سوريا من «كوليرا» الطفولة إلى «كورونا» الشيخوخة

سوريا من «كوليرا» الطفولة  إلى «كورونا» الشيخوخة
TT

سوريا من «كوليرا» الطفولة إلى «كورونا» الشيخوخة

سوريا من «كوليرا» الطفولة  إلى «كورونا» الشيخوخة

كنت طفلاً في التاسعة من عمري حين عدت إلى المنزل، وأخبرت أمي بـأن الكوليرا تسير في الشوارع وأن «مشفى الحميات» في عين التل القريب من منزلنا في حي الهلك في حلب، يغص بالجثث التي ستحرقها البلدية. كأني كنت أخبرها عن فوز فريق «الأهلي»، قبل أن يغيروا اسمه إلى «الاتحاد»، على «العربي» الذي أصبح اسمه «الحرية».
أمسكت بي وحققت معي عن مصدر معلوماتي. أشرت إليها ساخراً: «تستطيعين الذهاب إلى مشفى الحميات، وسترين هناك بأم عينيك الكوليرا وهي تتجول في ممرات مشفى العتيق»، المنفي إلى خارج المدينة قريباً من محالج القطن وأحياء الفلاحين القادمين الجدد إلى المدينة. كانت عائلتي قد سبقتهم بسنوات قليلة، مما منحها ميزة تقديم الاستشارة لمن يرغب من الأقرباء الجدد بالانتقال والاستقرار في حلب المدينة.
قبل أيام قليلة منذاك، بدأت جائحة الكوليرا السنوية، وكان «مشفى الحميات» قريباً من مدرستنا «المنصور»، التي تقع على الخط الفاصل بين منطقتي «الميدان» التي تقطنها الطبقة الوسطى من الأرمن و«الهلك التحتاني» و«الهلك الفوقاني»، الحي الشعبي العريق الذي كان مهد اليسار السوري في أواخر الستينيات وبداية السبعينيات. ساعده، خليط سكانه المؤلف من فلاحين مهاجرين إلى المدينة، وأرمن فقراء، وتركمان تحولوا جميعهم إلى صانعي أحذية، وأكراد، إضافة إلى التصاقه بمنطقة «عين التل» التي تضم أغلب محالج القطن التي احتضنت الأفكار اليسارية والمنتمين إلى فصائل المقاومة الفلسطينية، خاصة «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين».
أمي، لا تملك كما كل الأمهات، طريقة للحماية من الوباء الذي يتبختر في الشوارع، سوى نقعنا في المياه الساخنة، وفرك جلودنا بالصابون لطرد الوباء من جلودنا، بالإضافة إلى التعاويذ التي لا تتوقف أمي عن ترديدها بشكل دائم.
أثناء التحقيق، ما زلت أذكر الذعر في عيني أمي، حين أخبرتها ببساطة بأني ورفاقي تسلقنا سياج المشفى، ورأينا بأم أعيننا الكوليرا وهي تدخل أجسام المرضى وتقتلهم، ثم تأتي البلدية وتحرق الجثامين.
- 2 -
كانت الكوليرا زائراً سنوياً، يحصد عشرات آلاف الأرواح، ويمضي كقاتل محترف لا يمكن إيقافه. لم أعد أذكر متى توقف هذا الشبح عن التجول في الشوارع. أعتقد في نهايات السبعينيات. ذكرياته المرعبة ما زالت تقض مضاجعنا، وتعود من جديد مع أي وباء جديد، لكن في الأيام الماضية شعرت بأن الوباء الجديد سيقودنا حتماً إلى نهاية العالم، لم أكن أتجرأ على التفكير أو التخيل بأنه من الممكن للعالم كله أن يغلق أبوابه وتعود الأنهار تجري بجنونها المعتاد كما يريد لها الزمن والرياح، وتبني العصافير أعشاشها في أي مكان تختاره.
فكرت بإمكانية عودة الأنواع المنقرضة من الحيوانات إلى الظهور، تخيلت كيف ستتجول في شارع أكسفورد اللندني، الزرافة البيضاء التي قتل صياد محترف آخر فردين من سلالتها قبل أيام قليلة في بلد أفريقي على ما أذكر. أتخيل بأن تلك الأنواع المنقرضة قد بعثت من جديد وأصبحت تقاسمنا الطرقات والمنازل الضيقة والبارات. تعجبني صورة أن أتناول كأس كونياك مع فيل صغير مكوم على كرسي في بار يذرف دمعاً كما نفعل نحن العشاق الخاسرون.
لكن ماذا لو لم تقبل هذه الحيوانات مقاسمتنا الحياة وقررت الانتقام منا على ما فعلناه في أمها الأرض، وقررت طردنا بشكل نهائي وإعادة إنتاج سلالات جديدة من بشر مختلفين أقل قسوة مع الأرض وأكثر رحمة فيما بينهم.
رغم أنني لم أكن يوماً من هواة الحفاظ على البيئة، فإنني أشعر بنفسي مشدوداً إليهم لأبعد الخوف عن حياتي التي أشعر بأنها مهددة فعلاً خاصة أن الفيروس العظيم المبجل «كورونا»، لم يحسم خياره معنا نحن الذين غادرنا الشباب ولم نصل بعد إلى الشيخوخة أو أرذل العمر.
- 3 -
أثناء كتابتي لروايتي الأخيرة «لم يصل عليهم أحد»، قرأت في سنوات البحث وكتابتها الأحد عشرة سنة أغلب كتب تاريخ حلب، وكانت النتيجة بأنه لم يمر على حلب عقد كامل دون وباء قاتل. أخطر هذه الأوبئة كان «الطاعون» الذي أهلك البلاد والعباد، وكما يقول الحلبيون «فوق الموتة عصة القبر»، أي إضافة إلى الظروف السيئة التي تصاحب معيشة الناس، تأتي الأوبئة. لكن في حلب كان ذلك المثل يطبق في أوقات مختلفة، في زلزال 1822 الشهير، انتشر «الطاعون» بشكل رهيب في المدينة. كان ضربة قاصمة لظهر المدينة التي لم تستطع النهوض ومحو آثار هذه الكارثة قبل خمسين سنة. دمر ثلثي المدينة ومات أكثر من خمس وعشرين ألف شخص، أي ربع أو ثلث سكان المدينة تقريباً. وأي قراءة لتاريخ حلب، قد تعني بشكل أو بآخر قراءة لتاريخ الأوبئة. يتحدث التاجر الحلبي يوسف جرجس الخوري في يومياته عن حلب في كتاب «حوادث حلب اليومية 1771 - 1805»، الذي طبع منذ سنوات قليلة كاشفاً اللثام عن تاريخ مخفي لمدينته العريقة، عن «الطاعون» الذي ضرب المدينة عام 1787، ويصف المشاهد المروعة ويعدد أسماء بعض الضحايا.
لم أجد في روايتي صورة عن قسوة الأوبئة أفضل من صورة المدينة الفارغة حين يصلها حنا ورفيقه زكريا. إنها الصورة التي شكلت لي فتنة قاتلة، ولم تزل في طفولتي حين كنا محبوسين بأمر أمي، نرى العالم من وراء شقوق الباب، والكوليرا تتجول في الشوارع وتحصد ضحاياها، بينما رائحة الجثث المحترقة تفوح في فضاء المدينة والمآذن التي تبتهل برد البلاء، تعلن عجزها بدموع حارقة.
- 4 -
ما زلت أعتقد بأننا كبشر اليوم وفي كل مكان رهائن لدى الشركات الكبرى. رحبنا بنمط حياتنا في غفلة عنا، أو فرض علينا دون إذن منا. لم يسألنا أحد إن كنا نريد أن نتوقف عند «مرحلة الفاكس» أم نعبر إلى «مرحلة النت». نستطيع تعداد كل ما يحيط بنا من إنجازات تفتخر البشرية بها دون أن تسأل نفسها عن الأثمان الواجب دفعها، بالإضافة إلى أن الصورة نفسها ما زالت ثابتة، قدوم الوباء يرتبط بالندم، في وقت لا ينفع فيه الندم. وهم بأن الحياة قبل مائة سنة كانت أكثر رحمة ليس صحيحاً، الحياة دوماً كانت تمرين على القسوة المستمرة. ما نتحدث عنه، بأن الحياة المعاصرة هي نهش للذات، وابتعادنا عن السعادة باقترابنا من نمط الحياة المعاصرة القائمة على تملك الأشياء أيضاً وهم. لم تتوقف الحياة عن كونها امتحاناً مؤقتاً لا يجوز محاكمتها بمعزل عن إخفاء الحقائق عن العامة من قبل السياسيين ومجموعات البحث العلمي التي أعتقد وصلت إلى أعلى مراحل التطور. ولدي يقين كامل، بأنها قادرة على إعادة إنتاج الحياة أو إيقاف الموت. لكنها في هذه اللحظة الرهيبة تقف عاجزة أمام هذا الفيروس الذي أغلق العالم، حقيقة وليس مجازاً. نفس السياسة في إخفاء الأسرار، ما زالت سائدة ولن نجد جواباً قريباً عن سؤال: من أين أتى هذا الفيروس، كما لم نجد حتى الآن جواباً لسؤال: من أين أتى «داعش»؟ ولماذا؟ ومن سيدفع التعويض لعشرات الآلاف من ضحاياها.
مع كل وباء يصبح البشر جيفة يجب الابتعاد حتى عن جثامينها، وصور الجنازات في العالم تخبرنا ببساطة بأن الموت قد يكون فعلاً عملاً شاقاً، والعالم يقتسم مع سوريا هذه المشقة رغم اختلاف الزوايا.
- 5 -
هنا والآن. السوريون مرة أخرى ينتظرون الموت العشوائي في حلته الجديدة، وأنا واحد منهم. لقد اختبرنا كشعب كل أنواع الموت. تحت التعذيب مات عشرات الآلاف من خيرة شباب سوريا. تحت القصف، دمرت مدن سوريا. في الحرب، التي لم تنته، مات أكثر من نصف مليون سوري، عدا عن التهجير وملايين النازحين.
اليوم، يتبختر وباء «كورونا» بنسخته الجديدة، وجميعنا في سوريا ننتظره دون حول أو قوة، أو يقين، بأننا نستطيع مجابهته. في أعماقنا جميعاً، نعرف بأننا شعب فائض عن حاجة النظام الذي يستطيع العيش والاستمرار بربع عدد السكان فيما لو مات ثلاثة أرباع السكان. لن يسأل أحد لماذا لا توجد «منافس» للأكسجين كافية في مشافي سوريا، لماذا المنظومة الطبية شبه غائبة. وفي حالة فريدة، لا يوجد أحد يتلقى السؤال ويتحمل المسؤولية، لأنه في أعماق السوريين ينمو يقين غريب بأن من عبر الحرب هو ناجٍ من كل بد، ومن غرق في البحر لن يغص بالساقية. لكن من يدري، قد تتحول الساقية إلى طوفان رهيب يجرفنا جميعاً إلى الهاوية والمحرقة التي تجعل منا رماداً.
*روائي سوري


مقالات ذات صلة

باحثون: مضاد اكتئاب شائع يخفف من إجهاد «كوفيد» طويل الأمد

صحتك صورة توضيحية لفيروس «كوفيد - 19» (أرشيفية - رويترز)

باحثون: مضاد اكتئاب شائع يخفف من إجهاد «كوفيد» طويل الأمد

عقار فلوفوكسامين المضاد للاكتئاب، وهو عقار شائع الاستخدام وغير مكلف، حسن على نحو ملحوظ نوعية الحياة لدى البالغين المصابين «بكوفيد طويل الأمد».

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ سُجّل نحو 840 ألف وفاة بكورونا في شهادات الوفاة خلال عامي 2020 و2021... لكن فريقاً من الباحثين قدّر أن ما يصل إلى 155 ألف وفاة إضافية غير معترف بها ربما حدثت خلال تلك الفترة خارج المستشفيات (رويترز)

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

أظهرت دراسة جديدة أن حصيلة الوفيات في المراحل الأولى من جائحة كورونا كانت أعلى بكثير من الأرقام الرسمية في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك مكملات فيتامين «د» تبدو واعدة في تقليل خطر الإصابة بـ«كوفيد طويل الأمد» (أرشيفية- رويترز)

دراسة: مكملات فيتامين «د» قد تساعد في تخفيف أعراض «كوفيد طويل الأمد»

تشير دراسة حديثة إلى أن مكملات فيتامين «د» قد توفر مؤشرات جديدة تساعد الباحثين على فهم الأعراض التي تستمر لدى بعض المصابين بعد التعافي من «كوفيد-19».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم عاملون مختبريون يفحصون عينات فيروس «كوفيد» ميدانياً

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

الفيروسات تتطور بشكل عادي لدى الحيوانات، إلا أنها تتطور بشكل جذري عند إصابتها الإنسان.

كارل زيمر (نيويورك)
صحتك اللقاح يُعطى عن طريق الأنف عبر رذاذ أنفي (أرشيف - أ.ب)

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

طوَّر باحثون أميركيون لقاحاً جديداً قادراً على الوقاية من عدة فيروسات في آنٍ واحد، بما في ذلك «كوفيد-19» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».


الحوثيون يغذّون النزاعات القبلية لترسيخ السيطرة في إب

الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يغذّون النزاعات القبلية لترسيخ السيطرة في إب

الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)

كشف تقرير دولي حديث عن تصاعد مقلق في وتيرة النزاعات المحلية داخل محافظة إب اليمنية، مرجعاً ذلك إلى سياسة ممنهجة تتبعها الجماعة الحوثية تقوم على تغذية الصراعات القبلية والتدخل المباشر فيها، بهدف إحكام السيطرة على المحافظة ومنع تحولها إلى بؤرة مقاومة مجتمعية.

وحسب التقرير الصادر عن مشروع بيانات مواقع النزاعات المسلحة، فإن الجماعة تعتمد استراتيجية «إدارة الفوضى» أداةً للضبط الأمني والسياسي، عبر تأجيج النزاعات المحلية بدلاً من احتوائها، وهو ما أدى إلى تحويل إب، الواقعة على بُعد نحو 192 كيلومتراً جنوب صنعاء، إلى واحدة من أكثر المحافظات اضطراباً في مناطق سيطرتها.

وأشار التقرير إلى أن محافظة إب تصدرت قائمة مناطق الاقتتال الداخلي، إذ سجلت نحو 40 في المائة من إجمالي النزاعات المحلية في مناطق سيطرة الحوثيين خلال الفترة بين 2022 و2025، في مؤشر يعكس حجم الاستهداف الذي تتعرض له المحافظة ذات الكثافة السكانية العالية والثقل القبلي المؤثر.

ويوثق التقرير انخراط قيادات ومشرفين حوثيين بشكل مباشر في تأجيج النزاعات القبلية، من خلال دعم أطراف معينة بالسلاح والمال، أو عرقلة مسارات الحلول القضائية والقبلية التي لطالما شكلت آلية تقليدية لاحتواء الخلافات في المجتمع اليمني.

عناصر حوثيون خلال تجمع في صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

ويرى معدّو التقرير أن هذه السياسة تهدف إلى تحقيق جملة من الأهداف، أبرزها إضعاف البنية القبلية وتفكيك تماسكها، وتحويل طاقاتها نحو صراعات داخلية تستنزف قدراتها البشرية والمادية. كما تسعى الجماعة، وفق التقرير، إلى إبقاء المجتمع في حالة انشغال دائم بالنزاعات، بما يحد من قدرته على تنظيم أي حراك موحد ضد سلطتها.

ولا تقتصر هذه الاستراتيجية على إشعال الصراعات، بل تمتد إلى التدخل لاحقاً كـ«وسيط»، مما يمنح الحوثيين فرصة فرض شروطهم وإخضاع شيوخ القبائل والوجاهات الاجتماعية لسلطتهم مقابل ترتيبات صلح توصف بأنها شكلية، تعزز نفوذ الجماعة أكثر مما تُنهي النزاع.

مركز ثقل مقاوم

وتكتسب محافظة إب أهمية خاصة في الحسابات الحوثية، كونها تمثل مركز ثقل سكاني ومدني، فضلاً عن موقعها الجغرافي الذي يربط بين عدة محافظات استراتيجية. ويشير مراقبون إلى أن هذه العوامل تجعل من إب نقطة حساسة قد تتحول إلى جبهة مقاومة مؤثرة في حال توحدت القوى المجتمعية داخلها.

ويؤكد التقرير أن الجماعة كثفت من سياساتها في المحافظة خلال السنوات الأخيرة، بالتزامن مع تنامي المعارضة الشعبية لمشروعها، ورفض محاولات التغيير المذهبي. كما أن أي اختراق عسكري أو شعبي في إب قد ينعكس على محافظات مجاورة مثل تعز والضالع والبيضاء، ويمتد تأثيره إلى ذمار، التي تعد البوابة الجنوبية للعاصمة صنعاء.

خلال السنوات الأخيرة تحولت إب إلى معقل للمعارضة المناهضة للحوثيين (رويترز)

ويرى محللون أن إب تمثل «خاصرة رخوة» نسبياً في خريطة سيطرة الحوثيين، وهو ما يفسر الحرص على إبقائها في حالة اضطراب دائم، بما يمنع تبلور أي حراك منظم قد يهدد نفوذ الجماعة في المنطقة.

وعلى الرغم من الضغوط الأمنية وتغذية الصراعات، يؤكد ناشطون أن المجتمع في إب لا يزال يبدي أشكالاً من المقاومة السلمية، من خلال رفضه السياسات المفروضة عليه، ومحاولاته الحفاظ على تماسكه الاجتماعي.

ويشير التقرير إلى أن استمرار هذه الروح الرافضة يمثل تحدياً حقيقياً للجماعة، التي تسعى بكل الوسائل إلى تفكيك أي بنية مجتمعية قد تشكل نواة لمعارضة منظمة. ومع ذلك، فإن تراكم المظالم والانتهاكات قد يدفع باتجاه انفجار اجتماعي في حال توفرت الظروف المناسبة لذلك.

تصاعد الانتهاكات

بالتوازي مع تغذية النزاعات، يشير التقرير ومصادر محلية إلى تصاعد ملحوظ في الانتهاكات الأمنية، بما في ذلك حملات الاعتقال الواسعة التي استهدفت شرائح مختلفة من المجتمع، من بينهم سياسيون وأكاديميون ونشطاء وأطباء.

ويؤكد مراقبون أن تعيين شخصيات أمنية مرتبطة بقيادة الجماعة في مواقع حساسة داخل المحافظة ترافق مع ارتفاع غير مسبوق في معدلات العنف والاقتتال الداخلي، مما جعل إب في صدارة المحافظات من حيث مستوى الانفلات الأمني.

في سياق متصل، أثارت حادثة وفاة أحد السجناء، ويدعى حسن اليافعي، جدلاً واسعاً في الأوساط المحلية، بعد العثور عليه مشنوقاً داخل زنزانته في ظروف غامضة، رغم انتهاء مدة محكوميته.

ألف سجين غادروا سجون الحوثيين في إب خلال شهر واحد (أ.ف.ب)

وتشير مصادر إلى أن إدارة السجن الحوثية أبقته محتجزاً لفترة إضافية بسبب عجزه عن دفع غرامة مالية، رغم معاناته من اضطرابات نفسية.

ودعا ناشطون إلى فتح تحقيق مستقل في ملابسات الحادثة، في ظل تكرار حالات وفاة مشابهة داخل السجون، غالباً ما يتم تسجيلها كحالات انتحار، وسط اتهامات بإهمال طبي متعمد أو سوء معاملة قد ترقى إلى انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

ويرى حقوقيون أن هذه الحوادث تعكس نمطاً أوسع من الانتهاكات داخل مراكز الاحتجاز الحوثية، حيث يواجه السجناء ظروفاً قاسية تشمل الحرمان من الرعاية الصحية والتغذية الكافية، مما يزيد من المخاوف بشأن أوضاع حقوق الإنسان في مناطق سيطرة الجماعة.


العليمي يطالب بردع حازم لإنهاء خطر الحوثيين وإيران

عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
TT

العليمي يطالب بردع حازم لإنهاء خطر الحوثيين وإيران

عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

على وقع الحصار الذي أمر به الرئيس الأميركي دونالد ترمب على الموانئ الإيرانية ابتداءً من الاثنين، هددت الجماعة الحوثية في اليمن بالعودة إلى مساندة طهران عسكرياً إذا ما تجددت الحرب، في حين طالب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي بردع حازم لإنهاء خطر الجماعة والنظام الإيراني.

وخلال استقباله سفير الولايات المتحدة، ستيفن فاجن، شدد العليمي على أن التهدئة الراهنة التي أعقبت الضغوط على إيران قد تتحول فرصةً لإعادة تموضع الميليشيات الحوثية، بما يسمح لها باستعادة قدراتها واستغلال المرحلة أداةَ ابتزازٍ سياسي وعسكري لتحسين شروطها التفاوضية.

وأكد العليمي أن الخطر لا يكمن فقط في استمرار الدعم الإيراني، بل في قدرة هذه الجماعات على إعادة صياغة هزائمها بوصفها انتصارات، مستفيدة من الخطاب الآيديولوجي المرتبط بالعقيدة الإيرانية؛ وهو ما يتطلب – حسب تعبيره – تفكيك هذه السرديات وفضح أهدافها الحقيقية.

وركز رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني في تصريحاته التي نقلها الإعلام الرسمي، على البعد الاستراتيجي لدور الحوثيين، عادَّاً أنهم جزء من منظومة إيرانية أوسع تسعى لزعزعة استقرار المنطقة وتهديد المصالح الدولية، وفي مقدمتها أمن الملاحة البحرية.

العليمي استقبل في مقر إقامته بالرياض السفير الأميركي لدى اليمن (سبأ)

وأشار إلى أن استمرار التعامل مع هذه الجماعات دون حزم سيؤدي إلى تكريس نمط من السلوك القائم على استغلال فترات التهدئة لإعادة التموضع، وليس لتغيير النهج العدائي؛ ما يعزز الحاجة إلى موقف دولي أكثر صرامة.

كما أشاد العليمي بالدعم الأميركي، خصوصاً قرار تصنيف الحوثيين منظمة إرهابية أجنبية، والإجراءات اللاحقة التي استهدفت شبكات التمويل والتهريب، عادَّاً ذلك خطوة مهمة في مسار تقويض قدراتها.

ولم يغفل رئيس مجلس القيادة اليمني الإشارة إلى الدور المحوري للسعودية، التي وصف مواقفها بأنها داعمة بشكل حاسم للشعب اليمني وقيادته، سواء في المجال السياسي أو الاقتصادي أو الإنساني.

جاهزية عسكرية

على الصعيد الميداني، عكست تصريحات وزير الدفاع اليمني، الفريق الركن طاهر العقيلي، توجهاً واضحاً نحو رفع مستوى الجاهزية العسكرية، في ظل احتمالات التصعيد.

وخلال اجتماع موسع في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، استعرض العقيلي نتائج زياراته الميدانية، مشيراً إلى وجود انضباط عالٍ ومعنويات مرتفعة لدى القوات المسلحة، مع تأكيده على ضرورة الحفاظ على هذا المستوى من الاستعداد لمواجهة أي تحديات.

وأكد أن التنسيق بين مختلف التشكيلات العسكرية يشهد تطوراً ملحوظاً، خاصة في ظل العمل ضمن غرفة عمليات موحدة بقيادة رئيس مجلس القيادة الرئاسي؛ وهو ما يعزز فاعلية الأداء العسكري.

وزير الدفاع اليمني يرأس في عدن اجتماعاً لكبار القادة العسكريين (سبأ)

وشدد وزير الدفاع على أن الهدف الاستراتيجي المتمثل في استعادة العاصمة صنعاء وإنهاء الانقلاب الحوثي لا رجعة عنه، وعدّ أن تحقيق الأمن والاستقرار في اليمن يظل مرهوناً بالقضاء على المشروع المدعوم من إيران.

في موازاة المواقف الرسمية، برزت موجة تضامن واسعة من قِبل منظمات المجتمع المدني اليمنية مع السعودية، في مواجهة ما وصفته بالاعتداءات الإيرانية المتكررة.

فقد أدانت نحو 200 منظمة ومؤسسة مدنية هذه الهجمات، مؤكدة أنها تستهدف أمن واستقرار دول الخليج، وتمثل امتداداً مباشراً للسياسات الإيرانية في اليمن.

وعدّت هذه المنظمات أن السعودية تمثل «صمام أمان» للمنطقة، وركيزة أساسية في دعم الشعب اليمني، مشددة على أن أي محاولات لزعزعة استقرارها لن تؤدي إلا إلى تعزيز التلاحم بين الشعبين.

كما دعت المجتمع الدولي والأمم المتحدة إلى اتخاذ موقف حازم يستند إلى القانون الدولي الإنساني، لوضع حد لهذه الاعتداءات، خاصة تلك التي تستهدف الأعيان المدنية والمنشآت الحيوية.

تهديد حوثي

في المقابل، جاء موقف الحوثيين ليعكس تصعيداً في الخطاب، حيث زعموا أن صمود إيران على طاولة المفاوضات مع أميركا يمثل «انتصاراً» لمحور المقاومة، في إشارة إلى ما يعرف بـ«وحدة الساحات» التي تضم بقيادة إيران «حزب الله» اللبناني وفصائل عراقية، بالإضافة إلى الحوثيين.

وفي بيان لخارجية الجماعة الانقلابية، حذَّر من أن أي تصعيد أميركي جديد، سواء ضد إيران أو في البحر، ستكون له تداعيات واسعة على الاقتصاد العالمي، بما في ذلك سلاسل التوريد وأسعار الطاقة.

زعيم الحوثيين أمر جماعته بالاحتفال مدعياً انتصار إيران في الحرب على أميركا وإسرائيل (إ.ب.أ)

والأكثر أهمية كان تهديدهم الصريح بالعودة إلى المشاركة العسكرية الفاعلة إلى جانب إيران، في حال استئناف الضربات الأميركية أو الإسرائيلية، مشيرين إلى أن ذلك سيتم ضمن مسار تصاعدي في العمليات، حسب ما جاء في بيانهم.

كما أبدى الحوثيون رفضهم لما وصفوه بمحاولات فرض شروط سياسية عبر القوة العسكرية، عادّين أن هذه الاستراتيجية فشلت في السابق ولن تحقق أهدافها مستقبلاً.

وخلال الجولة السابقة من الحرب التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الماضي بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، انتظرت الجماعة الحوثية شهراً كاملاً قبل أن تبدأ العمليات المساندة لإيران من خلال تبني خمس عمليات إطلاق للصواريخ والمسيرات باتجاه إسرائيل.