دور نشر لبنانية تواكب قراءها في الحجر المنزلي

وصفات للشفاء من «الغباء» و«الغطرسة» مع عودة إلى الفلسفة

دور نشر لبنانية تواكب قراءها في الحجر المنزلي
TT

دور نشر لبنانية تواكب قراءها في الحجر المنزلي

دور نشر لبنانية تواكب قراءها في الحجر المنزلي

«الموت طالب حثيث هذه الأيام، والعالم يحتاج إلى علمائه وحكمائه للعبور إلى برّ الأمان».. بهذه الكلمات توجهت «دار الجديد»، على صفحتها على «فيسبوك»، إلى قرائها، داعية إياهم إلى العودة للكتب، وهي تذكرهم بعدد من مؤلفاتها التي تصلح للقراءة في هذه الفترة، حيث يحتاج الإنسان إلى التأمل من جديد في أحوال حياته، وربما إجراء مراجعات عميقة. واستغل عدد من دور النشر اللبنانية فرصة جلوس الناس في حجرهم الإلزامي لحثهم على القراءة، وإغرائهم بتخفيضات، واقتراح عناوين ومضامين تتلاءم مع المرحلة.
وقسمت رشا الأمير، صاحبة «دار الجديد»، الكتب الصادرة عن دارها إلى مجموعات، لكل منها وظيفة، وكأنها أدوية تعالج الروح. ففي باب «كتب الشفاء»، والقصد منها شفاء الروح من أدرانها وأعبائها، يمكن للقارئ أن يعود للكتاب الجميل جداً الذي ترجمته «الجديد» للمفكر الإيطالي نوتشيو أوردينه، ويحمل اسم «لوجه ما لا يلزم». وضمن هذه المجموعة كتاب عبد الله العلايلي «أين الخطأ؟» الذي عاد فيه إلى مجموعة من القضايا التي شغلت الرأي العام ذات يوم، وقدم فيها رؤية تنويرية، مما تسبب باتهامه بالهرطقة، وإبعاده عن منصب الإفتاء. وكذلك في الوصفة «ديوان الحلاج» الذي أعده الزميل عبده وازن.
وتضيف الأمير أنها ستعكف على وضع مجموعات مختلفة تبعاً لوظيفتها، وستكون هناك مجموعة «الشفاء من الغباء»، ومجموعة غيرها لـ«الشفاء من الغطرسة»، تضم كتاب «في صحبة العربية» لأحمد بيضون، و«السجينة» لمليكة بوفقير. «لا أدعي أن دارنا صيدلية، لكنني أحب تشبيه الكتب بالأدوية التي تعالج كثيراً من المشكلات التي نعانيها».. تقول الأمير وهي تحذر من أن الانكباب غير المسبوق على قراءة الروايات وحدها، كما حصل في السنوات السابقة، ليس كافياً لفتح الآفاق. فالنفس بحاجة إلى تشريع نوافذها على مآدب فكرية مختلفة تساعدنا على استعادة التوقد الذهني. فلا بأس من قراءات في التاريخ والفكر والتربية والسياسة والفلسفة. ولا بد أيضاً من العودة، بحسب الأمير، إلى كلاسيكيات فاتتنا، وكان يفترض أن تكون جزءاً من تكويننا الثقافي، وربما أن الفرصة قد حانت للعودة إليها. فالوقت مناسب لقراءة الكتب الدينية التي هي مراجع رئيسية للشعوب في حياتها، كما النصوص الأدبية الكبرى في اللغات الأجنبية التي نجيدها. كأن يعود الفرنكوفونيون إلى بروست مثلاً. وفي العربية، من المفيد العودة إلى الرازي وابن رشد ولزوميات أبي العلاء. فما فائدة أن أقرأ آخر 50 رواية صدرت، دون أن تكون لديّ أي إطلالة على كتب فكرية؟
وكانت دور النشر تتحسب من بعض التعثر مع بدء الوباء، لكن إغلاق مطارات بالجملة وتوقف البريد لم يكن في الحسبان. وكانت «دار الآداب» قد بدأت على صفحات التواصل الاجتماعي التذكير بكتبها التي تتلاءم والظرف الوبائي الذي يمر به العالم، لا سيما بعد أن أخذ المرض ينتشر في الصين، مشجعة على شراء هذه الكتب عن بعد، لإيصالها إلى القراء في البلدان التي يعيشون فيها، عن طريق موقعي «جملون» و«نيل وفرات»، مع هامش ربح زهيد. وكان البحث جارياً حول طريقة تعقيم الكتب لإيصالها سليمة آمنة إلى طالبيها. لكن إغلاق المطارات جعل كل هذا يتوقف بانتظار انفراجات جديدة. حتى «أمازون» لم يعد قادراً على الحركة في ظل الوضع الحالي، فكيف بالمواقع العربية؟
وثمة حسومات مشجعة، يعرضها موقع «كتبٌ دوت كوم» مثلاً على القراء. وللصمود في الحجر المنزلي، حسم 20 في المائة على جميع الكتب الصادرة عن «دار التنوير»، ويرشح الموقع مجموعة من الكتب العلمية والفلسفية المميزة. وهو يوصل كتبه مجاناً إلى كل المناطق اللبنانية؛ كتب فلسفية وعناوين تتحدث عن تخطي الصعاب. فمن بين العناوين التي يقترحها الموقع «الطمأنينة الفلسفية» لسعيد ناشيد، و«التداوي بالفلسفة» للكاتب عينه، وكذلك «كيف يمكن لبروست أن يغير حياتك؟» لكاتبه ألان روبوتون، وكتاب ستيفن هوكينغ «التصميم العظيم». وبما أن الكلام كثير عن أهمية النوم لرفع قدرات الجسم الدفاعية في مواجهة الوباء، ثمة عرض على كتاب ماتيو ووكر «لماذا ننام؟». وكذلك تقدم صفحة «بوك أوتليت» على «فيسبوك» حسومات لقرائها، حيث توصل لهم الكتب إلى المنازل، مع حسم 20 في المائة على كتب «دار التنوير» مثلاً، و30 في المائة على كتب «مركز دراسات الوحدة العربية» كافة.
وتعد صاحبة «دار الآداب»، رنا إدريس، أنه مقابل الإقبال على الكتب في أوروبا لتمضية الوقت، فإن كتب دارها الإلكترونية التي تعرضها على تطبيق «أبجد»، ورغم أنه بإمكان القارئ تحميل ما يريده منها بـ15 دولاراً شهرياً فقط، فإنها لم تلحظ زيادة في الشراء، بعد سريان الحجر في غالبية الدول العربية.
وعلى صفحتها على «فيسبوك»، تعيد «دار الآداب» التذكير برواية «الطاعون» لألبير كامو التي كثر ذكرها هذه الأيام، خاصة أن والدها سهيل إدريس هو مترجمها، ودارها هي التي أصدرتها مع صعود نجم الكاتب في منتصف القرن الماضي. وتحت عنوان «تغدو الكتب سفننا عندما يأتي الطوفان»، تعرض الدار كتاباً حول «العبور»، مثل «السفينة» لجبرا إبراهيم جبرا، و«البحر والسفينة وهي» لحنا مينة، و«لا نسبح في البحر مرتين» لحسونة المصباحي.
أما «دار الساقي»، فعلى رأس اقتراحاتها «كيف أتخلص من التوتر؟» لهارييت غريفي، ناصحة بالهدوء للحفاظ على الصحة، ولرفع جهاز المناعة في مواجهة المرض. وللتسلية كتاب نيكولاي غوغول «الأمسيات في قرية قرب نيكانكا»، عن حياة القرويين البسطاء في الريف الأوكراني، وهو الكتاب الذي قال بوشكين بعد قراءته: «لم أرفع رأسي عنه حتى النهاية». وعلى أي حال، فإن رنا إدريس تعترف بأن ثمة صعوبة في شراء الكتب أو إيصالها، خاصة خارج لبنان. والطريقة الوحيدة المتاحة للقارئ في الظرف الحالي هي المؤلفات التي يمكن شراؤها إلكترونياً، أو تلك التي تتاح قرصنتها وموجودة أصلاً على الإنترنت. وفي شيء من الفكاهة، تقول إدريس «من ليس لديه زوادة من الكتب في منزله لمثل هذه الأيام، ولا يستطيع أن يشتري كتاباً إلكترونياً، ليقرأ كتاباً مقرصناً، فهذا أفضل من التوقف عن القراءة، وفقدان هذه العادة».
وإن كانت دور النشر في لبنان تسعى جاهدة لمواكبة قرائها في محنتهم هذه بتقديم أفضل ما لديها مما يتناسب والظرف الصعب الذي يعيشون، فإن ناشرين يعترفون بأنهم هم أنفسهم مأخوذون بقراءة الأخبار، ومتابعة متغيرات العالم، أكثر مما يستطيعون التركيز على الكتب التي تحتاج إلى التعمق والتأمل. وهم يخشون حقاً أن يكون لهذه المحنة انعكاسات خطيرة على صناعة الكتاب العربي عموماً. وتذكر إدريس أن إلغاء معارض الكتب جملة، كما تم هذه السنة، هو خسارة كبيرة لا يمكن أن تعوض، موضحة: «نحن نبيع 70 في المائة من نتاجنا في المعارض. وكل العلاقات البشرية والاقتصادية تتم في هذه المناسبة. وبما أن المحنة يبدو أنها ستطول، وسيستمر الناس لفترة أخرى يتفادون الأماكن المزدحمة والتجمعات، فإن هذا سيؤثر سلباً». والنشر مرتبط بشكل مباشر بمهنة الطباعة التي هي أيضاً قد تفقد موظفيها وعمالها بسبب توقف العمل.
وبالتالي، فإن مهنة النشر في فترة المخاض هذه، وفي الوقت الضائع، ليست أحسن حالاً من مهن غيرها، ولا يبدو أبداً أن القراء العرب في مزاج جيد.


مقالات ذات صلة

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان
TT

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بالقارة العجوز، تتصاعد أصوات غربيّة تهوّل من فكرة «أفول أوروبا»؛ إذ يقف العالم اليوم على المحك أمام مشاهد توحي بتصدع أسس الدولة القومية الحديثة؛ تلك الدولة التي شكلت تاريخياً حجر الزاوية في المشهد السياسي العالمي، ومصدر إلهام للتنظيم المجتمعي. يكفي إمعان النظر قليلاً للمس تحول أحياء بأكملها في مدن كبرى، مثل باريس وبروكسل وبرمنغهام، إلى بؤر تعكس أزمة هوية وجودية تعتصر الوجدان الأوروبي. المُهاجر، في هذا السياق المعقد، يقف كمرآة كاشفة لتناقضات أوروبا، وعرض دقيق لأزمة بنيوية متأصلة في قلب القارة.

الأصوات المهوّلة تعزو في خطابها السائد أزمة القارة الحالية إلى إخفاق المهاجرين المسلمين في الاندماج والذوبان في البوتقة الغربية. لكن قراءة تفكيكية للواقع تبرز انهيار النموذج الأوروبي ذاته، وقصوره الفادح في التوفيق بين ادعاءاته الليبرالية البراقة وتاريخه الاستعماري الممتد.

جورجيو أغامبين

تتجلى هذه الأزمة في بنية معرفية وتاريخية بالغة التعقيد؛ فمن الزاوية الإبستمولوجية، يؤسس العقل الغربي رؤيته للـ«آخر» على مركزية استعلائية متجذرة. يوضح المفكر إدوارد سعيد في أطروحاته الاستشراقية كيف تسهم استدامة هذه النظرة الدونية في إقصاء أي إمكانية حقيقية للاندماج، محيلةً المهاجر «كبش فداء» آيديولوجياً تُبرَّر به الإخفاقات الهيكلية المتعاقبة. ويرتبط هذا الاستعلاء المعرفي عضوياً بالإرث الكولونيالي؛ بعدما شُيِّدت الرفاهية الأوروبية الحديثة على استغلال مقدرات المستعمرات، في حين تستمر هذه الديناميكية اليوم عبر أشكال مستحدثة من التبعية والهيمنة.

وينسحب هذا الاستغلال على الداخل الأوروبي ذاته عبر تهميش اقتصادي ومكاني ممنهج. فالمهاجرون الذين استُقدموا كـأيدٍ عاملة رخيصة لإعادة بناء مدن القارة بعد الحرب، وجدوا أنفسهم محتجزين في معازل جغرافية وضواحٍ قاحلة، عُرضة لإقصاء مؤسسي يعكس تفاوتاً طبقياً حاداً يكذّب كل وعود المساواة الليبرالية.

في ظل هذه الهشاشة البنيوية، تتشكل حالة من قلق أنطولوجي أبدع في وصفها عالم الاجتماع زيغمونت باومان عبر مفهومه عن «سيولة المخاوف». ففي حداثتنا السائلة والمأزومة، ومع تآكل الضمانات الاجتماعية والاقتصادية لدولة الرفاهية، يتحول «الغرباء على أبوابنا» تجسيداً مادياً ومرئياً لهواجس المواطن الأوروبي حيال فقدان استقراره وهويته. ويغدو المهاجر لذلك بمثابة الشاشة التي تعرض عليها أوروبا مخاوفها من انهيار يقينياتها، متجاوزاً بذلك كونه مجرد تهديد عابر.

تعدّ فرنسا أكبر مسرح لهذه التحولات العنيفة؛ إذ سجلت السلطات قفزة هائلة في الحوادث المرتبطة بالاحتقان المجتمعي؛ وأظهرت إحصاءات حديثة تفضيل 44 في المائة من مسلمي فرنسا الالتزام بقواعد الدين الإسلامي وتقديمها على قوانين الجمهورية، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى 57 في المائة بين الفئات العمرية الشابة. ما حدث في أروقة مؤسسات أكاديمية عريقة مثل معهد الدراسات السياسية بباريس بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) يجسد هذا التصدع. إذ تحولت ساحاتُ التعليم ميادينَ صراع مفتوح، تقاطعت فيها خطابات اليسار الراديكالي مع تيارات الإسلام السياسي لتشكيل جبهة معارضة لسياسات الدولة واليمين المتطرف معاً. الفيلسوف سلافوي جيجك يرى في مثل هذه التطورات نتيجة حتمية لقصور التعددية الثقافية بنسختها الليبرالية السطحية، واكتفائها بالاحتفاء الشكلي بالتنوع، وتغافلها عن الجذور العميقة للتفاوت الطبقي.

وغير بعيد، في العاصمة البلجيكية بروكسل، قلب أوروبا النابض ومقر الاتحاد الأوروبي العتيد، تتضح معالم الأزمة بشكل أعمق. حيّ مولينبيك يقدم نموذجاً حياً لتعثر سياسات الدمج وافتقار مؤسسات الدولة لرؤية استراتيجية واضحة. لقد تحول هذا الحي مساحةً معزولة تعاني إهمالاً مزمناً، واستغلت تيارات التشدد الديني الفراغ الإداري والتخبط في الهياكل الفيدرالية لإنشاء شبكات استقطاب وتجنيد. المهاجر هنا يدفع ثمن براغماتية الدولة وتخليها عن أداء دورها.

في مدينة برمنغهام الإنجليزية، تتكرر المشاهد ذاتها بنكهة محلية خالصة. إذ إن تراجع الصناعة، الذي أدى إلى فقدان 80 في المائة من وظائف القطاع الصناعي الكلاسيكي، ترك آلاف العمال المهاجرين فريسة للبطالة المدقعة. تدهور الظروف المعيشية أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية، متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة؛ ولذلك تضطر بريطانيا العظمى إلى احتضان ما لا يقل عن 85 محكمة دينية نشطة، تفصل في قضايا الأحوال الشخصية للطوائف المختلفة، وتدير شؤون مجتمعات موازية. ولا شك أن نجاح مرشحين ذوي أجندات أحادية في الوصول إلى مقاعد معينة في البرلمان البريطاني يمثل ظاهرة سياسية جديدة، تشير إلى تفوق استراتيجيات التعبئة القائمة على استغلال التهميش وافتقار الساحة لسياسيين يطرحون برامج لتحقيق تنمية شاملة عابرة للأديان والأعراق والطبقات.

ومع تصدع السرديّة والبحث عن تصور بديل بشأن موقع أوروبا من العالم يحار المراقب في تفسير إصرار الخطاب الغربي المحافظ على تحميل المهاجرين مسؤولية هذا التردي الشامل. الحقيقة الساطعة تكمن في شيخوخة السردية الأوروبية وقصورها عن استيعاب التحولات الديموغرافية الجارية. أوروبا المعاصرة تصارع بشراسة للحفاظ على صورتها المثالية بوصفها واحةً للتنوير، بينما تكشف سياساتها الداخلية والخارجية عن براغماتية قاسية وتمييز مؤسساتي عميق.

الفيلسوف المعاصر جورجيو أغامبين يحذّر من سياسات «حال الاستثناء» التي تتبناها الدول الغربية، والمُسْتَخْدَمَة لتسويغ التجاوزات القانونية بحق المهاجرين بحجة حماية الأمن القومي من خطر متخيل، بينما يتجاهل الكاتب مارك فايتسمان، لدى تنظيره لـ«أفول أوروبا»، ربما كون هذا الأفول المزعوم يمثل في صميمه مجرد انهيار للواجهة التي اختبأت خلفها القارة طويلاً. الهجرة، بحد ذاتها، ظاهرة إنسانية طبيعية ومحرك أساسي للتطور التاريخي للمجتمعات، وتحويلها مشكلةً أمنية يعكس بوضوح هشاشة النموذج الأوروبي وفقدانه البوصلة الأخلاقية والسياسية.إن الأزمة الحالية تتخطى مسألة اندماج المهاجرين لتلامس مادة المشروع الأوروبي برمته؛ ذلك أن إصرار النخب على إغفال التناقضات الداخلية العميقة، والتمسك بخطاب استعلائي يلقي باللائمة على «الآخر» المستضعف، سيسرع من وتيرة التفككات المجتمعية، بينما المهاجر سيظل دوماً تلك المرآة الصادقة العاكسة للوجه الأوروبي الحقيقي، بكل ندوبه وإخفاقاته التاريخية. تجاوز هذه المحنة الوجودية يستوجب اجتراح سرديّة بديلة ومبتكرة، تواجه أخطاء الماضي بجرأة، وتؤسس لعقد اجتماعي متجدد يحتضن النديّة والمواطنة الفاعلة الحاضنة للتنوع وتعدد الأصول والمنابت.


النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران
TT

النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة، قادراً على تفكيك مفهوم العدل ذاته خارج منطق السخرية منه، فمنذ عتبة العنوان المحتشد بالرمز والمفارقة، تتبدّى الرواية كقراءة في فكرة الاعتراف: من يُنشد له؟ ومن يُمنح وساماً؟ ومن يُقصى خارج دائرة القيمة؟ حيث لا تُوزّع النياشين وفقاً للعدل، بل وفقاً لمعادلات النفوذ والسلطة.

صدرت الرواية، أخيراً، وفيها يبدو البطل الأربعيني في حالة من التلفّت المستمر إلى الوراء، حيث القرية التي خرج منها إلى العاصمة، وإلى الماضي بوصفه مساحة فقدت نقاءها مبكراً بفعل صدمات الفقد المتكررة، وإلى المدينة التي تمنحه الصعود الوظيفي والطموح السلطوي، لكنها تسلبه الأمان، لتصبح الحياة «لعبة شدّ وجذب»؛ حبل يربطه بما كان، بينما تدفعه السلطة إلى ما صار عليه.

لا يبدو البطل، الذي تدور الرواية بلسانه، رغم ما حققه من مكانة وموقع، قادراً على التصالح مع تحوّله؛ كأن الاعتراف الذي ناله لم يكن اعترافاً بذاته، بل بصورة مصقولة عنه، ويتبدّى ذلك منذ افتتاح السارد بجملة تأسيسية تكشف مغزى فعل الكتابة الذي يلجأ إليه حين يقول: «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي»، هنا تتخذ الكتابة طابعاً اعترافياً مضاداً؛ فوصية الأب له بالنجاة من الفساد تتحوّل إلى هاجس أخلاقي يطارده، بينما تتحوّل الكتابة إلى محاولة نجاة أخرى، أو إلى مساحة يفاوض فيها الحياة التي يقول إنه يعيشها «لسدّ الثغرات وإكمال النواقص».ورطة السارِدينهض السرد على حبكة اختفاء سيدة تُدعى «شيرين» في ظرف غامض يتقاطع مع حياة البطل ليقوده إلى سلسلة من الورطات، غير أن السرد لا يكتفي بإدارة لغز الاختفاء، بل ينحو إلى فتح مسارات كشف لدواخل البطل؛ حيث تُعرّي كل ورطة طبقة من طبقاته، وكل تعثر يضعه أمام السؤال الذي حاول طمسه طويلاً: هل كان يسعى إلى العدالة... أو إلى نيشاينها؟ «ظننتني أعرف ما أريد» كما يقول في عبارة تختصر هشاشة يقينه.

ومع تصاعد الأحداث، لا يعود الاختفاء مجرد لغز حائر، بل يتحوّل إلى مرآة تجبره على إعادة النظر في علاقته بالسلطة، وبالماضي، وبصورته أمام نفسه قبل الآخرين.

لا تبدو الخريطة العائلية للبطل إطاراً سردياً نمطياً، بقدر ما يستدعيها في كشف ذاتيّ متكرر، فالسرد يُغيّب الزوجة نسبياً، في مقابل الإضاءة على صوت البطل الذي يجد في الانفصال والعلاقات البديلة محاولةً لتعويض الإحساس برتابة الزواج بدلاً من مواجهته، فتنقسم ذاته بين بيتين، ليُفكك السرد مفهوم «البيت» ذاته، الذي يبدو استعارة حاضرةً على مدار النص لحالة عدم الأمان الأولى التي عاشها في طفولته؛ لعدم مسامحته للأب، ولفقدٍ مبكر للأم، فيقول: «في كل مرة كنت أحاول الاكتمال... نقصت»، وكأن الرواية كلها كتابةٌ عن نقص لا يُرمّم بنياشين «الزواج» أو «الارتقاء» المهني السريع.

مسرح المدينةيتوزّع حضور البطل عبر مرآتين: «شيرين» و«رباب»، الأولى، التي يبدو لغز اختفائها مشوباً بقلق وتهديد مباشر له، ترتبط بها علاقة معقدة تتداخل فيها الرغبة بالذنب، فلا يهدد اختفاؤها موقعه الاجتماعي فحسب، بل يخلخل صورته عن نفسه ويكشف هشاشة مواقفه، أما «رباب»، التي يلتقي بها مصادفةً بصفتها سائقة «أوبر»، فتبدو حضوراً مضاداً؛ لا يسعى إلى «نيشان» ولا ينتظر اعترافاً، ويبدو تجوالهما عبر شوارع القاهرة ليس تنقلاً في المكان وحسب، لكنه في جوهره تجوال موازٍ داخل تعقيدات حياتهما، كأن المدينة نفسها تتحول إلى مسرح مراجعة داخلية.

في حواراته معها، يجد البطل نفسه أمام مرآة أكثر صفاء؛ مرآة لا تعكس صورته المصقولة، بل تكشف تناقضاته، فيما يبدو تمرد «رباب»، واختيارات حياتها غير الخاضعة لمنطق الامتياز، تضعه أمام أسئلة ملحّة، وتدفعه إلى رؤية ذاته خارج صورتها المصطنعة.

ويُسهم اختيار السرد بضمير المتكلم في تكثيف وقع هذه المراجعات الذاتية؛ فالبطل لا يروي وقائع فحسب، بل يعيد ترتيبها بما يُرمم صورته أمام ذاته، وكأن الرواية، في جوهرها، لا تُحاكم السلطة أو السياقات الاجتماعية والثقافية بقدر ما تُحاكم «وهم الاكتمال»؛ ذلك الوهم الذي يجعل الإنسان يطلب الاعتراف من الخارج، بينما جُرحه الأول، الغائر في أعماقه، لا يزال مفتوحاً. عروس النيل في مشهد يستدعي أسطورة «عروس النيل»، تقف «رباب» كأنها تعيد كتابة الطقس، بوصفه فعلاً تحررياً، فقفزها في النيل لا يأتي تهوراً كما يتعامل معه البطل بسخريةٍ مبطّنة، بل يبدو محاولة لمواجهة الماء بعدّه عنصر البدء والمحو والتجدد.

غير أن المفارقة تكمن في أن البطل ذاته، وهو على حافة حياته، يستدعي الطقس نفسه، لا بعدّه مشهداً أسطورياً، بل بعدّه سؤالاً أخلاقياً يواجه الذنب والغضب المتراكم منذ الطفولة، هنا تتقاطع الأسطورة مع السرد، ويتحوّل النيل من خلفية مكانية إلى رمزٍ دائري يُعيد الرواية إلى بدايتها؛ فالمشهد الذي افتُتحت به «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي» يجد صداه في لحظة التطهير المؤجَّل، وكأن النهاية لا تُغلق القوس، بل تعيده إلى موضعه الأول.

ولعل اختيار الكاتب تقسيم السرد إلى فصول قصيرة بعناوين دالة مثل: «الورطة»، «اللعبة»، «الرهان»، «الزحام»، «الخطر»، «المصادفة»، «الخلاص»، ليس مجرد تنظيم شكلي، بل بنية رمزية لمسار السقوط نفسه، فالحياة تبدأ لعبةً، تتحول رهناً، وتنزلق إلى الخطر، وتحرر قليلاً عبر مصادفة، ثم تبحث أخيراً عن خلاص، وهي بنية تُحاكي الخطأ الكبير الذي يتفتت إلى خطايا صغيرة، في مسارٍ يبدو وكأنه استيعاب تدريجي للحماقة؛ لا حماقة الآخرين، بل حماقة الذات حين تظن أن النيشان يُغني عن الغفران.


«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»
TT

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية، وهي مجلة سنوية محكّمة. وتضمّن المجلّد سبع دراسات لباحثين عرب من أقطار عربية عدة، من المتخصصين في مجال الموسيقى العربية من جوانب متعددة.

صدر هذا العدد - المجلّد في عَمّان، ضمن اتفاقية التعاون بين المجمع العربي للموسيقى ودار «العائدون للنشر والتوزيع»، وجاء في 180 صفحة.

وممّا جاء في افتتاحية العدد، التي كتبها رئيس هيئة التحرير، الدكتور نبيل الدراس، تحت عنوان «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»، أن الثقافة الموسيقية العربية، أو ما يمكن تسميتها «الموسيقى العربية المعاصرة»، قد «أخذت فيما بين العقد الرابع من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، مساراً قد يكون مغايراً لما كانت عليه الحال في عصور سابقة. جاء ذلك متوافقاً مع الاتجاهات العالمية نحو عملية تشكيل مجتمع واحد وثقافة واحدة على نطاق البشرية جمعاء، والتي تتشكّل على أساس الثورة التقنية (تطور التقنيات الإلكترونية والحاسوبية، ونمو وسائل الإعلام، وتطوير الاتصالات والإنترنت... إلخ)، وتكامل مختلف مجالات التواصل الثقافيّ الإنسانيّ (الروحيّ والاجتماعيّ واللغويّ) لهذه المرحلة».

وبالإضافة إلى الافتتاحية، ضمّت المجلة دراسات لكلّ من: بوعزيز سمحون (تونس)، وكلير خوري (لبنان)، وميرنا زغيب (لبنان)، ووسيم جمعة (تونس)، وبديع الحاج (لبنان)، ومعتصم عديلة (فلسطين)، وعبد العزيز بن عبد الجليل (المغرب).