متى ستكتُبُ روايتك؟

الكتابة الروائية فنّ يتّسمُ بالغواية أكثر من الأنماط السردية الأخرى

متى ستكتُبُ روايتك؟
TT

متى ستكتُبُ روايتك؟

متى ستكتُبُ روايتك؟

«الرواية هي كتابُ الحياة المشرق» بهذه العبارة المشعّة يختزل أحد أقطاب الحداثة الروائية «دي. إتش. لورنس» قيمة الرواية ومكانتها الاعتبارية في حياة الأفراد والأمم، وقد جاءت عبارته تلك في سياق مقالة تأريخية له «تعدُّ اليوم واحدة من أهم الأدبيات التأسيسية لفن الرواية» عنوانها «لماذا تُحسبُ الرواية شأناً مهماً؟».
ليس لورنس وحده هو من كتب في أهمية الفن الروائي؛ بل إن معظم روائيي وروائيات عصر الحداثة وما بعد الحداثة وحتى حقبة الرواية المعاصرة ورواية القرن الحادي والعشرين ساهموا في تدعيم نظرية الرواية وكشفوا عن رؤاهم بشأن الفن الروائي، وإذا ما شئتُ إيراد أمثلة فسأكتفي بالأمثلة القياسية التالية: «فن الرواية» للروائي ميلان كونديرا، «تأمّلات في السرد الروائي» للكاتب والروائي أمبرتو إيكو، «فن الرواية» للكاتب والروائي كولن ويلسون. ذهب بعض الروائيين إلى كتابة مطوّلات روائية صارت بمثابة كتب منهجية تدرّسُ في الجامعات، وأميل في هذا الشأن للإشارة إلى الكتاب المهم الذي كتبته الروائية والأستاذة الجامعية جين سمايلي (Jane Smiley) بعنوان «13 طريقة في النظر إلى الرواية»، ذلك الكتاب الذي أراه عظيم الأهمية للروائي المبتدئ والمتمرّس في حرفته الروائية لسببيْن: الأول، لكون الكتاب مكتوباً من وجهة نظر روائية خبرت العملية الروائية وحيثياتها الدقيقة، وبالتالي لم يأتِ ما كتبته بدفعٍ من المتطلبات الأكاديمية واشتراطاتها الضيقة، أما السبب الثاني فهو أنّ الكتاب يضمّ في فصله الأخير قراءة الكاتبة لمائة رواية ورواية «101 رواية»، «ونلاحظ قصدية الكاتبة في الإحالة إلى ألف ليلة وليلة وأجوائها السحرية!!»، والكاتبة إذ تقدّمُ هذه القراءة فهي تعلن للقارئ معتمدها الأدبي (Literary Canon) الخاص بها والذي تراه خليقاً بتشكيل الذائقة الروائية المميزة لكلّ من يعتزم الانغمار الكامل في مخاضة الكتابة الروائية العسيرة.
الكتابة الروائية فنٌّ يتّسمُ بالغواية، وهي قادرة على الإمساك بعقل القارئ وروحه بطريقة -ربما- تعجز عنها الأنماط السردية الأخرى، وتلك حقيقة كُتِب بشأنها الكثير من الشروحات والمسوّغات التي تتفق جميعها على أنّ الرواية تمتلك مقدرة متفرّدة في قول أي شيء وكلّ شيء؛ الأمر الذي جعلها ممارسة مهنية وإنسانية ذات طبيعة معولمة تتعالى على محدّدات الزمان والمكان والبيئة والجغرافيات البشرية. تناولتُ في مقدّمة كتابي المترجم «تطوّر الرواية الحديثة» الأسباب التي أراها مسوّغة لامتلاك الرواية هذه الفتنة المغوية التي تدفع الجميع لتجريب الكتابة الروائية في طورٍ واحد -على الأقلّ- من أطوار حياتهم.
تروي الكتب التي تتناول التأريخ الروائي أنّ الرواية كانت تُخاطِبُ النساء حصراً في بواكيرها الأولى، وكان مطلوباً من الرواية أن تملأ ذلك الفراغ العاطفي لديهن بكتابات تغلب عليها الرومانسية الفيّاضة التي وصفها الدكتور جونسون بأنها «مفسدة للعقل الجميل وحسّ المحاكمة الأخلاقية المسؤولة». لستُ في حاجة إلى القول إن تلك كانت عهوداً شهدت بواكير الكتابة الروائية المثبتة تأريخياً في القرن الثامن عشر؛ أما في وقتنا الحاضر فقد شهد الفن الروائي اعترافاً راسخاً بكونه الفاعلية الإنسانية الأكثر رواجاً وتأثيراً من سواه حتى بات كلّ فردٍ في هذا العالم -حتى لو كان عالماً وأكاديمياً متخصّصاً في أحد الفروع المعرفية الصلبة- يتوق لكتابة روايته، ولو شئت إيراد مثال معاصر فسأذكر الرواية المنشورة حديثاً بعنوان «موت الشمس – Sunfall» للفيزيائي الأشهر «جِم الخليلي». لا يمكن للمرء أن يغفل هنا ملاحظة أنّ الرياضياتيين والفيزيائيين هم أكثر شغفاً في الفن الروائي بالمقارنة مع سواهم من العلماء، وربما تشير هذه الحقيقة إلى أنّ الرواية فاعلية فكرية تتناغم مع آلية تخليق الأفكار في الفروع المعرفية خارج نطاق الفاعلية السردية المتداولة.
لستُ هنا مهجوسة بتقديم المسوّغات التي تُعلي شأن الكتابة الروائية، أو تقديم وصفة -كما وصفات الطبخ- للرواية الجيدة؛ بل أسعى لمخاطبة كلّ من يستأنسُ في نفسه شغفاً في الولوج لغابة السرد الروائي -من الشباب والشابات بخاصة- وسأسجّلُ بعض الأفكار التي أراها مفيدة في هذا الشأن:

الرواية الأولى تتصادى مع وقائع من سيرتك الذاتية
كلّ من جرّب كتابة روايته الأولى سيجد نفسه مدفوعاً بقوة قهرية لتوظيف وقائع من سيرته الذاتية، والسبب وراء ذلك واضح: إنه أشبه ما يكون بآلية دفاعية لا تنفكّ تضغط على المرء للتشبث بملاذ آمن يكمنُ في سيرته الذاتية. هذه آلية طبيعية ناجمة عن الخشية من ولوج عالم الأفكار والوقوع في مطبّات منطقية أو نهايات مستغلقة أو عوالم هيكلية فكرية غير مقنعة أو ساذجة. لا ضير بالطبع من تناول المرء لسيرته الذاتية وبخاصة في روايته الأولى؛ لكنما يتوجب أن تنطوي هذا السيرة على ما يستحقُّ التحوّل من واقعة حياتية عادية إلى تجربة إنسانية نتشاركُها مع الآخرين، والمعيارُ الأوحد لتقدير هذه الأهمية هو الفرد ذاته ومروءة أخلاقياته وتقديره الشخصي المرتكن إلى منظومة يفترضُ أن تتّسم بقدر معقول من النزاهة.

غواية المُعتمد الأدبي
أغلبنا تلبّستنا غواية المعتمد الأدبي في بواكيرنا الأدبية: أن نرتكن لمعتمدٍ أدبي اتفق عليه أحد كبار النقّاد «هارولد بلوم، جورج شتاينر، فرانك كيرمود... إلخ» ونمضي في قراءة الأعمال الروائية المسطورة فيه تباعاً حتى نأتي عليها كلها. القراءة فعلٌ محمود في كلّ الأحوال، والنتائج المترتبة عليها رائعة ومفيدة؛ لكنما الاختلاف يكمن في طبيعة المعتمد الأدبي الذي نعتمده؛ فهو ناتجٌ كيفي يتفق مع سيكولوجيا الفرد وذائقته القرائية وعمره البيولوجي وخبرته الحياتية، وما مِن معتمد أدبي يتفق عليه اثنان باستثناء المعتمدات الأدبية التي ترسّخت بفعل المواضعات النقدية. كلّ منّا يخلق معتمده الأدبي الخاص به بفعل القراءة الروائية المتصلة والمتنوّعة وغير المقتصرة على أسماء روائية بعينها دون سواها.

أهمية القراءة الواسعة والمتنوّعة في الحقول المعرفية المستجدة
لا أقصدُ هنا القراءة الواسعة في الحقول المعرفية المعروفة: الفلسفة والسيكولوجيا وتأريخ الأفكار؛ بل أقصدُ -بالتحديد- القراءات في الميادين المعرفية المشتبكة التي نشأت مع الثورة المعلوماتية الرابعة -تلك الثورة التي باتت تطرق أبواب العالم، وباتت تتمظهرُ في مفردة الأنسنة الانتقالية (Transhumanism) وسائر موضوعات الثقافة الثالثة. كان القطار -على سبيل المثال- أحد الأمثلة كثيرة الشيوع في الروايات الحداثية لكونه التجسيد الشاخص للحداثة العلمية والتقنية، وفي السياق ذاته ينبغي لمفردات عصر الثورة الرابعة أن تكون جزءاً من أي مشروع روائي جاذب يسعى لنيل الاعتراف والمقبولية في حدودها الدنيا الممكنة.

وهمُ الاندفاع وراء الأخدوعات السائدة
تشيعُ بين آونة وأخرى موضة كتابية معيّنة تلقى دعماً من جانبٍ ما، ثمّ تتغوّلُ تلك الموضة لتستحيل نمطاً يسعى الجميع لاعتماده تقليداً روائياً سائداً. من الطبيعي أن يميل الشباب لتقليد تلك الموضات الكتابية طمعاً في جائزة أو حظوة؛ غير أنّ مقتلة الكاتب الروائي تكمن في اعتماده نمطاً كتابياً مصطنعاً لا يتناغم مع ميله الطبيعي وشغفه.
أودّ هنا الإشارة إلى ظاهرة «الفصاحة الجديدة» كمثال؛ فقد شاع هذا النمط الكتابي باعتباره محاولة جريئة للتوغّل في القيعان المجتمعية السحيقة الحافلة بالعوالم الديستوبية المسكوت عنها، وقد تمادى بعض كتّابنا الشباب -بل حتى بعض الروائيين المخضرمين كذلك- في هذه الفصاحة الجديدة التي صارت ميداناً لتجريب كلّ القباحات اللغوية الفجة والمبتدعات الروائية المصطنعة.
الكتابة الأصيلة المتناغمة مع خبرة الفرد وممكناته اللغوية لهي أفضلُ وأبقى من كتابة مصطنعة يتوسّلُ بها الفرد وسائل وأساليب مفروضة بطريقة قسرية ومُخادِعة.

أهمية إتقان لغة ثانية
قد يقرأ أحد الشباب مئات وألوفاً من الأعمال الروائية وغير الروائية المكتوبة باللغة العربية؛ لكن ما من وسيلة تعويضية للنقص الكامن في معرفتنا بالآخر وعوالمه وتجاربه سوى قراءة أعماله بلغتها الأصلية. الإنجليزية بالطبع هي اللغة العالمية الأكثر رواجاً وتأثيراً من سواها؛ وعليه لو أراد أي منّا ترسيخ فرادته الروائية ورصانته المعرفية العامة فليس من بديل عن إتقان الإنجليزية في المقام الأول، ولو استطاع لمعرفة لغة أخرى –إلى جانب الإنجليزية- سبيلاً فسيكون أمراً عظيم الفائدة والأهمية.

هاجسُ التجنيس الروائي
لا يوجد في العالم كاتبٌ روائي يخاطبُ نفسه قبل الشروع في عمل روائي جديد: هذا عمل سأكتبه بموجب مقاسات رواية ما بعد الحداثة، أو رواية القرن الحادي والعشرين. إنّه يكتبُ بموجب ذائقته الشخصية ومواصفات الكتابة التي تستطيع استيعاب ما يبتغي تمريره من أفكار وخبرات. تمثل رواية القرن الحادي والعشرين مصداقاً للمدى الواسع الذي يمكن أن تبلغه الحدود القصوى في الكتابة الروائية؛ فقد ارتدّت الكتابة الروائية إلى نمطٍ من السرديات الكلاسيكية -التي سادت في بواكير الرواية- مع تطعيمها بأنماط سردية تناغم المقدرة المفترضة للرواية في تناول كل شيء وأي شيء، ولو تفحّصنا واحدة من روايات كاتب معاصر (إيان ما كيوان، على سبيل المثال) لشهدنا توليفة من الكتابة الفنتازية والوثائقية وسرديات التخييل التأريخي ورواية الخيال العلمي والمستقبليات المحكومة بالذكاء الصناعي.

التعجل الروائي مصيدة ومثلبة كبرى
يستلزم العمل الروائي المصنوع بطريقة تستحقّ جهد القراءة ثلاث سنوات -في المعدّل- من البحث والمتابعة والكتابة، وهذا ما نشهده في الروايات المبدعة لكبار الكتّاب العالميين. إنّ إصدار رواية «أو ما يشبه الرواية» كلّ ستة أشهرٍ أو سنة، وبصرف النظر عن المسوغات الدافعة له، لهو فعلٌ يشي بكتابة متعجّلة تفتقر إلى البحث الرصين والتنقيب في الوقائع والتواريخ والحيثيات الدقيقة فضلاً عن كونه إشارة غير محمودة لكاتب يكتبُ كلّ ما يعنّ له من أفكار لحظية متوهماً أن هذا الفعل هو رواية. الرواية صناعة دقيقة وصبورة تعتمد خريطة تضاريس فكرية مسبقة ومحدّدة المعالم -يمكن إعادة ترتيبها كلّ حين؛ إنما ليس ممكناً العمل من دونها أو حتى التخلي عنها- وسنكون غشماء كثيراً لو صدّقنا الأكذوبة التي تقول «إن الرواية هي من تقودك ولستَ أنت من يقودُها».

- كاتبة وروائية ومترجمة عراقية تقيم في الأردن



«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية
TT

«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

في الوقت الذي تحتفي فيه وسائل الإعلام العالمية بالنمو التكنولوجي الهائل للعملاق الصيني ومعدلات نموه القياسية، تأتي رواية «حياتي كعامل توصيل في بكين» للصيني «هو أنيان» لتعرض الجانب المظلم من المعجزة الاقتصادية الصينية. الكتاب ليس مجرد سيرة ذاتية لعامل بسيط قضى عقدين من الزمن، وهو في صراع من أجل لقمة العيش، بل هو صرخة الأيادي العاملة الصغيرة ضد قسوة النظام العالمي.

يستعرض الكاتب بأسلوب واقعي، يمزج بين الدقة السردية والعمق الفلسفي، تجربته كعامل توصيل للطرود، عانى من ظروف عمل قاسية، قبل أن يصبح كاتباً مشهوراً بعد نشر كتاباته على منصّات صينية، حيث وصل حجم مبيعات الكتاب في الصين إلى 3 ملايين نسخة، وهو ما يفسر وصوله إلى أرفف المكتبات العالمية، حيث طُرحت الترجمة الفرنسية للكتاب في الأسواق الفرنسية في 7 يناير (كانون الثاني) الحالي عن دار «أوترومون» في 320 صفحة، وكانت مسبوقة بالنسخة الإنجليزية التي نشرت في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، كما تم الإعلان عن صدور قريب للنسخة الألمانية.

«حياتي كعامل توصيل في بكين» توثّق بدقة ظروف العمل القاسية التي مّر بها هو أنيان كعامل توصيل للطرود، واصفاً تلك الفترة بأنها «استنزاف للروح قبل الجسد»، حيث يجد الإنسان نفسه مجرداً من هويته، لا ينظر إليه إلا كـ«رقم تتبع» في تطبيق إلكتروني. الكاتب وصف الدوام الذي يمتد لـ12 ساعة متتالية، والفترات التجريبية بلا أجر، والبرد القارس والحرارة الخانقة والضغط المتواصل لإتمام مهام توصيل الطرود، كما وصف أيضاً كيف يعيش عمال التوصيل في غرف مقسمة إلى حجرات بلا نوافذ، أو في «بيوت القواقع»، وهي وحدات محمولة لا تتجاوز حجم السرير. الكتاب قُسم لفصول قدمت كـ«يوميات معركة»، ففي الفصل الأول «سباق ضد الزمن» يستعرض هو أنيان الضغط النفسي الهائل الذي تفرضه الشركات لتوصيل الطرود في مدة زمنية مستحيلة، وكيف تتحول الشوارع إلى حلبة صراع للبقاء. ثم يتعرض في الفصل الثاني «المدينة غير المرئية» إلى علاقة العامل بالمدينة، كيف يراها خلف الأبواب المغلقة وفي الممرات الخلفية، وكيف يشعر بالغربة رغم كونه المحرك الأساسي لحياة سكانها. وفي الفصل الثالث الذي يحمل عنوان «فلسفة الطرود»، ينتقل الكاتب من الرصد الواقعي إلى التأمل الفلسفي، متسائلاً عن قيمة العمل والكرامة الإنسانية في عصر يتم فيه تشييء البشر.

في واحد من أكثر المقاطع تأثيراً، يكتب أنيان ما يلي: «لم أكن أقود دراجتي، كنت أقود قدري المترنح بين زحام السيارات. في عيون الزبائن، أنا لست بشراً، أنا مجرد مهمة يجب أن تنتهي بسرعة. ولكن في أعماقي، كنت أخزّن كل نظرة ازدراء لأصنع منها درعاً من الكلمات». وفي مقطع آخر، يحلّل الكاتب علاقته بالخوارزمية التي تتحكم في جهده وفي أنفاسه. فيكتب: «الخوارزمية لا تعرف التعب، ولا تعرف أنني أب أو أنني مريض. إنها تطلب مزيداً من السرعة مقابل سنتات قليلة. لقد اكتشفت أن الحرية في بكين هي المسافة القصيرة بين طردين».

يتجاوز الكتاب حدود السيرة الذاتية ليصبح بياناً ضد توحش اقتصاد العمل الحر

صحيفة «لوموند»

حظي الكتاب بترحيب نقدي واسع في الدوائر الإعلامية الأنجلوسكسونية والفرنسية، حيث وُصف «هو أنيان» بأنه أحد أبرز المواهب الأدبية الصينية الجديدة من قبل صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية. وقد اختار ثلاث من أبرز المنابر الثقافية: «الغارديان»، و«صنداي تايمز»، و«الإيكونوميست»، «حياتي كعامل توصيل في بكين» ضمن أفضل كتب عام 2025. في صحيفة «الغارديان» أشارت الناقدة ريبيكا ليو إلى أن الكتاب يتناول موضوع الطبقة الاجتماعية، وتحديداً القوة العاملة منخفضة الأجر التي لا تحظى بالاعتراف، والتي تتعرض للاستغلال، والتي كانت وقود الطفرة الاقتصادية في الصين، بل العالم أجمع، في ظل العولمة. وفي مراجعتها بصحيفة «نيويورك تايمز»، اعتبرت الناقدة ليا غرينبلات أن الكتاب يقدم شهادة حية من خطوط المواجهة الأمامية لاقتصاد العمل الحر، وأن رحلة الكاتب من عامل متنقل بين الوظائف منخفضة الأجر إلى مؤلف مشهور عالمياً تحمل طابعاً استثنائياً.

أما صحيفة «لوموند» فقد خصّصت لمراجعة هذا العمل مساحة مطوّلة، واصفة إياه بأنه «مرآة كاشفة للاغتراب المعاصر»، حيث رأى نقّادها أن قوة «هو أنيان» لا تكمن في كونه ضحية لنظام اقتصادي جائر فقط، بل في امتلاكه تلك «النظرة السوسيولوجية» الثاقبة التي تحلل الطبقة الاجتماعية الصينية الجديدة. واعتبرت الصحيفة أن الكتاب يتجاوز حدود السيرة الذاتية ليصبح بياناً أو «مانيفستو» ضد توحش اقتصاد العمل الحر، مشيدةً بقدرة الكاتب على وصف «استنزاف الروح» الذي يسبق انهيار الجسد، وكيف يتحول الفرد في شوارع بكين إلى مجرد «رقم» في عالم افتراضي لا يعترف بالبشر. أما صحيفة «لفيغارو»، فقد ركّزت في قراءتها على الجانب الجمالي والأخلاقي للنصّ، واصفة أسلوب «أنيان» بـ«الواقعية العارية» التي لا تهدف إلى استدرار العطف، بل إلى إثارة التأمل الفلسفي حول قيمة الكرامة الإنسانية. وأشارت الصحيفة إلى أن الرحلة الاستثنائية للكاتب، من العيش في «بيوت القواقع» ووحدات الحاويات الضيقة إلى منصات التوقيع في كبرى دور النشر العالمية، تمثل انتصاراً للوعي على المادة. وذهبت «لفيغارو» إلى أن «أنيان» نجح في فضح زيف «الحرية» في المدن الكبرى، تلك الحرية التي اختزلها الكاتب ببراعة في «المسافة القصيرة بين طردين».


نادية هناوي...مشروع معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد

نادية هناوي...مشروع  معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد
TT

نادية هناوي...مشروع معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد

نادية هناوي...مشروع  معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد

بدأت الريادة الحقيقية لمسيرة النقد العراقي مع مشروع الدكتور علي جواد الطاهر النقدي الذي لفت الأنظار إلى متانته ومنهجيته ومواكبته الدؤوب للنتاج الأدبي العراقي، ثم ظهرت إلى جانبه محاولات نقدية مشكلة وإياه نواة منظورة لحركة النقد الأدبي العراقي متمثلة بتجارب الأستاذ الناقد الموسوعي باسم حمودي وعبد الجبار البصري، لكن الطاهر كان الأبرز تمثيلاً لها والأوضح تحفيزاً لفرسان النقد العراقي الذين بدأت مشاريعهم النقدية أواخر ستينات القرن الماضي؛ عبد الجبار عباس، وشجاع مسلم العاني، وفاضل ثامر، وياسين النصير الذين شيّدوا متناً نقدياً عراقياً نهض كل منهم في صياغة جانب منه؛ لتنطلق حركة نقدية جادة قوية التأثير في العمل الإبداعي العراقي؛ شعرياً وسردياً، آتت أكلها في إغنائه بكشوفات نقدية تنهل من حركة النقد عربياً وعالمياً بالانفتاح على مناهج ومدارس وتجارب نقدية وفكرية فيها... موضوعات ومفاهيم ومصطلحات. ولن تفوتنا إسهامات عبد الرحمن طهمازي لكن صوته الشعري كان الأطغى والأعلى نبرة في مسيرته الإبداعية.

وخلال عقد السبعينات ظهرت أسماء جديدة لشبان واعدين مثل محمد جبير وعبد الرحمن عناد ومؤيد الطلال وعبد الكاظم عيسى وسليم عبد القادر.

خلال الثمانينات ولدت تجربتان نقديتان مهمتان مثلتهما كتابات الدكتورين مالك المطلبي وحاتم الصكر؛ الأولى اقتفت أثر المدرسة الفرنسية في تمظهراتها البنيوية. أما الثانية، أي تجربة الصكر النقدية، فبرعت في النهل من المنهج القرائي وتعدد مستويات قراءاته، وإلى جوار هاتين التجربتين المهمتين اللتين أثرتا تأثيراً كبيراً في فحص الإبداع العراقي وأضافتا لبنات واضحة في مدماك النقد التطبيقي وفي ظلهما بدأت تجارب لافتة للنظر تتلفع بالأكاديمية التي كانوا يدشنونها آنذاك؛ صالح هويدي وعبد الله إبراهيم وباقر جاسم ومحمد صابر عبيد.

خلال العقدين المنصرمين بزغ في المشهد النقدي العراقي اسم نسوي لا ذكوري. إنه اسم الناقدة الدكتورة نادية هناوي؛ اسم اعتلى عتبات النقد الأدبي وطرق أبوابه بقوة وجرأة واضحتين لفتتا انتباه المبدعين الكبار عراقياً وعربياً؛ بجهدها المثابر واجتهادها الفريد؛ ليشغل عطاؤها مساحات واسعة من الصحف من خلال مقالات وكتب قيمة أصدرتها دور نشر محترمة، فاستقبل مشروعها النقدي بالإعجاب والثناء والتقدير. وكان أول المرحبين والمبشرين به الناقد الكبير فاضل ثامر الذي وصفها براهبة النقد، وتتبع عطاءها بالبحث المعمق وبانبهار وخلص إلى القول «يحق لنا أن نحتفي بولادة منظرة أدب عربية». ووصفها الناقد شجاع مسلم العاني بكونها ناقدة «قادرة على خرق المسلمات النقدية العراقية والإتيان بما هو جديد ومختلف... إنها ناقدة كبيرة وموهبة نقدية كبيرة».

ومن خارج دائرة النقد العراقي، عربياً، تواتر الإقرار بمشروعها النقدي.

ومرد ذلك متانة ورصانة مشروعها النقدي وأهميته وفاعليته النظرية والإجرائية. ومن التوصيفات الدقيقة لهذا المشروع، ما أكدته الباحثتان الدكتورة رواء الخزاعي ومها فاروق الهنداوي والدكتور عزيز الموسوي في الندوة التي عقدها اتحاد الأدباء تحت عنوان «استراتيجيات القراءة لدى الناقدة نادية هناوي»، إذ أكدوا، وهم باحثون أكاديميون وأساتذة متخصصون في السرديات بكبرى الجامعات العراقية، أن «الناقدة الكبيرة نادية هناوي ذات مشروع ريادي ليس بمعزل عما بعد الحداثة، وأنه مشروع بنيوي معرفي شهد تحولات مهمة وشكَّل مرحلة مفصلية في النقدية العراقية والعربية، بالأخص في كتاباتها عن السرد والتاريخ»؛ ولاحظوا أن التحول من نصاني إلى معرفي فلسفي والنفس للحداثة واضح فيه، إذ لم تتعامل هناوي بالمصطلح كما هو قار في المدونة الغربية، بل تحاوره وتسائله وتنتزع مصطلحاً ينتمي إلى فضائها، كما هو الحال في اجتراحها مصطلح «رواية التاريخ» بعد مساءلة فكرية فلسفية مفندة مصطلح المتخيل التاريخي الذي ذهب إليه بعض النقاد. فالتاريخ لديها ليس استحضاراً، بل استدعاء للمساءلة، والاستدعاء كسر لسلطة التاريخ.

لقد أجمعت بحوث الندوة أن «هناوي امتلكت أدوات الناقد النظرية والإجرائية والملكة النقدية، وأن مشروعها الكبير شكلته عدة روافد، منها المدونات الغربية غير أنها لم تكن ناقلة لها، بل فاحصة ومحاورة ومجترحة داخلة نظرية المعرفة بشجاعة عالية ولم تكن بمعزل عن الموروث العربي، لكنها لم تستدعه للمباهاة أو المباهلة، بل لإثبات التلاقح الفكري والإبداعي، وأنها تُغني قارئها بقراءاتها الموسوعية الاستقصائية، وقد تجاوزت الكتابة في التخصص الدقيق مخاطرة عن وعي منتقلة من النظرية السردية إلى علم السرد والسرد ما بعد الكلاسيكي».

ويأتي الكتاب الأربعون «أقلمة سرديات الرحلة عربياً وأجنبياً»، الصادر مؤخراً عن دار «أبجد»، في الوقت الذي تصارع فيه ناقدتنا الكبيرة وحشية المرض اللعين.

والكتاب ضمن سلسلة أبحاثها التي محورها أقلمة السرد العربي مستندة على أصول ومتون في مصادر ومظان ترود فيها بفرادتها وغزارتها منذ سنوات عدة.

ويتمحور الكتاب على السرد (الرحلي) من ناحيتي التأصيل النظري والنمذجة الإجرائية عبر فصوله الثمانية؛ إذ يهتم الفصل الأول باستقصاء القاعدة التي قامت عليها الأصول وتمخضت التقاليد الأدبية فتشكلت الأجناس، وبذلك تأصلت الرحلة كنوع سردي.

بينما يركز الفصل الثاني على دور رحلة غلغامش في نشأة التقاليد موضوعياً وفنياً كونها - أي الرحلة الغلغامشية - مصدراً أصلياً ساهم في البناء الشعري الملحمي، أولاً، والتدوين والنسخ، ثانياً، في ترسيخ أصالة هذا المصدر الذي تمظهرت أقلمته بأشكال مختلفة لا في مرويات الرحلات العربية فقط بل قبل ذلك في المرويات الصينية ذات التاريخ العريق - إلى عصور ما قبل الميلاد - وفيها شكلت الرحلة موضوعاً رئيسياً.

وتنتقل د. هناوي في الفصل الثالث إلى أقلمة الرحلة العربية والأجنبية في ضوء علم السرد غير الطبيعي باحثة في دور المؤلف وأهمية المكان في السرد الرحلي عبر ضمير المتكلم على مستويي الإنشاء النصي وموثوقية التوصيل القرائي، ثم تعرج على مركزية الهوية في تأليف الرحلة العربية التي تراها الأكثر تمثيلاً لموضوعة الذات والآخر والهوية من خلال المحاور التالية: 1- موقع المؤلف هامشاً في الثقافات الأجنبية، 2 - موقع المؤلف مركزاً في الثقافات الأحادية، 3 - أساليب أقلمة السرد الرحلي عامة ورحلة ابن فضلان خاصة (أقلمة كتاب الرحالة الحسن بن محمد الوزان؛ وصف أفريقيا).

يذكر أن هذه الرحلة كانت مدار رواية الكاتب أمين المعلوف «ليون الأفريقي»، وكتاب «وصف أفريقيا» الذي تراه هناوي نصاً مصدراً تمت أقلمته تاريخياً، وقد تمت أقلمة الكتاب نقدياً أيضاً من قبل محمد مهدي الحجوي بعنوان «حياة الوزان الفاسي وآثاره»، ودراسة أخرى بعنوان «ليون الأفريقي» للمستشرق كراتشوفسكي في مؤلفه «تاريخ الأدب الجغرافي العربي». وفي دراسة أساليب النصوص الرحلية المؤقلمة تقف عند رحلة الوزان عبر النص الروائي لأمين معلوف.

ولا يفوتها إجراء مفاضلة بين الأنا والآخر في الرحلة المتخيلة روائياً، أسلوباً ونمذجةً، ومدى درجة تقاربها والرحلة الفعلية، وآفاق بناء المتخيل السردي وتغيراتها تاريخياً متخذة من روايتي «الخميائي» لباولو كويلو ورحلة «ابن فطومة» لنجيب محفوظ مثالاً. وفي الفصل الأخير تعرج الباحثة على دراسة إقلمة سردية الرحلة الأجنبية من وجهة نظر الدراسات الثقافية على قلة ما يتعلق منها بأدب الرحلات ومؤلفة حديثاً ككتاب «نظرات إمبريالية: كتابة الرحلة والعبور الثقافي» و«مفردات مفتاحية في دراسة أدب الرحلات... مسرد نقدي».


بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»

بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»
TT

بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»

بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»

«لدى التصدي لتحقيق مخطوطات تنتمي لعالم الثقافة الشعبية المتسع والمراوغ، يكون الاختلاف المنهجي ضرورة يضطر إليها المحقق اضطراراً، فنحن في واقع الحال نكون أمام ثقافة موازية لما تعلمناه في قاعات الدرس، وهي ثقافة مختلفة إلى حد بعيد، كما أن هذه المخطوطات دائماً ما تثير قضايا خلافية وتدفع إلى بلورة أفكار جديدة، سواء على مستوى الموضوعات أو القضايا المنهجية. فاختلاف طبيعة المخطوط ومضمونه يحتّمان بلا شك طبيعة الإجراءات والأدوات الناجعة في التعامل معه».

بهذه النبذة يقدم د. هشام عبد العزيز كتابه «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي... حدود المصطلح والإجراءات المنهجية»، الذي جاء في مقدمة وأربعة فصول، والذي يستعرض مفهوم علم التحقيق وحدود المنهجية، وتحقيق التراث الشعبي بشكل خاص، كما يتعرض في أحد الفصول للاختلاف في بنية المفاهيم والمصطلحات في علم التحقيق بين النص الرسمي والنص الشعبي. لكن من أهم الفصول الذي أفرد له المؤلف مساحة وافية هو الفصل الأخير الذي يتناول النماذج التطبيقية التي تحدث فيها عن تجاربه في تحقيق مخطوطات التراث الشعبي. يرى عبد العزيز أن تحقيق التراث الشعبي يختلف بشكل يكاد يكون كلياً عن تحقيق التراث المعروف، ليس من حيث مادته فحسب، بل من حيث فلسفة العمل ومنهجه وبنية المفاهيم الحاكمة لعمل المحقق.

وفي هذا الإطار، يؤكد المؤلف حاجة تحقيق مخطوطات التراث الشعبي إلى ما يسميه «المحقق المتخصص»، فمثل هذا المحقق وحده الذي يستطيع استنطاق المخطوط «الشعبي» بمعارف حقيقية وآمنة، ومن دونه سيكون العمل أشبه بفوضى لا تقدم جديداً. وقد ضرب المؤلف، في هذا السياق، أمثلة كثيرة لأعمال محققة بالفعل، من بينها أعمال حصلت على جوائز، لكنها في حقيقة الحال لا تقدم شيئاً، بل إنها تحتوي على «تدليس علمي»، حسب ما يقول. ويرى أن «كل مخطوط جديد يحمل خبرة جديدة وتجربة علمية وتعليمية تعزّ عن الوصف... بعد هذا المشوار الطويل الذي أكمل ثلاثة عقود، أستطيع أن أقول بكل ثقة إن تحقيق التراث بشكل عام أكثر من مجرد علم وأوسع بكثير من قاعات الدرس». إنه، كما يضيف، «عملية تعليمية فيها جانب يشبه إلى حد بعيد تعليم الحرف الشعبية التي تقتضي المعايشة اليومية والمشكلات المتجددة مع كل عمل جديد... وكذلك كل مخطوط جديد يحتاج خبرة جديدة بهذا المخطوط تحديداً، وبمؤلفه، وبزمن تأليفه، وبزمن نسخه. ثم وهو الأهم: بالمجال المعرفي الذي ينتمي إليه هذا المخطوط. وكل عنصر مما سبق يحتاج إلى خبرات محددة وعميقة للتعامل معه بالكيفية التي تنتج معرفة حقيقية نافعة».

وسبق للمؤلف أن أصدر في مجال تحقيق مخطوطات التراث الشعبي خاصة عدة كتب، منها: «ألف ليلة وليلة... حكايات أخرى»، و«معجم التحفة الوفائية في العامية المصرية»، و«المقتضب فيما وافق لغة أهل مصر من لغة العرب»، كما صدرت له عدة مؤلفات في مجال الثقافة الشعبية، منها: «فضل الخرافة»، و«معجم النيل»، و«السيرة الشعبية... جدل النوع وجغرافيا التداول».