مجموعة العشرين: ضخ 7 تريليونات دولار في الاقتصاد العالمي لمجابهة تداعيات الوباء

وزراء المالية ومحافظو البنوك المركزية يتفقون على تعليق ديون الدول الأشد فقراً

وزراء المالية والبنوك المركزية في مجموعة العشرين خلال عقد اجتماع افتراضي سابق برئاسة السعودية (الشرق الأوسط)
وزراء المالية والبنوك المركزية في مجموعة العشرين خلال عقد اجتماع افتراضي سابق برئاسة السعودية (الشرق الأوسط)
TT

مجموعة العشرين: ضخ 7 تريليونات دولار في الاقتصاد العالمي لمجابهة تداعيات الوباء

وزراء المالية والبنوك المركزية في مجموعة العشرين خلال عقد اجتماع افتراضي سابق برئاسة السعودية (الشرق الأوسط)
وزراء المالية والبنوك المركزية في مجموعة العشرين خلال عقد اجتماع افتراضي سابق برئاسة السعودية (الشرق الأوسط)

كشفت مجموعة العشرين التي ترأسها السعودية للعام الجاري 2020 عن ضخ مزيد من السيولة في الاقتصاد العالمي، مع تداعيات تفشي فيروس «كورونا»، ليصل الإجمالي إلى 7 تريليونات دولار، من أجل حماية القطاع الخاص والوظائف واقتصادات الدول، في وقت تم الاتفاق فيه على تعليق الدين فورياً للدول الأشد فقراً، مع تقديم خطة عمل متكاملة، بالتنسيق مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.
وقال وزير المالية السعودي محمد الجدعان الذي رأس الاجتماع الوزاري لوزراء مالية ومحافظي البنوك المركزية بدول مجموعة العشرين، إن أكثر من 7 تريليونات دولار ضختها بلدان العالم في الاقتصاد الدولي، لحماية الوظائف والشركات والاقتصادات، مشيراً إلى أنه تم التوصل إلى اتفاق، وتعليق الدين بدأ في أثر فوري لمدة عام، دون شروط، ولا يتطلب إلا انخراط الدول مع صندوق النقد، في وقت ستتم فيه إتاحة سيولة فورية بأكثر من 20 مليار دولار.
وبحسب بيان صدر أمس، قال ممثلو مجموعة العشرين: «توافقنا على مقاربة منسقة مع جدول زمني مشترك، يتضمن أبرز مزايا هذه المبادرة التي وافق عليها أيضاً نادي باريس»، موضحين أن «جميع المانحين الرسميين الثنائيين سيشاركون في هذه المبادرة»، مؤيدين مجموعة السبع في اجتماعهم الثلاثاء الماضي، لخطوة مماثلة لمساعدة الدول الأكثر فقراً على مواجهة التداعيات الصحية والاقتصادية لتفشي وباء «كوفيد- 19»، ولكن شرط الحصول على موافقة مجموعة العشرين.
وأكد الجدعان في مؤتمر صحافي عبر الفيديو: «نحن عازمون على عدم توفير أي جهد لحماية الأرواح»، مشدداً على أن المرحلة غير مسبوقة، ولا بد من تقديم أكبر دعم ممكن للاقتصاد العالمي، والتأكد من صمود النظام المالي.
من جانبه، كشف محافظ مؤسسة النقد العربي السعودي الدكتور أحمد الخليفي، أن دول مجموعة العشرين عكفت على إقامة خطوط لمبادلة العملات، وتسهيلات إعادة شراء، لمعالجة تداعيات الجائحة، موضحاً أنها قد تأخذ مزيداً من الإجراءات على صعيد خطوط المبادلات الثنائية.
وبحسب البيان الصادر أمس، عزز وزراء مالية ومحافظو البنوك المركزية بـ«العشرين» من اعتماد صندوق النقد الدولي لخط سيولة جديد قصير الأجل، بما في ذلك مراجعة في عام 2022، للأعضاء ذوي الأساسيات والسياسات المالية القوية، داعين صندوق النقد الدولي لاستكشاف أدوات إضافية، يمكن أن تخدم احتياجات الأعضاء مع تطور الأزمة.
وطالب البيان بأهمية المساهمات المالية الفورية لتعزيز قدرة صندوق النقد الدولي، والاستجابة للأزمات، والدعوة إلى المزيد والعاجل من المساهمات لتلبية احتياجات التمويل الحاسمة.
ووفقاً لنتائج أعمال وزراء المالية ومحافظي البنوك في «العشرين»، تم اتخاذ تدابير فورية واستثنائية لدعم الاستقرار المالي العالمي والمرونة، تضمنت نشر وتوسيع خطوط المقايضة الثنائية، وإدخال تسهيلات إعادة الشراء من قبل البنوك المركزية، بالإضافة إلى اتخاذ تدابير تنظيمية وإشرافية لضمان استمرار النظام المالي في دعم الاقتصاد.
وجاء في البيان: «ما زلنا متيقظين ومستعدين لاتخاذ تدابير إضافية حسب الحاجة، بيد أننا نطلب من مجلس الاستقرار المالي مواصلة المراقبة لنقاط الضعف في القطاع المالي، والتنسيق بشأن التدابير التنظيمية والإشرافية بين الدول الأعضاء والمنظمات الدولية وهيئات وضع المعايير، باستخدام المرونة الحالية، ضمن المعايير التنظيمية الدولية دون المساومة على الإصلاحات المتفق عليها مسبقاً، والاستفادة من تجارب الأعضاء لتبادل أفضل الممارسات بشأن التدابير السياسية المتخذة. في هذا الصدد، نحن نؤيد المبادئ المنصوص عليها في تقرير (كوفيد– 19)».
وحول التداعيات المستقبلية، توصل المجتمعون إلى الالتزام بمراجعة خطة العمل المقرة بانتظام مع ظهور أي أثر للجائحة؛ حيث سيقوم الدول الأعضاء بتتبع التنفيذ والإبلاغ عن الخطة لأي تحديثات أو مستجدات في اجتماع وزراء مالية ومحافظي البنك المركزي لمجموعة العشرين في يوليو (تموز) المقبل.
وأكد الوزراء والمحافظون على الاستعداد للعمل بسرعة، واتخاذ أي إجراء آخر قد يكون مطلوباً، مؤكدين الالتزام باستخدام جميع السياسات المتاحة لأدوات الحماية من المخاطر السلبية، وضمان التعافي السريع، وتحقيق نمو قوي ومستدام ومتوازن وشامل، مع الاستمرار في معالجة التحديات العالمية، لا سيما تلك المتعلقة بمعالجة التحديات الضريبية الناشئة عن رقمنة الاقتصاد وتعزيز الوصول إلى الفرص.
وخطة العمل المقرة أمس تعد وثيقة حية (من 12 صفحة) وخطوة أولى في الاستجابة الجماعية للدول الأعضاء، وتحدد المبادئ الأساسية التي توجه الاستجابات والالتزامات، من خلال إجراءات محددة من أجل دفع التعاون الاقتصادي الدولي إلى الأمام، نحو انتعاش اقتصادي عالمي قوي ومستدام في خضم هذه الأزمة.
وتضمنت الوثيقة البنود التالية: الاستجابة الصحية وإنقاذ الأرواح، والاستجابة الاقتصادية والمالية، ودعم الضعفاء والحفاظ على الظروف المناسبة للتعافي القوي، والعودة إلى النمو القوي والمستدام والمتوازن والشامل، بمجرد رفع تدابير الاحتواء، والدعم الدولي للبلدان المحتاجة، ودروس للمستقبل.
وأورد وزير المالية السعودي خلال مؤتمر صحافي افتراضي أعقب الاجتماع الوزاري، أن مجموعة العشرين تقدم 200 مليار دولار كحزمة دعم للصندوق الدولي، مضيفاً أن العمل جاء على تسهيلات إعادة الشراء في البنوك المركزية، في وقت تعمل فيه على مبادرة تعليق مدفوعات ديون الدول الأكثر فقراً، دعماً لاقتصاداتها من جراء الفيروس، عبر تقديم تريليون دولار للدول التي تعاني.
وتحدث الجدعان عن التدابير التي اتخذتها بلاده لمواجهة «كورونا» مؤكداً: «استراتيجية السعودية الواضحة للتعامل مع جائحة (كورونا)، والمتمثلة في الاستمرار وبشكل يومي في تقييم الآثار الصحية والاقتصادية، والتدخل اللازم لمعالجة ومواجهة ذلك، إضافة إلى حماية المجتمع من خلال إجراءات متعددة، كذلك إعادة البناء، والاستعداد للتنمية والنمو الاقتصادي وتجهيز الاقتصاد لمثل هذه الصدمات».
وستعمل مجموعة العشرين - وفقاً للجدعان - على استقرار الاقتصاد العالمي من خلال مواجهة هذا الجائحة، وهناك خطط عملية لدعم الاقتصاد العالمي وتعافيه من هذا الركود، موضحاً أن السعودية أعلنت عن بعض تقييم للآثار المالية لهذه الجائحة، وبالتالي هل هناك إجراءات أخرى ستقوم بها المملكة فيما يتعلق باتجاه هذه الجائحة.


مقالات ذات صلة

السعودية: أكثر من مليوني منشأة و12 مليون عقد في «قوى» خلال الربع الأول  

الاقتصاد عاملون في وزارة الصحة يقومون بأداء مهامهم الوظيفية (الشرق الأوسط)

السعودية: أكثر من مليوني منشأة و12 مليون عقد في «قوى» خلال الربع الأول  

كشفت وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية عن أبرز أرقام منصة «قوى» خلال الربع الأول من العام الحالي، وذلك في إطار جهودها المستمرة لتطوير سوق العمل.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص المقر الرئيسي لشركة «موبايلي» (الشرق الأوسط)

خاص رئيس «موبايلي»: «رؤية 2030» حوّلت قطاع الاتصالات في السعودية إلى محرك للاقتصاد الرقمي

أسهمت «رؤية السعودية 2030» في إحداث تحوّل هيكلي عميق في قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات، حوّله من مزود تقليدي للخدمات إلى ممكن رئيسي للاقتصاد الرقمي.

مساعد الزياني (الرياض)
الاقتصاد ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان التقى رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة 12 مارس 2026 (واس) p-circle 00:47

شهباز شريف: سددنا 3.5 مليار دولار من الديون بفضل دعم السعودية «المحوري»

أعرب رئيس الوزراء الباكستاني، شهباز شريف، عن امتنانه العميق وتقديره البالغ للسعودية، قيادةً وحكومةً، لدورها الحاسم في مساندة بلاده.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
الاقتصاد موقع تصنيعي لشركة «سابك» في الجبيل (المركز الإعلامي للشركة)

«سابك» تعود إلى مربع الربحية في الربع الأول وسط تحولات استراتيجية كبرى

نجحت الشركة السعودية للصناعات الأساسية (سابك) في استعادة توازنها المالي خلال الربع الأول من عام 2026.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد سجلت مجموعة «إس تي سي stc» السعودية نمواً في أدائها المالي خلال الربع الأول من عام 2026 (الشرق الأوسط)

أرباح «إس تي سي» تقفز 12 % وإيراداتها تلامس 5.3 مليار دولار

سجلت مجموعة «إس تي سي stc» السعودية نمواً في أدائها المالي خلال الربع الأول من عام 2026، مدفوعةً بزيادة الإيرادات وتحسن الكفاءة التشغيلية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
TT

لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)

في اجتماعٍ غير مسبوق، أبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي، الأربعاء، سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير، في ظل انقسامٍ غير مسبوق، بينما كان صانعو السياسة النقدية يدرسون تأثير التضخم المستمر على السياسات، ويترقبون انتقالاً وشيكاً في قيادة البنك المركزي.

وفي اجتماعٍ يُرجّح أن يكون الأخير لرئيس المجلس جيروم باول، صوّتت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية، المسؤولة عن تحديد أسعار الفائدة، على تثبيت سعر الفائدة القياسي ضمن نطاق يتراوح بين 3.5 في المائة و3.75 في المائة. وكانت الأسواق تتوقع بنسبة 100 في المائة عدم حدوث أي تغيير.

إلا أن الاجتماع شهد تحولاً مفاجئاً؛ فوسط توقعاتٍ بتصويتٍ روتيني لتثبيت سعر الفائدة القياسي، انقسمت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية بثمانية أصوات مقابل أربعة، حيث قدّم المسؤولون أسباباً مختلفة لتصويتهم.

وكانت آخر مرة عارض فيها أربعة أعضاء من اللجنة قرارها، في أكتوبر (تشرين الأول) 1992.

وعارض المحافظ ستيفن ميران، كما فعل منذ انضمامه إلى البنك المركزي في سبتمبر (أيلول) 2025، القرار، مؤيداً خفضاً بمقدار ربع نقطة مئوية. أما الأصوات الثلاثة الأخرى الرافضة فكانت من رؤساء المناطق: بيث هاماك من كليفلاند، ونيل كاشكاري من مينيابوليس، ولوري لوغان من دالاس. وأوضحوا موافقتهم على الإبقاء على سعر الفائدة، لكنهم «لا يؤيدون تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن».

وكان محور اعتراضهم هو هذه الجملة: «عند النظر في مدى وتوقيت التعديلات الإضافية على النطاق المستهدف لسعر الفائدة على الأموال الفيدرالية، ستقوم اللجنة بتقييم البيانات الواردة، والتوقعات المتغيرة، وتوازن المخاطر بعناية».

وتشير هذه الصياغة إلى احتمال أن تكون الخطوة التالية خفضاً، وهو ما يُفهم ضمنياً من استخدام كلمة «إضافية»، مما يعكس أن آخر إجراءات سعر الفائدة كانت خفضاً. وقد حذرت هاماك وكاشكاري ولوغان، إلى جانب عدد من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي الآخرين، من مخاطر التضخم المستمر. ارتفاع الأسعار ينذر برفع أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي، الذي يتبنى سياسة نقدية تيسيرية منذ أواخر عام 2025.

وفي بيانها الصادر عقب الاجتماع، أشارت اللجنة إلى أن «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية». وقال البيان: «تُساهم التطورات في الشرق الأوسط في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية». وأضاف: «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية».

وأوضح أن التطورات في الشرق الأوسط تسهم في ارتفاع مستوى عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية.


في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
TT

في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)

في لحظة تاريخية حبست أنفاس الأسواق المالية، عقد جيروم باول اليوم الأربعاء مؤتمره الصحافي الأخير كرئيس للاحتياطي الفيدرالي، مسدلاً الستار على ثماني سنوات من القيادة، لكنه فجر مفاجأة بإعلانه البقاء في مجلس المحافظين لفترة غير محددة» بعد انتهاء ولايته في 15 مايو (أيار) المقبل، لصد ما وصفه بـ«التهديدات القضائية غير المسبوقة» التي تستهدف استقلالية المؤسسة.

وفي تصريح حمل رسائل مبطنة للبيت الأبيض، شدّد باول على الأهمية القصوى لأن يظل الاحتياطي الفيدرالي مؤسسة «متحررة تماماً من أي نفوذ أو ضغوط سياسية». وأكد أن قدرة البنك المركزي على اتخاذ قرارات صعبة، بعيداً عن الدورات الانتخابية ورغبات السلطة التنفيذية، هي الركيزة الأساسية لاستقرار الاقتصاد الأميركي على المدى الطويل.

وداع القيادة

استهل باول مؤتمره بلهجة عاطفية، مؤكداً أن هذا هو اجتماعه الأخير على رأس السلطة النقدية، وقال: «لقد كان شرفاً عظيماً لي أن أخدم إلى جانب هؤلاء الموظفين المخلصين في هذه المؤسسة العريقة».

كما حرص باول على تهنئة خليفته، كيفين وارش، على التقدم الذي أحرزه في عملية التثبيت داخل مجلس الشيوخ، متمنياً له التوفيق في قيادة البنك خلال المرحلة المقبلة.

«لم يعد أمامي خيار»

وفي الرد الأكثر إثارة على الأسئلة المتعلقة بمستقبله، قال باول بوضوح: «سأبقى في مجلس المحافظين بعد 15 مايو لفترة غير محددة».

وأوضح أن الأحداث التي شهدتها الأشهر الماضية، وتحديداً «الاستهدافات القضائية» ضد الاحتياطي الفيدرالي، لم تترك له خياراً سوى البقاء كمحافظ لحماية موضوعية المؤسسة.

وأضاف باول بنبرة حازمة: «قلقي الحقيقي يكمن في الإجراءات القضائية غير المسبوقة في تاريخ هذه المؤسسة. نحن لا نتحدث هنا عن انتقادات شفهية، بل عن تهديدات قضائية تؤثر على قدرة الفيدرالي على العمل بعيداً عن السياسة».

نمو ثابت وقلق من «هرمز»

وعلى الصعيد الاقتصادي، طمأن باول الأسواق بأن الاقتصاد الأميركي لا يزال ينمو بوتيرة ثابتة، مدعوماً بإنفاق استهلاكي قوي.

وفيما يتعلق بسوق العمل، أشار إلى أن الطلب على العمالة «ضعف بوضوح»، معتبراً أن تباطؤ نمو الوظائف يعكس في جوهره تباطؤ نمو القوة العاملة وليس انهياراً في الطلب.

واعتبر باول أن السياسة النقدية الحالية عند نطاق 3.50 في المائة - 3.75 في المائة هي سياسة «مناسبة» للتعامل مع المعطيات الراهنة، رغم اعترافه بأن أحداث الشرق الأوسط وتعثر الملاحة في مضيق هرمز تزيد من حالة «عدم اليقين» بشأن الآفاق الاقتصادية المستقبلية.

وكان الاحتياطي الفيدرالي ابقى أسعار الفائدة ثابتة يوم الأربعاء، لكنه أشار في أكثر قراراته إثارة للجدل منذ عام 1992 إلى تزايد المخاوف بشأن التضخم في بيان سياسي أثار ثلاثة معارضين من مسؤولين يرون أنه لم يعد ينبغي على البنك المركزي الأميركي إظهار توجه نحو خفض تكاليف الاقتراض. وجاء معارض رابع في الاجتماع مؤيداً لخفض سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية.

وفي بيانه، أعلن الاحتياطي الفيدرالي أن «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية»، في تحول عن عبارات سابقة أشارت إلى أن التضخم «مرتفع إلى حد ما».

وأضاف البيان أنّ «التطورات في الشرق الأوسط تساهم في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية».

وكان التصويت، الذي انتهى بنتيجة 8-4، الأكثر إثارة للانقسام منذ 6 أكتوبر (تشرين الأول) 1992، ويُظهر مدى اتساع نطاق الآراء التي سيواجهها رئيس الاحتياطي الفيدرالي المقبل، كيفين وارش، في سعيه إلى خفض أسعار الفائدة، وهو ما يتوقعه الرئيس دونالد ترمب من خليفته المُختار لجيروم باول، الذي تنتهي ولايته كرئيس للبنك المركزي في 15 مايو (أيار).

ورغم أن البيان الأخير احتفظ بعبارات حول كيفية تقييم الاحتياطي الفيدرالي لـ«مدى وتوقيت التعديلات الإضافية» على أسعار الفائدة، وهي عبارة تُشير إلى أن التخفيضات المستقبلية هي الخطوة المُحتملة التالية، إلا أن ثلاثة من صناع السياسة النقدية اعترضوا. إذ أعربت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، بيث هاماك، ورئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس، نيل كاشكاري، ورئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، لوري لوغان، عن تأييدهم لإبقاء سعر الفائدة ثابتاً ضمن النطاق الحالي، لكنهم رفضوا تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن، وصوّتوا ضد البيان الجديد.

وإلى جانب ارتفاع التضخم، «لم يطرأ تغيير يُذكر على معدل البطالة في الأشهر الأخيرة»، بينما يواصل الاقتصاد نموه «بوتيرة ثابتة»، وفقًا لما ذكره الاحتياطي الفيدرالي في بيانه.


الأسواق تترنح بعد قرار «الفيدرالي» وسط انقسام تاريخي

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

الأسواق تترنح بعد قرار «الفيدرالي» وسط انقسام تاريخي

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

استقبلت الأسواق المالية قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بتثبيت أسعار الفائدة بحالة من الحذر الشديد والقلق، وسط موجة واضحة من النفور من المخاطرة، فور اتضاح حجم الانقسام الداخلي داخل لجنة السياسة النقدية، الذي يُعد من الأشد منذ عقود داخل المؤسسة النقدية الأميركية.

وللمرة الثالثة على التوالي، أبقى الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير ضمن نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة، في قرار يأتي في توقيت بالغ الحساسية، إذ يُرجّح أن يكون هذا الاجتماع هو الأخير الذي يترأسه جيروم باول، في ظل ضبابية متصاعدة تفرضها الحرب في الشرق الأوسط وتداعياتها على أسواق الطاقة والاستقرار الاقتصادي العالمي.

ارتفاع قوي في عوائد السندات

في أسواق السندات، سجّلت العوائد ارتفاعات ملحوظة، مع صعود عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عامين، الأكثر حساسية لتوقعات السياسة النقدية، بمقدار 7.8 نقطة أساس ليصل إلى 3.92 في المائة، وهو أعلى مستوى له منذ 27 مارس (آذار).

كما ارتفع عائد سندات الخزانة القياسية لأجل 10 سنوات بمقدار 4.8 نقطة أساس ليبلغ 4.402 في المائة، وهو أعلى مستوى منذ 30 مارس؛ في إشارة واضحة إلى إعادة تسعير توقعات السياسة النقدية الأميركية خلال الفترة المقبلة، وسط تنامي الشكوك بشأن مسار خفض الفائدة.

الدولار يتماسك...

في سوق العملات، حافظ مؤشر الدولار على مكاسبه لفترة وجيزة، مرتفعاً بنسبة 0.28 في المائة ليصل إلى 98.871، قبل أن يدخل في نطاق من التقلبات بعد القرار.

في المقابل، تراجع الدولار أمام الين الياباني بنسبة 0.4 في المائة إلى 160.265، بينما واصل اليورو خسائره أمام العملة الأميركية، منخفضاً بنسبة 0.28 في المائة إلى 1.1680 دولار، في ظل استمرار قوة الدولار مدعومة بارتفاع العوائد.

الذهب تحت الضغط

أما سعر الذهب الفوري، فقد واصل تراجعه بعد قرار الفيدرالي، منخفضاً بنسبة 1.2 في المائة إلى 4541.31 دولار للأونصة، متأثراً بارتفاع العوائد الحقيقية وقوة الدولار، وهو ما يقلّص جاذبية المعدن النفيس باعتباره ملاذاً آمناً.

تراجع الأسهم

وفي أسواق الأسهم الأميركية، عمّقت المؤشرات خسائرها، حيث تراجع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.40 في المائة، فيما انخفض «ناسداك» بنسبة 0.48 في المائة، مع ميل المستثمرين إلى تقليص المخاطر عقب إشارات الفيدرالي إلى استمرار التشدد النسبي في السياسة النقدية.

انقسام غير مسبوق منذ 1992

قال الفيدرالي في بيانه: «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الزيادة الأخيرة في أسعار الطاقة العالمية»؛ في إشارة إلى استمرار الضغوط التضخمية المرتبطة بأسعار الطاقة.

لكن القرار كشف عن انقسام حاد داخل اللجنة، إذ عارضه أربعة من أصل 12 مسؤولاً يحق لهم التصويت، من بينهم ستيفن ميران الذي دعا إلى خفض الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية فوراً.

في المقابل، أيّد ثلاثة مسؤولين - بيث هاماك، ونيل كاشكاري، ولوري لوغان - تثبيت الفائدة، لكنهم رفضوا تضمين البيان أي إشارة إلى ميل نحو خفض أسعار الفائدة مستقبلاً.

ويُعد هذا المستوى من الاعتراضات الأعلى منذ عام 1992، ما يعكس عمق الانقسام داخل المؤسسة النقدية وصعوبة بناء إجماع داخل لجنة السياسة النقدية، وهو ما يضع الأسواق أمام مرحلة من عدم اليقين المتزايد.

رهانات الأسواق

في ضوء التطورات، أبقى المتداولون رهاناتهم على أن الاحتياطي الفيدرالي لن يتجه إلى خفض أسعار الفائدة خلال العام الحالي، وربما يمتد ذلك إلى العام المقبل، في ظل استمرار التضخم فوق المستهدف وارتفاع أسعار الطاقة، إلى جانب الانقسام الداخلي المتزايد.

وبذلك، يدخل الاقتصاد الأميركي مرحلة من «التشدد الحذر»، حيث يوازن الفيدرالي بين ضغوط التضخم من جهة، وتباطؤ النمو وسوق العمل من جهة أخرى، في بيئة عالمية مضطربة تزداد تعقيداً مع تداعيات الحرب في الشرق الأوسط.