هل يتفق منتجو العالم على أكبر تخفيض نفطي في التاريخ؟

فرصة ذهبية لتوحيد الصفوف بعيداً عن «الكبرياء القانوني والسياسي»

هل يتفق منتجو العالم على أكبر تخفيض نفطي في التاريخ؟
هل يتفق منتجو العالم على أكبر تخفيض نفطي في التاريخ؟
TT

هل يتفق منتجو العالم على أكبر تخفيض نفطي في التاريخ؟

هل يتفق منتجو العالم على أكبر تخفيض نفطي في التاريخ؟
هل يتفق منتجو العالم على أكبر تخفيض نفطي في التاريخ؟

أصعب ما يمكن استيعابه حالياً هو أن هذا الكم الهائل من الدول المنتجة للنفط التي تنزف وتعاني من هبوط أسعار النفط بشكل كبير ومستويات لم نرها منذ عقدين تقريباً، وسط أزمة اقتصادية هي الأشد في التاريخ حتى الآن، لن تصل إلى اتفاق يعيد الاستقرار لسوق النفط ويدعم الأسعار، لكن حتى الآن لا تزال احتمالية عدم الوصول إلى اتفاق قائمة.
إن هناك «كبرياء قانونياً وسياسياً» يمنع الكثير من الدول للدخول في مفاوضات غدٍ (الخميس) مع تحالف «أوبك+» المكون من منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) وحلفائها من خارج المنظمة الذين تقودهم روسيا؛ لبحث إمكانية تخفيض الإنتاج الذي قد يكون هو الأكبر في تاريخ صناعة النفط. وهناك أمور أخرى لا علاقة لها بالتحالف والمنظمة، وهي شأن سياسي خاص بين الدول لا يمكن نفيه أو تأكيده؛ مثل إصرار روسيا على مشاركة الولايات المتحدة في أي اتفاق.
وقد يكون الحل لدى وزراء طاقة مجموعة العشرين الذين سيجتمعون بعد غدٍ (الجمعة) لبحث استقرار السوق في ظل تداعيات فيروس كورونا؛ إذ إن المجموعة منوط بها الحفاظ على استقرار الاقتصاد العالمي، ولا أتصور إمكانية استقراره من دون استقرار سوق النفط؛ وكما تقول ميغين أوسليفان، من جامعة هارفارد، في مقال بالأمس، إن «النفط هو أبرز المؤشرات الاقتصادية في عالم ما بعد (كورونا)».
وحتى الآن، هناك ثلاثة أطراف في المناقشات حول هذا الخفض الذي دعت إليه في الأساس الولايات المتحدة الأميركية، والذي توقع رئيسها دونالد ترمب أن يصل إلى 10 ملايين برميل يومياً، وقد يفوق هذا إلى 15 مليون برميل يومياً. هذه الأطراف هي منظمة «أوبك» وتحالف «أوبك+» ومجموعة العشرين. وقد لقي مقترح ترمب استحسان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي اعتبر أن تخفيض إنتاج كبار المنتجين في العالم بنحو 10 ملايين برميل يومياً أمر معقول.
ورغم أن المنطق السليم يقول، إن هذا الخفض في صالح الجميع، وإن الاتفاق يجب أن يكون سلساً وسهلاً، فإن التصريحات حتى الآن لا تظهر النتيجة النهائية. وهناك دول تحركها المصالح الاقتصادية الصرفة وهي على وفاق كامل مع المنتجين، مثل السعودية وباقي دول الخليج، والدول المنتجة في غرب أفريقيا والبرازيل. وهناك دول لديها مواقف سياسية وتشكل السياسية أولوية في قراراتها، مثل روسيا وإيران وفنزويلا، وهي بطبيعة الحال ليست على وفاق مع الولايات المتحدة.
أما النوع الثالث من الدول، فهي الدول المستهلكة والمنتجة في الوقت ذاته، مثل كندا والولايات المتحدة، وهذه الدول لديها مواقف سياسية ضد «أوبك»، وهي تريد من المنظمة فعل شيء، لكنها لا تريد الدخول في مفاوضات مباشرة معها، وبخاصة الولايات المتحدة التي كان أعضاء مجلس الشيوخ فيها يسعون إلى تشريع قانون «نو أوبك» لفرض عقوبات على «أوبك»، واتهامها بالتلاعب بالأسواق الدولية.
> تصريحات متسرعة... وحكمة سعودية

والذي يراقب تصريحات الدول يرى تبايناً كبيراً وتناقضات لا حصر لها، والذي يتابع الإعلام يرى كماً هائلاً من الأخبار من دون مصدر رسمي؛ وكلها مصادر تندرج تحت فئة «على اطلاع» وذات صلة.
والبداية مع تصريحات الرئيس الروسي والتي حمّل فيها السعودية مسؤولية تدهور السوق النفطية، وردت السعودية بكل حزم بأنها ليست المسؤولة عن ذلك، بل إن روسيا هي من رفض تخفيض إنتاج تحالف «أوبك+» من أجل استقرار السوق، ودعت روسيا لعدم تزييف الحقائق.
وهناك لوم خفي يوجه للسعودية من قبل المراقبين والمتابعين والمحللين في بعض الدول في «أوبك» صغاراً كانوا أم كباراً في الإنتاج، ويبدي البعض منهم سخطاً من قيام المملكة بزيادة صادراتها النفطية إلى مستوى تاريخي هذا الشهر وتقديم تخفيضات هي الأعلى منذ ما لا يقل عن عشر سنوات على خاماتها النفطية الخمسة التي تنتجها يومياً. بل إن الكثير يشككون في قدرتها على بيع هذه الكمية خاصة مع هبوط الطلب الحاد بنحو 20 مليون برميل يومياً هذا الشهر، وأن هذه الزيادة في الإنتاج ستضر السوق والأسعار بشكل أكبر.
وفي حقيقة الأمر، لا أرى أن السعودية قامت بأي تصرف غير منطقي وعقلاني حتى وإن بدأ للجميع غير ذلك. ماذا كان مفترضاً من المملكة فعله؟ لو خفضت المملكة مليوناً أو مليوني أو ثلاثة ملايين برميل سيصل إنتاجها إلى 6 أو 7 ملايين برميل يومياً ولن يتغير الوضع وستهبط الأسعار بسبب هبوط الطلب.
وبالنسبة لدولة استثمرت مليارات الدولارات لبناء طاقة إنتاجية قدرها 12.5 مليون برميل يومياً، أبقت منها 2 إلى 3 ملايين برميل فائضاً طيلة عقد من الزمن، أمر غير منطقي استثمارياً أو حتى إنتاجياً - فإقفال كل هذه الآبار بسرعة كبيرة أمر ليس جيداً، ومهندسو البترول يعرفون هذا. واقتصادياً، فإن إقفال هذه الآبار التي لا تزيد تكلفة إنتاج البرميل فيها على 5 دولارات لصالح المنتجين في العالم الذين يحتاجون إلى 20 و30 دولاراً للبرميل أمر غير منطقي. والحل المنطقي الوحيد هو أن يشارك الجميع في التخفيض.
أما الولايات المتحدة، فموقف الصناعة فيها مختلف عن موقف الحكومة. ففي الوقت الذي تجري فيه هيئة السكك الحديدية في تكساس تنسيقاً لمشاركة منتجي تكساس في الاتفاق الدولي للتخفيض، يخرج الرئيس الأميركي بتصريحات عدائية ضد «أوبك» وتهديد روسيا والسعودية بفرض رسوم على صادراتهم النفطية إليها. وهناك تباين في الصناعة كذلك، حيث يرفض معهد البترول الأميركي دخول الشركات الأميركية في أي اتفاق للتخفيض.
وبعيداً عن كل هذا، خرجت إيران كالعادة بتصريح مليء بالمغازي السياسية، حيث صرح وزير نفطها بيجن زنغنه، الذي يعتبر من أقدم وزراء النفط في منظمة «أوبك» حالياً، بالأمس بعد إجرائه محادثات مع نظرائه في الجزائر، التي تترأس «أوبك» في دورتها هذا العام، وروسيا والكويت، قائلاً إنه يجب على كندا والولايات المتحدة وباقي المنتجين الدخول في الاتفاق، وليس هذا وحسب، بل إنه يجب الاتفاق على المستوى الذي سيتم منه تخفيض الإنتاج قبل الاجتماع.
لا أريد الخوض في النوايا، لكن طيلة السنوات التي تابعت فيها «أوبك»، فإن الحديث عن الشهر الذي يجب استخدامه لتحديد مستوى الإنتاج قبل التخفيض، هو في الغالب محاولة لتعطيل الاتفاق. وهذا الأمر تكرر كثيراً، آخرها في اتفاق عام 2016، وتوقعي أن الكثير من الدول التي لا تستطيع رفع إنتاجها مثل إيران المطالبة باستخدام شهر مارس، لمنع الدول الأخرى التي رفعت إنتاجها مثل السعودية والعراق والكويت والإمارات من الحصول على حصة أكبر إذا ما استخدموا مستوى شهر أبريل (نيسان).
أما الولايات المتحدة، فقد جاوب رئيسها على ذلك للصحافيين قائلاً، إن «أوبك» لم تضغط عليه لتخفيض إنتاج الشركات الأميركية، واكتفى بقوله، إن إنتاجها سينخفض طبيعياً بسبب عوامل السوق. ومن المتوقع أن يتم احتساب مساهمة الولايات المتحدة بالتخفيض الطبيعي وليس الطوعي، وهو أمر استخدمته المكسيك في اتفاق «أوبك+»، حيث اعتبرت أي هبوط طبيعي في الطلب مساهمة منها.
وحتى الآن لم تخرج السعودية رسمياً للحديث عن أي رقم للتخفيض، وهذا أمر حكيم لأن الدول لا يمكن أن تتوقع حجم التخفيض من دون اجتماع، والرقم الأميركي - الروسي (10 ملايين برميل) لن يفيد كثيراً إذا كان الهبوط في الطلب بنحو 20 إلى 35 مليون برميل يومياً. ويبدو واضحاً أن العالم سيحتاج إلى تخفيض تاريخي أكبر، وإلى تفاهم أعمق.
إن فيروس كورونا لا يجب أن يكون حدثاً عابراً، بل محطة تحول لخلق نظام جديد، مثلما حصل بعد الحرب العالمية الثانية، واتفاق «بريتين وودز» الذي أدى إلى قيام نظام مالي ونقدي جديد ومؤسسات جديدة. لكن هذا الأمر يتطلب فكراً وعقلية جديدين، للأسف لا أراها متوافرة اليوم لدى غالبية دول العالم، خصوصاً الغربية التي أصبحت في صدارة المنتجين بفضل دعم «أوبك» للأسعار لسنوات طويلة. ولعل اجتماع قادة مجموعة العشرين أواخر العام، يدعم وضع أسس لهذا النظام الجديد في عالم ما بعد «كورونا».



الأسهم العالمية تتراجع على وقع ارتفاع النفط ومخاوف الديون الأوروبية

مشغلو السوق يعملون في غرفة العمليات بمقر بورصة يورونكست في الحي المالي بباريس (إ.ب.أ)
مشغلو السوق يعملون في غرفة العمليات بمقر بورصة يورونكست في الحي المالي بباريس (إ.ب.أ)
TT

الأسهم العالمية تتراجع على وقع ارتفاع النفط ومخاوف الديون الأوروبية

مشغلو السوق يعملون في غرفة العمليات بمقر بورصة يورونكست في الحي المالي بباريس (إ.ب.أ)
مشغلو السوق يعملون في غرفة العمليات بمقر بورصة يورونكست في الحي المالي بباريس (إ.ب.أ)

تراجعت أسواق الأسهم العالمية، الخميس، مع ارتفاع أسعار النفط، ما دفع العقود الآجلة للأسهم الأميركية إلى الهبوط، وأدخل الأسهم الصينية إلى نطاق السوق الهابطة، في وقت زادت فيه التوترات في الشرق الأوسط ومخاوف الديون في منطقة اليورو من اضطراب الأسواق المالية.

وهبطت العقود الآجلة المرتبطة بمؤشر «ناسداك 100»، الذي تهيمن عليه شركات التكنولوجيا، بنسبة 1.8 في المائة قبيل بدء التداول في «وول ستريت»، بينما تراجعت العقود الآجلة لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 1 في المائة.

وفي الصين، انخفض مؤشر «سي إس آي 300» القياسي بنسبة 1.8 في المائة، لتصل خسائره إلى 20 في المائة منذ يونيو (حزيران)، في إشارة إلى هشاشة ثقة المستثمرين بثاني أكبر اقتصاد في العالم.

كما تراجعت الأسهم الأوروبية عند الافتتاح، وانخفض مؤشر «ستوكس 600» الأوروبي بنسبة 1 في المائة في التعاملات المبكرة، بالتزامن مع موجة بيع جديدة طالت السندات الأكثر مخاطرة في المنطقة.

وقال محللون في «دويتشه بنك» إن «الأجواء في الأسواق خلال الليل أصبحت أكثر سلبية بوضوح»، مشيرين إلى ارتفاع أسعار النفط الخام.

النفط يتجاوز 112 دولاراً

وارتفع خام برنت بنسبة 3 في المائة إلى 112 دولاراً للبرميل، مسجلاً مستويات لم تُشهد منذ الأشهر الأولى من الحرب مع إيران. كما ارتفعت أسعار النفط الأميركي، بعد تصعيد الحوثيين المدعومين من إيران هجماتهم على السعودية.

وأدى صعود أسعار الطاقة إلى زيادة الضغوط على الأسواق، في ظل مخاوف من أن يؤدي استمرار الصراع إلى تفاقم التضخم وإضعاف النمو الاقتصادي العالمي.

تباين في أسواق السندات

وفي أسواق الدين، اتجه المستثمرون إلى الأصول التي تعد ملاذات آمنة، مثل سندات الخزانة الأميركية والسندات الألمانية، في حين تخلّصوا من السندات الصادرة عن دول أكثر عرضة للمخاطر.

وارتفعت أسعار سندات الخزانة الأميركية، ما دفع عائد السندات لأجل عشر سنوات إلى الانخفاض بمقدار 0.07 نقطة مئوية إلى 5.08 في المائة.

في المقابل، استمرت الضغوط على السندات الفرنسية والإيطالية. وارتفع عائد السندات الفرنسية لأجل عشر سنوات بمقدار 0.11 نقطة مئوية إلى 5.11 في المائة، بعدما تجاوز مستوى 5 في المائة الأربعاء للمرة الأولى منذ عام 2002.

كما اتسع الفارق بين عائد السندات الفرنسية ونظيرتها الألمانية إلى 1.7 نقطة مئوية، وهو أعلى مستوى منذ ذروة أزمة ديون منطقة اليورو في عام 2011.

وامتدت الضغوط إلى أسواق دين أوروبية أخرى تتابعها السلطات النقدية من كثب وسط مخاوف من أزمة ديون عامة. وارتفع الفارق الإيطالي إلى 1.2 نقطة مئوية، بينما اقترب الفارق البلجيكي من 1.1 نقطة، مسجلاً أعلى مستوى له منذ عام 2013.

هبوط واسع في الأسواق الآسيوية

وفي آسيا، تراجع مؤشر «نيكي 225» الياباني بنسبة 2.7 في المائة، مع انخفاض أسهم شركات الرقائق والذكاء الاصطناعي، بما فيها «رينوسونيك» و«لازرتك» و«كيوكسيا» و«طوكيو إلكترون».

كما هبط مؤشر «كوسبي» الكوري الجنوبي بنسبة 3.5 في المائة، بينما تراجع مؤشر «هانغ سينغ» في هونغ كونغ بنسبة 3 في المائة خلال تعاملات بعد الظهر.

وانخفض سهم «علي بابا» بنسبة 4 في المائة، بعدما دعت هيئة تنظيم السوق الصينية إلى تشديد معايير جودة المنتجات وتعزيز حماية المستهلك على منصات التجارة الإلكترونية.

وقالت الهيئة الحكومية الصينية لتنظيم السوق إن النمو السريع لأنماط التسوق الإلكتروني الجديدة، بما يشمل التسوق عبر البث المباشر والتجارة الفورية والتجارة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، جعل مخاطر جودة المنتجات وسلامتها أكثر تعقيداً وأصعب في الرصد.

وأضافت الهيئة أن مشكلات مثل السلع المقلدة أو غير المطابقة للمواصفات، والمنتجات التي لا تتطابق مع أوصافها، والإعلانات المضللة، لا تزال شائعة، في وقت تواجه فيه الجهود الرامية إلى رفع معايير الجودة على المنصات الإلكترونية تحديات مستمرة.


الاقتصاد العراقي بين انكماش حاد في 2026... وتعافٍ مرتقب في 2027

ناقلات نفط لدى وصولها إلى موانئ تصدير النفط العراقية وتحميلها بالنفط الخام (أرشيفية - رويترز)
ناقلات نفط لدى وصولها إلى موانئ تصدير النفط العراقية وتحميلها بالنفط الخام (أرشيفية - رويترز)
TT

الاقتصاد العراقي بين انكماش حاد في 2026... وتعافٍ مرتقب في 2027

ناقلات نفط لدى وصولها إلى موانئ تصدير النفط العراقية وتحميلها بالنفط الخام (أرشيفية - رويترز)
ناقلات نفط لدى وصولها إلى موانئ تصدير النفط العراقية وتحميلها بالنفط الخام (أرشيفية - رويترز)

يواجه العراق واحدةً من أشدِّ الصدمات الاقتصادية في المنطقة، في ظلِّ تداعيات الصراع واضطراب تدفقات الطاقة عبر مضيق «هرمز»، وفق تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي: الشرق الأوسط وآسيا الوسطى» الصادر عن صندوق النقد الدولي في أكتوبر (تشرين الأول) 2026. ويضع التقرير الاقتصاد العراقي أمام انكماش حاد خلال العام الحالي، قبل تعافٍ قوي متوقع في 2027، في مسار يرتبط بدرجة كبيرة بعودة إنتاج النفط والغاز واستعادة حركة التجارة والصادرات.

ويُصنَّف العراق ضمن الاقتصادات الأكثر تأثراً باضطرابات مضيق «هرمز»، نظراً إلى اعتماده الكبير على الممر في تصدير النفط، ومحدودية البدائل المتاحة لنقل صادراته. وقد أدى تراجع إنتاج النفط والغاز منذ بدء الأزمة إلى انكماش الأنشطة المرتبطة بالقطاع الهيدروكربوني، وامتدت التداعيات إلى قطاعات أخرى، في وقت تواجه فيه البلاد ارتفاعاً في تكاليف التجارة وضغوطاً على المالية العامة.

كانت المديرة العام لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، قد أعلنت الأسبوع الماضي، أن العراق طلب من صندوق النقد الدولي برنامجاً تمويلياً جديداً، مؤكدة استعداد الصندوق لدعم الطلب مالياً ومن خلال السياسات الاقتصادية.

انكماش 16 في المائة في 2026

يتوقَّع التقرير أن ينكمش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للعراق بنسبة 16 في المائة في عام 2026، مقارنة بانكماش طفيف بلغ 0.4 في المائة في 2025. ويعكس هذا التراجع الحاد حجم الصدمة التي تعرَّض لها الاقتصاد نتيجة انخفاض إنتاج الهيدروكربونات واضطراب الصادرات، إلى جانب انعكاسات الأزمة على النشاط الاقتصادي غير النفطي.

ويمثل التوقع خفضاً كبيراً قدره 9.2 نقطة مئوية مقارنة بتقديرات أبريل (نيسان)، في مراجعة تعكس تفاقم تداعيات الصراع على الاقتصاد العراقي. ويبرز هذا التعديل مدى حساسية آفاق النمو للتطورات الأمنية واستمرار تعطّل إنتاج الطاقة وتدفقاتها التجارية.

وفي المقابل، يفترض السيناريو الأساسي تحسناً ملحوظاً في 2027، مع توقف الأعمال العدائية تدريجياً واستعادة تدفقات الطاقة عبر مضيق «هرمز» وإصلاح المرافق المتضررة. وبناءً على هذه الافتراضات، يتوقع الصندوق أن يسجل الاقتصاد العراقي نمواً بنسبة 19 في المائة في العام المقبل، قبل أن يستقرَّ معدل النمو عند نحو 3.5 في المائة بحلول 2031.

ويعني هذا المسار أن التعافي المتوقع سيكون مدفوعاً بدرجة كبيرة باستعادة النشاط النفطي، ما يجعل التوقعات عرضة للتغير إذا استمرَّت الاضطرابات أو تأخر استئناف الإنتاج والصادرات بالمستويات المفترضة.

مضيق «هرمز» يرفع تكاليف التجارة

لا تقتصر آثار الأزمة على انخفاض إنتاج النفط والغاز، بل تمتد إلى تكاليف التجارة وسلاسل الإمداد. ويشير التقرير إلى أن العراق يتحمل أعلى زيادة في تكاليف التجارة البحرية بين دول المنطقة التي تناولها التحليل، إذ تتجاوز الزيادة 13 في المائة في ظلِّ اضطرابات الملاحة عبر مضيق «هرمز».

وتعكس هذه الزيادة ارتفاع تكاليف الشحن بصورة مباشرة وغير مباشرة، فضلاً عن الأعباء الإضافية المرتبطة بتحويل جزء من حركة نقل السلع إلى المسارات البرية وموانئ الدول المجاورة. وتزيد هذه التطورات تكلفة استيراد السلع، وتفرض ضغوطاً إضافية على الشركات والأنشطة الاقتصادية التي تعتمد على الإمدادات الخارجية.

كما أن محدودية المسارات البديلة لتصدير النفط تجعل الاقتصاد العراقي أكثر عرضةً لاستمرار اضطراب الممرات البحرية، إذ يصعب تعويض تعطل الصادرات بسرعة من خلال طرق أخرى. ويؤدي ذلك إلى تضخيم أثر الصدمة على الإنتاج والإيرادات العامة والنشاط الاقتصادي.

التضخم يدفع إلى التحرك النقدي

على صعيد الأسعار، واجه العراق ضغوطاً تضخمية متزايدة خلال 2026، في ظلِّ اضطرابات سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الشحن واستيراد السلع، بما فيها المواد الغذائية والطاقة. ويأتي ذلك في وقت يتعرَّض فيه النشاط الاقتصادي لضربة قوية، ما يزيد صعوبة الموازنة بين احتواء التضخم ودعم التعافي.

ويشير التقرير إلى أن العراق كان من أوائل دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان التي رفعت أسعار الفائدة في إطار استجابتها للضغوط التضخمية الناشئة عن الصراع. وجاء التَّحرُّك ضمن نهج يستهدف احتواء انتقال ارتفاع التكاليف إلى الأسعار المحلية، لا سيما في ظلِّ ارتباط السياسة النقدية بتثبيت سعر الصرف مقابل الدولار.

وتواجه السلطات النقدية تحدياً يتمثَّل في الحدِّ من الضغوط السعرية من دون زيادة الأعباء على النشاط الاقتصادي، في وقت تتراجع فيه الإيرادات النفطية وتتسع المخاطر المحيطة بالتجارة والإمدادات.

ضيق الحيز المالي يزيد صعوبة المواجهة

دخل العراق الأزمة وهو يعاني قيوداً تمويلية حادة ومساحة مالية محدودة، وفق التقرير، ما يقلص قدرة الحكومة على استخدام الإنفاق العام لتعويض الخسائر الاقتصادية أو تقديم دعم واسع للقطاعات المتضررة.

ومع تراجع الإيرادات النفطية، اتسمت السياسة المالية في 2026 بطابع انكماشي، في ظلِّ الحاجة إلى إدارة الموارد المتاحة والحد من الضغوط على الموازنة. ويضع هذا الوضع الحكومة أمام خيارات صعبة، إذ تتزامن الحاجة إلى حماية النشاط الاقتصادي والخدمات الأساسية مع محدودية مصادر التمويل وارتفاع احتياجات الاقتراض.

ويبرز التقرير أيضاً التحديات المرتبطة باحتياجات التمويل الإجمالية والاقتراض العام، وهي عوامل تزيد أهمية الحفاظ على الانضباط المالي وإدارة الالتزامات المالية بحذر، خصوصاً في ظلِّ التقلبات التي تطال الإيرادات النفطية.

وتحد القيود المالية من قدرة العراق على تنفيذ استجابة واسعة للصدمات، كما تجعل مسار الإنفاق العام أكثر ارتباطاً بتطورات إنتاج النفط وحجم الإيرادات المتاحة. ويزيد ذلك من أهمية توجيه الموارد إلى الأولويات الأكثر إلحاحاً، مع تجنب الإجراءات التي قد تضاعف الضغوط على المالية العامة.

التعافي مرهون بعودة تدفقات الطاقة

تعكس توقعات صندوق النقد الدولي تبايناً حاداً بين مسار الاقتصاد العراقي في 2026 والمسار المفترض في العام التالي. فبعد الانكماش المتوقع بنسبة 16 في المائة، يرجح أن يرتفع النمو إلى 19 في المائة في 2027، على أساس عودة إنتاج الطاقة وتدفقات التجارة تدريجياً إلى طبيعتها.

لكن هذه التوقعات تظل مشروطة بتطورات الصراع وسرعة استعادة الصادرات وإصلاح المرافق المتضررة. فاستمرار اضطرابات مضيق «هرمز» أو تأخر استئناف إنتاج النفط والغاز قد يضعفان فرص التعافي، بينما تزيد تكاليف التجارة والضغوط التضخمية وضيق الحيز المالي من تعقيد التحديات التي تواجه الاقتصاد العراقي.

وفي الأجل المتوسط، يتوقع التقرير أن يستقرَّ النمو عند نحو 3.5 في المائة بحلول 2031. ويؤكد هذا المسار أهمية تقليل تعرُّض الاقتصاد للصدمات الخارجية، وتعزيز قدرة المالية العامة على امتصاص تقلبات الإيرادات النفطية، بما يدعم استقرار النشاط الاقتصادي في مواجهة الأزمات المقبلة.


«هيوماين» و«إنفيديا» توسعان تعاونهما في السعودية بقدرة 84 ميغاواط

لافتة أمام مقر شركة «إنفيديا» في سانتا كلارا بكاليفورنيا (أ.ف.ب)
لافتة أمام مقر شركة «إنفيديا» في سانتا كلارا بكاليفورنيا (أ.ف.ب)
TT

«هيوماين» و«إنفيديا» توسعان تعاونهما في السعودية بقدرة 84 ميغاواط

لافتة أمام مقر شركة «إنفيديا» في سانتا كلارا بكاليفورنيا (أ.ف.ب)
لافتة أمام مقر شركة «إنفيديا» في سانتا كلارا بكاليفورنيا (أ.ف.ب)

أعلنت شركتا «هيوماين» التابعة لصندوق الاستثمارات العامة و«إنفيديا» الأميركية توسيع تعاونهما الاستراتيجي لتطوير بنية تحتية للذكاء الاصطناعي بقدرة إجمالية مخطط لها تبلغ 84 ميغاواط، تضم نحو 27 ألف وحدة معالجة رسومية من الجيل الجديد. ويجمع البرنامج بين نشر أنظمة «بلاكويل» خلال الربع الأخير من عام 2026، والتوسع في بنية «فيرا روبين» ابتداءً من عام 2027، في خطوة تستهدف توفير قدرات حوسبة متقدمة للشركات والمؤسسات والجهات الحكومية، وتعزيز موقع المملكة في سوق الذكاء الاصطناعي العالمي.

جاء ذلك خلال مؤتمر «جي تي سي برلين» في ألمانيا؛ حيث من المقرر أن تبدأ المرحلة الأولى بنشر أنظمة «إنفيديا بلاكويل ألترا» المتصلة بشبكات «إنفيديا كوانتوم إكس 800 إنفيني باند» خلال الربع الرابع من عام 2026، تليها عمليات نشر مخطط لها لبنية «إنفيديا فيرا روبين» التحتية اعتباراً من منتصف عام 2027.

ويشمل التعاون نشر أنظمة «إنفيديا بلاكويل إتش جي إكس بي 300» بقدرة 14 ميغاواط، تمثل نحو 6 آلاف وحدة معالجة رسومية متصلة بشبكات «إنفيديا كوانتوم إكس 800 إنفيني باند»، على أن يبدأ نشرها خلال الربع الرابع من عام 2026، وستدعم هذه القدرة خدمات «هيوماين كلاود» وعملاءها، بمَن فيهم شركات الذكاء الاصطناعي والجهات العامة والمؤسسات المحلية التي تحتاج إلى قدرات حوسبة متقدمة.

كما يتضمن التعاون خططاً لنشر بنية تحتية من «إنفيديا فيرا روبين» بقدرة 50 ميغاواط، متصلة بشبكات «إنفيديا»، ويُستهدف بدء نشرها اعتباراً من يونيو (حزيران) 2027، لتوفير قدرة مخصصة لأعباء عمل الذكاء الاصطناعي المتقدمة على نطاق واسع لصالح عميل أميركي.

وتشمل الخطط أيضاً نشر بنية تحتية إضافية من «إنفيديا فيرا روبين» بقدرة 20 ميغاواط، متصلة بشبكات «إنفيديا كوانتوم إكس 800 إنفيني باند»، لدعم خدمات «هيوماين كلاود»، على أن يبدأ نشرها المستهدف في يوليو (تموز) أو أغسطس (آب) 2027.

وستمثل البنية التحتية المخطط لها من «إنفيديا فيرا روبين»، والبالغة قدرتها الإجمالية 70 ميغاواط، نحو 21 ألف وحدة معالجة رسومية، رهناً بالاتفاقات النهائية وخطط النشر. وبذلك، يصل إجمالي القدرة المخطط لها ضمن التعاون الموسع إلى 84 ميغاواط، مع نحو 27 ألف وحدة معالجة رسومية عبر مراحله المختلفة.

ويأتي توسيع التعاون امتداداً للشراكة الاستراتيجية بين «هيوماين» و«إنفيديا» لتطوير مصانع ذكاء اصطناعي واسعة النطاق في السعودية، تجمع بين الحوسبة المتقدمة المعززة بتقنيات التسريع والبنية التحتية للطاقة ومراكز البيانات والخدمات السحابية اللازمة لدعم الجيل المقبل من تقنيات الذكاء الاصطناعي. وستُبنى عمليات النشر المخطط لها لبنية «إنفيديا فيرا روبين» باستخدام منصة «إنفيديا دي إس إكس» لمصانع الذكاء الاصطناعي.

وتعمل «هيوماين» على تطوير أحد أكثر برامج البنية التحتية للذكاء الاصطناعي طموحاً على مستوى العالم، مع خطط لبناء قدرة لمراكز البيانات تبلغ نحو 3 غيغاواط بحلول عام 2030، وأكثر من 6 غيغاواط بحلول عام 2034.

وتبني الشركة منظومة متكاملة للذكاء الاصطناعي تربط البنية التحتية والقدرات الحاسوبية بالنماذج والمنصات والتطبيقات، بهدف تسريع نشر تقنيات الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع.

وقال الرئيس التنفيذي لشركة «هيوماين» طارق أمين: «نعمل بسرعة لإدخال الأجيال المقبلة من الحوسبة المعززة من (إنفيديا) إلى السعودية على نطاق ملموس. ويمنح هذا النشر عملاءنا مساراً واضحاً للانتقال من قدرات بلاكويل بي 300 التي يبدأ توفيرها في عام 2026 إلى فيرا روبين في عام 2027، بما يضمن قدرتهم على الوصول إلى الحوسبة التي يحتاجون إليها مع نمو أعباء عمل الذكاء الاصطناعي من حيث الحجم والتعقيد. وبالنسبة إلى عملائنا، يعني ذلك وصولاً أسرع إلى البنية التحتية المتقدمة، وقدرة أكبر على تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي المتطورة ونشرها، ومنصة يمكن توسيعها بالتوازي مع نمو احتياجاتهم، من دون الحاجة إلى بناء تلك البنية التحتية بأنفسهم».

ومن خلال «هيوماين كلاود»، سيتمكن العملاء من الوصول إلى البنية التحتية للحوسبة المعززة من «إنفيديا» للجيل الجديد، المنشورة في السعودية، بما يتيح للمؤسسات تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي المتزايدة تطوراً، وضبطها وتحسينها، ونشرها باستخدام بنية مصممة خصيصاً لأعباء عمل الذكاء الاصطناعي.

من جهته، قال راج ميربوري، نائب الرئيس لشؤون سُحب الذكاء الاصطناعي العالمية ومنظومة البنية التحتية في «إنفيديا»: «الذكاء هو الصناعة الكبرى التالية في العالم. وتجمع (هيوماين) بين الطاقة والبنية التحتية والطموح لبناء محرك جديد للذكاء يخدم العالم. ومن خلال (فيرا روبين) و(بلاكويل الترا)، نوسع قاعدة الحوسبة التي تتيح للمطورين والشركات بناء الجيل المقبل من الأنظمة الذكية».