوروبي. أضف إلى ذلك، أن الكثير من المشاريع الممولة من الاتحاد الأوروبي، يستفيد منها أقرباء ومقرّبون من أوربان الذين يكافئهم بمنحهم معظم العقود التي تقدمها الدولة.
ويجمع عدد من السياسيين اليوم، من بينهم النائبة السابقة لرئيس المفوضية الأوروبية فيفيان ريدينغ، وهي من لوكسمبورغ، على أن الحل الوحيد المتبقي أمام أوروبا لمواجهة أوربان هو بقطع التمويل عنه، بعد طرد حزبه من كتلة الشعب الأوروبية.
وذكرت ريدينغ في حديث لموقع «بلومبيرغ» بأن الوقت قد لا يكون ملائماً الآن للاتحاد الأوروبي المثقل بأزمة الوباء، بأن يفتح باب أزمات جديداً، لكن على المدى الأبعد تقول فإن «إساءة استخدام حكم القانون يمكنه أن يسمم الاتحاد من الداخل»، وعلى أوروبا أن تواجه أوربان.
- المجر... لمحة تاريخية جغرافية
> المجر دولة من دول أوروبا الوسطى، و«حلف وارسو» سابقاً إبان حقبة الحرب الباردة. وهي بحدودها الحالية دولة لا تطل على البحر تبلغ مساحتها أكثر بقليل من 93 ألف كلم مربع، معظمها في سهل المجر الخصب، أما أهم أجسامها المائية فنهر الدانوب وبحيرة بالاتون.
يبلغ عدد سكان المجر نحو عشرة ملايين نسمة، غالبيتهم من المسيحيين الكاثوليك، ولغتها الرسمية اللغة المجرية كبرى مجموعة اللغات الفينو - أوغرية الأورالية التي تضم أيضاً الفنلندية، والإستونية، والكاريلية. وتحدها من الشمال سلوفاكيا، ومن الشمال الشرقي أوكرانيا، ومن الشرق والجنوب الشرقي رومانيا، ومن الجنوب صربيا، ومن الجنوب الغربي كرواتيا وسلوفينيا، ومن الغرب النمسا.
عاصمة البلاد وكبرى مدنها مدينة بودابست، التي هي أصلاً عبارة عن مدينتين بست وبودا اللتين يفصلهما الواحدة عن الأخرى نهر الدانوب. أما أبرز المدن الأخرى فهي ديبريسن وسيغيد وميشكولتس وبيش وديور وبيكشوبو.
عبر التاريخ تعاقبت على سكن أرض المجر الحالية شعوب عديدة، بينها الكلت، والرومان، والقبائل الجرمانية، والهون، والسلاف، والآفار. أما بدايات الكيان السياسي المجري فتعود إلى أواخر القرن الميلادي التاسع بفضل الأمير آرباد. وعام 1000م دخلت المسيحية مملكة المجر مع تولي الملك إسطفان الأول أحد أحفاد آرباد العرش.
خلال الفترة بين القرنين الثاني عشر والخامس عشر صارت المجر قوة إقليمية مرموقة. إلا أن هزيمتها في معركة موهاتش عام 1526 أمام العثمانيين بقيادة السلطان سليمان القانوني مكّن العثمانيين من احتلال إجزاء من أراضيها. وبعدها رضخت لحكم سلالة الهابسبورغ في مطلع القرن الثامن، ثم صارت جزءاً من الإمبراطورية النمساوية – المجرية، وذلك حتى نهاية الحرب العالمية الأولى. وعبر معاهدة التريانون رسمت حدود المجر الحالية بخسارة 71 في المائة من أراضيها وأكثر من 58 في المائة من سكانها.
في الحرب العالمية الثانية كانت المجر ضمن قوى «المحور»، وبالتالي، مُنيت بخسائر فادحة، وانتهت في الفلك السوفياتي، جزءاً من أوروبا الشرقية الشيوعية، حتى سقوطها وانفراط «حلف وارسو» عام 1989. وهي منذ 2004 عضو في الاتحاد الأوروبي و«ناتو».


مقالات ذات صلة

تشاكا يعود لارتداء شارة قيادة منتخب سويسرا

رياضة عالمية غرانيت تشاكا يعود لارتداء شارة قيادة منتخب سويسرا (رويترز)

تشاكا يعود لارتداء شارة قيادة منتخب سويسرا

يعود غرانيت تشاكا لارتداء شارة قيادة منتخب سويسرا مجدداً، وذلك بعد غيابه عن آخر أربع مباريات لاعترافه بتزوير شهادات تطعيمه خلال جائحة كورونا (كوفيد - 19).

«الشرق الأوسط» (برن)
صحتك الهواء الجاف قد يؤثر في الأنف والحلق (بيكسلز)

لماذا يزيد الشعور بالتهاب الحلق في الخريف؟

إذا كنت تعاني من ألم في الحلق حالياً، يرى خبراء أن جفاف الهواء خلال فصل الخريف قد يكون وراء هذا الشعور.

«الشرق الأوسط» (لندن)
رياضة عالمية مشجع يحمل صورة للاعب تشاكا خلال مباراة سويسرا واسكوتلندا الأخيرة في دوري الأمم (أ.ب)

تغريم السويسري تشاكا بسبب تزوير شهادة لقاح كورونا

عوقب قائد المنتخب السويسري غرانيت تشاكا، الخميس، بغرامة مالية على خلفية استخدام شهادة مزورة لتلقيح ضد كوفيد خلال فترة تفشي الجائحة.

«الشرق الأوسط» (زيوريخ)
صحتك يُصاب بعض الأشخاص بالزكام أكثر من غيرهم بسبب اختلاف قوة المناعة وكثرة التعرض للفيروسات (بيكساباي)

لماذا يصاب بعض الناس بالزكام أكثر من غيرهم؟

يُصاب بعض الأشخاص بالزكام أكثر من غيرهم بسبب اختلاف قوة المناعة، وكثرة التعرض للفيروسات، ونستعرض في التقرير التالي الأسباب الأخرى.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك التهاب الحلق يُعد أحد الأعراض المميزة لـ«كوفيد-19» (بيسكاباي)

لماذا تنتشر التهابات الحلق في الخريف؟ وكيف تميّزها عن كورونا؟

تنتشر التهابات الحلق في الخريف بسبب تقلبات الطقس وزيادة انتشار الفيروسات مع قضاء وقت أطول بالأماكن المغلقة وتتشابه في الأعراض مع فيروس كورونا.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

نتنياهو (غيتي)
نتنياهو (غيتي)
TT

الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

نتنياهو (غيتي)
نتنياهو (غيتي)

تلقى منصور عباس مساء الخميس اتصالاً من أحد المقربين من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، محاولاً جس نبضه إن كان مستعداً لترك معسكر غادي آيزنكوت والانضمام إليه في الجهود لتشكيل حكومة وحدة وطنية، وما الثمن الذي يطلبه لقاء ذلك. وحدّد رسول نتنياهو السؤال أكثر: «هل سترغب في الانضمام للحكومة وتحظى بمنصب وزير أو ستكتفي بالدعم من الخارج مقابل ميزانيات ومطالب مدنية محددة؟». مَن يقرأ هذه الكلمات يستصعب تصديقها؛ لأن هذا الاتصال جاء في وقت كانت فيه إسرائيل تغلي كالمرجل بسبب الحملة التي شنها نتنياهو على الأحزاب العربية لتجريدها من شرعيتها، ولتخويف آيزنكوت من التفكير في تشكيل حكومة بمساندتها. لقد كانت وسائل الإعلام غارقة في متابعة «قطر غيت» ثانية؛ إذ أعلن «الشاباك» أنه «يحقق في معلومات عن تدخّل قطر ودول أخرى في الانتخابات الإسرائيلية عبر تمويل بعشرات ملايين الشواقل»، لكن تبين أن القصة غير جادة ولم تؤثر على نتائج الانتخابات. وكانت مشغولة أيضاً في اتهامات حول تزوير الانتخابات لدى العرب، وهذا أيضاً لم يثبت. ولجنة الانتخابات أكدت أنه لا يوجد شك في نزاهة الانتخابات لدى العرب. لكن نتنياهو نجح في إثارة عاصفة مخيفة.

كان واضحاً أن بنيامين نتنياهو ليس مهتماً حقاً بالدعم الخارجي للأحزاب العربية ولا أي أحزاب؛ فجميع الأحزاب الإسرائيلية تحصل على دعم خارجي، وهو نفسه يتباهى بالدعم الخارجي الذي يحصل عليه معنوياً ومالياً من عدة جهات في اليمين الأميركي، ويعرف أن الدعم الذي حصل عليه من الرئيس دونالد ترمب لا يقدّر بثمن. لكن القضية هي أن نتنياهو يقرأ جيداً نتائج الانتخابات ويدرك أنه خسرها.

صحيح أنه حقق نتائج أفضل مما كان متوقعاً؛ فالاستطلاعات كانت تشير إلى أنه سيخسر ربع قوته، لكنه وفق النتائج النهائية وشبه الرسمية، التي أعلنتها لجنة الانتخابات، خسر خُمس قوته، ولن يكون بمقدوره العودة إلى الحكم بحكومة يمين كامل.

وهذه النتائج تشير بوضوح إلى أن الجمهور الإسرائيلي يريد بغالبيته تغيير هذه الحكومة؛ إذ منح أكثرية 67 مقعداً من مجموع 120 مقعداً للمعسكر المناوئ بقيادة غادي آيزنكوت.

جبارين (الأناضول)

النتائج التفصيلية

بعد فرز 100 بالمائة من مجمل أصوات انتخابات الكنيست، بما يشمل المغلفات المزدوجة، أعلنت لجنة الانتخابات المركزية النتائج شبه الرسمية (النتائج الرسمية تسلّم لرئيس الدولة يوم الأربعاء المقبل)، ويتّضح منها أن معسكر نتنياهو استقر عند 53 مقعداً، في حين استقر معسكر أحزاب المعارضة الصهيونية عند 48 مقعداً، بالإضافة إلى 19 مقعداً للقائمتين العربيتين («المشتركة» بـ11 مقعداً، و«الموحّدة» بـ8 مقاعد).

من جهة ثانية، تبين أن أصوات الجنود والمرضى في المستشفيات أحدثت تغييرات طفيفة داخل المعسكرات؛ فبسببها خسرت «القائمة العربية المشتركة» مقعداً واحداً ربحته «القائمة العربية الموحّدة»، وخسر حزب «شاس» الحريدي الشرقي مقعداً ربحه «الليكود». وبناء عليه، ستتوزّع المقاعد كما يلي: «الليكود» بقيادة نتنياهو 27 مقعداً (1.16 مليون صوت)، و«يشار» بقيادة آيزنكوت 21 مقعداً (910 آلاف صوت)، و«بياحد» بقيادة نفتالي بينيت ويائير لبيد 12 مقعداً (529 ألفاً)، و«القائمة المشتركة» بقيادة يوسف جبارين وأحمد الطيبي وسامي أبو شحادة 11 مقعداً (499 ألفاً)، و«الديمقراطيون» بقيادة يائير غولان 8 مقاعد (458 ألفاً)، و«القائمة الموحّدة» بقيادة منصور عباس 8 مقاعد (336 ألفاً)، و«يسرائيل بيتينو» بقيادة أفيغدور ليبرمان 7 مقاعد (322 ألفاً)، و«يهدوت هتوراه» للحريديم الأشكناز 7 مقاعد (311 ألفاً)، و«عوتسما يهوديت» بقيادة إيتمار بن غفير 7 مقاعد (325 ألفاً)، و«شاس» بقيادة أرييه درعي 6 مقاعد (298 ألفاً)، و«الصهيونية الدينية» بقيادة بتسلئيل سموتريتش 6 مقاعد (288 ألف صوت).

بحسب لجنة الانتخابات، بلغت نسبة التصويت 77.7 بالمائة؛ إذ كان عدد المقترعين 5.697.290 مقترعاً (من مجموع 7.3 مليون صاحب حق اقتراع)، وعدد صناديق الاقتراع 12.884 صندوقاً. وقد أُلغي 25 ألفاً و756 صوتاً، وبقي 5.671.534 صوتاً صحيحاً.

وفي قراءة أولية لهذه النتائج، يتضح أن حزب نتنياهو زاد عدد أصواته من 1.11 مليون صوت عام 2022 إلى 1.16 ألف؛ أي بزيادة 48 ألف صوت جديد. لكن عدد المقاعد التي حصل عليها في الانتخابات السابقة بلغ 32 مقعداً (لا تشمل 4 مقاعد جلبها إليه جدعون ساعر عندما انشق عن بيني غانتس)، وهبط في هذه الانتخابات إلى 27 مقعداً. والسبب في هذا الهبوط يعود إلى الارتفاع الكبير في نسبة التصويت. وحصل هذا الارتفاع بسبب التجنيد الكبير للقوى التي قرّرت إسقاط نتنياهو، وفي مقدمتهم العرب، الذين ارتفعت نسبة التصويت لديهم من 53 بالمائة في 2022 إلى 80 بالمائة هذه المرة.

الجمهور أعطى رسالة لقادته وللعالم أن جرح «7 أكتوبر» عميق.. ونتنياهو ليس المفضّل لكنه يتمتع بجوانب يتمسكون بها

حصة نتنياهو

عملياً، كانت خسارة نتنياهو كبيرة على صعيد الحصص في معسكره (من 68 إلى 53 مقعداً). وأيضاً تراجع حزب «شاس» من 11 مقعداً إلى 6 مقاعد، ما يعد انهياراً؛ فهذا الحزب، الذي استقطب سابقاً معظم أصوات اليهود الشرقيين، ووصل إلى 17 مقعداً، يعاني اليوم من أزمة ثقة مع القيادة. وهو حزب فقر وفقراء، يعمل في مدارسه عشرات الألوف، لكن لا توجد مراقبة على حساباته. وجمهوره يتهم القيادات بالفساد (يحصل هذا الحزب مع حزب الحريديم الأشكناز على 11 مليار شيقل)؛ لأن المواطنين، بمن فيهم أعضاء الحزب، لا يشعرون بهذه الأموال.

الجناحان المتطرفان للمستوطنين خسرا أيضاً بعض قوتَيهما؛ إذ حصلا معاً على 14 مقعداً في الانتخابات السابقة، وهبطا حالياً إلى 13 (سموتريتش هبط من 8 إلى 6 مقاعد، وبن غفير ارتفع من 6 إلى 7 مقاعد، مع العلم أن الاستطلاعات كانت تمنح بن غفير 9 و10 مقاعد قبل شهرين).

وتتهم أحزاب اليمين نتنياهو بإدارة حملة منظّمة في الأسبوع الأخير من المعركة الانتخابية هدفها أن يصبح أكبر حزب، ولهذا الغرض «شفط» منها عشرات ألوف الأصوات وتسبب في تقليص قوتها.

معسكر آيزنكوت

في المقابل، تمكن آيزنكوت من إقناع الجمهور، ولو جزئياً، بأنه أفضل مَن يهزم نتنياهو. ومع أن حزبه يبلغ من العمر 13 شهراً فقط، وهو شخصياً يفتقر للكاريزما المطلوبة للشارع الإسرائيلي، تمكن من اقتحام معاقل «الليكود» وبعض قلاع الأحزاب الدينية، وحصل على 21 مقعداً، ورسّخ مكانته كأكبر أحزاب المعارضة، رغم أن حلفاءه في المعسكر (نفتالي بينيت ويائير لبيد وأفيغدور ليبرمان) رفضوا قبوله رئيساً للمعسكر، ومنعوه من الظهور كمرشح عنه لرئاسة الحكومة. وحتى بعد ظهور النتائج شبه الرسمية لا يعلن هؤلاء أنهم سيوصون رئيس الدولة بتكليفه بتشكيل الحكومة. وسيضطر إلى إدارة مفاوضات معهم في الموضوع.

وأما حزب «بياحد»، الذي كان يتمثل بـ24 مقعداً، فقد هبط إلى 12 مقعداً فقط، مع أن الاستطلاعات منحته 14 مقعداً في الأسبوع الأخير. في حين حصل ليبرمان على 7 مقاعد (كان لديه 6 مقاعد)، بعدما حصل في الشهور الأخيرة على 12 مقعداً في الاستطلاعات.

آيزنكوت (أ.ف.ب)

مفاجأة الانتخابات

في المقابل، كان العرب مفاجأة الانتخابات، أكان ذلك بنسبة التصويت (التي بلغت 80 بالمائة)، أم عدد المقاعد (إذ قفزوا من 10 مقاعد إلى 19 مقعداً). وهكذا ساهموا بقوة في إسقاط حكومة نتنياهو، والرد على محاولات القمع والكبت والتهميش والعنصرية، وأظهروا حضوراً لافتاً في الساحة السياسية.

وأيضاً، بخوضهم المعركة الانتخابية بقائمتين؛ «المشتركة» (التي تضم ثلاثة أحزاب)، و«الموحّدة» (التي تضم «الحركة الإسلامية» التي تحالفت مع ضابط شرطة كبير سابق)، تمكنوا من تجنّب إضاعة أي صوت. وحقاً، أوصلوا رسالة مجلجلة للمجتمع اليهودي بأنهم يواجهون بلا خوف الخطاب العنصري ضدهم، مؤكدين أنهم لا يضعون شروطاً قاسية على آيزنكوت.

من جهة ثانية، لم يُعرف بعد كيف رد منصور عباس على مقترح نتنياهو، لكنه اجتمع مع يائير غولان وتحدث إلى لبيد ومقربين من آيزنكوت. وأكد التزامه بالخطوات المقررة لإقالة رئيس الكنيست. فإذا تمكن من عقد لقاء مع نتنياهو أو مقرب منه، وكُشف الأمر للإعلام، سيساعد آيزنكوت على تشكيل حكومة تستند إلى العرب (قسم من داخل الحكومة وقسم من خارجها).

وما يُذكر هنا أن حزب «الديمقراطيين» - مع أنه حصل على 8 مقاعد فقط - خرج بقوة إلى العمل، واجتمع مع لبيد وعباس في محاولة للتقدّم نحو تشكيل حكومة أقلية، تضم «القائمة العربية الموحّدة». ويقول: «نحن مع (القائمة الموحّدة) 55 نائباً، مقابل معسكر نتنياهو المؤلف من 53 نائباً. ولدينا احتياطي ممثل في (القائمة المشتركة)، بـ11 نائباً؛ أي إنها تقف جسماً مانعاً أمام أي محاولة لنتنياهو لإسقاط الحكومة».

وهكذا، باختصار، أظهرت نتائج الانتخابات ما يلي:

أولاً: فشل الاستطلاعات.

ثانياً: فشل نتنياهو؛ إذ خسر خُمس قوة معسكره اليميني المتطرف، وليس بمقدوره العودة لتشكيل حكومة يمين خالص.

ثالثاً: ما زالت إسرائيل تعاني من أزمة قيادة؛ إذ لا وجود لزعيم «كاريزمي» يستطيع جرف الجمهور إلى جانبه، مثل بن غوريون أو مناحيم بيغن أو أرئيل شارون، أو حتى إيهود باراك.

رابعاً: ينتظر الجمهور اليميني اليوم أن ينجح نتنياهو في حملته ضد العرب ليمنع آيزنكوت من تشكيل حكومة معهم. وفي المقابل، ينتظر جمهور اليمين الوسط والليبراليون أن يشد آيزنكوت أزره ويشكّل حكومة مستقرة؛ إذ يوجد لديه الآن 67 نائباً مستعدون لتتويجه رئيس حكومة.


رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
TT

رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)

لقد فرضت نتائج الانتخابات الإسرائيلية على المجتمع اليهودي وأحزابه وقادته أن ينظروا إلى أنفسهم بالمرآة، فيما يتعلق بموقفهم من العرب. ففي السنوات الأولى لقيام الدولة العبرية، جرت عدة مداولات، كشف عنها النقاب بعد عدة عقود، موضوعها هل بقاء عرب في إسرائيل كان صحيحاً أم خطأ فاحشاً؟ كان هناك من قرر أنه خطأ جسيم. كما وضعت عدة خطط لترحيلهم، من بينها ارتكاب مجزرة كفر قاسم عام 1956.

وعام 1973، كشف الجنرال أهارون يريف، الرئيس الأسبق لشعبة الاستخبارات العسكرية، عن مخطط لدى الجيش الإسرائيلي لترحيل 600 – 700 فلسطيني من الضفة الغربية ومن الجليل في أول حرب تواجه إسرائيل.

لكن عام 1993، عندما احتاج إسحاق رابين إلى العرب لحماية حكومته من السقوط، تحالف مع الحزبين العربيين («الجبهة» بقيادة توفيق زياد و«الحزب الديمقراطي العربي» بقيادة عبد الوهاب دراوشة) اللذين تحوّلا إلى جسم مانع في وجه اليمين، ودعماه من خارج الحكومة.

في حينه أيضاً، تعرض رابين إلى هجمة شبيهة بالهجمة التي يواجهها آيزنكوت اليوم لاستناده إلى العرب. وفي تلك الفترة أيضاً، قاد الهجمة العنصرية نتنياهو نفسه. لكن رابين واجه تلك الهجمة بقوة، وقال: «عار ألا يتعامل اليهود مع العرب بمساواة... نحن اليهود عشنا تحت الظلم والتمييز والعنصرية مئات السنين في أوروبا. ولا يجوز لنا أن ننبذ العرب خارج الصفوف، ونتعامل معهم بعنصرية».

حتى نتنياهو، عندما احتاج إلى العرب لتثبيت حكومته عام 2015، تكلم عن العرب بطريقة مختلفة. واعتذر لهم على أنه تكلم يوم الانتخابات ضد تدفقهم إلى الصناديق. وبثّ شريط فيديو يقول فيه ما يلي: «مواطنينا العرب الأعزاء (بعدما قالها بالعبرية، أعادها بالعربية المكسّرة: مواتنونا العرب الأعزاء)، قبل أن يتم انتخابي قلت إن مواطنينا العرب تدفّقوا بجماهيرهم إلى صناديق الاقتراع. رغم أنني كنت أقصد حزباً سياسياً محدداً، فإن بعض المواطنين العرب شعروا أنني مسست بهم، وأفهم ذلك. اعتذرت عن الشكل الذي فهمت فيه أقوالي. أكثر من 20 في المائة من مواطنينا هم عرب. وأنتم وصلتم إلى إنجازات مذهلة. قضاة في المحكمة العليا وأعضاء كنيست. أدباء ذوو سمعة. أطباء وصيادلة ورجال أعمال وأصحاب شركات في الهايتك وعلماء. أنا أعتز بالدور الذي تقومون به لنجاح إسرائيل. وأريد أن يكبر دوركم أكثر. إن احترام الأقليات ليس الأمر الصحيح فقط، الذي يجب أن نقوم به، بل هو أمر حيوي لنا ولتقدمنا». وبعد هذا الموقف، صادقت حكومته على خطة لتطوير البلدات العربية بقيمة 5 مليارات شيكل (1.5 مليار دولار).

وعام 2021، عاد نتنياهو إلى تصريحات مشابهة، عندما تفاوض مع منصور عباس على التحالف ودعم حكومته، لكنه تراجع لأن حزب سموتريتش فرض «الفيتو» وهدّد بإسقاط الحكومة. فتوجّه عباس إلى بنيت ولبيد وأقام معهما تحالفاً. ويومها رفض عباس أن يكون جزءاً من الحكومة، لكنه كان جزءاً من الائتلاف البرلماني (في الكنيست). ولم تطل هذه التجربة، إذ تمكن نتنياهو من إسقاط الحكومة بعد 1.5 سنة، لكنها اعتبرت تجربة بالغة الأهمية. ويحاول عباس اليوم تكرارها.

كثيرون من أنصار السلام في إسرائيل يعيدون هذه الأيام نشر الفيديوهات الإيجابية التي تظهر تصريحات رابين ونتنياهو المذكورة أعلاه، لغرض تشجيع آيزنكوت على مواصلة هذا التوجه السليم. وفي هذه الأثناء، أجري استطلاع رأي، الخميس، قال فيه 59 في المائة من ناخبي معسكر آيزنكوت إنهم يؤيدون تشكيل حكومة مع العرب.

بالتالي، القضية اليوم المطروحة بعد نشر نتائج الانتخابات هي؛ هل سيتغلب آيزنكوت على حملة نتنياهو العنصرية، ويثبت أنه قائد قوي وجريء، ويقيم التحالف الذي يضمن له احترام إرادة الناخب وإسقاط حكم نتنياهو.

صحيح أن الجمهور أعطى رسالة لقادته وللعالم أن جرح «7 أكتوبر» عميق ويهيمن على كل زاوية ويغرقهم في كراهية جنونية للعرب، وصحيح أيضاً أن الجمهور لم يعد يرى في نتنياهو القائد المفضل، لكن نتنياهو يتمتع بجوانب قوة يتمسكون بها، ولا يجدونها بعد لدى آيزنكوت وغيره من الجنرالات الذين اهتزت بهم ثقة الناس.


السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟
TT

السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

في الثالث من أكتوبر (تشرين الأول) وقفت إليسا سلوتكين إلى جانب المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عبدول (عبد الرحمن) السيد، في لقاء انتخابي بمدينة وارن بولاية ميشيغان. في هذا اللقاء بالمدينة - بضواحي مدينة ديترويت - كانت السيناتورة اليهودية ذات الخلفية الاستخباراتية والمواقف الوسطية، تدعم مرشحاً مسلماً تقدمياً تختلف معه في قضايا خارجية، وتتحفظ عليه شخصيات يهودية بسبب مواقفه من إسرائيل. بالنسبة إليها، كان المشهد فرصة لإثبات إمكانية العمل المشترك رغم الخلاف. وبالنسبة إلى حزبها، كان اختباراً لقدرة مكوّناته على البقاء معاً عشية انتخابات قد تعيد توزيع السلطة في واشنطن. ومع أن سلوتكين لا تخوض انتخابات تجديد مقعدها الثلاثاء المقبل، لكن موقعها السياسي يخضع لاختبار من نوع آخر.

السيناتورة إليسا سلوتكين، التي فازت عام 2024 في ولاية ميشيغان بشمال الولايات المتحدة التي اختارت يومذاك دونالد ترمب للرئاسة، تحاول اليوم المساهمة في إنقاذ الائتلاف الذي حملها إلى واشنطن. وهي بين خبرتها الأمنية، وهويّتها اليهودية، وعلاقتها بناخبين عرب ومسلمين، وطموحها الوطني المحتمل، تتشكّل شخصية استثنائية قد يصبح تأثيرها أكبر من عمر تجربتها القصيرة في مجلس الشيوخ.

جذور ومسارات

ولدت إليسا سلوتكين في مدينة نيويورك يوم 10 يوليو (تموز) 1976، ونشأت في ميشيغان حيث ارتبط تاريخ عائلتها بمزرعة في بلدة هولي وبشركة «هايغريد فودز» لتعليب اللحوم. ومن أشهر منتجات الشركة نقانق «بول بارك» التي ارتبطت بمدرّجات ملعب الـ«تايغر» التابع لنادي ديترويت تايغرز لكرة القاعدة (البيسبول) في مدينة ديترويت.

هذه تفاصيل تستحضرها سلوتكين في موقعها الرسمي عن سيرتها، لربط سيرة العائلة بتاريخ الولاية الصناعي وحياتها اليومية، بعيداً عن الصورة المجرّدة لموظفة أمن قومي سابقة آتية من واشنطن.

درست السيناتورة المستقبلية في جامعتين من أرقى جامعات أميركا، فحازت بكالوريوس في علم الاجتماع الريفي من جامعة كورنيل، ثم ماجستير العلاقات الدولية من جامعة كولومبيا عام 2003.

وبين الاختصاصين مسافة تبدو حاضرة في خطابها. اهتمام بالمجتمعات المحلية ومصادر عيشها، وانشغال بموقع الولايات المتحدة وأخطار العالم. لكنها لم تدخل السياسة الانتخابية مباشرة بعد تخرّجها من الجامعة، بل أمضت سنوات في مؤسسات اعتاد أن يعمل موظفوها بعيداً عن الجمهور.

بحسب روايتها، وقعت هجمات 11 سبتمبر (أيلول) خلال أسبوعها الأول في نيويورك لبدء الدراسات العليا، فدفعتها إلى اختيار العمل الأمني. وبالفعل، التحقت بوكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) محللة لشؤون الشرق الأوسط، ثم أرسلت إلى بغداد في أولى 3 مهمات بالعراق.

لم تكن يومذاك عسكرية، بل عملت إلى جانب القوات والدبلوماسيين الأميركيين، في بيئة تداخلت فيها المعلومات الاستخباراتية بالمواجهات المسلحة وصراعات النفوذ.

ومن العراق، انتقلت إلى وظائف في مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية و«البنتاغون» (وزارة الحرب)، وخدمت في إدارتي جورج بوش الابن وباراك أوباما. ووصلت إلى منصب مساعد وزير الدفاع بالإنابة لشؤون الأمن الدولي.

هذه الخبرة منحت سلوتكين مادة سياسية مميّزة، وبالفعل قدّمت نفسها كموظفة خدمت الدولة تحت رئيسين من حزبين مختلفين، قبل أن تغدو ممثّلة منتخبة لأحدهما. لكنها أيضاً ارتبطت بمؤسّسة أمنية تواجه أسئلة متراكمة عن نتائج الحروب الأميركية وحدودها.

الأم والسياسةإذا كان العراق قد صاغ خبرة إليسا سلوتكين المهنية، فإن مرض والدتها شكّل العامل الشخصي الذي دفعها لدخول السياسة، بحسب روايتها. إذ شُخصت إصابة والدتها بسرطان المبيض في مرحلة متقدمة عام 2009، عندما كانت بلا تأمين صحي، وبعدما جعل تاريخ الإصابة بسرطان الثدي تكلفة التغطية المالية للعلاج مرهقة. وهنا تروي سلوتكين أن الأسرة كانت تبحث عن علاج ينقذ حياة الأم، وتملأ في الوقت نفسه أوراق إشهار إفلاسها.

توفيت والدتها عام 2011، لكن التجربة بقيت أساساً لموقفها من حماية المصابين بأمراض مُزمنة وخفض أسعار الأدوية. وحين حاول الجمهوريون إلغاء الحماية التي أتاحها «قانون الرعاية الصحية»، قرّرت خوض الانتخابات عن الديمقراطيين. وهكذا وجدت مسؤولة الأمن السابقة مدخلها إلى الناخبين في مسألة شخصية يمكن لملايين العائلات فهمها.

عضو مجلس النواب

عام 2018، انتخبت سلوتكين نائبة في مجلس النواب عن ميشيغان بعدما انتزعت مقعداً للجمهوريين، وكرّرت الفوز في عامي 2020 و2022. ثم انتقلت إلى المنافسة على مقعد السيناتورة الديمقراطية المتقاعدة ديبي ستابيناو عام 2024.

يومذاك، لم يكن انتصارها كاسحاً، إذ حصلت على نحو 2.713 مليون صوت متقدّمة بـ19 ألف صوت فقط على الجمهوري مايك روجرز، الذي ينافس اليوم عبدول السيد. بيد أن لهذا الهامش معنى يتجاوز الحساب الانتخابي. فهو يمنحها حجة بأنها تستطيع الفوز في بيئة لا تضمن نجاح الديمقراطيين، لكنه يذكّرها بأن أي خسارة محدودة بين المستقلين أو العمال أو الأقليات قد تقلب النتيجة. في تلك المعركة، ركّزت سلوتكين حملتها على تكاليف المعيشة والأدوية والتعليم، ودافعت عن حقوق الإجهاض، وحصلت على تأييد نقابة عمال السيارات، أي أن خبرتها الخارجية لم تغنها عن بناء صدقية في الشؤون المعيشية. ومن هذه التجربة تستمد اليوم اعتراضها على اختزال السياسة بالتصنيفات الآيديولوجية. فهي ترى أن الناخب الذي يقلقه التأمين الصحي أو استقرار عمله لا يبدأ بالضرورة من السؤال عما إذا كان المرشح وسطياً أو تقدمياً، بل ممّا يستطيع تقديمه.

ائتلاف يهودي - مسلم... تحت الضغط

تجسّد ولاية ميشيغان راهناً الصعوبة التي تواجه هذا المنطق حين تتداخل السياسة الخارجية بالهوية والتجارب العائلية. فالحضور العربي والمسلم واليهودي يضع الحرب في غزة والعلاقة مع إسرائيل في قلب النقاش المحلي، إلى جانب الوظائف والأسعار والسكن. ومن ثم، لا تستطيع سلوتكين التعامل مع هذه القضايا وكأنها ملفات بعيدة تخصّ لجان الكونغرس وحدها.

لكنها بالمقابل ترفض تصوير الجماعات الانتخابية ككتل متجانسة. وفي ظهورها مع السيد، شدّدت على اختلاف أولويات الناخبين اليهود، كما تختلف أولويات المسلمين والسود. ونقل موقع «جويش إنسايدر» عنها رغبتها في تقديم نموذج لامرأة يهودية ورجل مسلم يستطيعان النقاش والعمل معاً. وجاء موقفها هذا بينما تنتقد شخصيات يهودية ديمقراطية السيد، وبعضها يلوّح بحجب التأييد عنه أو دعم منافسه الجمهوري.

لا يعني هذا أن سلوتكين تبنّت برنامجه. ووفق صحيفة «شيكاغو ماروون» أوضحت في نقاش بجامعة شيكاغو هذا الشهر، أنها لم تؤيده في الانتخابات التمهيدية، وأن خلافاتهما مستمرة وبخاصة في السياسة الخارجية. لكنها ترى أرضية مشتركة في حماية الديمقراطية والأمن الاقتصادي، بحسب قولها. ومن هنا تحاول صياغة انقسام بديل داخل الحزب، بين الاستعداد للمواجهة والانسحاب منها، بدلاً من الفصل التقليدي بين المعتدلين والتقدميين.

مع ذلك، يرى البعض أن هذا الاختيار ينطوي على أخطار. فتأييد مرشح مختلف عنها قد يساعد على توحيد الحزب، لكنه قد يضعف صورتها لدى بعض من اختاروها بسبب اعتدالها. وفي المقابل، فإن الابتعاد عنه كان سيجعل خطاب الوحدة أقل اقناعاً لدى التقدميين والناخبين الذين يريدون تغييراً في سياسة إسرائيل. والاختبار هنا ليس لقدرتها على إرضاء الجميع، بل على إقناع المختلفين بأن التعاون لا يستلزم تنازلهم عن جميع مواقفهم. ومن ثمّ، إذا أرادت قيادة وطنية، فهذه مهارة تحتاج إليها في حزب يصعب على أي جناح فيه الفوز منفرداً.

إسرائيل بلا تفويض

تظهر محاولة سلوتكين الموازنة في مواقفها بوضوح في تصويتها يوم 15 أبريل (نيسان) الماضي، لمنع نقل قنابل هجومية تزن ألف رطل وجرّافات عسكرية إلى إسرائيل، مع تأكيد استمرار دعمها أنظمة الدفاع، بينها «القبة الحديدية». وقالت إنها ستراجع الأسلحة الهجومية المموّلة أميركياً، كل حالة على حدة.

بذا وضعت السيناتورة فصلاً عملياً بين حماية إسرائيل وتأييد كل ما تطلبه حكومتها. وفي تفسيرها موقفها، أكدت تمسكها بـ«إسرائيل يهودية ديمقراطية»، لكنها رفضت مساواة تأييدها بالموافقة على أجندة رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو. وربطت موقفها بحق الأميركي في دعمها وانتقاد قيادتها. وأيضاً، استحضرت خبرتها في العراق لتشدّد على معارضتها النظام الإيراني وحلفائه، بالتزامن مع رفض حرب ترى أن «ترمب بدأها بلا تهديد وشيك مثبت أو أهداف واضحة» أو موافقة الكونغرس.

تتيح هذه الصيغة تصوّر أن تلعب سلوتكين دوراً في محاولة إعادة بناء العلاقة بين الديمقراطيين وإسرائيل. لكن لا توجد أدلة تتيح تقديمها بوصفها صاحبة خطة معلنة للعمل مع جماعات الضغط المحسوبة على اللوبي اليهودي لاستعادة الدعم غير المشروط لإسرائيل. فموقفها الموثّق أقرب إلى «إعادة تعريف التأييد» بحيث يتّسع للقيود والمحاسبة. هذا قد يجعلها محاورة مفيدة لبعض المنظمات والناخبين المؤيدين لإسرائيل، وموضع خلاف مع آخرين. في المقابل، هويّتها اليهودية لا تضمن قبول حجتها، مثلما لا يضمن تصويتها ضد أسلحة هجومية استعادة ثقة العرب والمسلمين. فعليها إقناع الطرفين بأن معاييرها ثابتة، وليست استجابة متغيرة لضغط الانتخابات.

وهنا تضيف الانتخابات الإسرائيلية بعداً جدياً لهذا الاختبار. فالمعطيات حتى الآن لا توضح الطرف الذي يملك غالبية محسومة، ويظل احتمال استمرار بنيامين نتنياهو مطروحاً ضمن مفاوضات الائتلاف. وإذا بقي، فقد يزداد الضغط على سلوتكين لإثبات أن الفصل بين إسرائيل وحكومتها يترجم إلى قرارات، لا لغة مريحة سياسياً فقط.

للعلم، بدأ انتقال سلوتكين إلى الجمهور الوطني مبكراً بعد دخولها مجلس الشيوخ، إذ اختارها الديمقراطيون في مارس (آذار) 2025 للرد على خطاب ترمب أمام الكونغرس. وأدلت بخطاب يستدعي قيماً مشتركة ويتوجّه إلى «الوسط» السياسي، بدليل أنها استعانت بإرث الرئيس الجمهوري الراحل رونالد ريغان لانتقاد مقاربة ترمب للعلاقات الدولية.

لكن نبرتها الأكثر مواجهة اليوم لا تعني تخلّيها عن الأولويات الاقتصادية. فقد طرحت خلال مشاركتها في مناقشات شيكاغو تسريع بناء المساكن والتأمين الصحي العام، منتقدة تقصير الديمقراطيين في مخاطبة مخاوف الأسر خلال انتخابات 2024. وهي بذا تحاول توسيع صورتها من «خبيرة أمن قومي» إلى «سياسية» ترى أن هشاشة الطبقة الوسطى تمسّ استقرار البلاد نفسه. وفي مسألة الإدارة، تدعو سلوتكين إلى تحقيقات محدّدة تستطيع كشف المسؤوليات مع تشريعات تمنع تكرار التجاوزات. وتتحفّظ عن التعويل على تكرار محاولات عزل الرئيس الشكلية من دون أصوات كافية لإدانته في مجلس الشيوخ. وهنا يظهر منطق عملها: «مواجهة أشد لكن بأهداف قابلة للتحقق لا مجرد رفع سقف الوعود».

من ناحية أخرى، أقرت سلوتكين بأنها تفكر في الترشح للرئاسة، من دون إعلان قرار، كما زارت ولاية نيفادا أخيراً وسط تكهنات بطموحها لعام 2028 بحسب موقع «أكسيوس».

ومع ذلك، فالفوز في ميشيغان لا يضمن اجتياز انتخابات تمهيدية وطنية، حيث تحتاج إلى شبكة تنظيمية وتمويل وتعريف أوسع بنفسها، وتواجه منافسين أقوى وأكثر شهرة.

وعشية الانتخابات النصفية، تبدو إليسا سلوتكين أمام اختبار يسبق إعلان أي طموح رئاسي: هل تستطيع مساعدة حزبها على الفوز من دون إخفاء خلافاته وأزماته، ومخاطبة ناخبين لا يثق بعضهم ببعض؟