روسيا تتذكر «أوبك+» تزامناً مع زيادة احتمالات التباطؤ

نائب وزير الطاقة: موسكو لم تتوقع هبوط سعر البرميل دون 30 دولاراً

تغازل موسكو كبار منتجي النفط لإعادة التنسيق في ظل تزايد حدة الضغوط الاقتصادية (رويترز)
تغازل موسكو كبار منتجي النفط لإعادة التنسيق في ظل تزايد حدة الضغوط الاقتصادية (رويترز)
TT

روسيا تتذكر «أوبك+» تزامناً مع زيادة احتمالات التباطؤ

تغازل موسكو كبار منتجي النفط لإعادة التنسيق في ظل تزايد حدة الضغوط الاقتصادية (رويترز)
تغازل موسكو كبار منتجي النفط لإعادة التنسيق في ظل تزايد حدة الضغوط الاقتصادية (رويترز)

طرأ تطور لافت، أمس، على الموقف الروسي من اتفاقية «أوبك+»، وذلك قبل أيام على انتهاء فترة العمل بها رسمياً. إذ صدرت إشارات واضحة عن مسؤولين روس، حول استعداد موسكو لإبرام اتفاق جديد لتخفيض الإنتاج النفطي، شريطة انضمام دول أخرى إليه، في إشارة بصورة خاصة إلى الولايات المتحدة. ويأتي هذا في وقت يزداد فيه الضغط على الاقتصاد الروسي، الذي تتراكم خسائره بسبب تأثير انتشار «كورونا»، وهبوط أسعار النفط في الأسواق العالمية، منذ انهيار اتفاق «أوبك+» في 6 مارس (آذار) الحالي. ويبدو أن التوجه نحو إنعاش الاتفاق النفطي، واحدة من جملة خطوات، اضطرت السلطات الروسية لاعتمادها لدعم الاقتصاد، والتي سيكبّد بعضها القطاع المصرفي خسائر كبيرة، والبعض الآخر سيؤثر بصورة سلبية على النمو الاقتصادي. وقال خبراء روس إن روسيا لن تنجو من الركود الاقتصادي هذا العام.
وكان كيريل ديمترييف رئيس الصندوق الروسي للاستثمارات المباشرة، قد قال في تصريحات لوكالة «رويترز» إن «إبرام اتفاق جديد لـ(أوبك+) لتحقيق التوازن في أسواق النفط قد يكون ممكناً إذا انضمت دول أخرى له»، مضيفاً أنه يتعين على تلك الدول التعاون أيضاً لتخفيف التأثير الاقتصادي لفيروس «كورونا». وانهار مطلع الشهر الحالي اتفاق تخفيض الإنتاج المبرم بين دول «أوبك»، ودول من خارج المنظمة، في مقدمتها روسيا، بعد الإخفاق في الاتفاق على كيفية معالجة انخفاض الطلب على النفط بسبب فيروس «كورونا»، وهو ما دفع أسعار الخام العالمية للهبوط، وخلّف «صدمة» في السوق الروسية، وانهيار الروبل حتى مستويات أزمة 2014.
وعبّر ديمترييف عن قناعته بأن «هناك حاجة لتحركات مشتركة من جانب الدول لإصلاح الاقتصاد (العالمي). هذه (التحركات المشتركة) ممكنة أيضاً في إطار اتفاق (أوبك»+)». وأكد: «نحن على اتصال مع عدد من الدول»، وبناءً عليه يرى أنه «من الممكن التوصل لاتفاق مشترك لتحقيق التوازن في أسواق النفط» لكن «إذا زاد عدد الأعضاء في (أوبك+) وانضمت دول أخرى للاتفاق»، في إشارة بصورة خاصة إلى الولايات المتحدة.
ويبدو أن الدفع نحو تحريك محادثات للتوصل إلى اتفاق تخفيض جديد، توجُّه عام لدى صناع القرار في روسيا. ولم يقتصر الأمر على تصريحات ديمترييف، الذي يُعد واحداً من صناع اتفاق «أوبك+» من الجانب الروسي، إذ انضم إليه بافل سوروكين، نائب وزير الطاقة الروسية، حين أطلق تصريحات تعكس ذات الموقف.
وخلال مشاركته، أمس، في طاولة مستديرة حول الوضع في أسواق النفط، نظمها «نادي فالداي»، لم يستبعد سوروكين توقيع اتفاق جديد، وشدد على ضرورة مشاركة واسعة فيه، وذلك حين قال في إجابته عن سؤال حول إمكانية الاتفاق مع الولايات المتحدة على التخفيض: «نرى أن (أوبك+) وحدها لا تستطيع أن تشارك في استعادة استقرار السوق. وبما أن هذه مشكلة الأسواق العالمية، فيجب أن يشارك أكبر عدد من الدول خلال استعادة التوزان». وأكد أن الاتصالات لم تتوقف بين مختلف البلدان المشاركة في الاتفاق، وأشار إلى «اتصالات عمل دائمة على مستوى الوزارات والوزراء». وقال إن وزارة الطاقة أخذت بالحسبان احتمال انهيار اتفاق «أوبك» +، لكنها لم تتوقع أن يهبط السعر حتى ما دون 30 دولاراً للبرميل، وأحال هذا الهبوط فوق التوقعات، إلى «تأثير كورونا».
في غضون ذلك يبقى الاقتصاد الروسي تحت وطأة جملة عوامل تأثير سلبية، أُضيفت إليها خسائر ناجمة عن «تكلفة» التدابير التي أقرها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أخيراً، لدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة والمواطنين. وقالت وكالة «موديز» في تقرير أمس، إن قرار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تأجيل المدفوعات عن القروض الاستهلاكية للمواطنين، قد يكبّد البنوك خسائر تصل حتى 7.5% من أرباحها السنوية. وأوضحت الوكالة أنه «في حال سيناريو الانكماش الاقتصادي لفترة طويلة، فإن ما لا يقل عن 10% من جميع المواطنين المقترضين، سيحصلون على الحق بالتسهيلات (تأجيل المدفوعات)، وبالتالي ستفقد البنوك (أو ستحصل لكن مع تأخير) ما يعادل 5% من الأرباح السنوية للقطاع المصرفي الروسي».
فضلا عن ذلك تشير الوكالة إلى أن نحو 20% من الشركات الصغيرة والمتوسطة يمكن أن تستفيد ضمن الظروف الحالية من «العطلة الائتمانية»، التي أقرها بوتين ضمن سلسلة تدابير لدعم هذه الشركات، وبالتالي قد لا تحصل البنوك على 50 مليار روبل (632 مليون دولار) من دخل فوائد القروض، وهو ما يعادل 2.5% من أرباحها السنوية.
في موازاة ذلك، عبّر اقتصاديون روس عن قناعتهم بأن الاقتصاد الوطني لن ينجو من الانكماش هذا العام، نتيجة انتشار الفيروس، وهبوط أسعار النفط، وأشاروا في الوقت ذاته إلى تأثير «تدابير بوتين» على النمو الاقتصادي. وقال أنطون بوكاتوفيتش، كبير المحللين من وكالة «بي كا سي بريمير»، إن الناتج المحلي الإجمالي هذا العام قد ينخفض بنسبة 2.5 إلى 2.8%، لافتاً إلى أن «العطلة العامة في البلاد لمدة أسبوع» التي أعلن عنه الرئيس بوتين لمواجهة انتشار «كورونا»، ليست عطلة طبيعية، حيث سيتوقف الإنتاج، لا سيما الصناعات التحويلية، وسيتوقف عمل جميع المنشآت والمرافق. وقال إن خسائر الاقتصاد الروسي خلال الأسبوع الأول من أبريل (نيسان) القادم، قد تصل حتى 1.3 إلى 1.6 تريليون روبل، أي نحو 1.3 إلى 1.5% من النمو عام 2020.
وقالت ناتاليا أورلوفا، كبيرة الاقتصاديين في «ألفا بنك» إن الإنتاج الصناعي خلال «أسبوع عطلة كورونا» (من 28 مارس ولغاية 5 أبريل، مع احتمال التمديد حسب الظروف) قد ينخفض بنسبة 10% على أساس سنوي. أما كيريل تريماسوف، مدير قسم التحليلات في مؤسسة «لولكو - إنفست» فقد حذر من أن «أسبوع العطلة» عامل إضافي سيزيد من انكماش الاقتصاد الروسي. وخفضت وكالة «موديز» توقعاتها للاقتصاد الروسي هذا العام، وقالت في تقرير أخيراً: «انطلاقاً من أن سعر برنت سيكون أقل بنسبة 30% عن توقعاتنا السابقة، نتوقع تباطؤ نمو الاقتصاد الروسي حتى 0.5% هذا العام»، عوضاً عن التوقعات السابقة بوتيرة نمو حتى 1.5%.


مقالات ذات صلة

روسيا: ارتفاع الأسعار يتصدر أجندة الاجتماع المرتقب للجنة «أوبك بلس»

الاقتصاد شعار «أوبك» (رويترز)

روسيا: ارتفاع الأسعار يتصدر أجندة الاجتماع المرتقب للجنة «أوبك بلس»

قالت وزارة الخارجية الروسية إنها تتوقع أن تناقش لجنة مراقبة «أوبك بلس» الارتفاع الأخير في أسعار النفط خلال اجتماعها المقرر عقده في 5 أبريل (نيسان).

«الشرق الأوسط» (موسكو)
الاقتصاد رجل يسير على طول الشاطئ بينما تصطف ناقلات النفط وسفن الشحن في مضيق هرمز (أ.ب)

النفط يرتفع بأكثر من 1 % وسط حالة من عدم اليقين في الشرق الأوسط

ارتفع سعر النفط بأكثر من 1 في المائة الأربعاء، حيث واصلت العقود الآجلة لخام برنت مكاسبها بعد ارتفاع شهري قياسي في مارس.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد مضخة حفر ومنصة حفر جنوب ميدلاند، تكساس (رويترز)

النفط يكسر حاجز الـ100 دولار ويهوي بنسبة 5% وسط آمال التهدئة

انخفضت أسعار النفط بأكثر من 5 في المائة يوم الأربعاء وسط توقعات بوقف إطلاق نار محتمل يُخفف من اضطرابات الإمدادات.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد «سيراويك 2026»: حرب الشرق الأوسط تُربك «دافوس الطاقة» في هيوستن

«سيراويك 2026»: حرب الشرق الأوسط تُربك «دافوس الطاقة» في هيوستن

تنطلق في مدينة هيوستن الأميركية، يوم الاثنين، فعاليات مؤتمر «سيراويك»، أكبر تجمع عالمي لقطاع الطاقة، وسط أجواء استثنائية طغت عليها أصداء الحرب.

«الشرق الأوسط» (هيوستن)
الاقتصاد وزير الداخلية الأميركي دوغ بورغوم يلقي كلمة خلال قمة البنية التحتية لعام 2026 (أرشيفية - رويترز)

واشنطن تضغط على عمالقة النفط لزيادة الإنتاج المحلي وكسر حصار «هرمز»

ناقش وزير الطاقة الأميركي كريس رايت ووزير الداخلية دوغ بورغوم، يوم الأحد، مع مسؤولين تنفيذيين في قطاع الطاقة، مجموعة واسعة من القضايا.

«الشرق الأوسط» (هيوستن)

تنسيق دولي لضمان أمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد المتأثرة بالحرب

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
TT

تنسيق دولي لضمان أمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد المتأثرة بالحرب

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)

اتفقت وكالة الطاقة الدولية، وصندوق النقد والبنك الدوليان، يوم الأربعاء، على تشكيل مجموعة تنسيق تهدف إلى تعظيم استجابة هذه المؤسسات للآثار الطاقية والاقتصادية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط.

وأكد رؤساء المؤسسات الثلاث، في بيان مشترك حول تداعيات الأزمة وآليات العمل المستقبلي، أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطرابات كبيرة طالت الأرواح وسبل العيش في المنطقة، وأدت إلى أحد أكبر أوجه نقص الإمدادات في تاريخ أسواق الطاقة العالمية. وأشار رؤساء المؤسسات إلى أن تأثير هذه الأزمة جوهري، وعالمي، وغير متماثل إلى حد كبير، حيث يتضرر مستوردو الطاقة بشكل غير متناسب، ولا سيما البلدان منخفضة الدخل.

وأوضح البيان أن آثار الأزمة انتقلت بالفعل عبر ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، مما أثار مخاوف جدية بشأن أسعار المواد الغذائية أيضاً. كما تأثرت سلاسل التوريد العالمية، بما في ذلك إمدادات الهيليوم، والفوسفات، والألومنيوم، وغيرها من السلع الأساسية، فضلاً عن تأثر قطاع السياحة نتيجة تعطل الرحلات الجوية في مراكز الطيران الرئيسية بمنطقة الخليج.

وحذر رؤساء المؤسسات من أن تقلبات السوق الناتجة عن ذلك، وضعف العملات في الاقتصادات الناشئة، والمخاوف بشأن توقعات التضخم، تزيد من احتمال اتخاذ سياسات نقدية أكثر تشدداً وتؤدي إلى ضعف النمو الاقتصادي.

مجموعة تنسيق لمواجهة الأزمة

في ظل هذه الأوقات التي تتسم بعدم اليقين الشديد، شدد البيان على ضرورة توحيد جهود المؤسسات الثلاث لمراقبة التطورات، وتنسيق التحليلات، ودعم صناع السياسات لتجاوز هذه الأزمة. ويستهدف هذا التنسيق بشكل خاص الدول الأكثر عرضة للآثار المترتبة على الحرب، وتلك التي تواجه مساحة محدودة للسياسات ومستويات عالية من الديون.

ولضمان استجابة منسقة، اتفق الرؤساء على تشكيل مجموعة عمل تتولى المهام التالية:

  • تقييم حدة الآثار: عبر تبادل البيانات المنسقة حول أسواق الطاقة وأسعارها، والتدفقات التجارية، والضغوط على المالية العامة وميزان المدفوعات، واتجاهات التضخم، والقيود المفروضة على تصدير السلع الأساسية، واضطرابات سلاسل التوريد.
  • تنسيق آلية الاستجابة: التي قد تشمل تقديم مشورة سياساتية مستهدفة، وتقييم الاحتياجات التمويلية المحتملة، وتوفير الدعم المالي المرتبط بها (بما في ذلك التمويل الميسر)، واستخدام أدوات تخفيف المخاطر حسب الاقتضاء.
  • حشد أصحاب المصلحة: إشراك الشركاء الدوليين والإقليميين والثنائيين الآخرين لتقديم دعم منسق وفعال للدول المحتاجة.

واختتم رؤساء المؤسسات بيانهم بالتأكيد على التزامهم بالعمل المشترك لحماية الاستقرار الاقتصادي والمالي العالمي، وتعزيز أمن الطاقة، ودعم البلدان والمتضررين في مسيرتهم نحو التعافي المستدام، والنمو، وخلق فرص العمل من خلال الإصلاحات اللازمة.


صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)

رغم إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحرب تقترب من نهايتها، فإن النقاشات داخل البيت الأبيض تبدو أقل اطمئناناً بكثير. فالمسألة لم تعد محصورة في تكلفة العمليات العسكرية أو في سؤال متى تنتهي الحملة، بل باتت تدور أيضاً حول ما الذي سيحدث إذا بقيت إمدادات الطاقة مختنقة وارتفع النفط إلى 150 دولاراً أو حتى 200 دولار للبرميل. هذا هو جوهر القلق الذي تعكسه المناقشات الأخيرة في الإدارة، بحسب تقرير في «بوليتيكو»، والذي يتحدث عن تعامل داخلي مع 100 دولار بوصفها «خط أساس» لا سقفاً، وعن بحث أفكار طارئة لاحتواء الصدمة الاقتصادية المحتملة.

المفارقة أن الأسواق التقطت، يوم الأربعاء، إشارات ترمب الإيجابية أكثر مما التقطت تحذيرات خبراء الطاقة. فقد تراجع برنت إلى قرب 102 دولار، بل هبط في لحظة ما دون 100 دولار، بعد قوله إن القوات الأميركية قد تغادر خلال «أسبوعين أو ثلاثة». لكن هذا التراجع لا يلغي أن الأسعار كانت قد قفزت بقوة طوال مارس (آذار)، وأن السوق لا تزال تتعامل مع إغلاق أو تعطيل مضيق هرمز باعتباره الخطر الأكبر والأكثر مباشرة على الاقتصاد العالمي.

سيناريو 150 و200 دولار

السبب الأساسي هو أن الخطر لم يعد نظرياً. فمضيق هرمز يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية، ومع استمرار الاختناقات والهجمات على الملاحة والطاقة، بدأت الأسواق تدخل مرحلة مختلفة: مرحلة النقص المادي الفعلي، لا مجرد الخوف النفسي أو المضاربة. وكالة الطاقة الدولية حذرت، الأربعاء، من أن خسائر الإمدادات في أبريل (نيسان) قد تتضاعف مقارنة بمارس، بعدما كان الشهر الماضي يستفيد جزئياً من شحنات كانت قد غادرت قبل تفاقم الأزمة.

هذا يعني أن الأثر الحقيقي قد يكون مؤجلاً لا غائباً. فحتى لو انخفض النفط لساعات أو أيام بفعل تصريحات سياسية، فإن نقص الديزل ووقود الطائرات وارتفاع تكلفة النقل قد يواصلان الضغط على الاقتصاد. لذلك فإن الحديث عن 150 دولاراً لم يعد يُقرأ بوصفه تهويلاً إعلامياً فقط، فيما يبدو سيناريو 200 دولار مرتبطاً خصوصاً باستمرار إغلاق هرمز أو بتوسع الضربات على البنية التحتية للطاقة.

أسعار البنزين معروضة في محطة وقود تابعة لشركة «شل» في أوستن بتكساس (أ.ف.ب)

الخطط المطروحة

المؤكد حتى الآن أن إدارة ترمب لا تعلن خطة واحدة حاسمة، لكنها تبحث سلّة أدوات طوارئ. يشير تقرير «بوليتيكو» إلى بحث «صلاحيات طارئة إضافية» وإلى تنسيق عبر «المجلس الوطني لهيمنة الطاقة»، مع انخراط وزارات الدفاع والطاقة والتجارة والخارجية والداخلية في هذه المناقشات. كما ينقل أن مسؤولين في البيت الأبيض يدرسون كل فكرة يمكن أن تخفف أسعار الطاقة أو تحد من اضطراب سلاسل التوريد.

وعلى المستوى الدولي، تبدو الخيارات الأكثر واقعية هي السحب الإضافي من الاحتياطات الاستراتيجية، وهو أمر قالت وكالة الطاقة الدولية إنها تدرسه بعد سحب قياسي سابق بلغ 400 مليون برميل.

كما يجري الحديث في بعض الدوائر عن إجراءات لخفض الطلب، لا العرض فقط، مثل تشجيع العمل عن بُعد أو تدابير ترشيد استهلاك الوقود إذا تفاقمت الأزمة. لكن المشكلة أن هذه الأدوات تخفف الصدمة ولا تُنهيها، لأن العطب الأساسي يبقى في المرور عبر هرمز وفي سلامة منشآت الطاقة المتضررة.

أما الخيارات الأكثر حساسية سياسياً، مثل تقييد الصادرات النفطية الأميركية لخفض الأسعار المحلية، فهي تظل مثار قلق داخل قطاع الطاقة نفسه، لأنها قد تربك السوق أكثر مما تعالجها. كذلك فإن زيادة الإنتاج الأميركي ليست وصفة سريعة؛ فالولايات المتحدة منتج ضخم فعلاً، لكن توسيع الإمداد بسرعة يواجه قيوداً لوجيستية وتكريرية وسوقية. لهذا تبدو واشنطن، في الجوهر، قادرة على شراء الوقت أكثر من قدرتها على فرض عودة فورية إلى «الوضع الطبيعي».

سفينة شحن ترفع العلم الهندي حاملةً غاز البترول المسال عبر مضيق هرمز لدى وصولها إلى ميناء مومباي (إ.ب.أ)

التداعيات المحتملة

في الداخل الأميركي، الخطر السياسي يوازي الخطر الاقتصادي. فمتوسط البنزين تجاوز 4 دولارات للغالون، وأي قفزة جديدة ستتحول سريعاً إلى عبء على الأسر، خصوصاً الفئات الأفقر، عبر الوقود والنقل وأسعار السلع. وهذا ما يجعل صدمة النفط أشبه بـ«ضريبة» واسعة النطاق على الاستهلاك، تستنزف الدخل المتاح وتضغط على شعبية البيت الأبيض والجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي.

أمّا خارجياً، فالتداعيات أوسع. أوروبا تستعد لاستقبال آثار نقص الإمدادات خلال أبريل ومايو (أيار)، وآسيا تعاني أصلاً شحاً في وقود الطائرات والديزل والغاز النفطي المسال. وقد حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن الأزمة الراهنة قد تتجاوز، من حيث الحجم والتشابك، صدمات طاقة كبرى سابقة، بينما خفضت مؤسسات اقتصادية توقعات النمو في أوروبا بسبب التضخم وتكلفة الطاقة. بعبارة أخرى، لا يهدد نفط الـ150 دولاراً أو الـ200 دولار جيوب المستهلكين فقط، بل يهدد أيضاً النمو، والتضخم، وأسعار الفائدة، واستقرار الأسواق.

لهذا يمكن القول إن لدى إدارة ترمب «خططاً» بالمعنى الإجرائي، لا «حلّاً» بالمعنى الاستراتيجي. هناك أدوات طوارئ، واحتياطات يمكن السحب منها، ومناقشات مستمرة لاحتواء الأسعار. لكن نجاح هذه الأدوات يبقى رهناً بالمتغير الأهم: هل ينتهي القتال فعلاً؟ وهل يُفتح مضيق هرمز بصورة آمنة ومستقرة؟ إذا كان الجواب نعم، فقد يبقى سيناريو 150 أو 200 دولار مجرد كابوس استباقي. أما إذا طال أمد الحرب أو استمر تعطيل الملاحة، فإن البيت الأبيض قد يجد نفسه أمام حقيقة قاسية: الانتصار العسكري وحده لا يكفي إذا كان ثمنه صدمة نفطية عالمية.


مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
TT

مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)

أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية الصادرة الأربعاء، زيادة غير متوقعة وكبيرة في مخزونات النفط الخام بالولايات المتحدة خلال الأسبوع الماضي، في حين سجلت مخزونات البنزين والمشتقات النفطية تراجعاً ملحوظاً.

وقفزت مخزونات الخام بمقدار 5.5 مليون برميل لتصل إلى 461.6 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 27 مارس (آذار)، وهو رقم تجاوز بكثير توقعات المحللين في استطلاع «رويترز» التي كانت تشير إلى زيادة متواضعة قدرها 814 ألف برميل فقط. كما ارتفعت المخزونات في مركز التسليم الرئيسي في كوشينغ بولاية أوكلاهوما بنحو 520 ألف برميل.

وحافظت أسعار النفط على خسائرها المسجلة في وقت سابق من الجلسة عقب صدور هذه البيانات؛ حيث تراجع خام برنت العالمي إلى 101.85 دولار للبرميل (بانخفاض قدره 2.12 دولار)، بينما هبط خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى 99.32 دولار للبرميل (بانخفاض 2.06 دولار).

نشاط المصافي والمشتقات

سجل التقرير انخفاضاً في عمليات تكرير الخام بنحو 219 ألف برميل يومياً، مع تراجع معدلات تشغيل المصافي بنسبة 0.8 في المائة. وفيما يخص المنتجات النهائية:

  • البنزين: تراجعت المخزونات بمقدار 0.6 مليون برميل لتصل إلى 240.9 مليون برميل.
  • المشتقات (الديزل وزيت التدفئة): سجلت انخفاضاً أكبر من المتوقع بمقدار 2.1 مليون برميل، مقابل توقعات بتراجع طفيف قدره 0.6 مليون برميل فقط.

كما أشار التقرير إلى انخفاض صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام بمقدار 209 آلاف برميل يومياً خلال الأسبوع الماضي.