روبنستاين: لا يمكن هزيمة «داعش» نهائيا والتوصل إلى سوريا مستقرة من دون تغيير سياسي في البلاد

المبعوث الأميركي لسوريا قال لـ(«الشرق الأوسط») إن المؤرخين سيحكمون على مصداقية بلاده

روبنستاين: لا يمكن هزيمة «داعش» نهائيا والتوصل إلى سوريا مستقرة من دون تغيير سياسي في البلاد
TT

روبنستاين: لا يمكن هزيمة «داعش» نهائيا والتوصل إلى سوريا مستقرة من دون تغيير سياسي في البلاد

روبنستاين: لا يمكن هزيمة «داعش» نهائيا والتوصل إلى سوريا مستقرة من دون تغيير سياسي في البلاد

شارك المبعوث الأميركي الخاص لسوريا دانيال روبنستاين في اجتماع «المجموعة الأساسية» لأصدقاء سوريا الذي استضافته بريطانيا أمس، بمشاركة رئيس الائتلاف السوري المعارض هادي البحرة، حيث أكد التزام بلاده بحل سياسي في سوريا، بناء على تنحي الرئيس السوري بشار الأسد من منصبه والالتزام بانتقال سياسي. ومنذ توليه منصبه في مارس (آذار) 2014 يواصل روبنستاين جهوده لتقوية المعارضة السورية من جهة، حيث يقضي الكثير من الوقت في تركيا للتنسيق مع المعارضة، التي شدد على أنها «المعارضة المعتدلة» التي لا تشمل فصائل مثل «جبهة النصرة». ورغم التركيز الأميركي على مواجهة تنظيم «داعش» وتقديم الرئيس الأميركي باراك أوباما ذلك التحدي كأولوية في السياسة الأميركية، يصر روبنستاين على أن واشنطن لم تغير استراتيجيتها في سوريا. وأضاف في حوار خاص لـ«الشرق الأوسط» في لندن أن الولايات المتحدة متمسكة بوحدة سوريا، نافيا أي «نظريات مؤامرة» لتقسيمها. وفيما يلي أبرز ما جاء في الحوار:

* لنبدأ في الحديث عن خطة دي مستورا الذي تقدم بخطة لـ«تجميد» مناطق الصراع، والتركيز الحالي على حلب. الرئيس الأسد قال: إنه مستعد لبحث هذه الفكرة. هل هذه خطة قابلة للنجاح؟
- أولا أود أن أقول: إننا نعرف دي مستورا بشكل جيد من خبرته السابقة بوصفه مبعوثا خاصا في أفغانستان والعراق ولبنان.. ولدينا نسبة عالية من الثقة فيه ولديه سجل جيد في المجتمع الدولي. ثانيا، أنا متردد في التعليق على ردود الرئيس بشار الأسد، لم أر تلك التصريحات. ولكن يمكنني القول بأننا عقدنا لقاءات جيدة مع ستيفان دي مستورا عندما كان في واشنطن ولقد بعث طاقة جديدة في هذا الوضع المحزن جدا في سوريا وهو يبحث عن انفراجات محتملة. لقد شاركنا بشكل عام بعض أفكاره حول «تجميد النزاع» من حيث الوضع الفعلي للقوات على الأرض مع التركيز حاليا على حلب. ولكن أعتقد أنه ربما من المبكر معرفة التفاصيل التي يفكر فيها أو التي يمكن الاتفاق عليها من قبل الأطراف المختلفة. ولكن ما يمكنني قوله بشكل عام أننا سنبحث، بالإضافة إلى التفاصيل، عن التأكد من تقييم المعارضة المعتدلة السورية ما هو منطقي من حيث أي تغيير مثل التجميد أو غير ذلك. مع الأسف، هناك التجربة السلبية في السابق لبعض حالات وقف إطلاق النار التي بصراحة استغلها النظام بطرق سلبية جدا وأعتقد أن السيد دي مستورا واع لذلك كليا. فسننظر إلى التفاصيل ورد فعل المعارضة السورية المعتدلة على أي مقترح.
* أشرت إلى المعارضة السورية المعتدلة، ولكن في الواقع اللاعبون على الأرض ليسوا فقط المعتدلين، كما أن هناك ميليشيات يعتمد عليها النظام. إلى أي درجة تشعر بالثقة بأن المعارضة المعتدلة السورية قادرة على التوصل إلى اتفاق ومن ثم أن تكون قادرة على تطبيقها على الأرض؟
- في المقام الأول، ربما يجب سؤال دي مستورا ما يفكر به من حيث آليات تطبيق أو مراقبة المقترح. فبحسب الفكرة الحالية، سيكون لدى الأمم المتحدة الدور المركزي. فيما يخص المعارضة السورية المعتدلة، صحيح هناك أطياف عدة للمعارضة وأتفق معك أن هناك تعددا في اللاعبين على طرف النظام، إذا كان من حيث الميليشيات المسلحة إذا كانت محلية أو أجنبية، فهناك مقاتلون أجانب (إلى طرف النظام) وهذا أمر يستحق الانتباه إليه. أعتقد أنه في حال ظهرت عملية جدية، إذا كانت عملية محلية لتغييرات فعلية على الأرض أو حتى عملية سياسية للتفاوض، رأينا في جنيف أن المعارضة السورية المعتدلة اتحدت وعملت بطريقة تثير الإعجاب. وعليه أنا واثق بقدرتهم على ذلك في حال هناك مقترح ينظرون إليه على أنه، من وجهة نظرهم، مقترح في الدرجة الأولى يقلل من معاناة الشعب السوري وأن ترى المعارضة أنه مقترح ذات فوائد لهم.
* ولكن بحسب رأيكم خطة دي مستورا لم تتطور إلى درجة يمكنكم أن تعلقوا على إمكانية نجاحها. هل ما زالت في المراحل الأولية؟
- أعتقد كونه ما زال يتحدث مع النظام السوري أقول: إنها ما زالت أولية ولا أعلم بقيامه بالتواصل مع اللاعبين في المعارضة السورية حولها أيضا. ربما فعل ذلك بطريقة عامة ولكن الواقع سيكون عندما تكون لديه تفاصيل محددة حول منطقة محددة وبعدها تحديد ما يمكنه التوصل إليه من تنازلات من الأطراف المختلفة. ولكن بالتأكيد، هو يدخل طاقة إلى الوضع ولديه دافع لفعل أي شيء يمكنه أن يقلل من المعاناة والعنف والعمل على دفع العملية بطريقة أو أخرى.
* بعيدا عن خطة دي مستورا، الولايات المتحدة تقول دوما بأنها تؤمن بحل سياسي. مع الواقع على الأرض وظهور تنظيم «داعش»، ما هو الحل السياسي الممكن؟ ما زلتم متمسكين بمبادئ بيان جنيف1؟
- بكل تأكيد، مبادئ جنيف1 في غاية الأهمية وتبقى صالحة ليومنا هذا. إما من خلال جهود دي مستورا أو من خلال آخرين في المنطقة أو خارجها، من الممكن إضافة تفاصيل أخرى لطريقة العمل أو ترتيب الخطوات المتخذة أو غير ذلك. ولكن المبادئ، وخصوصا التركيز على الحاجة لانتقال سياسي في سوريا بعيدا عن نظام الأسد، ما زالت مركزية. وأشير إلى أن المجموعة الأساسية لـ«أصدقاء سوريا» التقوا في لندن (أمس) لتذكير مهم للمجتمع الدولي وخاصة للشعب السوري والنظام السوري ومن يدعمه بأن المجتمع الدولي لم يفقد التركيز على هذه القضية. وبينما نواصل التركيز على تنظيم «داعش»، لم يقلل ذلك بأي طريقة ما من التزام المجتمع الدولي أو الذين يقلقون على سوريا، بالبحث عن طرق ذات نفوذ وضغط ومساعدة تجاه المعارضة والنظام وغيرهما في المجتمع الدولي للتوصل إلى ظروف لزيادة فرص حل سياسي.
* وبرأيكم الحل السياسي ما زال يعني تنحي الأسد من الرئاسة؟
- كنا واضحين، الرئيس الأميركي قال: إنه (الأسد) فقد مصداقيته وقلنا بأننا لا نتعاون ولن نتعاون مع النظام ونحن لا نرى بقاءه في السلطة متماشيا مع أي حل سياسي مستدام.
* ولكن مع ذلك تم إبلاغ النظام السوري عن الضربات الأميركية وضربات التحالف ضد «داعش». هل ما زلتم تبلغون النظام بالضربات اليومية التي تقومون بها، أم كان إعلامهم عن الضربة الأولى فقط؟
- حسب معرفتي، كانت مرة واحدة لتبليغ وتحذير نظام الأسد، لأن في ذلك الوقت كانت الولايات المتحدة واضحة في رسالتها للنظام السوري بأن الولايات المتحدة ستتخذ عملا عسكريا ضد داعش في سوريا وأن على النظام ألا يتدخل في تلك العمليات. فهذا كان تبليغا وتحذيرا أيضا.
* قبل عامين، كانت هناك تحركات لانشقاقات داخل النظام السوري ورسائل بينكم وبين بعض العناصر السورية في الداخل، هل ما زالت هناك اتصالات على هذا النحو أم أصبح النظام أقوى الآن؟
- نحن دائما مهتمون بأن تكون أعيننا وآذاننا مفتوحة لكل الشعب السوري وخاصة من في الداخل. وبالطبع نحاول أن نبقي تواصلنا مع جميع الأطياف السورية بجميع التوجهات السياسية، أينما كانت، كي يكون لدينا أفضل تفهم ممكن لما يدور هناك. لا يمكنني أن أقول: إن هناك ارتفاعا أو انخفاضا في ظاهرة الانشقاقات ولكن أعلم أن هناك مراقبين للوضع السوري يحددون بعض التوترات داخل النظام بسبب طول النزاع وتأثيراته.
* هناك من يخشى من أن سياسة أوباما تجاه سوريا باتت سياسة «مكافحة إرهاب» فقط، وتصريحات الرئيس الأميركي حول المسألة تشير إلى أن الحل السياسي في سوريا هدف بعيد الأمد بينما الهدف الأولي بالنسبة لكم مكافحة التهديد للولايات المتحدة. هل باتت السياسة تجاه سوريا سياسة مكافحة إرهاب، على الأقل على المدى القصير؟
- ما يمكنني قوله: إن مكافحة الإرهاب واجب بالنسبة للولايات المتحدة ولحلفائنا أيضا. وهذه مهمة على مدار الساعة وأولوية لنا حول العالم وهناك تركيز عليها في منطقة الشرق الأوسط لأسباب بديهية وخاصة في سوريا. وكان علينا أن نتخذ خطوات حاسمة جدا بسبب هاجس مكافحة الإرهاب. ولكن ذلك لا يناقض أهدافنا الأخرى في المنطقة، وهذا يعيدنا إلى الحاجة إلى استخدام نفوذنا مع حلفائنا للتوصل إلى حل سياسي في سوريا. لا أرى تناقضا في ذلك، أحيانا هناك حاجة ملحة للتحرك لأسباب محددة، ولكن هناك تفاهم واضح بأنه لا يمكن التوصل إلى وضع مستدام إذا كان من حيث تقليص وهزم «داعش» أو من حيث التوصل إلى سوريا مستقرة تعيش بسلام مع دول الجوار وتعطي الشعب السوري الحرية والكرامة التي يستحقها إذا لم يكن هناك تغيير سياسي في البلاد.
* هناك تساؤلات كثيرة عن تنسيق واشنطن مع طهران في ملفات عدة، من بينها الملفات السورية. هل تناقشون مع الإيرانيين إمكانية التوصل إلى هذا التغيير السياسي؟
- نقاشاتنا مع إيران تمركزت على الموضوع النووي وهو أمر يجري حاليا. وسنكون سعداء وسنفاجأ في حال اتخذت إيران أسلوبا مختلفا في المنطقة إذا كان ذلك في سوريا أو في مناطق أخرى. مع الأسف، لا يمكن إخفاء واقع أن إيران اختارت أن تكون داعمة قوية للنظام السوري بطرق مختلفة وكانت ضارة للغاية في جهود الخروج بحل سياسي. حوارنا معهم على الموضوع النووي حاليا.
* إيران لم تشارك في عملية جنيف، ولكن هناك تصريحات أميركية تشير إلى ترحيبها بلعب إيران دورا في التوصل إلى حل سياسي. هل هناك شروط لإيران، مثلا القبول ببيان جنيف1. أم تعتبر أنه من المفيد السعي وراء مشاركة إيرانية من دون شروط؟
- في السابق، كانت أمامهم الفرصة، مثل دول أخرى، القبول بالمبدأ الأساسي لذلك اللقاء في مونترو وعملية جنيف ولكن رفضوا ذلك وكان ذلك خيارهم. في حال قرروا أنهم يريدون المشاركة بطريقة أو أخرى في عملية تؤدي إلى انتقال ذات أهمية، أو مسار إلى الانتقال، سيجدون أن الكثيرين في المنطقة وفي الغرب منفتحين على ذلك. ولكن في المرحلة الأولى، عليهم أن يقررون إذا كانوا يريدون البقاء على المسار الحالي ومع الأسف هو الدعم القوي جدا للنظام السوري مما سمح للنظام بمواصلة أسلوبه الشنيع ورفضه الكلي لتقليل وتيرة العنف على الأقل، ما بال التوصل إلى حل سياسي. لذلك علينا الانتظار للنظر إذا كانوا مهتمين بفعل ذلك.
* روسيا كانت شريكة معكم في التوصل إلى اتفاق حول السلاح الكيماوي، ولكن منذ ذلك الحين هناك تطورات مهمة، وعلى رأسها أحداث أوكرانيا، غيرت العلاقة بينكما. هل ما زلتم تنسقون مع موسكو؟ وما رأيكم بالاجتماع المهم الذي استضافوه أخيرا في موسكو لعناصر من المعارضة السورية؟
- من الصحيح أننا عملنا مع روسيا حول سوريا وأحيانا جلب ذلك نتائج مهمة. إنهم لاعبون محتملون مهمون فيما يخص سوريا وما زلنا نناقش سوريا معهم وهذا مسار نريد أن نبقيه مفتوحا. ولكن مع الأسف روسيا أيضا قررت أن تبقي دعمها القوي جدا لنظام الأسد ولكن أعتقد أن هناك تفاهما واضحا من طرفنا أنه يمكن أن تلعب روسيا دورا مهما. وأتفق مع تقييمك حول الاجتماع في موسكو والإشارة إلى استضافتها لمعاذ الخطيب وهو شخصية مهمة ونحن نراقب هذا الأمر، خاصة إذا اتخذت روسيا خطوات تظهر أنها منفتحة على أطياف واسعة من المعارضة السورية وإذا كانت تنظر مجددا إلى المشاركة واستخدام نفوذها لنوع من الانتقال السياسي ولكن لم نر مؤشرات على ذلك بعد ولكن سنكون مهتمين في حال رأيناها.
* هل ما زلتم على تواصل مع معاذ الخطيب؟
- نعم بين حين وآخر.
* وهل تعتقدون أن له دورا يمكن أن يقوم به رغم أنه خارج قيادة الائتلاف السوري المعارض الآن؟
- هو رجل يثير الإعجاب. وأي شخص يلتقيه يجد أنه شخصية لديها حضور لافت ويتكلم ببلاغة عن الشعب السوري ولديه أفكار جذابة حول كيفية تغيير وضع شعبه. وهو شخصية على المجتمع الدولي أن تبقى تتواصل معها ولكن في النهاية معاذ الخطيب نفسه هو الذي سيحدد إذا كان يريد لعب دور في المستقبل.
* ماذا عن دور رئيس الائتلاف السوري هادي البحرة الذي حضر اجتماع لندن؟ كيف يمكن للائتلاف الوطني السوري أن يبقى مهما في وقت المسلحون يفرضون واقعا على الأرض رغم الجهود السياسية؟
- المعارضة السورية بشكل عام واجهت تحديات مهولة في هذه الفترة، لأنهم يتعاملون مع كارثة إنسانية مهولة، لا مثيل لها في الوقت الراهن وخلال فترة يعاني فيها المجتمع الدولي من إرهاق حول سوريا وغيرها من أزمات. وبالطبع، كانت المعارضة تعاني من نظام الأسد الشنيع وبعدها ظهر تنظيم «داعش» والآن التحركات السلبية من جبهة النصرة ضد عناصر من المعارضة السورية نفسها. وهم يحاولون أن يوصلوا الخدمات والإغاثة المحدودة للمناطق المحررة. نحن نتعاطف معهم ونحاول إيصال المساعدات التي نقدر عليها وهم يمرون بعمليات سياسية مهمة تمثل كافة الأطياف السورية.. وإبقاء تحالف متعدد الأطياف متحدا يشكل تحديا بحد ذاته.
* أشرت إلى جبهة النصرة، وهناك عناصر من المعارضة قلقة من استهدافكم العسكري لـ«النصرة»، وهي تقاتل نظام الأسد..
- الناس قد تخرج باستنتاجات مختلفة ولكن دعيني أن أكون واضحا حول نية الولايات المتحدة (من استهداف النصرة): مع الأسف هناك عناصر من تنظيم «القاعدة» قررت أن تختبئ في سوريا ومثلما حدث في الليلة الأولى من ضربات التحالف داخل سوريا كانت هناك ضربات أحادية من الولايات المتحدة لمنع الذين تقدموا في خططهم – وهم أجانب جاءوا من خارج سوريا. من الواضح أن سوريين على الأرض يفسرون هذه التحركات بطرق مختلفة، ولكن بالنسبة لنا «جبهة النصرة» ليست جزءا من المعارضة السورية المعتدلة. ونقر بأن تحركاتنا وتحركات أطراف أخرى قد تكون لديها نتائج ثانوية، وأريد التركيز على أن تلك التحركات لم تستهدف «جبهة النصرة» تحديدا بل استهدفت قيادات رفيعة المستوى من «القاعدة» لجأت إلى سوريا للتخطيط لهجمات على مصالح غربية.
* تتحدث عن النوايا، ولكن الواقع مختلف. هناك تصريحات من مسؤولين أميركيين بأن تدريب الجيش السوري الحر من قبلكم ليس لمواجهة الأسد بل لمواجهة داعش، ولكن هناك عناصر من الجيش السوري الحر تشعر بأنكم خذلتموهم. كيف تردون على ذلك؟
- فيما يخص برنامج الولايات المتحدة لتدريب وإعداد بعض عناصر الجيش السوري الحر، بينما نركز على تقوية العناصر التي يمكن أن تقاتل داعش، نقر بأن عناصر المعارضة السورية المعتدلة التي تقاتل تواجه الكثير من الأعداء والكثير من التحديات في أي يوم، وهذا النزاع متقلب جدا.. البعض منهم قد يشكل «داعش» التهديد الأولي لهم، البعض الآخر يراه «النصرة»، وآخرون قد يواجهون النظام السوري مباشرة.. نحن نقر بأن العناصر القتالية تحدت ضغوطا كبيرة ونقر بأنه من الضروري بأن إبقاء إيمان الشعب السوري بنا علينا أن نفعل كل ما بوسعنا لدعم صراعهم من أجل الحرية والكرامة فيما يخص النظام.
* لنكن واضحين، هل برنامج إعداد وتدريب قوات الجيش السوري الحر فقط لمواجهة «داعش» أم أيضا لمواجهة قوات النظام السوري؟
- ذلك سيعتمد على موعد تطبيق هذا البرنامج على الأرض، ولكن بكل تأكيد النية هي أن تكون هذه القوات قادرة على تأمين مناطق، والأمل أن تكون هناك مناطق نطرد منها داعش في سوريا ونأمل أن هذه القوات ستزيد الأمن المحلي هناك وفي وقت ما قد تكون قوات هجومية. ولكننا نقر أيضا بأن هذه القوات أيضا ستكون في موقف مواجهة مع النظام أو متطرفين آخرين. رغم رغبتنا في قدرتنا على فصل هذه الأمور، نعترف بأن ساحة المعركة في سوريا فوضوية جدا ولكن الشركاء الوحيدين لنا هم المعارضة السورية المعتدلة.
* هناك من يرى سوريا مقسمة بين مناطق تسيطر عليها المعارضة «المعتدلة» بعد طرد «داعش» منها، ومناطق أخرى خاضعة لسيطرة النظام من دمشق. وأن تبقى على هذا النحو لمدة سنين قبل التوصل إلى الحل السياسي المنظور. هل هذا حل مقبول على المدى القصير بالنسبة لكم؟
- أريد أن أتخذ هذه الفرصة للقول بأننا نؤمن بوحدة سوريا. بين حين وآخر أسمع بتصورات مؤامرة لتقسيم سوريا وأحيانا يتهمون أميركا بذلك، ولكن هذه ليست رغبتنا بتاتا. نحن نؤمن بوحدة سوريا الآن وفي المستقبل. ونحن سنقوم بكل ما يمكننا القيام به لمنع المزيد من التمزق في البلاد، ونحاول أن نضعف «داعش» ونهزمه وأن نقوي المعارضة المعتدلة لنخلق ظروفا للتوصل إلى حل سياسي للبلد كله.
* ولكن على المدى القصير ومع التحديات التي تحدثت عنها، من الصعب رؤية سوريا متحدة تحت إدارة واحدة - ماذا يحدث إلى حين التوصل إلى اتفاق سياسي؟
- بالطبع على السوريين التقرير واتخاذ القرارات الخاصة بهم في النهاية. ونحن نقر بأنه من الصعب أن نحقق كل أهدافنا وأهداف المعارضة السورية المعتدلة بيوم واحد، وهذه التحديات مهولة حقا. ولكن علينا أن نبدأ في مكان ما ونريد أن نحرص على أننا لا نسرع المزيد من التجزئة في سوريا، فهذه مشكلة خطيرة قائمة ونريد أن نضمن أن أي حلول تناسب كل السوريين.
* الكثيرون في المنطقة يرون أن مصداقية الولايات المتحدة تراجعت بسبب سياساتها في سوريا. كيف ترد على ذلك؟
- سأدع المؤرخين يقيمون مصداقيتنا خلال هذه الفترة. من الواضح أن التحديات كبيرة جدا، وإذا كانت أسهل كان من الممكن حلها منذ فترة. لدينا مصالح مهمة جدا في هذا الجزء من العالم ولم يحصل أي موضوع على اهتمام واشنطن ونوقش في واشنطن خلال السنوات الماضية مثل الموضوع السوري. هناك الكثير من التركيز على سوريا، والخيارات مع الأسف تزداد صعوبة ولكن سنواصل القيام بما يمكننا القيام به لدفع مصالحنا ومصالح حلفائنا بما فيهم المعارضة السورية المعتدلة.
* بدأنا العام بمحادثات في جنيف بين النظام والمعارضة، هل تتوقع مفاوضات مشابهة للخروج من المأزق الحالي؟
- من المبكر الحكم. لا نعلم أن عندما يتم إعادة تنشيط عملية سياسية إذا ستكون مشابهة لما حدث سابقا وإذا كانت ستشمل دولا أخرى، ولكن ما أعلمه أننا مهتمون بالمضمون. وسننظر إلى المعارضة السورية المعتدلة وإلى حلفائنا في المنطقة لإرشادنا حول إذا كان هناك تقدم لعملية سياسية ذات مصداقية للتوصل إلى الهدف المرجو وهو التغيير في سوريا، لأن مع بقاء نظام الأسد إلى أمد مفتوح لن نصل إلى وضع مستقر.
* ولكن كيف ترى الولايات المتحدة التوصل إلى حل سياسي، بمعزل عن دي مستورا أو آخرين؟
- من المبكر القول.. من غير الواضح حاليا إذا سنستأنف العملية مثلما كانت أم إذا كان دي مستورا يخرج بصياغة جديدة... هناك توافق بين المجموعة الأساسية لأصدقاء سوريا بأننا بحاجة إلى إبقاء إمكانية الحل السياسي قائما وأن نخلق الظروف لهذا الحل بأسرع وقت ممكن.

المبعوث الأميركي لسوريا روبنستاين (تصوير: جيمس حنا)



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.