واشنطن تعد لتوسيع دور «سي آي إيه» في تدريب المعارضة السورية المعتدلة

قلق من هزيمة الميليشيات المعتدلة أمام «النصرة» ذراع تنظيم القاعدة في شمال سوريا

واشنطن تعد لتوسيع دور «سي آي إيه» في تدريب المعارضة السورية المعتدلة
TT

واشنطن تعد لتوسيع دور «سي آي إيه» في تدريب المعارضة السورية المعتدلة

واشنطن تعد لتوسيع دور «سي آي إيه» في تدريب المعارضة السورية المعتدلة

تدرس إدارة الرئيس أوباما خططا لزيادة دور الاستخبارات المركزية الأميركية في تسليح وتدريب المقاتلين في سوريا، وهي خطوة من شأنها تسريع الدعم الأميركي السري المقدم إلى فصائل المعارضة المعتدلة، في حين تتجهز وزارة الدفاع الأميركية لإقامة قواعد التدريب الخاصة بها هناك، على حد وصف المسؤولين الأميركيين.
ومن شأن التصعيد الأميركي المقترح أن يؤدي إلى توسيع المهمة السرية التي شهدت نموا كبيرا خلال العام الماضي، كما قال مسؤولون أميركيون. وتدعم وكالة الاستخبارات حاليا وتعمل على تدريب نحو 400 مقاتل في كل شهر، وهو أكبر عدد يمكن تدريبه بواسطة وزارة الدفاع الأميركية حينما يصل برنامجها لأقصى درجات قوته، أواخر العام المقبل.
وكان مشروع توسيع برنامج وكالة الاستخبارات المركزية على جدول أعمال اجتماع كبار مسؤولي الأمن القومي في البيت الأبيض خلال الأسبوع الماضي. وأحجم المتحدث باسم البيت الأبيض عن التعليق على الاجتماع أو الحديث حول ما إذا كان المسؤولون قد توصلوا إلى قرار حيال الأمر.
وقال آخرون إن ذلك الاقتراح يعكس حالة من القلق حول وتيرة برنامج وزارة الدفاع في تعزيز الميليشيات المعتدلة، التي لم تثبت حتى الآن قدراتها بالمقارنة بأذرع تنظيم القاعدة، بما فيهم تنظيم داعش.
وقال أحد المسؤولين الأميركيين الكبار، الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، مشيرا إلى حساسية المناقشات حول سوريا: «إننا في حاجة إلى المزيد من التحرك في مساعدة المعتدلين في سوريا، وجاء دور وكالة الاستخبارات كأفضل السبل لتسريع تلك الوتيرة».
ومن شأن توسيع برنامج وكالة الاستخبارات المركزية تعميق التغلغل الأميركي في سوريا، التي شهدت مقتل أكثر من مائتي ألف شخص خلال أكثر من 3 سنوات على بدء الحرب الأهلية هناك. وتعد مهمة وكالة الاستخبارات من المهام المركزية ومن المكونات السرية كذلك في مجهود الولايات المتحدة، التي تتضمن أيضا شن الغارات الجوية وإرسال المستشارين العسكريين الأميركيين إلى الداخل العراقي.
تأتي مقدرة وكالة الاستخبارات على تصعيد عملياتها عبر العام الماضي إشارة على ثقة المسؤولين في قدرة الفرق العسكرية الأميركية على تجنيد وفرز أعداد كبيرة من المقاتلين، من دون الزيادة في تعريضهم للمخاطر الأمنية، التي تشمل الاختراق من قبل تنظيم القاعدة.
مع ذلك، فهناك إشارة ضئيلة إلى أن المتمردين المعتدلين المدربين والمسلحين أميركيا كان لهم أي أثر بارز على مسار الصراع في سوريا.
وجاءت آخر تلك الانتكاسات خلال هذا الشهر، حينما انهزمت الفصائل المدعومة من جانب وكالة الاستخبارات الأميركية على يد مقاتلي جبهة النصرة، الذراع الرئيسية لتنظيم القاعدة بسوريا. وأخلى المقاتلون مع الميليشيات المعتدلة ومن بينها حركة حزم (أكبر الميليشيات المستفيدة من السلاح الأميركي) مواقعهم في البلدات بالشمال السوري، تاركين وراءهم أسلحتهم التي استولى عليها مقاتلو جبهة النصرة.
وقال السيناتور آدم بي شيف (ديمقراطي من كاليفورنيا)، وهو عضو في لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ الأميركي إن السهولة التي هُزمت بها تلك المجموعات تشير إلى المشاكل التي سوف تزداد صعوبة حلها من خلال التدريب عن بعد، حتى مع توسيع وتصعيد الجهود المذكورة.
وأضاف شيف: «مشاهدة قوات المعارضة المعتدلة وهي تتفرق أو تفر أو تلتحق بجماعة جبهة النصرة إشارة إلى مستوى الصعوبات التي نحن بصددها». ولم يناقش شيف البرامج السرية، ولكنه أعرب عن قلقه من التطورات الأخرى الأخيرة، التي تشمل السخط الذي عبرت عنه الفصائل المعتدلة إزاء الضربات الجوية الأميركية ضد مواقع جبهة النصرة، مشيرين إلى أن الميليشيات المدعومة من قبل الولايات المتحدة تنظر إلى ذراع تنظيم القاعدة بوصفها حليفا ضد الرئيس السوري بشار الأسد، وليس خصما يستأهل القتال.
وقد أحجمت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية عن التعليق حول أي دور تقوم به في سوريا.
وبدأت جهود التدريب الخاصة بوكالة الاستخبارات الأميركية في أوائل العام الماضي عندما أصدر الرئيس أوباما إذنا لوكالة الاستخبارات المركزية بالبدء في تقديم السلاح والتدريبات إلى المعارضين المعتدلين المحاصرين الساعين إلى إسقاط نظام الرئيس الأسد.
في بداية الأمر، كان البرنامج يُدار من المعسكرات السرية على أراضي الأردن، ولكن على مدار العام، توسعت الجهود لتشمل موقعا واحدا على الأقل في قطر، وذلك وفقا للمسؤولين من الولايات المتحدة ومنطقة الشرق الأوسط. ويجري تلقين غالبية التعليمات من جانب القوات الخاصة الأميركية العاملين هناك بالنيابة عن وزارة الدفاع الأميركية.
كان يتم تجنيد المقاتلين من بين الميليشيات في سوريا فضلا عن معسكرات اللاجئين. وشاركت أجهزة الاستخبارات الحليفة للولايات المتحدة بالمنطقة في جهود التدريب، فضلا عن المعاونة في تحريات الخلفية التاريخية للمتدربين للمساعدة في ضمان استبعاد المقاتلين الموالين لتنظيم القاعدة.
وجمعت وكالة الاستخبارات البيانات البيومترية الخاصة بالمقاتلين الذين يخضعون للبرنامج التدريبي، على حد وصف المسؤولين، ويعني ذلك عينات الحمض النووي، ومسح قزحية العين أو غير ذلك من علامات الهوية الأخرى. وكانت غالبية الأسلحة المقدمة من فئة الأسلحة الخفيفة، رغم أن حركة «حزم» تعد من بين الفصائل التي اختيرت لتلقي صواريخ «تاو» الأميركية المضادة للدبابات.
وبوجه عام، تعمل وكالة الاستخبارات الأميركية بوتيرة جيدة لتدريب نحو 5000 مقاتل في العام، وهو تقريبا العدد الذي صرح مسؤولو وزارة الدفاع الأميركية بأنه هدفهم من وراء ذلك البرنامج.
وقال تشاك هيغل وزير الدفاع الأميركي، هذا الأسبوع، في الـ«كابيتول هيل» إن التحضيرات لتنفيذ برنامج وزارة الدفاع الأميركية قد استكملت، وإن دولا مثل المملكة العربية السعودية وتركيا وغيرها من الدول الأخرى الشريكة قد وافقت على استضافة مواقع التدريب.
ويرى هيغل أن التجنيد وعمليات التدقيق لن تبدأ قبل الحصول على تفويض الكونغرس بالتمويل، مضيفا أن الأمر قد يستغرق من 8 إلى 12 شهرا «لتحقيق فارق ملموس على الأرض».
ومن شأن تسريع برنامج وكالة الاستخبارات الأميركية أن يساعد في تعويض التأخير الذي وقع. كما يمكن أن يتعامل مع موطن الخلل الذي تعاني منه استراتيجية الرئيس أوباما، التي تتضمن آلافا من العسكريين الأميركيين في العراق الذين يساعدون البلاد على إعادة تنظيم قواتها العسكرية، ولكن لا توجد قوة أرضية مماثلة تعمل في سوريا.
بدأت الغارات الجوية الأميركية خلال الصيف الماضي عقب اجتياح المدن العراقية مثل الموصل من جانب تنظيم داعش، وهي الجماعة الإرهابية التي قطعت صلاتها مع تنظيم القاعدة خلال العام الماضي، وأعلنت الخلافة العابرة للحدود العراقية السورية وبدأت في حملة دعائية من مقاطع الفيديو لعمليات الإعدام للمواطنين الأميركيين والبريطانيين.
ويرى مسؤولو الاستخبارات والمخططون العسكريون الأميركيون أن ملاذ الجماعة المتطرفة الآمن في سوريا، باعتبارها إحدى العقبات الرئيسية في مواجهة هدف الرئيس الأميركي المعلن من «تقويض والتدمير النهائي» لتنظيم داعش.
وحرمت شهور من الغارات الجوية تنظيم داعش من الزخم الذي حققه، غير أنها لم تقصِه عن معاقله التي احتلها في مدينة الرقة السورية وغيرها من المواقع. وقد أعلن مسؤولو المؤسسة الدفاعية الأميركية عن هدف تجميع قوة عسكرية يصل قوامها إلى 15 ألف جندي لن يكون هدفها الرئيسي مقاتلة بشار الأسد، ولكن الاحتلال التدريجي المتأني للأراضي التي سيطر عليها تنظيم داعش.
وقال المسؤولون الأميركيون أيضا إن جهود التدقيق لديهم سوف تركز على تحديد هوية المقاتلين المستعدين والمتحفزين لمحاربة تنظيم داعش، ولكنهم أقروا بأن تنفيذ تلك الأجندة سوف يُواجَه بصعوبات على الأرض، بمجرد مغادرة المقاتلين لمعسكرات التدريب التابعة للاستخبارات والمؤسسة العسكرية الأميركية.

* خدمة «واشنطن بوست»
خاص بـ«الشرق الأوسط»



«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
TT

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

أقرّ مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، في اجتماعه المنعقد بالعاصمة المؤقتة عدن برئاسة المحافظ أحمد غالب، حزمة من الإجراءات النقدية والتنظيمية للتعامل مع ظاهرة شح السيولة من العملة الوطنية في الأسواق، في خطوة تعكس سعي السلطات المالية إلى احتواء الضغوط المتزايدة على الاقتصاد في ظل ظروف داخلية وخارجية معقدة.

وجاءت هذه القرارات بعد تقييم شامل للتدخلات السابقة التي نفذها البنك لضخ السيولة، والتي تمت وفق معايير اقتصادية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار النقدي دون التسبب في اختلالات إضافية، خصوصاً في ظل استمرار فجوة السيولة وتأثيرها على الأنشطة التجارية والمعيشية.

وبحسب الإعلام الرسمي، ناقش المجلس جملة من الخيارات المتاحة لمعالجة أزمة السيولة، وأقر حزمة إجراءات موزعة بين تدابير فورية وأخرى قصيرة ومتوسطة الأجل، مع تكليف الإدارة التنفيذية بتنفيذها ومتابعة نتائجها بشكل مستمر. كما شدد على أهمية التقييم الدوري للأوضاع النقدية واتخاذ خطوات تصحيحية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

جانب من اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني في عدن (إعلام حكومي)

وأكد المجلس التزام البنك المركزي بمواصلة تبني سياسات نقدية احترازية متحفظة، تستهدف الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية وكبح الضغوط التضخمية، مع تجنب الاستجابة لتوقعات غير مبنية على أسس اقتصادية، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية ودولية غير مستقرة.

وأشار إلى عزمه استخدام كل الأدوات المتاحة، بما في ذلك السياسات النقدية والإجراءات الإدارية والوسائل القانونية، لضمان تحقيق أهداف الاستقرار المالي والنقدي، وهو ما يعكس توجهاً أكثر تشدداً في إدارة السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.

تحديات اقتصادية

واستعرض مجلس إدارة البنك المركزي اليمني خلال الاجتماع، مؤشرات الأداء المالي والاقتصادي الأولية للربع الأول من العام الحالي، بما في ذلك وضع الموازنة العامة ومستوى الاحتياطيات الخارجية والالتزامات المالية، إلى جانب تقييم آفاق الاقتصاد الوطني في ضوء التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وأورد الإعلام الرسمي أن النقاش سلط الضوء على التداعيات الاقتصادية للتوترات الإقليمية، التي أسهمت في رفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة، إضافة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل تضغط بشكل مباشر على الاقتصادات الهشة، ومنها الاقتصاد اليمني الذي يعاني أساساً من اختلالات هيكلية وعجز مزمن في الموارد.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

وفي هذا السياق، اطلع المجلس على الجهود الحكومية الرامية إلى التخفيف من آثار هذه التحديات، بدعم من القيادة السياسية، بما في ذلك التنسيق مع الشركاء الدوليين لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والحد من تداعيات الأزمات الخارجية.

وضمن مساعي تحديث البنية التحتية المالية، أقر المجلس عدداً من القرارات التنظيمية؛ أبرزها اعتماد معيار وطني موحد لخدمة رمز الاستجابة السريع لجميع المؤسسات المالية، بما يسهم في تسهيل المعاملات وتعزيز الشمول المالي.

كما أقر ربط المحافظ الإلكترونية ضمن منظومة موحدة ترفع كفاءة التشغيل، إلى جانب مساهمة البنك المركزي بوصفه مسهماً رئيسياً في شركة تشغيل نظام المدفوعات الفورية، في خطوة تهدف إلى تسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد.

وفد من البنك الدولي

ورحب مجلس الإدارة بالتطورات الإيجابية في علاقات اليمن مع المؤسسات المالية الدولية، مشيراً إلى زيارة وفد البنك الدولي رفيع المستوى إلى عدن، وإلى عرض تقرير مشاورات المادة الرابعة مع اليمن على مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهو ما يعكس تنامي الانخراط الدولي في دعم الاقتصاد اليمني.

وفي السياق ذاته، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات التعافي، مع التركيز على تحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية وبناء القدرات المؤسسية.

اجتماع يمني في عدن مع وفد من البنك الدولي (إعلام حكومي)

وأكدت الزوبة أهمية مواءمة برامج الدعم مع أولويات الحكومة لعام 2026، داعية إلى زيادة التمويلات المخصصة لليمن، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه وخلق فرص العمل، إلى جانب تمكين النساء اقتصادياً.

وشدد الجانبان على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع استمرار دعم الفئات الأكثر احتياجاً، والتركيز على القطاعات الحيوية كالكهرباء والبنية التحتية والتعليم، بما يضمن تحقيق أثر طويل الأمد على الاقتصاد والمجتمع.


مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
TT

مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)

مع إعلان الجماعة الحوثية انخراطها في الحرب دفاعاً عن النظام الإيراني، دخلت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها مرحلة جديدة من التوتر والقلق، انعكست مباشرةً على الحياة اليومية لملايين السكان، الذين يواجهون اليوم سيناريوهات مفتوحة على احتمالات أمنية واقتصادية معقدة.

ففي صنعاء، تتجلَّى ملامح القلق في تفاصيل الحياة اليومية. الشوارع أقل ازدحاماً في ساعات النهار، وحركة الأسواق تشهد تراجعاً ملحوظاً، فيما يفضِّل كثير من السكان البقاء قرب منازلهم.

وبالرغم من غياب أي موجة نزوح واسعة حتى الآن في صنعاء، فإنَّ شهادات محلية تشير إلى تحركات فردية لعائلات بدأت بمغادرة أحياء ومناطق قريبة من مواقع حساسة. في المقابل، يلجأ كثيرون إلى ما يمكن وصفه بـ«الاستعداد الصامت» يتضمن تخزين بعض الغذاء وتوفير كميات إضافية من المياه، وتجهيز خطط بديلة في حال تدهور من الأوضاع.

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

ويخشى السكان في صنعاء من أن يؤدي انضمام الحوثيين للدفاع عن إيران إلى مزيد من المعاناة، خصوصاً وأن الملايين من اليمنيين يعيشون منذ سنوات ظروفاً متدهورة جرَّاء الانقلاب والحرب واستمرار سياسات الفساد والنهب والتجويع الحوثية.

وأبدى سكان العاصمة المختطفة رفضهم لهذه التحركات التي قد تستدعي، بحسبهم، ضربات عسكرية جديدة تطال ما تبقى من البُنى الحيوية دون اكتراث للمعاناة.

توقع ردود انتقامية

ويُحذِّر مراقبون من أن انخراط الحوثيين في الحرب قد يضع صنعاء وبقية مدن سيطرتهم ضمن بنك أهداف مُحتمل لقوى مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل، خاصة إذا استمرت وتيرة ارتباط عمليات الجماعة بتطورات ميدانية في الصراع الإقليمي.

ويقول مراد، وهو مواطن يعيش في شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»: «نحن لا نعرف حجم ما سيحدث، لكننا متأكدون أن الأمور لن تبقى كما هي. كل الاحتمالات واردة».

ويضيف: «إن القلق لا يرتبط حالياً بالخوف من ردة فعل أمريكية - إسرائيلية انتقامية ومُحتملة، بل أيضاً بانعدام وضوح المستقبل، في ظل تصاعد الخطاب العسكري للجماعة باستمرار شن مزيد من الهجمات باتجاه إسرائيل، وصولاً إلى معاودة استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب».

الحوثيون رفعوا صوراً لخامنئي في شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

أما أم محمد، وهي ربه منزل تقطن حي قريب من موقع عسكري غرب صنعاء، فتقول: «فكرت مع عائلتي بترك منزلنا بعد دخول الحوثيين في الحرب، لكن إلى أين نذهب؟ الإيجارات مرتفعة، والوضع صعب. وإن بقينا فالخوف لن يُفارقنا، خصوصاً على الأطفال».

وتشير إلى أن أطفالها أصبحوا أكثر توتراً، خصوصاً مع تداول أخبار التصعيد الحوثي عبر الهواتف ووسائل التواصل.

ولا تقتصر هذه الحالة على صنعاء، بل تمتد إلى مدن عدة خاضعة تحت سيطرة الحوثيين، حيث يُبدي كثير من السكان مخاوف مُشابهة، وإن كانت أقل حدة.

تصعيد تدريجي

ويرى محللون أن المرحلة المقبلة قد تشهد نمطاً من «التصعيد التدريجي»، الذي يسمح للجماعة بالمشاركة دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، غير أن هذا التوازن يبقى، حسبهم، هشاً وقابلاً للانهيار.

وبحسب هذه التقديرات فإنَّ الحوثيين وضعوا أنفسهم جرَّاء هذا التحرك أمام معادلة صعبة، حيث أنهم يسعون لتعزيز موقعهم ضمن محور تقوده إيران، لكنهم يدركون في الوقت نفسه أن التصعيد المفرط قد يستجلب ردوداً عسكرية قاسية.

حفرة أحدثها سقوط صاروخ حوثي استهدف إسرائيل (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويشير ناشطون يمنيون إلى أن المخاوف الحالية لا تقتصر على الجانب العسكري، مؤكدين أن سكان صنعاء وبقية المدن لا يخافون فقط من الضربات، بل أيضاً من أي إجَّراءات داخلية قد تشمل الاعتقالات أو التضييق، بتهم التخابر مع من تصفهم الجماعة بـ«الأعداء».

ويتخوف المراقبون من أنه في حال استمرار انخراط الحوثيين في الحرب بوتيرة عالية، قد تتجه الأوضاع في اليمن نحو مرحلة أكثر تعقيداً، فالخوف يتصاعد، والضغوط المعيشية والاقتصادية تتزايد، والسيناريوهات تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة.

وكانت الجماعة الحوثية أعلنت، السبت، إطلاق دفعتين من الصواريخ باتجاه إسرائيل، في إطار ما تسميه نصرة إيران، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخين أطلقا من اليمن، دون التسبب في أية أضرار.


هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

مع انقضاء الشهر الأول للحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

هذا التدخل الذي لم يكن مفاجئاً في سياق ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، يفتح الباب أمام تحولات ميدانية وسياسية عميقة داخل اليمن؛ إذ يرى محللون أنه قد يسرِّع إعادة تشكيل خريطة المواجهة، ويدفع نحو استئناف عمليات عسكرية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر، وربما أبعد من ذلك.

ويأتي ذلك بالتزامن مع قرار الأمم المتحدة إنهاء مهمة بعثتها لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) بنهاية مارس (آذار) الجاري، ما يعزز التقديرات بعودة جبهة الساحل الغربي إلى مربع الصراع المسلح، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتراجع مسارات التهدئة.

وتتصاعد المخاوف الإقليمية والدولية من احتمال إقدام جماعة الحوثي على إغلاق مضيق باب المندب، في خطوة قد تأتي امتداداً لتحركات طهران في مضيق هرمز، بما يعكس اتساع نطاق الضغط على الممرات البحرية الحيوية.

يقول عدنان الجبرني، المتخصص في الشؤون العسكرية، إن «مغادرة البعثة الأممية بالتزامن مع دخول الحوثيين في حرب جديدة لصالح إيران، وما قد يترتب على هذا الانخراط من تداعيات على مستقبل اليمن والمنطقة، يجعل جميع الاحتمالات مفتوحة».

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «انخراط الحوثيين يؤكد أن محركات الجماعة وأولوياتها مرتبطة بشكل أساسي بإيران ومحورها، وهو ما يشكل تحدياً خطيراً لليمنيين ومصالحهم ومستقبلهم، وكذلك للمنطقة عموماً، رغم حرص الجماعة على توظيف خطاب إسرائيل والقضية الفلسطينية».

انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية قد يؤدي لعملية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة (وكالات)

وحسب الجبرني، فإن «الحوثيين وصلوا داخلياً إلى حالة من الانسداد والانكشاف؛ حيث بلغ السخط الشعبي ضدهم وعزلتهم المجتمعية مستويات غير مسبوقة»، مضيفاً أن «ذلك يدفعهم نحو مزيد من الانخراط في معارك خارجية، وهو ما قد يرتد بتكلفة عالية على الجماعة ومستقبلها».

من جهتها، لم تستبعد المهمة الأوروبية (أسبيدس) استهداف الحوثيين السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، داعية السفن العابرة في هذه المنطقة إلى توخي الحذر.

في المقابل، يرى مروان نعمان، الباحث في مركز واشنطن للدراسات اليمنية لدى الأمم المتحدة، أن «الأوان قد حان لتحرير مدينة الحديدة من الميليشيات الحوثية»، مشيراً إلى أن «قرار نقل السلطة في عام 2022، الذي تم بموجبه تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، أكد أن حل الأزمة في اليمن سيكون سلماً أو حرباً».

ولفت نعمان -في تعليق لـ«الشرق الأوسط»- إلى أن «الرئيس رشاد العليمي دعا مؤخراً إلى تشكيل تحالف دولي لمواجهة التهديدات الحوثية في البحر الأحمر»، مضيفاً أن «التطورات الجديدة في المنطقة تجعل من تحرير مدينة الحديدة أمراً لازماً».

وأكد أن «انخراط الجماعة، بتوجيه من (الحرس الثوري) الإيراني، في خدمة أجندة إيران التوسعية الهادفة إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، يدق المسمار الأخير في نعشها».

الجماعة الحوثية تعيش أسوأ حالاتها حسب محللين (إ.ب.أ)

من جانبه، يتفق الكاتب السياسي اليمني همدان العليي على أن «انتهاء اتفاق استوكهولم، ومغادرة البعثة الأممية، يمثلان فرصة حقيقية لليمنيين والإقليم والمجتمع الدولي، لاستعادة مؤسسات الدولة في الحديدة، وصولاً إلى صنعاء».

ويرى العليي أن «أي عملية لتحرير الحديدة ومينائها ستسهم في حماية الممرات البحرية في باب المندب من الهجمات الحوثية، التي يُتوقع أن تتصاعد خلال الفترة المقبلة»، مضيفاً: «يبدو أننا أمام مواجهة جديدة (...) وأي خرق جديد من الحوثيين يعني الدخول في مرحلة مختلفة قد تقود إلى تحرير هذه المنطقة الجغرافية المهمة».

بدوره، يؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الله إسماعيل، أن «هناك كثيراً من المؤشرات التي تدل على أن معركة تحرير الحديدة واليمن قادمة»، ولكنه يرى أن الإشكالية تكمن في التوقيت. وقال: «في تقديري، فإن معركة تحرير الحديدة والمناطق الأخرى قادمة، ولكن تحديد موعدها يخضع لجملة من المعايير والترتيبات التي تحول دون استفادة الحوثيين من عمليات التحشيد أو استغلالها في تغرير اليمنيين».

وأضاف: «نحن أمام متغيرات واضحة، وربما تكون الانتفاضة من الداخل اليمني هي الحاسمة، بينما يرى كثيرون أن الجماعة تحفر قبرها بيدها».

من الناحية العسكرية، يرى العقيد محمد جابر، مستشار قائد العمليات اليمنية المشتركة، أن «المعطيات المحلية والإقليمية الحالية تشير إلى أننا مقبلون على معركة (كسر عظم) مع مشروع نظام الملالي».

وأشار -في تصريح لـ«الشرق الأوسط»- إلى أنه «بعد سقوط اتفاق استوكهولم سياسياً وعسكرياً، تبرز مؤشرات واضحة على فتح جبهة الحديدة والساحل الغربي، وتحولها إلى ساحة مواجهة مفتوحة خلال الأيام المقبلة».

قوات تابعة للمقاومة الوطنية في الساحل الغربي (الجيش اليمني)

وحذَّر جابر من أن «الحوثيين استبقوا هذا التحول بتحشيد عسكري غير مسبوق منذ بداية عام 2026، بهدف تحويل الساحل إلى قاعدة صاروخية تخدم النظام الإيراني في صراعه الإقليمي، واستخدام باب المندب كورقة للمقايضة السياسية».

ووفقاً لوزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، فقد وصلت قيادات وخبراء إضافيون من «الحرس الثوري» إلى صنعاء خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع التصعيد الأخير.

وأوضح جابر أن «التحركات الأخيرة للحكومة الشرعية واللجنة العسكرية، بإشراف المملكة العربية السعودية، تعكس وجود ترتيبات جادة لتوحيد الجبهات تحت قيادة مشتركة، والاستعداد لسيناريو ردع جماعة الحوثي واستعادة المواني».

وأضاف: «اختار الحوثيون الانخراط في المعركة الإقليمية بإرادتهم، وقدَّموا أنفسهم كأداة تنفيذية ضمن غرفة عمليات مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مقدِّمين أولويات الصراع الإقليمي على حساب مصلحة اليمن واليمنيين، هذا القرار سيضعهم أمام مواجهة داخلية مع اليمنيين، ومواجهة مباشرة مع البيئة الإقليمية والدولية، بما قد يعجِّل بنهايتهم».