«الزمن الكوروني» يفرض مناخات جديدة على الكتّاب العرب

يكسرون حاجز العزلة ويراهنون على انتصار الحياة

أحمد الشهاوي  -  حياة الرايس  -  بشير مفتي  -  حفيظة بيبان  -   وحيد الطويلة
أحمد الشهاوي - حياة الرايس - بشير مفتي - حفيظة بيبان - وحيد الطويلة
TT

«الزمن الكوروني» يفرض مناخات جديدة على الكتّاب العرب

أحمد الشهاوي  -  حياة الرايس  -  بشير مفتي  -  حفيظة بيبان  -   وحيد الطويلة
أحمد الشهاوي - حياة الرايس - بشير مفتي - حفيظة بيبان - وحيد الطويلة

في غفلة، فرض «كورونا» على الإبداع طقوساً ومناخات جديدة، وحاصره في بضعة مترات لا تتجاوز صحن البيت.
كيف يواجه الشعراء والكتاب والنقاد هذه اللحظة، كيف يعيشونها، ويتأقلمون مع إيقاعها المر، في عزلة إجبارية لم يستعد أحد لها، وهل ستغير من شكل الكتابة، مثلما غيرت في أنماط السلوك. هنا آراء مجموعة من الكتاب العرب:
- شاكر عبد الحميد (مصر): الإبداع لا قانون له
هناك فارق بين العزلة الاختيارية والعزلة الإجبارية، وفي عالم الأدب الكثير من الأدباء والشعراء الذين اختاروا الانعزال عن مجتمعاتهم من أجل الإبداع، أو أجبرتهم ظروفهم الصحية للانعزال، وأشهرهم بالطبع مارسيل بروست، وبلزاك، الذي كان يعزل نفسه اختيارياً، حتى ينتهي من كتابة رواية ما، ثم يعود ليجتمع بأصدقائه، والكثير من الفلاسفة ومنهم الفيلسوف سورين كيركيجارد صاحب المقولة الشهيرة «وحدتي». لكن كيف يمكن فهم الظرف الحالي في زمن «كورونا»، طالما أن الإبداع نشاط متواصل ووسيلة لفهم الحياة والوصول للحقيقة؟
الإبداع لا قانون له، كونه عملية فردية في الأساس، لكنه يختلف وفقاً لسيكولوجية كل إنسان والظروف الاجتماعية التي أحاطت به، والفروق الفردية بينهم. هناك مبدعون يفضلون العزلة عن الآخرين، بينما يفضل البعض الكتابة أو الرسم في حضور أصدقاء أو على المقاهي وغيرها من السلوكيات. إن أسلوب حياة المبدع يؤثر في كيفية تأقلمه وتعاطيه مع كافة الظروف، والإبداع بالنسبة للمبدعين هو نوع من أنواع تحقيق الذات.
أما عن المأساة التي نمر بها حالياً، فالحكم ما زال مبكراً، وإن كان من الصعب مثلاً أن يبدأ روائي في كتابة رواية في ظل هذه الأجواء الملتبسة، بينما أعرف أن بعض الأدباء يستكملون أعمالاً روائية كانوا قد بدأوها قبل الأزمة، فيما يمكن للشعراء بكل تأكيد كتابة قصائد تعبر عن تأثرهم بالوضع الراهن الذي يدفعهم لمحاولة فهمه شعرياً... لكن المؤكد أنها ستترك أثراً قوياً على شكل الكتابة.
- عزة بدر (مصر): الانتصار للحياة
الكلمة هي الحصن والأمان للمبدع وللبشرية عامة، الأزمات تجعل الكاتب مرهفاً ومتحمساً للدفاع عن قضية، وقضيتنا الآن هي البشرية. أعيش بالقلم، أحيا على الورق وأزرار الكيبورد. أرى أن هذه العزلة مدعاة للتأمل والتوحد مع الذات، والكتابة مهمتها الانتصار للحياة، وهو ما نحاول جميعاً فعله الآن. المبدع يسعى على إيصال الكلمة نثراً وشعراً، مؤمناً بأن لها دوراً كبيراً في هذه الفترة الحرجة من تاريخ الإنسانية. فقد بات الإنسان هو المحور بالنسبة للأطباء والشعراء والساسة والروائيين... الإنسان أثمن ما في الوجود. أتوقع أن نرى في الفترة المقبلة كتابات أعمق، وأشكالاً أدبية وفنية جديدة، وقصائد أرهف، ليست نتاج عزلة فرضت علينا كنوع من الوقاية، وإنما نتاج وعي يتكثف في الداخل مهموم بمحبة الإنسانية، بحثاً عن صورة مثلى لهذه المحبة.
- أميمة الخميس (السعودية): مزاج الكتابة
الخلوة هي المادة الخام الأولية لأي عمل إبداعي، هي الينبوع الذي تتوضأ به أدواتنا قبل الدخول لبلاط الكتابة. لا بد أن يكون هناك انفصال عن ضجيج العالم الخارجي، والانقطاع عن الموجودات، والتبتل بين يدي الخلوة كي نستطيع أن نستمع لنبض الكون وهو يريد أن يتحقق على الورق، لكي نميز أصوات الشخصيات التي تسكب في آذاننا حكايتها، لكي نستمع لطرق الخطوات على الدروب، ونفطن للمدن التي تهتز وتربو من بين كثبان الخيال.
لذا المناخ العام مع العزلة الإجبارية ينسجم مع مزاج الكتابة، فالوحدة للكاتب هي الأصل والضجيج هو الاستثناء، لكن الآن مع دخول الجميع في شرنقة الحيز المنزلي، لم تعد المساحات المنزلية آمنة للغاية بالنسبة للكاتب، وبات هناك بعض من التلصص والانتهاك. وبات الجميع يطالبه بخريطة الكنز المتواري في ممالك العزلة، وأتصور أن كل هذا سيؤثر على طبيعة الكتابة.
- حفيظة قارة بيبان (تونس): تجربة جديدة
عادتي كل صباح، بعد جولة على البحر المهجور، أن أدخل عزلتي. أغلق بابي على العالم، لأحفر في الذات واللغة، وأبدع عوالمي بعيداً عن الصخب الخارجي. العزلة هي الرفيقة الدائمة للروائي والشاعر والكاتب عموماً، للتأمل والكتابة الإبداعية. ولكن حين تفرض عليه ويحاصر بدعوات لا تتوقف للسلطة والإعلام ومنظمات الصحة والأطباء، الصارخة بمخاطر فيروس قاتل، قد يكون اخترعه الجشع الإنساني المعاصر، وقتها تصبح العزلة المحاصرة بالخوف العام، هشة، مهددة.
ومع ذلك يدخلها الروائي أو الشاعر، مختاراً أو مجبراً، مقاوماً «الزمن الكوروني» بالكتابة التي تتوهج بشتى المشاعر المتناقضة، لينقذ عوالمه من الموت. وها أنا ذي، في عزلتي، أتم إعداد كتابي القادم «سارقة النار»، وأعود بخوفي إلى رواية بدأتها منذ عام ولم تكتمل.
اللحظة الخارقة، تجاوزت الخيال، ومع ذلك، تذكرنا بما أبدع الخيال الروائي من أعمال عن أوبئة اجتاحت العالم وفرضت العزلة، «الطاعون» لكامي، و«العمى» لساراماغو.
هي تجربة إنسانية جديدة، رهيبة، تعلن ولادة إنسان جديد، يجدد قيمه ويعيد تقييم كل مظاهر حضارته المعاصرة. تجربة تضيف حبراً أسود دموياً لأقلام الروائيين والشعراء، وتوتراً أكثر لحروف حواسيبهم، للكتابة الإبداعية الشاهدة على تجربة الإنسان المعاصر المغرور بتقدمه الحضاري. فالأزمات الإنسانية كانت ولا تزال مبعث الأعمال الأدبية ومخلدة التاريخ الحقيقي المتوتر للإنسان.
- أحمد الشهاوي (مصر): الخوف يترصدني
أنا بالأساس «رجل بيت»، ولما اجتاح فيروس كورونا، عشت العزلة التي لم أرها في حياتي، عزلة فرضت على الجميع، وعلى الرغم من أنني أستطيع الخروج في أي وقت، كوني صحافياً مستثنى من الحظر، فقد فضلت أن أبقى في البيت لأكتب وأقرأ، وأخذت إجازة من العمل، وللمرة الأولى في حياتي التي لم أخرج فيها حتى من قبل أن يبدأ حظر التجوال في مصر، فلدي كتب كثيرة، وصار عندي وقت لأنتهي منها. صحيح أن المزاج معتل بسبب تأجيل أسفار مهمة، واجتياح الفيروس للدنيا كلها، لكنني أكتب يومياً، وأتتبع دورة الفيروس في العالم.
وأتصور أن أشياء كثيرة ستتغير بعد هذه الكارثة، وستكون جماليات الكتابة من ضمن هذا التغيير. نعم أحس أن وهم الموت يخايلني ويترصدني كل يوم، لكنني لا أحب أن أموت تحت سنابك عدو لا يرى بالعين المجردة
- حياة الرايس (تونس): عدو غير مرئي
لست منزعجة كثيراً من الحجر الصحي العام، فأنا بطبعي امرأة متوحدة مع ذاتي، وأركاني، وأشيائي، وطقوسي، وعاداتي بالبيت. أحب بيتي كثيراً لأنه يشبهني، وأرى نفسي فيه ويراني كل من يدخله، وعليه تنعكس شخصيتي وأنا متصالحة حتى مع حجر جدرانه... عندما أكون ببيتي أشعر أني ملكة.
الوحدة أو العزلة أسلوب حياة اخترته منذ بداية حياتي للتفرغ للكتابة. الكتابة آكلة أكول تلتهمك كلياً، وتتملكك، ولا تقبل شريكا. اخترت الوحدة لأن الوحدة حريّة تجعلك تتملك مكانك وزمانك ولا يشركك بهما أحد مهما كان؛ لكن الآن الذات الكاتبة محرجة في كبريائها واختيارها. كانت تظن أن عزلتها اختيارية وخاصيّة ملازمة لأهل الفكر والأدب. فقد كانت الوحدة والعزلة دائماً امتياز الأدباء والشعراء والفنانين والزهاد والمتصوفة، وفي بعض وجوهها أيضاً فضيلة أرستقراطية للفلاسفة أو ترفاً أدبيّاً للرومانسيين.
لكن هذه العزلة التي نعيشها الآن هي عزلة فجائية، إجبارية، قسرية، فرضها علينا خطر انتشار فيروس كورونا المعدي انتشاراً عالمياً، وبشكل غير مسبوق. وقد جردها هذا الوباء من كلّ قيمة رمزية كانت تتميز بها. عزلة أساسها الخوف بل الرعب الوبائي من عدوّ غير مرئي، يهاجمك على حين غفلة، ينتشر بشكل سائل أو هلامي. غير واضح الهوية ليس له دواء إلا الانعزال والابتعاد عن البشر مخافة العدوى في سجن جديد هو عبارة عن تمرين ما بعد أخلاقي على التوحّد بوصفه حمية عضوية ضد الوباء، وليس موقفاً فلسفياً ولا قلقاً وجودياً من الكينونة في العالم.
اغتنم فرصة هذا الحجر العام لأخرج منه غانمة برواية بدأت فيها حول هذه التجربة التي لم يعشها أبناء جيلي من قبل، التي أتمنى ألا تعيشها الأجيال القادمة.
- وحيد الطويلة (مصر): عدالة الأسى
أنا في موقف لا أحسد عليه، كنت أقضي سبع ساعات تقريباً في المقهى أقرأ أو أكتب، إن رضيت عليّ الكتابة... فجأة وجدت نفسي رهين البيت... أنا الذي يتعامل معه كمحطة للأكل والاستحمام والغناء، وتدليل زوجتي وابنتي، وجدت نفسي فجأة بينهن مطالباً بدفع الفواتير القديمة وسماع البيانات الحربية التي تتضمن سرداً لفشلي في الماضي.
لا أستطيع أن أقول إنني أقرأ كتباً... أو أكتب نصاً... أنا بالكاد أتابع العالم عبر «السوشيال ميديا» والتلفزيون. وأكتفي بالمقالات والتحليلات... قلبي مشغول على البشر الطيبين في العالم... كل ما فعلته أنني وجدت فرصة للبحث عن كنوز مطرب الأرواح الشيخ مصطفى إسماعيل... ووقعت على ما لم يقع عليه أحد... أتفهم جيداً إغلاق كل شيء من أجل حياة الناس، وإن كان يوجعني غلق المقاهي، فإغلاق مقهى يعني إغلاق باب لحرية الروح.
ابنتي الفنانة التشكيلية مثلي تماماً يوجعها أن تجلس بين أربعة حيطان... لكن زوجتي سعيدة... تم إجباري على ترك «الشيشة» رغم أنفي... وسيسجل التاريخ أنها انتصرت عليّ بفيروس عالمي!
لكم تمنيت العدالة دائماً، لكن المؤسف أنها جاءت بالأسى، ورغم ذلك لدي هاجس قوي بأن مياهاً كثيرة جرت في نهر الكتابة جراء هذا الكابوس.
- إقبال العثيمين (الكويت): أدوّن ملاحظاتي
عادة لا أشعر بالعزلة أثناء العمل بمفردي. وفي زمن العزلة الجبرية لا أجد لدي طقساً محدداً في الكتابة. قد أكتب اليوم وقد أكتب غداً، لأن المسألة حالياً وسط القلق وحالة التشتت تصبح مسألة رغبة؛ فكلما أحسست برغبة في الكتابة بدأت بالكتابة. فأنا فقط أدون بعض الملاحظات الخاصة بي بين يوم وآخر. لن أكتب عن المأساة حالياً، ربما ذلك بعد مرور عدة سنوات، كما حصل معي عندما كتبت عن مأساة الغزو العراقي للكويت «رماد الروضة» بعد مرور عشرين عاماً! أعتقد أن حياتنا الثقافية سنشهد روايات جمة بعد الخروج من الغمة. وستخرج لنا أدباً له إيقاع خاص، كحكايات السوشيال ميديا التي نطالعها كل يوم وتقذف علينا بحكايا يومية. أتوقع أن الكاتب الناضج سيتروى بكتابته إلى أن تهدأ الحكاية بداخله، ويستوعبها، وبالتالي بإمكانه أن يخرجها للناس.
لا ننسى أن الأدب العظيم ينشر بعد عشرات السنين من الحدث، كما حصل بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول) عندما خرجت للسطح روايات عدة لا تساوي بقيمتها ثمن الورق الذي كتبت به!
- ناصر عراق (مصر): قلق وتشويش
بمكائد فيروس كورونا، وغدره، ثم إصراره على قتل الآلاف وإصابة مئات الآلاف حول العالم، يصبح من العسير أن يسترد المرء عافيته الإبداعية، ويواصل الكتابة بالتألق نفسه، فالموت يتدفق كل لحظة مع أي خبر، وقلة الحيلة البشرية تتجلى كل نهار، والقلق أضحى حشرة حقيرة تزحف إلى وجدان الملايين فتفسد أمزجتهم وتربك حساباتهم.
في هذا الوضع الخطير غير المسبوق، ألتزم بتعليمات الوقاية التزاماً تاماً، فأعتصم بالبيت، وأحاول تزكية الوقت بالقراءة ومشاهدة الأفلام، مع المتابعة الدائمة للأخبار، كما أعمل على قهر القلق على أبنائي، الذين يدرسون في خارج البلاد، بمواصلة الكتابة في روايتي الجديدة التي أعكف على إنجازها منذ نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، ولا أخفي عليك أن التشويش الذي يسببه هذا الفيروس البغيض يعرقل انهمار الكتابة بالمعدلات نفسها التي تعودت عليها.
ومع ذلك، ما زلت أحافظ على عاداتي كما هي، حيث أكتب يومياً في الصباح المبكر جداً، وقد منحتني هذه العادة التي أمارسها منذ عشرين عاماً تقريباً نعمة التعامل مع الفيروس الماكر وألاعيبه بدرجة من الهدوء النسبي.
- بشير مفتي (الجزائر): شعور بالقيود
بالنسبة لي يستحيل الكتابة في هذه الظروف، لسبب بسيط أن هذه العزلة مفروضة واضطرارية، وليست عزلة اختيارية، أي أن الشعور الذي أشعر به هو شعور بالسجن، وفي هذه الحالة يصعب علي الكتابة التي من شروطها الأساسية الحرية والتركيز، بينما غالب الوقت أجدني مشتت الذهن، أو لا أتوقف عن متابعة الأخبار والمستجدات على شاشة التلفزيون أو مواقع الإنترنت.
ربما سأستغل هذه الفرصة للقراءة أكثر، مع أني تعودت على القراءة كل يوم، لكن بصدق أجد في هذا الظرف صعوبة كذلك. لا أقول إنني خائف، بل على العكس ليس الخوف، بل الشعور بالقيود هو الذي يزعجني، فأنا أحب الحركة والحياة في الخارج أكثر من الداخل، وفي هذه الفترة أجد صعوبة حقيقية في التأقلم، هذا أتمنى رحيل «كورونا» في أسرع وقت، حتى أعود إلى إيقاع حياتي الطبيعية.


مقالات ذات صلة

باحثون: مضاد اكتئاب شائع يخفف من إجهاد «كوفيد» طويل الأمد

صحتك صورة توضيحية لفيروس «كوفيد - 19» (أرشيفية - رويترز)

باحثون: مضاد اكتئاب شائع يخفف من إجهاد «كوفيد» طويل الأمد

عقار فلوفوكسامين المضاد للاكتئاب، وهو عقار شائع الاستخدام وغير مكلف، حسن على نحو ملحوظ نوعية الحياة لدى البالغين المصابين «بكوفيد طويل الأمد».

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ سُجّل نحو 840 ألف وفاة بكورونا في شهادات الوفاة خلال عامي 2020 و2021... لكن فريقاً من الباحثين قدّر أن ما يصل إلى 155 ألف وفاة إضافية غير معترف بها ربما حدثت خلال تلك الفترة خارج المستشفيات (رويترز)

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

أظهرت دراسة جديدة أن حصيلة الوفيات في المراحل الأولى من جائحة كورونا كانت أعلى بكثير من الأرقام الرسمية في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك مكملات فيتامين «د» تبدو واعدة في تقليل خطر الإصابة بـ«كوفيد طويل الأمد» (أرشيفية- رويترز)

دراسة: مكملات فيتامين «د» قد تساعد في تخفيف أعراض «كوفيد طويل الأمد»

تشير دراسة حديثة إلى أن مكملات فيتامين «د» قد توفر مؤشرات جديدة تساعد الباحثين على فهم الأعراض التي تستمر لدى بعض المصابين بعد التعافي من «كوفيد-19».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم عاملون مختبريون يفحصون عينات فيروس «كوفيد» ميدانياً

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

الفيروسات تتطور بشكل عادي لدى الحيوانات، إلا أنها تتطور بشكل جذري عند إصابتها الإنسان.

كارل زيمر (نيويورك)
صحتك اللقاح يُعطى عن طريق الأنف عبر رذاذ أنفي (أرشيف - أ.ب)

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

طوَّر باحثون أميركيون لقاحاً جديداً قادراً على الوقاية من عدة فيروسات في آنٍ واحد، بما في ذلك «كوفيد-19» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

سيلين ديون ترقص فوق الهاوية والقمم وتنتشل جان جاك غولدمان من عُزلته

سيلين ديون تُصدر أغنية جديدة بعد 7 سنوات على آخر ألبوماتها (حساب الفنانة على إكس)
سيلين ديون تُصدر أغنية جديدة بعد 7 سنوات على آخر ألبوماتها (حساب الفنانة على إكس)
TT

سيلين ديون ترقص فوق الهاوية والقمم وتنتشل جان جاك غولدمان من عُزلته

سيلين ديون تُصدر أغنية جديدة بعد 7 سنوات على آخر ألبوماتها (حساب الفنانة على إكس)
سيلين ديون تُصدر أغنية جديدة بعد 7 سنوات على آخر ألبوماتها (حساب الفنانة على إكس)

من أجل العودة الباريسية المدوّية، لا بدّ من أغنيةٍ ناطقةٍ بالفرنسيّة توقظُ الحنين إلى زمن سيلين ديون وجان جاك غولدمان. وهو، لمَن لا يعرفُه، زمنُ الأحلام الممكنة وقصص الحب التي تصنع المعجزات.

استباقاً لسلسلة حفلاتها المرتقبة في العاصمة الفرنسية، الخريف المقبل، أصدرت الفنانة الكنَديّة العالميّة أغنية «Dansons» (هيّا نرقص) من تأليف الفنان الفرنسي جان جاك غولدمان وإنتاجه. بصوتٍ مكتملِ الإحساس والصلابة، تصدح ديون: «هيّا نرقص فوق الهاويات، على حواف القمم... هيّا نرقص حين يترنّح العالم كي ننسى آلامنا».

يا له من توقيتٍ صائبٍ لهكذا إعلان، في لحظةٍ ينفض العالم عنه ركام الحرب، كما تنفض سيلين ديون عنها أوجاعاً رافقتها خلال السنوات الـ6 الماضية بسبب إصابتها بمتلازمة الشخص المتيبّس.

وفق المعلومات التي تداولتها الصحافة الفرنسية، فإنّ الأغنية كُتبت عام 2020 بالتزامن مع أهوال جائحة «كورونا»، لكنها بقيت في أدراج غولدمان؛ وكأنها كانت تنتظر تَعافي صوت ديون كي ينسكب عليها. أما وقد حان موعد العودة، سحبت ديون الأوراق من الأدراج وغنّت بصوتها القويّ والممتلئ إحساساً، وإن ظَلّلَه طيفُ جُرح.

مع أنّ الأغنية لم تترافق وفيديو كليب، فإنّ أداء ديون وحدَه قادرٌ على رسم ما يكفي من الصور في المخيّلة؛ وكأنّ النجمة الطالعة من مرضها واقفةٌ في أعلى برج إيفل أو على تلّة مونمارتر في باريس، تدعو الناس للرقص معها فرحاً وانتصاراً للحياة والحب.

سيلين ديون في إحدى الصور المواكبة لإصدارها الغنائي الجديد (سوني ميوزيك)

تنتمي «Dansons» إلى خانة الأغاني الشعريّة الرومانسية، وهي لا تختلف كثيراً عن النمط الذي سبق وقدّمه ديون وغولدمان في أعمالهما المشتركة الكثيرة. هو نمطٌ لا يشبه ربّما موسيقى هذا الزمن ولا يتماشى وذوق الجيل الجديد، إلّا أنه أقرب إلى الأغاني الكلاسيكيّة المُفتَقَدة التي تُحيي القصيدة والكلمة الهادفة إنسانياً.

ومن المرتقب أن تستأنف ديون نشاطها الموسيقيّ بدخولها الاستوديو قريباً من أجل تسجيل مجموعة من الأغاني، على أن يكتمل ألبومها الجديد عشيّة سلسلة حفلاتها في سبتمبر (أيلول) وأكتوبر (تشرين الأول) المقبلَين في ميدان «باريس لا ديفانس».

جان جاك غولدمان مؤلّف ومنتج أغنية سيلين ديون الجديدة (أ.ف.ب)

منذ تشخيصها بمتلازمة الشخص المتيبّس، التي تصيب الجهازَين العصبي والمناعي، دخلت سيلين ديون في شبهِ اعتزال. كادت تفقد صوتها وقدرتَها على السير، لكنّ إرادتها الصلبة والعلاج المكثّف سمحا لها بإطلالاتٍ متفرّقة بين الحين والآخر.

عام 2023، وضعت صوتها على مجموعة من أغاني فيلم «Love Again» كما كانت لها مشاركة فيه بشخصيتها الحقيقية. وفي صيف 2024، أبهرت جمهور أولمبياد باريس عندما افتتحت الألعاب الرياضية الصيفيّة بتقديم إعادة لأغنية «Hymne à l’amour» (نشيد الحب) لإديث بياف. كما كانت لها إطلالات غنائية مقتضبة في مناسباتٍ خاصة.

تُعدّ أغنية «Dansons» العودة الغنائية الرسمية لسيلين ديون (58 سنة) بعد آخر إصداراتها الخاصة قبل المرض، أي ألبوم «Courage» (شَجاعة) عام 2019. ويأتي هذا التعاون مع غولدمان، بعد 10 سنوات على ألبومهما المشترك الأخير «Encore un soir» (مساءٌ واحدٌ بعد) الصادر عام 2016.

جان جاك غولدمان (74 سنة) معتادٌ على مواكبة «ديفا الأغنية» في لحظاتٍ مصيريّة عدّة من حياتها. فالألبوم الأخير الذي جمعهما قبل 10 أعوام صدرَ بعد أشهر قليلة على وفاة زوج ديون، المنتج رينيه أنجليل.

بين غولدمان وديون صداقة وشراكة مستمرة منذ 1995 (موقع غولدمان)

مدّ غولدمان يد العون لصديقته عندما أرادت أن تصعد إلى المسرح من جديد، بعد خسارتها الرجل الذي اكتشف موهبتها ثم صار حب حياتها وأب أولادها. تذهب الصحافة الفرنسية إلى درجة وصف العلاقة بين الفنانَين بـ«قصة الحب الفنية». وما أغنية ديون الجديدة سوى دليلٍ إضافي على فرادة تلك العلاقة والخصوصية التي يتعامل بها غولدمان مع ديون.

فهذه العودة الفنية ليست محصورة بالفنانة الكنديّة، إنما هي عودة كذلك بالنسبة إلى غولدمان نفسه الذي اختار الاعتزال والانكفاء عن الأضواء عام 2005. لكنّ كل المستحيلات تصبح ممكنة من أجل سيلين، التي اكتشفها غولدمان يوم كانت بعدُ في بداياتها فانذهل بصوتها. منحَها عام 1995 ألبومَها الفرنسي الأكثر مبيعاً «D’Eux» (مِنهُم)، وهو الذي أدخلَها فعلياً إلى فرنسا من أبوابها العريضة.

سارت الشراكة الفنية جنباً إلى جنب مع العلاقة الإنسانية التي نمت بينهما، وتَكرّر التعاون عام 1998 في ألبوم ناجح آخر باللغة الفرنسية بعنوان «S’il suffisait d’aimer» (لو كان الحب يكفي). وفي 2003، ألّف غولدمان الألبوم الثالث لديون بعنوان «1 fille et 4 types» (فتاة وأربعة أشخاص). لكن مع اعتكافه الفني عام 2005، سكتت أغانيهما إلى أن كسرَ صمته عام 2016 ومنحها أغنية الوداع لزوجها الراحل.

مرةً جديدةً، يكسر غولدمان صمته الكبير من أجل العودة الكبرى لسيلين ديون. فهل يكمل النجم الفرنسي رحلته مع صديقة عُمره ويوقّع لها ألبوماً كاملاً، أم يكتفي بأغنية واحدة؟ والسؤال الأكبر: هل يطلّ معها في إحدى حفلاتها المرتقبة على مسرح «لا ديفانس»، ليشعل الجماهير التائقة إلى ملاقاته من جديد؛ هو الذي اختير خلال 14 سنة متتالية، ورغم بُعدِه وصمته، «الشخصية الأحبّ إلى قلوب الفرنسيين»؟


مبادرة سعودية لدعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية

استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)
استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)
TT

مبادرة سعودية لدعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية

استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)
استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)

أعلن الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي، عن مبادرة لدعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية؛ لتعزيز مساهمة المجتمع في الحفاظ على أصوله التراثية ذات القيمة وتأهيلها، وذلك خلال كلمة ألقاها مع ختام «ملتقى القطاع الثقافي غير الربحي» بمركز الملك فهد الثقافي في الرياض، الخميس.

وشهد الحفل الختامي حضور عددٍ من المسؤولين والشخصيات الثقافية، وقيادات ومنسوبي منظمات القطاع الثقافي غير الربحي، ومنسوبي جهات حكومية ذات العلاقة، ومانحين وداعمين من الأفراد والقطاع الخاص، والمهتمين.

وقال الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان في كلمته: «بدعم وتمكين مستمر يحظى به القطاع الثقافي من قيادتنا، نسعد اليوم بختام أعمال ملتقى القطاع الثقافي غير الربحي، لنحتفي بمسيرة استثنائية لشركاء الأثر».

وأكد أن القطاع الثقافي غير الربحي شهد نقلة تاريخية، في ظل «رؤية المملكة 2030»، واستراتيجية الوزارة له، موضحاً أن عدد منظماته قفز من 30 إلى أكثر من 1650 منظمة، وسجل 20 ألف متطوع مليون ساعة تطوعية، كما أسهمت برامج الدعم التي تجاوزت 340 مليون ريال في تمكينه وتعزيز قدرته على الإنتاج والتأثير.

وأضاف وزير الثقافة السعودي: «قيمنا وإرثنا وثقافتنا تمثل عناصر القوة في القطاع الثقافي غير الربحي، وبفضلها ساهمت المجتمعات المحلية بمختلف مناطق المملكة في ترميم نحو ألف موقع للتراث العمراني».

وأشار الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان إلى أن المبادرة الجديدة تستهدف في عامها الأول ترميم عدة قرى تراثية من خلال نموذج دعم مبتكر يتضمن تقديم دعم مالي مماثل لما يقدم من قبل المنظمات غير الربحية لدعم وتمكين ملاك البلدات التراثية الراغبين في ترميم وإعادة تأهيل هذه البلدات على نفقتهم الخاصة.

وأبان أن هذه المبادرة تتوِّج شراكة مميزة وفاعلة بين العمل الحكومي ممثلاً في هيئة التراث، والعمل المجتمعي، للحفاظ على البلدات التراثية في مناطق السعودية، وتحفيز الجهود لتنميتها وإدارتها وتفعيلها وتحويلها إلى روافد ثقافية واقتصادية تسهم في تنمية المجتمعات المحلية، والحفاظ على الهوية العمرانية، مضيفاً أنه سيتم الإعلان عن فتح باب التقديم عليها خلال الربع الرابع من العام الحالي 2026.

واستعرضت الجلسة الختامية للملتقى منجزات القطاع الثقافي غير الربحي منذ إعلان وزارة الثقافة عن استراتيجيته خلال عام 2021، التي تضمّنت عدة مبادراتٍ تطويرية وتمكينية للمنظمات الثقافية غير الربحية. ومن أبرز المنجزات تأسيس جمعياتٍ مهنية واحتضانها، وتسريع عملية نموها، وتطوير منهجية متكاملة لتصحيح أوضاع الأندية الأدبية والجمعيات.

كما تضمنت المنجزات إطلاق برنامج الدعم مقابل الأداء لتمويل مشاريع مختلف فئات المنظمات الثقافية غير الربحية ذات الأثر؛ بما يسهم في تحقيق استدامته. وطوّرت الوزارة إطاراً لتقييم وتصنيف تلك المنظمات على الصعيدين المالي والإداري، وتطوير عدّة جمعيات من خلال تطوير خططها السنوية، وبناء القدرات والمعارف.

وشهد الملتقى على مدى يومين 14 جلسةً حوارية، ناقش فيها مجموعة من الخبراء والمختصين المحليين والدوليين واقع القطاع الثقافي غير الربحي الحالي، ودوره في صناعة المستقبل في ظل التوجُّهات الحديثة، والمستقبل الإنساني المشترك، ودور الثقافة بوصفها قوّةً ناعمة، وأهمية تمكين المنظمات الثقافية غير الربحية لبناء أثرٍ مستدام ثقافياً واقتصادياً.

واستعرض المشاركون نماذج التعاونيات الثقافية، ودور المسؤولية الاجتماعية في تنمية القطاع غير الربحي، بالإضافة إلى آفاقٍ ومساراتٍ مبتكرة للتمويل الثقافي، وأهمية التكامل الفعّال والمستدام، والتعاون الدولي ودوره في التمكين الثقافي، والممكنات والفرص التي تقدمها الوزارة للقطاع ومنظماته، وتطويرها لكفاءتها المؤسسية.

واشتمل الملتقى على عدّة أركان ومبادرات تفاعلية، حيث قدَّم «مختبر المعرفة» مجموعة ورش عمل تطبيقية متخصصة في الحوكمة وقياس الأثر وتنمية الموارد، لتمكين منسوبي المنظمات الثقافية غير الربحية، وأتاحت «جلسات المشورة» فرصة عقد لقاءات إرشادية فردية مع الخبراء، في حين أسهمت «لقاءات 360» في تعزيز التواصل وبناء الشراكات، واستعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة لمنظمات القطاع، وعرّفت «بوابة التمكين» المشاركين ببرامج الدعم وآليات الاستفادة منها.

ويأتي ملتقى القطاع الثقافي غير الربحي ضمن جهود وزارة الثقافة لتمكينه، ودعم منظماته، لرفع مستوى تأثيرها الثقافي والمجتمعي، وذلك لتحقيق مستهدفات الاستراتيجية الوطنية للثقافة، تحت مظلة «رؤية 2030».


الدبلجة باللهجة اللبنانية... صناعة تشقُّ طريقها بثبات

مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)
مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)
TT

الدبلجة باللهجة اللبنانية... صناعة تشقُّ طريقها بثبات

مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)
مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)

بعد نجاح مسلسل «فريد»، اتجهت محطة «إم تي في» اللبنانية إلى توسيع تجربة الدبلجة بالعامية المحلية، فاختارت عرض مسلسلي «شراب التوت»، و«المشردون» بصوت لبناني. هذه الخطوة، التي شقّت طريقها بصعوبة في بداياتها، تبدو اليوم أكثر رسوخاً، لتؤكد أن المقولة القائلة بعدم استساغة اللهجة اللبنانية في الدراما المدبلجة ليست دقيقة. فقد تفاعل الجمهور مع هذه الأعمال بإيجابية، ما ساهم في كسر حاجز كان يُعد عائقاً أمام تطوّر هذا القطاع.

وسام بدين بدأ بصناعة الدوبلاج اللبناني من الصفر (وسام بدين)

ومع شركة «ديفكات ستوديوز»، التي يديرها وسام بدين، انطلقت عجلة الدبلجة اللبنانية بشكل فعلي، مستكملة مساراً كان قد بدأه في الثمانينات والتسعينات المخرج نقولا أبو سمح. يومها، فتح الباب أمام دبلجة المسلسلات المكسيكية إلى العربية الفصحى عبر استوديوهات «فيلملي»، واستطاع وضع لبنان على خريطة صناعة الدبلجة، من خلال أعمال أجنبية مدبلجة تركت أثرها لدى الجمهور اللبناني، ولا تزال حاضرة في الذاكرة حتى اليوم. وكان أول عمل هو «السندباد»، ثم توالت المسلسلات المكسيكية مثل «أنت أو لا أحد» و«سوف تدفع الثمن» و«ماريا مرسيدس» وغيرها.

غير أن انتشار الدبلجة باللهجة السورية لاحقاً أدى إلى تراجع حضور «فيلملي»، قبل أن يعيد بدين إحياء هذا المجال عبر تأسيس «ديفكات ستوديوز»، التي انطلقت بأعمال كرتونية وألعاب فيديو وبرامج إذاعية.

لم تولد فكرة الدبلجة باللهجة اللبنانية صدفة، بل جاءت بمبادرة من رئيس مجلس إدارة «إم تي في» ميشال المر، الذي رأى فيها مشروعاً واعداً. وكان «فريد» باكورة هذه التجربة، قبل أن تتوسع لتشمل أعمالاً تركية أخرى مثل «شراب التوت»، و«المشردون». ويؤكد بدين أن التخوّف من اللهجة اللبنانية تلاشى. فقد أبدى الجمهور حماسة لسماعها بأصوات ممثلين محليين، ما أضفى قرباً أكبر على مجريات العمل.

ويشير إلى أن اللهجة اللبنانية، بما تحمله من مرونة وانفتاح، قادرة على مواكبة الأعمال الأجنبية، ولا سيما أنها تتضمن مفردات دخيلة من لغات أخرى، ما يسهل اندماجها في سياقات درامية متنوعة، ولا يحصرها في نطاق الأعمال التركية فقط.

ويعلّق: «يشتهر لبنان بالانفتاح، ولهجته تشكّل نموذجاً حيّاً لتعدد الثقافات. وعادةً ما نستخدم عبارات ومفردات أجنبية، وقد اعتمدنا عليها في صناعتنا لتقديم نموذج واقعي يعكس أحاديثنا اليومية».

أحدث الأعمال المدبلجة المعروضة على «إم تي في» في «المشرّدون» (وسام بدين)

وقد أسهم حضور ممثلين لبنانيين بارزين في إنجاح هذه التجربة، من بينهم خالد السيد، وجمال حمدان، وجناح فاخوري، وتقلا شمعون، وميراي بانوسيان، ووجيه صقر، ورانيا عيسى وغيرهم. في حين يوقّع إخراج هذه الأعمال عدد من الأسماء المعروفة في هذا المجال، مثل رانيا حمندي، ومحمد قدورة، وريتا صبّاغة. وتشرف على تنفيذ هذه الأعمال ريتا نجم.

ورغم هذا النجاح، يلفت بدين إلى أن دعم «إم تي في» يبقى الأساس، داعياً محطات لبنانية أخرى إلى الانخراط في هذه الصناعة، لما توفره من فرص عمل لمئات العاملين في المجالين الفني والتقني. كما يوضح أن تكلفة دبلجة ساعة تلفزيونية أقل بكثير من إنتاج عمل درامي جديد، ما يدفع القنوات إلى اعتماد هذا الخيار في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.

يؤكد بدين أن هيكلية هذه الصناعة وأسسها أصبحت راسخة في لبنان، وباتت قادرة على تلبية حاجات أسواق أخرى. ويضيف: «أنا متأكد من أن المشاهد العربي يتقبل اللهجة اللبنانية، ونلمس ذلك من خلال التعليقات التي نتلقاها عبر وسائل التواصل الاجتماعي. فقناة (إم تي في) يشاهدها الملايين خارج لبنان، وأعمالنا المدبلجة باللبنانية تحقق نسب مشاهدة مرتفعة».

وعن مستقبل هذه الصناعة، يقول: «أنا منكب على تطوير هذا المجال منذ فترة طويلة، ولا أترك باباً أو منبراً إلا وأطرقه للترويج له. لكن الأمر لا يتعلق بالتفاؤل أو التشاؤم، بل هو مسار طويل يتطلب المثابرة والجهد والتشجيع. فقد وُلدت هذه الصناعة من الصفر، حتى إننا استحدثنا مترجمين لتقديم نصوص تتلاءم مع خصوصية اللهجة اللبنانية. ونأمل أن تتحسن الأوضاع في البلاد لضمان استمرارية أفضل».

ويختم وسام بدين: «نتطلع أيضاً إلى المنصات والقنوات الإلكترونية، مثل (أمازون) و(إم بي سي) وغيرهما، ونأمل أن تكون قد لاحظت نجاح الدبلجة باللبنانية، فتتجه إليها في إنتاجاتها المستقبلية».