كاتب شبح... وشخصيات بأكثر من قناع

المغربي أحمد الويزي ينبش في تاريخ المغرب مطلع القرن العشرين

أحمد الويزي
أحمد الويزي
TT

كاتب شبح... وشخصيات بأكثر من قناع

أحمد الويزي
أحمد الويزي

قد يتعذر على «كاتب» ما التعبير عن نفسه بلغة الأدب والسرد، فيلجأ إلى كاتب «مجهول» أو مغمور، يكتب عنه يومياته أو أحداث روايته، يطلق عليه اسم «الكاتب الشبح» (Ghost Writer).
والروائي والمترجم المغربي أحمد الويزي، المتمكن من أدوات فنه بأكثر من لغة، ليس بحاجة إلى كاتب شبح ينسج له على الورق. إلا أنه في رواية «الملك يموت مرتين» يتقنع مرتين، وربما أكثر من مرة وبأكثر من قناع، كي يقول ما يريد قوله. يبذل الويزي جهداً كبيراً، وهو ينبش في تاريخ المغرب خلال مطلع القرن العشرين، في أشد مراحل تحرش الاستعمار ببلاده، فينتقي شخصيات حقيقية من ذلك الزمن، وأخرى متخيلة كي يمنح القارئ قناعة بما يريد قوله.
إنه لا يفعل أكثر من أن يحقق ما يقوله الكاتب ميلان كونديرا، حول فن كتابة الرواية: «الشيء الجوهري في الرواية هو ما لا يمكن قوله إلا في الرواية؛ وفي كل اقتباس لا يبقى سوى الشيء غير الجوهري. وفي هذه الأيام على كل من يتوافر لديه القدر الكافي من الجنون كي يستمر اليوم في كتابة الروايات، أن يكتبها بطريقة يجعل اقتباسها متعذراً، حماية لها. بعبارة أخرى، طريقة تجعلها غير قابلة لأن تُروى».
يتقنع الكاتب مرة في المقدمة، حين ينسب الرواية إلى كاتب فرنسي مغمور (جان بيير هانس) كتبها في خمسينيات القرن الماضي، فلم تحظَ مع الأسف باهتمام أيّ أحد، رغم أنه ابن فرنسا. يقول لنا: «ربّما رام من وراء ما ضمنه فيها (بنية بريئة أو بغيرها)، التشويش على بُناة الإجماع الوطني، والتشكيك في نوايا حُماته الرّسميين، في مرحلة عصيبة وفارقة من حياة الأمة». ثم يتقنع مرة أخرى ليقول لنا إنه ترجم هذه الرواية عن الفرنسية قناعة منه بأن المترجم ساعٍ يقتفي أثر ساعٍ قبله غاب، إما لانتمائه إلى بلد غريب، وإما لأنه عاش في زمن غير زمن الترجمة، وإما لأنه شخصية ماكرة لا تريد الكشف عن وجهها المتخفي وراء قناع».
وطبيعي أنّ الهدف الوحيد لأحمد الويزي في عمله هذا لم يكن هو التقنّع لكشف المستور على طريقة «باتمان» و«سوبرمان» وغيرهما من أبطال «الكوميكس» الخارقين، لأنّه يخوض تجربة كتابة حداثويّة تجمع في آن واحد، بين التجديد في الأسلوب والمتعة. فهي رواية تاريخية، ورواية سجون، وسيرة غيريّة، وكتاب رحلات وأسفار، فيه وصف للمدن والبوادي والزرع والضرع. يصف مغاربة ذلك الزمن في موغادور، ومراكش، وفاس، والصويرة... إلخ؛ ويشرح لباسهم وعاداتهم وأهواءهم ونفسياتهم.
يسير على خطى روبير هاس، ويصبح ظلاً له تحت شمس مراكش الحارقة، ويدفعنا للتساؤل عما إذا كان مغاربة اليوم، أو مغرب اليوم يختلف كثيراً عما كان عليه قبل أكثر من قرن. لا يكتفي الويزي بـ«تلبيس» نفسه وشخصياته أقنعة غيرهم، بل يضع قناع أبو عبد الله حسين بن منصور الحلاج على وجه السلطان عبد الحفيظ بن الحسن، في الصفحة الأولى من الرواية، وينقل عنه، على لسان الصحفي جاك هيبير (1912): «إنهم قيدوا يدي، وكبلوا رجلي، ثم ألقوا بي في اللجّة... وها هم يريدون مؤاخذتي الآن، على ما طال لباسي من بلل».
تتحدث الرواية عن الصحفي الفرنسي روبير هاس، المولود في الجزائر، الذي يكتب من زنزانته في سجن «لاسانتي» الفرنسي سنة 1937، حيث يقبع بتهمة الخيانة العظمى والتجسس لصالح ألمانيا.
يخوض هاس مغامرة الكتابة الصحفية في فرنسا ثم ينتقل إلى المغرب بحثاً عن سبق صحافي يرفع اسمه إلى قبة المجد الإعلامي المرصعة بالنجوم. يكتب من المغرب إلى صحيفته «لوتان» بحماس جمهوري عن «الغوغاء» الذين قتلوا الطبيب إيميل موشان سنة 1907 في المغرب بتهمة التجسس. ويستمر في هذا النهج الحماسي المدافع لتدخل فرنسا بذريعة فرض الأمن في الشمال الأفريقي إلى حين عودة الوفد المغربي خالي الوفاض من مؤتمر الجزيرة الخضراء، في زمن السلطان مولاي عبد العزيز، ومن ثم القصف الوحشي الفرنسي للدار البيضاء سنة 1907، الذي خلف دماراً بشرياً واقتصادياً هائلاً. تتم بيعة السلطان مولاي عبد الحفيظ خلفاً لأخيه مولاي عبد العزيزي الذي عرف بتهاونه مع الأطماع الاستعمارية في المغرب. ويبذل روبير، بالتعاون مع زميله كريستيان هويل، جهداً لتحقيق مجده الصحفي من خلال لقاء السلطان الجديد، وهو يتزيّا بزي عربي، ويخوض غمار رحلات محفوفة بالخطر، وصولاً إلى مراكش حيث يتحقق حلمه.
ويبدو أن قصف الدار البيضاء، ومن ثم اللقاء بمولاي عبد الحفيظ، أدار دفة روبير الحالم بقدرته على إيصال الحقيقة حول السلطان إلى الجمهور الفرنسي المنقسم بين مؤيد ومعارض لدور فرنسا في المغرب. يكتب بدافع نقل الحقيقة عن الدور الفرنسي في عزل مولاي عبد الحفيظ، ويثير الأسئلة حول موت السلطان المريب واختفاء أرشيفه. توجه السلطات الفرنسية له تهمة الخيانة العظمى، والتجسس لألمانيا، وترسله إلى سجن لاسانتي.
يكتب روبير من السجن أن الصحافة التي ولدت من رحم الديمقراطية وقعت في أسر السلطة والمال. ويعود إلى موضوعة التقنع في نهاية الرواية، بعدما يفشل محاميه في انتشاله من كابوس لاسانتي، ولا تنتصر له الصحافة في رسالته التي آمن بها، ويعترف أن الصحافة نفسها تلجأ إلى التقنع وكتم الحقيقة، أو الاكتفاء بكشف نصف الحقيقة، واللجوء إلى الترميز واللامباشرة في «هذا الزمن». وهو لم يهاجم الدولة، ولم يفضح دسائسها، ولم يحرج عالم الصحافة الحر، ولم يفعل أكثر من أنه نقل الحقيقة.
من خلال الجدران التي تطبق على قلم روبير يحس القارئ بعدة أصوات تصل إلى سماعه. إذ يسرد الكاتب الأحداث مرة بصوت روبير، ومرة أخرى بصوت المؤرخ المحايد، وثالثة بصوت الكاتب نفسه. ويجري كل ذلك بلغة عالية تكشف مدى تمكن أحمد الويزي من أدوات الكتابة، سواء في النص الذي يتحفنا به، أو في الترجمة التي يدعيها للنص الفرنسي الأصلي «المجهول».
تدور أحداث الرواية في المغرب وفرنسا، وهما مسرحا الأحداث في«الملك يموت مرتين». أما زمان الرواية الظاهر «1907» فليس أكثر من قناع زمني آخر يستر الكاتب به وجهه. فالأزمنة في الرواية تختلط بين الماضي والحاضر في لعبة شيقة في أبعادها الدلالية ولا تغيب عن القارئ الحصيف. ألا تستدعي قصة ارتفاع «البغّال» المراكشي بو بكر الغنجاوي من طبقة «الحمير» إلى طبقة السباع (الأثرياء) في الماضي الأسئلة عن أمثلة من عالم اليوم؟ وهل يخلو المغرب بعد مائة سنة من «محميّين» يتمتعون بحقوق لا تتوفر للمغربي نفسه؟ وهل تخلو فرنسا اليوم، أو غيرها من البلدان، من أمثلة عما حل بالصحفي روبير قبل نحو 80 سنة؟ لا يقود الكاتب القارئ في متاهات تاريخية تجعله يحيد عن الهدف من النص، ويلجأ لذلك إلى كثير من الهوامش، التي لا بد منها، للتعريف بشخصيات الرواية والشخصيات التاريخية والأماكن والأحداث. كما صاغ العديد من تساؤلات بطله في إطارات داخل النص بصفة ملاحظات هامشية. ووضع الويزي العديد من الأحداث التاريخية والبرقيات والمذكرات واليوميات والآراء داخل إطارات وملاحق أخرى لا يشعر القارئ أنها خرجت عن سياق الأحداث.
يقول الفيلسوف جورج فيلهلم فريدريش هيغل: «إن كشف الغطاء عن التناقض ليس قضية فكرية ذات أهمية، لأن تصوير الأجواء التي تتحرك فيها هذه التناقضات هو القضية». وهو ما يفعله أحمد الويزي في روايته التاريخية التنويرية الذكية، ويقف بالتالي بالضد من صناع الظلامية من السياسيين في سعيهم لتجهيل شعوبهم. هذا يذكر بما قاله بسمارك عن أكثر الوجبات شعبية في ألمانيا «النقانق». يقول إنه «كلما عرف الألمان أقل عن محتويات النقانق كلما ناموا أحسن».
هل كان الملك على علم بما يخبئه الفرنسيون له من مصير؟ يلاعب السلطان مولاي عبد الحفيظ، بعد نهاية لقاء صحفي، روبير هاس الشطرنج. ويحذره من ألّا يتعمد الهزيمة أمامه هذه المرة إكراماً للعرش. وبعد عدة نقلات يلاحظ الملك عبد الحفيظ المعزول أن روبير شارد الذهن لا يتقي الهجوم على ملكه، فيطيح قطع الشطرنج عن الرقعة ويقول ضاحكاً: لا أريد مواصلة مباراة يموت فيها الملك مرتين!


مقالات ذات صلة

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

ثقافة وفنون اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي.

د. ماهر شفيق فريد
ثقافة وفنون «عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023»

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

في كتابه «سيرة النور والصمت – مصر والقطيعة الحضارية»، يبدي الكاتب والباحث المصري محسن عبد العزيز اهتماماً خاصاً بتجربة الفيلسوفة المصرية القديمة هيباتيا

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة

ندى حطيط
كتب النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة

منى أبو النصر (القاهرة)

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي. وهو يخاطب العقل والوجدان والحواس صاهراً إياها في سبيكة واحدة محملة بالدلالات والإيحاءات.

لكن الكتاب الذي نتوقف عنده هنا يطرح سؤالاً؛ هل الشعر مقصور على الأفكار العالية والعواطف السامية واللغة الجليلة؟ ويجيب؛ إن فيه مكاناً للثقافة الشعبية والمصطلح العامي ضارباً أمثلة لذلك من الشعر الإنجليزي في مختلف عصوره.

إنه كتاب «مهنة سامية»، أو «رسالة سامية»، أو «من أين تحصل على أفكارك؟» (A High Calling? Or: where do you get your ideas from?) من تأليف جون غريننغ (John Greening) وقد صدرت منه طبعة ورقية الغلاف عن دار النشر «مطبعة رينارد» (Renard Pressing) في 224 صفحة.

نحن هنا نبحر مع المؤلف في عوالم شعرية شتى، قديماً وحديثاً، مع الإشارة إلى الروابط بين فن الشعر وفن الموسيقى. فقد كان المؤلف مولعاً بالموسيقى الكلاسيكية، خاصة أعمال المؤلف الموسيقي الفنلندي جان سيبليوس صاحب القصيد السيمفوني «فنلنديا» (1900). ويقول غريننغ عن سيبليوس: «لقد كان سعيداً بأن ينتج منمنمات شعبية (أعمالاً صغيرة) إلى جانب روائعه المتميزة بالقوة والحدة والكثافة». ويخصص نصف الفصل المعنون «العبقرية» للحديث عن موسيقيين.

ويلخص غريننغ وجهة نظره في قوله: «تستطيع العبقريات الحقة أن تتغنى علواً وسفلاً». ويضرب مثلاً لذلك شكسبير الذي جمع بين الجدّ والهزل، والفكر العميق والتهريج الرخيص: «لقد كانت عظمته تتجلى أكثر ما تتجلى حين بدأ؛ العالي والواطئ يندمجان لديه، كما في شخصية الملك لير ومهرجه».

ففي مأساة «الملك لير» (1605 - 1604) نجد أن الملك العجوز، وقد دبّ إليه الخرف، يرتكب غلطة مأسوية حين يتنازل عن عرشه وكل سلطاته لابنتيه جونريل وريجان، غافلاً عما تنطوي عليه نفساهما من شرّ وقسوة، ويحرم من الميراث ابنته الصغرى كورديليا، وهى البارة بأبيها حقاً، لأنها أبت أن تجامله بمعسول القول كما فعلت أختاها المنافقتان. وتنتهى المسرحية بمصرع كورديليا والبهلول (مضحك الملك أو مهرج البلاط) فينطق لير بهذه الكلمات:

«ومضحكي المسكين قد شنق. ليس، ليس، ليس من حياة؟

لِمَ تكون للكلاب والجواد والفأر حياة

وأنت بلا أنفاس البتة؟ لن تفيق مرة أخرى.

هيهات هيهات هيهات هيهات هيهات

أرجوكم حلّوا هذا الزر. شكراً يا سيدي».

ت. س. إليوت

إن اللغة في هذه الانفجارة الانفعالية لغة بسيطة تخلو من أي صور شعرية بعيدة المنال. فهي تعبير تلقائي، في لحظة صادمة، لا يلجأ إلى التفنن والإغراب. الحيوانات المذكورة هنا (الكلب والجواد والفأر) كلها حيوانات مألوفة وليست كالحيوانات الأسطورية (عنقاء مغرب أو طائر الرخ أو الجواد بجاسوس الذي يطير أو القنطور الذي يجمع بين رأس رجل وبدن جواد). ويتكرر حرف النفي ذو المقطع الواحد (no). كما تتكرر كلمة «هيهات» (never) 5 مرات وهى من أشيع الكلمات في الحديث اليومي.

مثل آخر يضربه المؤلف هو شعر ت. س. إليوت في قصيدته «الأرض الخراب» (1922)، خاصة الحركة الثانية المعنونة «مباراة شطرنج». فمسرح القصيدة هنا مشرب من المشارب الرخيصة (pubs) التي تعج بها مدينة لندن وغيرها من المدن والبلدات والقرى البريطانية. إن المتكلم يتحدث إلى امرأة تدعى ليل، سرّح زوجها من الجيش، وهو الآن بصدد العودة إلى بيته. وينصحها المتكلم بأن تعنى بمظهرها، وأن تركب «طقم أسنان» جديداً حتى تحلو في عيني زوجها الذي قضى 4 أعوام في الخدمة العسكرية، وهو الآن يتطلع إلى قضاء وقت ممتع. ويحذرها المتكلم أنها إن لم توفر لزوجها هذا الوقت فسيبحث عن امرأة غيرها تلبي حاجاته. والمصطلح اللفظي الذي يستخدمه إليوت هنا، بعكس سبحاته الشعرية العالية في مواضع أخرى من القصيدة، مصطلح عامي دارج يعكس بيئة متواضعة وحظاً ضئيلاً من التعليم. ونجد إشارات إلى ظواهر من الحياة المعاصرة كأقراص منع الحمل، وما يمكن أن يكون لها من أثر في صحة المرأة:

«قالت هي تلك الأقراص التي تناولتها لأجهض طفلي

(كانت أماً لخمسة أطفال وقد كادت تموت يوم ولادة جورج الصغير)

وقد زعم الصيدلي أني لن ألبث أن أعود إلى حالتي الطبيعية

ولكنى ما عدت قط كما كنت».

يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة وفكرة قويتين، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية

مثال ثالث للشعر الذي يدنو من لغة الحياة اليومية هو و. هـ. أودن، الذي يصفه المؤلف بأنه «يذكرنا بالمجال المتاح أمام شاعر ذي عبقرية». ففي قصيدته المسماة «سأحصل على وظيفة» (1932) نقرأ:

«سأحصل على وظيفة في مصنع

سأعيش مع الأولاد العمال

سألاعبهم لعبة لوحة السهام في المشرب العام

سأشاركهم أحزانهم وأفراحهم

ولن أعيش في عالم ولى زمنه».

ويؤكد غريننغ أن الشعر يمكن أن يجد جمهوراً مهما جاء مخالفاً للتصورات التقليدية بما يجب أن يكون عليه من سمو وجلال: «يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة إنسانية قوية أو يعبر عن فكرة مستحوذة على الأذهان، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية».

ومسيرة الشعر منذ النصف الثاني من القرن العشرين حتى يومنا هذا (عندنا كما عند غيرنا) تشهد بصواب نظرة غريننغ (وهو ذاته شاعر إلى جوار كونه ناقداً). فنحن حين نقرأ قصائد شاعر معاصر كالشاعر اليوناني يانيس رتسوس مثلاً (ترجم رفعت سلام قصائده إلى العربية) نجده يستوحي مفردات الحياة اليومية وينأى عن أي إغراب. وكذلك الشأن مع محمد الماغوط في قصائد نثره، كما أوضح دانيل بيهار في كتابه «الشعراء السوريون وحداثة اللغة المحكية»، أو صلاح عبد الصبور الذي يحدثنا أنه رتق نعله وشرب شاياً في الطريق ولعب دور نرد أو دورين، أو أحمد عبد المعطي حجازي الذي يتحدث بصوت بائع ليمون: «العشرون بقرش - بالقرش الواحد عشرون». ويبلغ هذا الاستخدام للغة الحياة اليومية أبعد نقطة له في شعر العامية المنحدر من ابن عروس إلى فؤاد حداد، وعبد الرحمن الأبنودي، وصلاح جاهين، مروراً ببيرم التونسي. إن البساطة ليست نقيض العمق. وفي الشعر مكان لكل تنوعات الخبرة الإنسانية من أعلاها إلى أدناها.


«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور
TT

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023» والملقب بـ«شيخ المترجمين العرب» نظراً لإسهاماته التي تجاوزت 130 كتاباً في هذا السياق.

يشير عناني في مقدمته النقدية التي يستهل بها ترجمته الكاملة، والمزودة بهوامش وشروحات مع ذكر القائمة التفصيلية للمراجع والمصادر، إلى أن العمل ينتمي إلى المسرح الشعري، وطابع الشعر هنا لا يقتصر على ظاهرة النظم، بل يتعداها إلى صلب الرؤية الفنية التي تستمد قوتها من طاقة الاستعارة بأشكالها التي تتراوح ما بين الصور الجمالية بشتى أنواعها والرمزية، إلى جانب ما يتمتع به فن الشعر من تكثيف في الصياغة والضغط في التعبير، وهو ما تؤكده خصوصية البناء المسرحي الفريد في «عطيل».

ويجمع الدراسون على أن شكسبير قد استقى الحبكة من قصة وردت في مجموعة من مائة قصة طويلة مقسمة إلى عشرات تحمل عنوان «القصص المائة»، ومؤلفها هو جوفاني باتستا جيرالدي تشنثيو، وتقع في العشرة الثالثة، وقد نشرها في البندقية باللغة الإيطالية عام 1566، كما نُشرت في باريس باللغة الفرنسية عام 1584 من ترجمة جابريل شائوي. ولم يستطع الباحثون أن يعثروا على ترجمة إنجليزية لها قبل عام 1753، وربما يكون أحد المترجمين قد أصدر لها ترجمة معاصرة لشكسبير فاطلع عليها قبل نفاد نسخها، وربما يكون قد أطلع عليها بالإيطالية بدليل وجود أصداء لفظية مباشرة في النص لتلك اللغة، وهو ما بينه الكثيرون، أو أن يكون قد قرأها بالفرنسية.

تتحدث القصة عن قائد مغربي يتخذ لنفسه زوجة من بنات مدينة البندقية، رغم معارضة والديها واسمها «دزدمونة» ويعيشان معاً زمناً طويلاً في سعادة، ثم يقرر مجلس الحكم في البندقية تغيير نظام حامية قبرص وإرسال المغربي «عطيل» قائداً لها، دون تحديد أسباب لتغيير القديمة. وبعد معارضة طفيفة يقبل المغربي أن تصحبه زوجته؛ فالرحلة يسيرة، والسفينة مأمونة ومتينة البناء.

وبعد الوصول يقدم تشنثيو ثلاث شخصيات أخرى أهمها «ياجو» الشرير الذي يشغل منصب حامل العلم، ويقع في حب «دزدمونة»، ويتمنى الظفر بها، ويحاول بشتى الوسائل إغواءها فلا يجد أذناً مصغية، فهي تحب المغربي حباً جارفاً ولا تتصور خيانته مطلقاً، وهنا يتساءل الشرير عن ذلك ويوحى إليه ذهنه الفاسد بأنها لم تتمنع عليه إلا لأنها تحب ضابطاً آخر هو «كاسيو»، ومن ثم يتحول الحب الذي يكنه لها إلى كراهية مرة.

يُقنع ياجو «عطيل» بأن زوجته خائنة، فيصر الأخير على طلب دليل عيني، ويرد «ياجو» قائلاً إنه كان يمكنه تحقيق مطلبه لولا أن الرجل قد فقد منصبه ولم يعد يأتي إلى منزل «عطيل»، ومع ذلك فهو يعده بتلبية طلبه بأن يأتي بدليل حاسم. ويتذكر «ياجو» أمر المنديل المغربي النادر الذي أهداه «عطيل» إلى زوجته ويسرقه ياجو بنفسه في أثناء زيارته مع زوجته وابنته الصغيرة لـ«دزدمونة»، ويرميه في منزل «كاسيو»؛ تمهيداً لاتهام الزوجة الغافلة البريئة بأنها أهدته ذلك المنديل.

يناقش «عطيل» مع «ياجو» أمر قتل زوجته والرجل الذي يتهمه بالخيانة معها، ويقرر من ثم تكليف الشرير بقتل الرجل وفعلاً يفاجئه «ياجو» ذات ليلة وهو خارج من منزل فتاة ليل، ويعاجله بضربة تكسر ساقه ولكن «كاسيو» يتحامل بشجاعة على نفسه وينهض للدفاع شاهراً سيفه فيفر «ياجو» في ظلام الليل، ويصيح «كاسيو» طالباً للنجدة، ويهتف قائلاً: «لقد قُتلت»، ثم يعود «ياجو» وسط الظلام ويواجه بالشرطة التي هرعت إلى مكان الحادث.

تعلم «دزدمونة» بما حل بـ« كاسيو» فتحزن حزناً عميقاً، ويرى «عطيل» أن ذلك دليل لا يقبل الشك على خيانتها، ويدبر له حامل العلم أمر قتلها، بحيث لا يتهم أحد بارتكاب الجريمة، ويتفقان على أن يضرباها حتى الموت بجورب مملوء بالرمال، وأن يسقطا سقف الغرفة الخشبي المتهالك عليها؛ حتى يبدو الحادث كأنه قضاء وقدر، وينجحان في تحقيق ذلك، ويعتري المغربي حزن شديد على زوجته، وكراهية عميقة لحامل العلم، لكنه لا يجرؤ على قتله فيفصله من منصبه.

هنا يدبر «ياجو» خطة لقتل المغربي فيقنع «كاسيو» بالعودة معه إلى البندقية ويقول له إن «عطيل» هو الذي ضربه بالسيف فكسر ساقه بدافع الغيرة، ثم قتل زوجته، ويتقدم «كاسيو» بالشكوى إلى مجلس الحكم، ويُستدعي «ياجو» شاهداً، ويؤيد كل ما ذهب إليه في دعواه، وتلقي الشرطة القبض على المغربي وتعيده إلى البندقية، حيث يتعرض للتعذيب حتى يعترف، لكنه يصر على الإنكار، فيصدر المجلس الحكم بالنفي المؤبد عليه، ولكن أسرة «دزدمونة» تقتله، ويواصل حامل العلم «ياجو» حياة الشر فيكون له المزيد من الضحايا، لكن يُقبض عليه في نهاية الأمر، ويعذّب حتى الموت.

ويشير الدكتور عناني إلى أن الانهيار السريع الذي يتسبب في النهاية المفجعة لا تبرره على المستوى الواقعي المحض نظرتنا إلى المسرحية بوصفها مأساة زوج يغار أو يشك في زوجته أو حتى مأساة بطل جندي مغوار وشاعر يمثل صورة «العاشق المحارب» التي ورثتها أوروبا من العصور الوسطى.

والفكرة هنا أن «ياجو» يشارك «عطيل» عدم انتمائه طبقياً إلى البندقية بوصفها دولة غنية تعتمد على التجارة وثراء الأعيان من ذوي الحسب والنسب، فضلاً عن امتياز البحارة المقاتلين أو الأفذاذ في صنعة الحرب من القادة والأعلام. و«ياجو» لا يتمتع بالثراء ولا الحسب والنسب، ولا هو من السادة، ولا يأمل حقاً في أن ينافس ابن المجتمع الراقي «كاسيو» الذي تلقى التعليم، ويتمتع بمزايا الأعيان من ذوي الشعر المهدل، ويحظى بإعجاب بنات الطبقة الراقية، ويعرف موقعه في السلم الاجتماعي فهو يغار غيرة حقد وحسد من «كاسيو» أولاً، ومن «عطيل» ثانياً.


سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا
TT

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

في كتابه «سيرة النور والصمت – مصر والقطيعة الحضارية»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، يبدي الكاتب والباحث المصري محسن عبد العزيز اهتماماً خاصاً بتجربة الفيلسوفة المصرية القديمة هيباتيا بعدّها رمزاً تاريخياً فريداً من نوعه، لكنه لم ينل ما يستحق من الشهرة أو الذيوع رغم عمق المعاني التي يتضمنها.

كانت فاتنة الجمال، راجحة العقل، جامحة الخيال، نهلت من الفكر المصري ونزعته الصوفية وكانت من أكثر المعبرين عنه، كما قال عنها المؤرخ الأميركي الشهير ول ديورانت، إنها بزت جميع فلاسفة زمانها، ولما عُينت أستاذة للفلسفة هرع لسماعها عدد كبير من الناس من شتى الأقطار.

وقد بلغ من حبها للفلسفة أنها كانت تقف في الشوارع تشرح لكل من يسألها عن النقاط الصعبة في كتب أفلاطون وأرسطو ما أكسبها احترام الناس.

ولدت عام 370م وكان أبوها «ثينون» فيلسوفاً عمل بالفلسفة والجبر والهندسة، ثم مديراً لمكتبة الإسكندرية، أخذت عنه حب التفكير والفلك والرياضيات كما دربها على الخطابة والتدريس، وعندما كتب شرحاً لكتاب بطليموس اعترف بالدور الذي قامت به في تأليفه، كما كانت أبحاثها تشمل الفلك والرياضة وصنعت أجهزة لتقطير المياه وقياس منسوبها، كما صنعت «إسطرلاب» وجهازاً لقياس كثافة السوائل.

وفى الثلاثين من عمرها صدر الأمر الإمبراطوري بتعيينها أستاذة بالمكتبة، وغدت فيلسوفة من أتباع أفلاطون وتزعمت مدرسة «الأفلاطونية الجديدة» ذات النزعة الصوفية، وكانت بعثاً للفكر المصري القديم، تميزت به مدرسة الإسكندرية منذ القرن الثالث قبل الميلاد، وازدهر على يد أفلوطين كآخر المدارس اليونانية الفلسفية الكبرى.

كانت تقول إن «من يقدر على خلع بدنه وتكسير حواسه ووساوسه وحركاته، يستطع الرجوع إلى ذاته والصعود إلى العالم العقلي، كما أن الامتناع عن الشهوات وعدم أكل اللحوم عوامل مساعدة لصفاء النفس، وعلى الإنسان أن يمارس العبادات لتطهير النفس والزهد، فقيمة الإنسان ليست في جمال ملامحه ولكن في جمال أخلاقه».

عدّها المتعصبون دينياً واحدة من ألد أعدائهم بسبب جمالها وروعة منطقها وحداثة أفكارها، فهجموا عليها في أثناء عودتها من إلقاء إحدى المحاضرات وأنزلوها من عربتها وجروها إلى منطقة نائية. وهناك جردوها من ملابسها، وأخذوا يرجمونها بقطع القرميد حتى قتلوها، بل أكثر من ذلك قطعوا جسدها إرباً، وحرقوا بعضه، كانوا يفعلون كل ذلك بمرح وحشي شنيع لتذهب أسطورة هيباتيا ضحية للصراع بين الفكر والعلم من ناحية، والتعصب الديني من ناحية أخرى وعمرها 45 سنة.

لم يعاقب الجناة على فعلتهم البشعة واكتفى الإمبراطور بتقييد حرية المتطرفين في الظهور أمام الجماهير، مع حرمان الوثنيين من المناصب العامة، وأغلق المعابد والمدارس لتنطفئ شعلة العلم في الإسكندرية وينطفئ دورها الحضاري، ويرحل أساتذتها إلى أثينا خوفاً من مصير هيباتيا.