إيطاليا وإسبانيا في عين عاصفة «كورونا»

بعد انتقال بؤرة الإصابات من آسيا إلى أوروبا وأميركا الشمالية

إيطاليا وإسبانيا في عين عاصفة «كورونا»
TT

إيطاليا وإسبانيا في عين عاصفة «كورونا»

إيطاليا وإسبانيا في عين عاصفة «كورونا»

في منتصف شهر سبتمبر (أيلول) من العام الماضي، صدر عن منظمة الأمم المتحدة، بالتعاون مع قسم الدراسات الاستراتيجية في البنك الدولي، تقرير يحذّر من مخاطر جائحة عالمية يمكن أن تودي بحياة عدد كبير من البشر، وتقوّض دعائم الاقتصاد، وتؤدي إلى أجواء من الفوضى الاجتماعية لم يشهد العالم مثيلاً لها في العصور الحديثة. ودعا التقرير الدول إلى الاستعداد لأسوأ الاحتمالات من تداعيات وباء ينتشر عبر أجهزة التنفس في أنحاء المعمورة.
وجاء في التقرير أن مسبباً مرضياً (Pathogen) بهذه الأوصاف يمكن أن ينشأ بشكل طبيعي أو أن يصمم في مختبر بصفته سلاحاً بيولوجياً. كما دعا الدول والمؤسسات الدولية إلى اتخاذ التدابير التي من شأنها أن تحول دون انتشار ما وصفه بالخطر المحدق.
التقرير الأممي يحمل توقيع مجموعة من الخبراء، ترأستهم غرو هارلم بروندلاند، وهي طبيبة سبق أن تولّت رئاسة الحكومة النرويجية، ومنصب المدير العام لمنظمة الصحة العالمية لاحقاً. وقد شدّد التقرير في استنتاجاته على أن تفشّي وباء على نطاق واسع هو «مصدر للقلق العميق بقدر ما هو احتمال واقعي من شأنه أن يدفع العالم إلى وضع يعادل في القرن الحادي والعشرين ما خلّفته (الإنفلونزا الإسبانية) في عام 1918، التي أودت بحياة نحو 50 مليون شخص». كذلك جاء في التقرير أنه لا توجد دولة في العالم جاهزة لمواجهة مثل هذا الوضع، ولا ممتثلة بالكامل لمعايير «اللوائح الصحية الدولية»، رغم موافقة كل الحكومات عليها. وتابع أنه «ليس من المستغرب أن يكون العالم غير مستعد لمواجهة جائحة سريعة تسري عن طريق الهواء».

المفاجئ... غير المفاجئ
نسوّق هذه المعلومات الموثّقة من باب الإشارة إلى أن التصريحات التي تكرّرت على ألسنة كثير من المسؤولين في الأسابيع الأخيرة، بأن أحداً لم يكن بوسعه أن يتوقّع مثل هذه الأزمة، أقل ما يقال فيها أنها تجانب الحقيقة.
الحقيقة أنه ثمّة من توقّع هذه الأزمة، وحذّر من تداعياتها الصحّية والاقتصادية والاجتماعية، والدليل على ذلك أن 3 أطباء فرنسيين تقدّموا بشكوى ضد الحكومة لإهمالها هذه التحذيرات، كما أن أطباء إيطاليين وإسباناً يعدّون ملفّاتهم لتقديم شكاوى مماثلة.
وبعد 3 أشهر تقريباً من ظهور هذا الوباء، وانتشاره بسرعة وكثافة في إقليم هوباي الصيني وعاصمته ووهان، تتأهب بكين لتعلن «انتصارها» عليه، بعدما أوقع 3300 ضحيّة من نحو 82 ألف إصابة، وشفاء 74 ألف مريض، فيما انتقلت بؤرة الانتشار عالمياً إلى أوروبا، وبخاصة إيطاليا واسبانيا حيث تجاوز عدد الإصابات المؤكدة بكل منهما حاجز الـ 100ألف، بينما يشكل مجموع الوفيات نحو نصف عددها عالمياً.
وبعد «نجاح» النموذج الصيني الذي يستحيل تطبيقه في الدول الأخرى لاعتبارات سياسية وتكنولوجية، اتجهت الأنظار إلى النموذج الكوري الجنوبي الذي حقق نتائج سريعة في احتواء الفيروس. ولكن في هذه الأثناء، تسارع انتشار الوباء بكثافة، وأوقع عدداً كبيراً من الضحايا في الشمال الإيطالي الذي يعد من أغنى المناطق الأوروبية وأكثرها تطوراً على صعيد الخدمات الصحية، إضافة إلى كونه مركزاً لعدد من المصانع الكبيرة للأدوية. ومن إيطاليا انتقل إلى إسبانيا، حيث تفشّى أيضاً بسرعة قياسية وضعت إسبانيا منذ مطلع هذا الأسبوع في المرتبة الثانية عالمياً، من حيث عدد الوفيات والإصابات.
وفي الرابع والعشرين من الشهر الماضي، أعلنت منظمة الصحة العالمية أنها على شفا إعلان الوباء جائحة على الصعيد العالمي. إلا أنه رغم ذلك، وما كان الجميع يشهده من تداعيات هذا الوباء في عدد من الدول، واصلت الحكومات الأوروبية، وبخاصة تلك التي كان الفيروس قد بدأ ينتشر فيها، مثل إيطاليا وإسبانيا، التحرّك ببطء شديد وتردد في اتخاذ التدابير التي ظهرت فعاليتها بوضوح في الحالتين الصينية والكورية الجنوبية.

بطء وتقصير وخروق
هذا التحرّك البطيء لمواجهة الوباء، وما رافقه من عدم اتخاذ التدابير الشديدة منذ المراحل الأولى لجهود الاحتواء، إضافة إلى «الخروق» الكثيرة لهذه التدابير حتى الآن، أدى في الحالتين الإيطالية والإسبانية إلى فوضى عارمة على الصعيد الاجتماعي أمام انتشار الفيروس، في أجواء من الهلع وغموض الرؤية في معالجة الأزمة التي بدت وكأنها هبطت من غير إنذار، وكشفت عن هشاشة كبيرة غير متوقعة في النظامين الصحيين اللذين يعدان من بين الأفضل في العالم. ومع مرور الأيام، راح الوضع يتفاقم بشكل خطير في البلدين حتى أصبح مجموع الإصابات والوفيات فيهما يتجاوز نصفها في أوروبا، وربعها في العالم.
وهنا، تجدر الإشارة إلى أنه قبل أن يبدأ الفيروس بالانتشار في أوروبا وآسيا، كان عدد الوفيّات في الصين قد بلغ 2600 من أصل 77 ألف إصابة مؤكدة، أي ما يعادل 3.4 في المائة. ومن ناحية ثانية، مع انتشار الفيروس في محيط الصين الآسيوي والقارة الأوروبية، بدأت تظهر فوارق في نسبة الوفيّات بين الدول التي تسجّل أكبر عدد من الإصابات. ويقول الخبراء إن نسبة الوفّيات تكون عادة مرتفعة في المرحلة الأولى، قبل أن يكون الوباء قد انتشر على نطاق واسع، ثم تتدنّى مع ازدياد عدد الإصابات المؤكدة.
غير أن هذا المنحى التنازلي لنسبة الوفيّات لم يتحقق في إيطاليا وإسبانيا، حيث تسجّل نسبة أعلى بكثير من الصين وكوريا الجنوبية، أو حتى من ألمانيا وفرنسا، إذ بلغت نسبة الوفيات في إيطاليا مثلاً 8 في المائة، بينما لم تتجاوز 1 في المائة في كوريا الجنوبية.
كذلك يلاحظ الخبراء أن النسبة الأعلى بين المصابين في كوريا الجنوبية هم الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و29 سنة، وهي قد بلغت 25 في المائة تقريباً عندما انتشرت الإصابات بكثافة بين إحدى المجموعات الدينية. أما في إيطاليا وإسبانيا، فإن النسبة الأعلى من الإصابات هي بين الذين تزيد أعمارهم على 60 سنة.
أيضاً من الأرقام اللافتة أن نصف الوفيّات في إيطاليا، و40 في المائة منها في إسبانيا، هي بين الذين تزيد أعمارهم على 80 سنة. وفي البلدين، تزيد نسبة الإصابات بين المسنّين عن نسبتهم من العدد الإجمالي للسكان، وهو ما قد يفسّر سبب انتشار الفيروس بسرعة أكبر من سرعة انتشاره في الصين وكوريا الجنوبية.
وعلى صعيد متصل، وبينما تركّز كل المعلومات والبيانات المتداولة على عدد الإصابات والوفيّات، ونسب ارتفاعها أو تراجعها، وعدد الحالات الخطرة، يحذّر بعض الاختصاصيين من الإفراط في التفاؤل أمام «تحسّن» هذه الأرقام التي لا تعكس -في رأيهم- الصورة الحقيقية لانتشار الوباء، بل تعطي فكرة عن مدى خطورته.
وكان مفوّض الحكومة الإيطالية المكلّف بالإشراف على حالة الطوارئ قد أعلن أخيراً، بعد أن بدأ كثيرون يتحدثون عن بلوغ ذروة الإصابات ومعدلات الوفيات اليومية، ويتوقعون تراجعها، أن الأرقام المتداولة عن عدد الإصابات قد لا تعكس سوى 10 في المائة من العدد الفعلي. أما السبب في ذلك، فهو أن عدد الإصابات المؤكدة يتوقّف على عدد الاختبارات التي تُجرى لتحديدها. ففي كوريا الجنوبية، مثلاً، أجرت وزارة الصحة 6200 اختبار لكل مليون شخص، بينما لم يتجاوز هذا العدد في إيطاليا 3400 حتى الآن، وفي إسبانيا ما زال دون الألفين. يضاف إلى ذلك أن الدول لا تنشر أرقام الاختبارات بانتظام، رغم أنها معلومات أساسية، إلى جانب الديموغرافيا، لتحديد النسبة الحقيقية للوفّيات.

دور العادات الاجتماعية
العادات الاجتماعية في السياق الديمغرافي، الإيطالي والإسباني، هي أيضاً من الأسباب التي أدت إلى الانتشار الواسع السريع للوباء في هذين البلدين. فالإسبان والإيطاليون يميلون إلى العيش بالقرب من أسرهم، والانتقال يومياً إلى أماكن عملهم، فضلاً عن أن هناك نسبة عالية من الشباب الذين تركوا إقامتهم المنفردة، وعادوا إلى السكن مع أهلهم، بعد أزمة عام 2008 التي أدت إلى ارتفاع نسبة البطالة، وتراجع القدرة الشرائية للطبقة الوسطى.
وبالفعل، بيّنت الدراسات الأخيرة أن التواصل بين الشباب والمسنين هو السبب الرئيسي الذي أدى إلى هذا الانتشار السريع للفيروس في إيطاليا وإسبانيا؛ ذلك أن الشباب هم الناقل الرئيسي الأخطر للفيروس، وهم الأخطر لأنهم في الغالب لا تظهر عليهم عوارض الوباء. وهذا ما دفع أحد خبراء الجراثيم في جامعة ميلانو إلى القول: «الفيروس يسير على أقدام الذين لا تظهر عليهم عوارضه». وفي المقابل، يشكّل المسنّون المجموعة الأضعف والأكثر تعرضاً، لا سيما إذا ما كانوا يعانون من أمراض أخرى.

التجربة الإيطالية
عندما تأكدت الإصابة الأولى في إيطاليا، في منتصف الشهر الماضي، قالت وزارة الصحة إن الفيروس ينتشر في البلاد منذ أواسط يناير (كانون الثاني). ولكن رغم ذلك، ومع ظهور الإصابات الأولى، لم تتخذ السلطات الصحية الإجراءات التي كانت قد أوصت بها منظمة الصحة العالمية، علماً بأن الفيروس بدأ انتشاره في مناطق الشمال، حيث متوسط عمر السكان هو الأعلى. ويفيد المعهد الوطني للإحصاء أن هناك 14 مليون شخص تتجاوز أعمارهم 65 سنة، يشكّلون 22 في المائة من مجموع السكان في إيطاليا، وتصل هذه النسبة إلى 27 في المائة في الأقاليم الشمالية. وكان خبراء منظمة الصحة العالمية الذين شاركوا في مكافحة الفيروس في الصين قد أفادوا بأن نسبة الوفيات بين المصابين الذين تتجاوز أعمارهم 80 سنة تبلغ 14.8 في المائة، في حال ما كانوا يعانون من أمراض أخرى، وهي ترتفع أكثر في حالات الإصابة بأمراض القلب وجهاز التنفس والسكري وضعف المناعة.
وللعلم، كانت الإصابة الأولى في إيطاليا قد ظهرت يوم 21 فبراير (شباط)، في بلدة كودونيو التي تبعد 70 كيلومتراً عن مدينة ميلانو، ثم ارتفع عدد الإصابات فيها إلى 100 في غضون يومين، ما أدى إلى اتخاذ قرار بعزلها كلياً، مع 11 بلدة أخرى محيطة بها، وتكليف الجيش وقوى الأمن بإنفاذ الحجر الصحي الإلزامي لفترة 14 يوماً. وقد تمكنّت الأجهزة الصحية من تحديد «المريض رقم 1»، لكن تعذّر عليها تحديد «المريض صفر»، أي الذي جاء من الصين، ونقل الفيروس إلى المريض الأول. ويقول الاختصاصيون إن الفترة التي انتقل فيها الفيروس من «المريض صفر» إلى «المريض 1» يرجّح أنها كانت طويلة نسبياً، ما أدى إلى انتشار الوباء بصمت في مناطق الشمال، قبل اتخاذ التدابير الأولى.
ومن جانب آخر، أدت أجواء البلبلة والتردد في اتخاذ القرارات خلال تلك المرحلة إلى تشتيت الجهود وتضارب التدابير التي كانت تتخذها السلطات المحلية من غير تنسيق بينها ومع السلطات المركزية. ومن ثم، تحوّل الموضوع إلى مسرح للمواجهة بين الحكومة والمعارضة، بعدما أدلى رئيس الحكومة جيوزيبي كونتي بتصريح تحدث فيه عن «إدارة غير سليمة في مستشفى كودونيو ساهمت في انتشار الفيروس لقلة احترام التدابير المعتمدة». وهدّد كونتي حينذاك بتعليق الصلاحيات الصحّية المنوطة بالسلطات المحلية، قبل أن يعلن حالة الطوارئ التي بموجبها وُضعت كل الصلاحيات الإقليمية تحت إشراف السلطة المركزية وخليّة إدارة الأزمة.
يضاف إلى ما تقدم، قول الخبراء إن تدابير العزل التي اتخذتها السلطات الإيطالية في مناطق الشمال كانت تدريجية، وجرت من غير تنسيق بين المناطق. وهذا ما أدى إلى الحد من فعاليتها، ووضع المنشآت والطواقم الصحية تحت ضغط كبير بسبب الانتشار السريع للوباء، وتضاعف عدد الإصابات كل 3 أو 4 أيام. وحقاً، اعتذر رئيس بلدية ميلانو جيوزيبي سالا أخيراً عن القرار الخاطئ الذي اتخذه عندما أطلق حملته «ميلانو لا تتوقف» في عز انتشار الوباء، ودعا إلى مواصلة الحركة الاقتصادية والحياة الطبيعية.
وأصبح واضحاً اليوم أن ذلك القرار، الذي كان الهدف منه وقف الخسائر المادية التي تنجم عن توقف العجلة الاقتصادية، لم يحقق الهدف المنشود، بل كانت له آثار سلبية جداً على كثافة انتشار الفيروس في ميلانو ومحيطها. وبالتالي، اضطرت الحكومة المركزية إلى اتخاذ قرار بعزل المناطق الشمالية بكاملها في العاشر من هذا الشهر، قبل أن تفرض العزل التام على جميع أنحاء البلاد، ووقف العجلة الاقتصادية، باستثناء المرافق الاستراتيجية، لكن بعدما كان عدد الوفيّات قد تجاوز 3 آلاف، والإصابات 40 ألفاً. ولقد دفعت الطواقم الطبية ثمنا باهظاً لهذه الأزمة, إذ أصيب الآلاف من أفرادها وفقد الجسم الطبي حتى الآن 66 طبيباً بسببها.

ما حدث في إسبانيا
في إسبانيا، أعلن عن ظهور الحالات الأولى أواخر الشهر الماضي في أرخبيل جزر الكناري وفي جزر الباليار، مع أشخاص وافدين من مقاطعات الشمال الإيطالية، لكن تبيّن لاحقاً أن الوفاة الأولى وقعت في 13 من الشهر الماضي، ولم يعلن عنها إلا بعد 16 يوماً على وقوعها. ويجمع الاختصاصيون على أن الحكومة تأخرت في اتخاذ التدابير اللازمة، خاصة أن الجميع كان يراقب تطور الأزمة في إيطاليا، ويقتدي بالأمثولات المستخلصة منها.
ولعلّ الخطأ الأكبر الذي ارتكبته الحكومة الإسبانية إبان إدارة الأزمة في مراحلها الأولى كان السماح بمظاهرة حاشدة، شارك فيها أكثر من مائة ألف شخص في مدريد يوم الثامن من هذا الشهر، بمناسبة اليوم العالمي للمرأة. ويقول الخبراء إن هذا ما يفسّر العدد المرتفع من الإصابات في العاصمة ومحيطها، حيث يسجّل أكثر من نصف الإصابات والوفيات في البلاد، بل وقد تأكدت إصابة 3 وزيرات شاركن في تلك المظاهرة، إضافة إلى زوجة رئيس الحكومة.
أيضاً أدى الارتفاع الكبير في عدد الإصابات في مدريد إلى عجز مستشفياتها عن استيعاب المصابين بحالات خطرة، علماً بأن هذه المستشفيات تعد درّة تاج المنظومة الصحية الإسبانية. وتفاقمت الأزمة، رغم إلغاء هذه المستشفيات منذ أسبوعين جميع العمليات الجراحية غير الضرورية، وتحويل أقسام الطوارئ وغرف العملّيات إلى وحدات للعناية الفائقة (المركزة).
وإلى جانب الكارثة الصحّية، التي ليس معروفاً بعد حجم خسائرها وجدولها الزمني، تواجه الحكومتان الإيطالية والإسبانية كارثة اقتصادية غير مسبوقة. ومعلوم أن إيطاليا وإسبانيا -إلى جانب اليونان- قد دفعتا ثمناً باهظاً جرّاء أزمة عام 2008 المالية، حيث ارتفعت نسبة البطالة فيهما إلى مستويات غير مسبوقة، وتراجع النمو الاقتصادي بنسبة عالية، وألغيت خدمات اجتماعية كثيرة بسبب المديونية العالية التي يرزح تحتها البلدان. وقدرت وزارة الاقتصاد الإيطالية في تقريرها الشهري مطلع هذا الأسبوع أن إجمال الناتج المحلي قد تراجع بنسبة 11% في الفصل الأول من هذا العام. وأعلنت الحكومة الإسبانية يوم الأربعاء الماضي أن 835 ألف شخص فقدوا أعمالهم منذ بداية الأزمة, منهم 300 ألف خلل الشهر الماضي.



الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.