«كورونا» في الهند... أطباء منبوذون وهجرات جماعية

البلاد تدخل الأسبوع الثاني من الإغلاق بعشرات الوفيات

TT

«كورونا» في الهند... أطباء منبوذون وهجرات جماعية

مع دخول الهند أسبوعها الثاني من الإغلاق التام، بلغ إجمالي حالات الإصابة المؤكدة بفيروس «كورونا» 1251. توفي منهم 32 شخصاً على الأقل.
بات سكان الهند البالغ عددهم 1.3 مليار محبوسين داخل منازلهم، باستثناء أولئك الذين يقدمون الخدمات الأساسية، كما تم إيواء أكثر من 600 ألف عامل مهاجر في مخيمات إغاثة. وتنفي الهند حتى الآن حدوث حالات عدوى مجتمعية، في إشارة إلى أنها ما زالت قادرة على تتبع مصادر العدوى، مما يجعل البلاد الأولى التي تفرض مثل هذا الإغلاق التام من دون تسجيل حالات إصابة مجهولة المصدر.
وكان رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي قد قرّر، فجأة، فرض حظر على مستوى البلاد ابتداء من 25 مارس (آذار) الماضي، لتضاف إلى القيود السابقة التي تهدف إلى إبطاء انتقال فيروس «كورونا».
وفي وضع مثير للقلق في اليومين الماضيين، ارتبط ظهور العديد من الحالات الجديدة لفيروس «كورونا» التي تم الإبلاغ عنها في نيودلهي و«تاميل» و«نادو» و«أندرا براديش» بتجمع ديني نظّمه «مركز نيودلهي الإسلامي». وقد حضر 281 مواطناً من كل من المملكة المتحدة وفرنسا وماليزيا وإندونيسيا و12 دولة أخرى، من أصل 1830 شخصاً عثرت عليهم شرطة نيودلهي في اليومين الماضيين في مسجد «مركز نظام الدين» في قلب العاصمة. وقال مسؤولون إن التجمع الذي عقد في منتصف مارس (آذار) أصبح مصدراً رئيسياً لانتشار فيروس «كورونا» في البلاد.
وربطت السلطات بين 13 حالة وفاة في الهند في اليومين الماضيين بهذا التجمع، مما يثير مخاوف من نقل عشرات المصابين بعدوى «كوفيد - 19» لآلاف الأشخاص أثناء سفرهم إلى أجزاء مختلفة من الهند، باستخدام وسائل النقل العام.
وقال رئيس وزراء نيودلهي أرفيند كيجريوال إن 1107 شخصاً حضروا التجمع الديني الذي أقيم في منطقة «نظام الدين» قد تم عزلهم، وتحاول الحكومة الهندية القيام بمهمة ضخمة للعثور على الأشخاص الذين اختلطوا بهم.
ووسط كل هذا التشاؤم، انتشرت بعض القصص البطولية لأشخاص متفانين، من ضمنهم طبيبة جرّاحة تدعى شفاء محمد (23 عاماً). وكان من المقرر أن تتزوج شفاء في 29 مارس (آذار)، لكن المحاربة الشابة استبدلت بفساتين الزفاف معدات الحماية الشخصية، وقالت لعريسها ووالديها: «يمكن للزواج الانتظار، لكن مرضاي الذين يكافحون من أجل حياتهم في مقار العزل لا يمكنهم الانتظار». ووافق كلاهما على قرارها فوراً.
وفي مكالمة عبر الهاتف، قالت الدكتورة شفاء، التي بدت مترددة في الحديث عن قرارها، إنه «ليس خارجاً عن المألوف» وإنها «لم تفعل أي شيء عظيم». وأضافت أن ما فعلته «كان واجبها فقط»، وأن «هناك الكثيرين مثلي الذين أجّلوا ارتباطاتهم الشخصية... أنا واحدة منهم فقط».
لا شك أن الأطباء والممرضات وسائقي التوصيل وغيرهم من العاملين في الخطوط الأمامية قد تم الترحيب بهم باعتبارهم «أبطال» فيروس «كورونا» في الهند، ولكن في بعض مناطق من البلاد تعرضوا للهجوم، حتّى أن بعضهم طُرد من منزله من قبل بعض السكان المذعورين.
وصف الدكتور راكيش كيف طُرد بمجرد عودته إلى منزله بنيودلهي، بعد يوم عمل طويل في مستشفى يعالج مرضى فيروس «كورونا»، وإن الجيران منعوه من دخول المبنى الذي يضم شقته وهددوه «بعواقب» وخيمة إذا استمر في العمل. وقال: «هؤلاء هم نفس الأشخاص الذين تفاعلوا معي بسعادة في الماضي. هناك شعور بالخوف بين الناس. أنا أفهم ذلك، لكن يبدو أنني أصبحت فجأة (شخصاً منبوذاً)».
وقد ناشد الأطباء في «معهد الهند للعلوم الطبية» الحكومة للحصول على المساعدة، بعد أن أجبر الملاك المذعورين بعض العاملين في القطاع الصحي على مغادرة منازلهم. وحذّرت الحكومة من مثل هذه الأعمال، واصفة إياها بالجريمة. وقامت الحكومة في العاصمة والعديد من الولايات الأخرى بحجز فنادق خمس نجوم لإقامة الأطباء بعد أدائهم لواجباتهم. لم تر الدكتورة زهيرة ابنتها البالغة من العمر خمس سنوات، باستثناء بعض المكالمات الفيديو، وذلك بغرض المحافظة على سلامة عائلتها. بدوره، ذهب الدكتور سيدارث لرؤية عائلته، لكنه جلس خارج بوابة منزله وشاهد والديه المسنين وأطفاله من مسافة بعيدة، وقدموا له الشاي والوجبات الخفيفة في الخارج، وجرى التخلص من الطبق والكوب الذي استخدمه خوفاً من نقل العدوى للآخرين.
وقال الطبيب: «كنت أبكي، وكذلك كان حال الجميع. فهم خائفون على حياتي وخاصة والدتي. ذهبت فقط حتى تتمكن من رؤيتي، لكني لم أتمكن من معانقتها. لست متأكداً مما سيحدث لي، لكنني فخور بإنقاذ العديد من الأرواح الأخرى».
لم يكن العاملون الصحيون وحدهم من يواجهون مخاوف السكان المذعورين، إذ جرى تهديد موظفي الخطوط الجوية والمطارات الذين لا يزالون يعملون على إجلاء الهنود العالقين في الخارج وإدارة عمليات تسليم البضائع الأساسية.
وشكت مضيفة طيران الهند لوكالة الصحافة الفرنسية من أن جيرانها هددوها بالطرد قبل توجهها إلى الولايات المتحدة، خوفاً من نقل العدوى للجميع عند عودتها. وقالت: «لم أستطع النوم في تلك الليلة».

نصيب من الرعب

كان من نتائج حالات الإغلاق التام أن حالة من الرعب عمت البلاد، بعدما بدأ الآلاف من العمال المهاجرين من مناطق مختلفة يتجهون نحو قراهم بعد فقدانهم لوظائفهم في المدن. وكان هناك من نفذ ماله، ولم يعد قادراً على شراء الطعام وكان عليه العودة إلى قريته سيراً على الأقدام. وقد أدى ذلك إلى حالة من الفوضى والمجاعة والوفيات، وصفها أحد المعلقين بأنها «أكبر هجرة بشرية سيراً على الأقدام بعد تقسيم الهند».
وقد توفي ما لا يقل عن 17 من العمال المهاجرين وأفراد أسرهم - بما في ذلك خمسة أطفال خلال محاولات يائسة للعودة إلى ديارهم منذ بداية الإغلاق التام. من ضمن المتوفين رانفير سينغ، وهو أب لثلاثة أطفال (39 عاماً) يعمل في مطعم في نيودلهي كعامل توصيل للمنازل، الذي توفي في مدينة «أغرا» بينما كان في طريقه إلى منطقة «مورينا» بولاية «ماديا براديش» بعد أن أنهكته المسافة الطويلة سيراً على الأقدام عائداً إلى بيته والتي تخطت 200 كيلومتر سيراً على الأقدام.
وفي حادثة أخرى من حوادث الطرق التي يتعرض لها العمال المهاجرون خلال رحلة العودة إلى منازلهم بسبب عدم توفر أي وسيلة مواصلات بسبب الإغلاق، تعرض أربعة أشخاص للدهس بواسطة شاحنة على الطريق السريع بين مومباي وغوجارات.
ولاحتواء الوضع المتأزم، أعلنت الهند عن حزمة إغاثة بقيمة 22.5 مليار دولار لمساعدة الفئات الأفقر في البلاد على إعالة أنفسهم وإطعام ذويهم. وتخطط الحكومة لاستخدام برامج الرفاهية الحالية لتنفيذ تدابير الإغاثة، والتي تشمل توزيع الغذاء مجاناً والتحويلات البنكية لملايين الأسر ذات الدخل المتدني في جميع أنحاء البلاد.

جنازات صامتة

بات وداع الراحلين أكثر هدوءاً من ذي قبل بعد أن تجرّد من الطقوس المعقدة. فعلى عكس الحال في غالبية مراسم العزاء الذي عادة ما يشهد أفواجاً من المعزين لمواساة العائلة المكلومة، تضاءلت أعداد المعزّين لتصبح أرقاماً فردية. ولم يعد أولئك الذين يحضرون الطقوس هذه الأيام يحملون الورود ولا يصافحون بأيديهم، بل يكتفون بخفض رؤوسهم، ويراعون الحفاظ على مسافة بين بعضهم بعضاً لمنع نشر الفيروس.
انهار والد محمد عبد الغني، البالغ من العمر 33 عاماً، بعد تناول العشاء وتوفي في وقت لاحق في المستشفى. وفي اليوم التالي، جلس مع عشرة من أصدقائه بعد أن انتشروا على أربعة مقاعد فولاذية كبيرة، وكانت وجوههم ملثمة بالمناديل، يراقبون دفن والده. قال عبد الغني: «لم نتمكن من الحصول على الزهور حيث كانت المتاجر مغلقة، وأحضرنا فقط غطاءً واحداً لتغطيته».


مقالات ذات صلة

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

صحتك اللقاح يُعطى عن طريق الأنف عبر رذاذ أنفي (أرشيف - أ.ب)

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

طوَّر باحثون أميركيون لقاحاً جديداً قادراً على الوقاية من عدة فيروسات في آنٍ واحد، بما في ذلك «كوفيد-19» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

التطعيم يحمي الأم ووليدها

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)
صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

إندونيسيا: فقدان 3 بحارة في غرق قاطرة استُهدفت بمضيق هرمز

ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
TT

إندونيسيا: فقدان 3 بحارة في غرق قاطرة استُهدفت بمضيق هرمز

ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)

فُقد ثلاثة بحّارة إندونيسيين بعد غرق سفينة قاطرة، الجمعة، في مضيق هرمز، وفق ما أعلنت وزارة الخارجية الإندونيسية.

وأفادت الوزارة في بيان أن «ناجياً إندونيسياً يعالَج حالياً من حروق بمدينة خصب في عُمان. وما زالت السلطات المحلية تبحث عن الإندونيسيين الثلاثة الآخرين»، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وشهدت السفينة قبل أن تغرق انفجاراً تسبّب في اندلاع حريق، وفق بيان الوزارة التي أشارت إلى فتح تحقيق.

 

 

وأثارت الحرب اضطرابات في الأسواق العالمية وارتفعت أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها منذ عدة سنوات مع إغلاق مضيق هرمز فعلياً.


في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)

يتخوّف العالم من تداعيات الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، ومن احتمال توسّعها، ودخول أطراف أخرى فيها لتتحوّل إلى حرب عالمية تحمل الرقم ثلاثة، مع العلم أن ثمة من يرى أن هذه الحرب بدأت قبل سنوات من دون أن تتخذ الطابع العسكري والجغرافي الكلاسيكي المباشر.

وفي السياق، يتساءل كثيرون في واشنطن عمّا يعنيه الهجوم على إيران بالنسبة إلى الصين. وهؤلاء هم من «صقور» السياسة الذين يضعون روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران في محور واحد موحّد يعمل لضرب قوة الولايات المتحدة، وإعادة تشكيل النظام الدولي.

من هنا ترى بعض الأوساط المتشددة في واشنطن أن الحرب الراهنة تشكّل في بُعدها الأعمق خطوة استراتيجية ضد الصين التي لا خلاف في أروقة السياسة الخارجية الأميركية على كونها الخصم الأول الذي يهدّد مكانة بلادهم، ومرتبتها الأولى في الاقتصاد، والسياسة، والقوة العسكرية، وباختصار في النفوذ العالمي.

ما هي إذن أسباب الصدام المحتمل بين أميركا والصين واحتمالات وقوعه؟

مقاتلتان أميركيتان من طراز «إف 18 - هورنيت» تقلعان من حاملة الطائرات «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

السباق الاقتصادي

دخل الصراع الاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين مرحلة حاسمة في عامي 2025 وبداية 2026، عبر فرض رسوم جمركية مرتفعة، وهدنة هشة لاحقة أسفرت عنها محادثات في جنيف. وكانت هذه الحرب التجارية التي انطلقت في عام 2018 قد تصاعدت حدتها منذ عودة دونالد ترمب إلى سدّة الرئاسة في أوائل عام 2025.

بلغة الأرقام، يبلغ الناتج المحلي الصيني 20.6 تريليون دولار مع نمو متوقع نسبته 5 في المائة في 2026، مقابل 31.4 تريليون دولار، ونسبة نمو متوقع 2.2 في المائة في 2026 للولايات المتحدة. ويتوقع محللو «سيتي غروب» أن يتجاوز حجم الاقتصاد الصيني نظيره الأميركي في منتصف ثلاثينات القرن الحالي، تبعاً لوتيرة نمو الناتج المحلي الإجمالي في كل من البلدين. لكن آراء أخرى تقول إن الاقتصاد الصيني قد لا يتجاوز الاقتصاد الأميركي، أقلّه في المدى المنظور، بالنظر إلى القوة الهائلة، والمزايا الجيوسياسية التي تتمتع بها الولايات المتحدة على الصين.

ويقول الباحث يانجونغ هوانغ في تقرير نشره مجلس العلاقات الخارجية (مقرّه نيويورك): «قبل سنوات، تحدث الرئيس الصيني شي جينبينغ عن صعود الشرق وتراجع الغرب للدلالة على أن الصين، بعد أن نهضت وتجددت، كانت على وشك أن تحل محل الحضارة الغربية المتراجعة، التي تمثلها الولايات المتحدة». إلا أن الموازين تبدّلت نسبياً، خصوصاً في مرحلة ما بعد جائحة «كوفيد 19»، إذ تعافى الاقتصاد الأميركي بقوة، في حين تعثر الاقتصاد الصيني، وتراجعت وتيرة نموّه، بحيث صار بعيداً عن نسبة 7 في المائة وما فوق التي حققها على مدى سنوات.

مهما يكن من أمر، سيبقى السباق الاقتصادي قائماً ومحموماً بين الجانبين اللذين يملك كل منهما أدواته: الصين تتسلح بروح الابتكار، والولايات المتحدة تستثمر نفوذها وجبروتها على مستوى العالم. ولا شك في أن واشنطن وبكين تنظر إحداهما إلى الأخرى بعين الحذر والتخوّف، لذا تمضي الأولى في سياسة التضييق على الثانية التي تمضي في سياسة بناء القوة العسكرية لتحصّن نفوذها الذي لا بد منه لتواصل تقدّمها الاقتصادي.

نقاط الاشتباك

في موازاة الاشتباك الاقتصادي–التجاري (الرسوم والمعادن النادرة ومبادرة «الحزام والطريق» وسوى ذلك...)، هناك نقاط اشتباك قد تتحول إلى فتائل اشتعال وتفجير يمكن تعدادها على النحو الآني:

1- بحر الصين الشرقي: تعيش الصين واليابان حالة توتر حاد في بحر الصين الشرقي، وطالما أن الولايات المتحدة تؤكد أن جزر سينكاكو (تسميها الصين دياويو) يجب أن تديرها اليابان -أي إنها تقع تحت مظلة الحماية التي يوفرها التحالف الأميركي الياباني-، فإن احتمال وقوع صدام بين بكين وواشنطن يبقى قائماً. بل إن اندلاع قتال بين الصين واليابان قد يرغم واشنطن على دعم طوكيو، وخوض مواجهة عسكرية مباشرة مع بكين.

2-بحر الصين الجنوبي: يصف الكاتب السياسي الأميركي روبرت كابلان بحر الصين الجنوبي بأنه «مرجل آسيا». وهو مسرح توتر دائم بين والصين والدول المشاطئة الأخرى، خصوصاً تايوان، والفلبين، وماليزيا، وبروناي، وإندونيسيا، وفيتنام، حليفة الولايات المتحدة. فمع إعلان بكين ما يُعرف بخط النقاط التسع الذي يقول عملياً إن المنطقة بحيرة صينية شاسعة، يبقى احتمال أن يشعل أي احتكاك أزمة أكبر قد تشعر الولايات المتحدة بأنها مضطرة للتدخل فيها، خصوصاً أن حجم الرهانات في هذه المياه كبير، لأن سلعاً تقدر قيمتها بتريليونات الدولارات تسلك هذا الممر البحري الحيوي، وقد تكون تريليونات أخرى من الموارد كامنة تحته في شكل نفط، وغاز طبيعي، ومعادن ثمينة.

«لياوننغ» أول حاملة طائرات صنعتها الصين التي تملك الآن 3 حاملات (أرشيفية - رويترز)

3- تايوان: معلوم أن الصين لم تتخلَّ عن سياسة «صين واحدة» التي تؤكد أن تايوان جزء لا يتجزأ منها، وأنها ستستعيدها عاجلاً أم آجلاً عبر «إعادة التوحيد السلمي» في إطار دولة واحدة ونظامين، لكنها ترفض استبعاد استخدام القوة العسكرية، لا سيما إذا أعلنت تايوان استقلالها، أو تدخلت قوى أجنبية في الخلاف الذي قد يتحوّل إلى نزاع.

ومعلوم أيضاً أن الولايات المتحدة تتبنى سياسة «الصين الواحدة» التي تعترف بجمهورية الصين الشعبية مع تعزيز علاقات قوية وغير رسمية مع تايوان، بهدف الحفاظ على الوضع الراهن، ومعارضةً أي تغييرات أحادية الجانب من أي من الجانبين، مع تقديم الدعم العسكري الدفاعي لتايوان، ودعم مشاركتها في المنظمات الدولية من دون الاعتراف بها كدولة.

4- حادث عرَضيّ: قد يؤدي أي حادث عرضيّ في البحار أو الأجواء بين أميركا والصين إلى احتكاك عسكري فاشتباك، وربما ما هو أوسع. والموقع الأخطر في هذا السياق هو المحيط الهادئ، الأكبر في العالم، والذي يشكل ممراً حيوياً، بل شريان حياة للاقتصاد الصيني. فمن دون حرية الملاحة هناك ستصاب حركة التصدير ومعها الاقتصاد الصيني ككل بمقتل. ويجب ألا ننسى أن تحالف «أوكوس» الأمنيّ الثلاثي بين أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الذي أُعلن إنشاؤه في 15 سبتمبر (أيلول) 2021 يحمل هدفاً معلناً هو جعل المحيطين الهندي والهادئ مساحة مفتوحة، وآخر مضمراً هو إقفال ما أمكن من المسالك المائية في وجه الصين وطموحاتها.

العالم يترقّب

الواضح أن الصين التي نكرر أنها تعمل بدأب على تعزيز قوتها العسكرية التقليدية والنووية وبالطبع السيبرانية، تتجنب اتخاذ مواقف حادة وصدامية فيما يدور من صراعات، إلا أن صراعها الاقتصادي المرير مع الولايات المتحدة مستمر ومتصاعد. وبالتالي يجدر السؤال: هل يمكن لصاحبي الاقتصادين الأول والثاني في العالم ألا يتصادما؟

المدمرة الأميركية «ديلبرت دي بلاك» تطلق صاروخ «توماهوك» في إطار عملية «ملحمة الغضب» (رويترز)

رغم أن فكرة وقوع هذا الصدام تبدو بعيدة، فإن عدد نقاط التوتر التي قد تشعل النزاع كبير بما يكفي لعدم استبعاد هذا الاحتمال تماماً، خصوصاً إذا قررت الصين اعتماد استراتيجية جيوسياسية مماثلة لما تعتمده أميركا...

هل سيعمل الطرفان النوويان على إيجاد سبل لخفض التوترات التي قد تقود إلى مواجهة عسكرية مباشرة ستشارك فيها أطراف أخرى مصطفة علناً وضمناً في عالم يعجز عن الخروج من سياسة المحاور والاستقطابات؟

تلك هي المسألة...


أميركا تضغط على سريلانكا لعدم الإفراج عن بحارة إيرانيين

سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)
سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)
TT

أميركا تضغط على سريلانكا لعدم الإفراج عن بحارة إيرانيين

سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)
سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)

أظهرت برقية داخلية لوزارة الخارجية الأميركية، اطلعت عليها وكالة «رويترز» للأنباء، اليوم (الجمعة)، أن واشنطن ضغطت على حكومة سريلانكا لعدم إعادة الناجين من السفينة الحربية الإيرانية التي أغرقتها أميركا هذا الأسبوع، بالإضافة إلى طاقم سفينة إيرانية أخرى محتجزة لدى سريلانكا.

وأغرقت غواصة أميركية السفينة الحربية «آيريس دينا» في المحيط الهندي على بُعد نحو 19 ميلاً بحرياً من مدينة غالي الساحلية بجنوب سريلانكا، يوم الأربعاء، مما أسفر عن مقتل عشرات البحارة وتوسيع نطاق ملاحقة واشنطن للبحرية الإيرانية بشكل كبير.

وبدأت سريلانكا، أمس الخميس، في إنزال 208 من أفراد طاقم سفينة إيرانية ثانية، وهي سفينة الإمداد البحرية «آيريس بوشهر»، التي علقت في المنطقة الاقتصادية الخالصة لسريلانكا، لكن خارج حدودها البحرية.

وقال رئيس سريلانكا، أنورا كومارا ديساناياكي، إن بلاده تتحمل «مسؤولية إنسانية» لاستقبال الطاقم.

ويُعدّ استهداف الغواصة «دينا» بطوربيد -الذي وصفه وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث بأنه «موت هادئ»- أول عمل من نوعه تقوم به الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية، ودليلاً واضحاً على اتساع النطاق الجغرافي للصراع الإيراني.

وذكرت البرقية الداخلية لوزارة الخارجية الأميركية المؤرخة في 6 مارس (آذار)، ولم تُنشر سابقاً، أن جاين هاول، القائمة بالأعمال في السفارة الأميركية في كولومبو، أكدت لحكومة سريلانكا ضرورة عدم إعادة طاقم «بوشهر» ولا الناجين من «دينا»، وعددهم 32، إلى إيران.

وجاء في البرقية: «ينبغي على السلطات السريلانكية الحد من محاولات إيران استخدام المعتقلين لأغراض دعائية».

ولم ترد وزارة الخارجية الأميركية بعد على طلب من «رويترز» للتعليق. ولم يتسنَ الحصول على تعليق فوري من ممثلي مكتب ديساناياكي ووزارة الخارجية السريلانكية.

وأفادت البرقية بأن هاول أبلغت السفير الإسرائيلي لدى الهند وسريلانكا بعدم وجود أي خطة لإعادة طاقم السفينة إلى إيران. وأضافت أن السفير سأل هاول عما إذا كان هناك أي تواصل مع الطاقم لتشجيعه على «الانشقاق».

ولم يرد ممثل السفارة الإسرائيلية في نيودلهي بعد على طلب للتعليق.

وقال نائب وزير الصحة والإعلام السريلانكي لـ«رويترز»، يوم الأربعاء، إن طهران طلبت من كولومبو المساعدة في إعادة جثامين ضحايا السفينة «دينا»، لكن لم يُحدد بعد إطار زمني لذلك.

وشاركت السفينة «دينا» في مناورات بحرية نظّمتها الهند في خليج البنغال الشهر الماضي، وكانت في طريق عودتها إلى إيران عندما أُصيبت بطوربيد أميركي.

وصرح مسؤول أميركي -شريطة عدم الكشف عن هويته- لـ«رويترز»، بأن السفينة «دينا» كانت مسلحة وقت استهدافها، وبأن الولايات المتحدة لم تُصدر أي تحذير قبل تنفيذ الضربة.

وأفادت برقية «الخارجية الأميركية» بأن السفينة الثانية، «بوشهر»، ستبقى رهن احتجاز سريلانكا طوال فترة النزاع.

وصرحت السلطات السريلانكية، الجمعة، بأنها تُرافق «بوشهر» إلى ميناء على الساحل الشرقي، وتنقل معظم طاقمها إلى معسكر للبحرية قرب كولومبو.