«التنوير الراديكالي» الذي أخفق

مقاربات جوناثان إسرائيل للموضوع استغرقت 20 عاماً وجاءت في 3 مجلدات

جوناثان إسرائيل
جوناثان إسرائيل
TT

«التنوير الراديكالي» الذي أخفق

جوناثان إسرائيل
جوناثان إسرائيل

قضى البروفسور البريطاني جوناثان إسرائيل، أستاذ التاريخ الأوروبي في فترة الحداثة الأولى والمدرّس بجامعة برينستون بالولايات المتحدة نحو الـ20 عاماً الأخيرة، وهو يعيد صياغة تاريخ التنوير الأوروبي في مقاربة جديدة مثيرة احتلت أكثر من 3 آلاف صفحة نشرها تباعاً ضمن 3 مجلدات. ويأتي النّص الجديد الذي صدر مؤخراً (بالإنجليزيّة) عن مطبعة جامعة أكسفورد، ليضيف خلاصة لتلك الصياغة في ألف صفحة إضافيّة، عنونها «التنوير الذي أخفق: الأفكار، والثّورة، وهزيمة الديمقراطيّة 1748 - 1830».
قدّم البروفسور إسرائيل في هذا المعمار الفكري الهائل قراءة واثقة مدعّمة بآلاف التفاصيل والإشارات لفترة التنوير الأوروبي التي لا يختلف اثنان على مفصليتها لأي محاولة جادة لتسجيل تاريخ الغرب الحديث، وبناء تصوّر نظري - تاريخي عمّا انتهى إليه العالم اليوم في اللّحظة المعاصرة. وعن ذلك يذهب إلى الزّعم بأنه علينا التحدث عن تنويرين أوروبيين اثنين، لا عن تنوير واحد: أولهما التنوير الأوروبي - شائع الذكر - وهو يتمحور حول التجربة الفكريّة الفرنسيّة - بمساعدة من مفكرين اسكوتلنديين - التي قادها في ثلاثينات وأربعينات القرن الثامن عشر فلاسفة مثل فولتير ومونتسكيو وجان جاك روسّو. ويصف المؤلف هذه التجربة بما سماه مأساة الثورة الفرنسيّة، ومرحلة العنف الثوري أيّام ماكسيلميان روبسبير، لتفسح المجال بداية من صعود دولة نابليون بونابرت لـ«تنوير» آخر معتدل مخفف، - أو حتى تنوير مضاد - لا يجرؤ على الابتعاد عن ضفّة الأرستقراطيّة الرجعيّة، ورفيقتها المقرّبة - مؤسسة الكنيسة.
وجهة نظر البروفسور إسرائيل تذهب إلى وصف التنوير الراديكالي بمجموعة من المواقف الفلسفيّة ضمن اتجاه فكري متعاظم نحا تجاه كسر الخرافات المتوارثة، والمفاهيم اللاعقلانيّة، وسعى إلى إطلاق سراح العقل للتشكيك بكل المسلمات، وترجم في عالم السياسة رفضاً للامتيازات الأرستقراطية وحكم النخبة لمصلحة الديمقراطيّة التمثيليّة والجمهوريّات، وعداء عاتياً للمؤسسة الدينية الرسميّة، وما سماه بارون دي هولباخ - المفكّر الألماني الفرنسي (1723 - 1789) وأحد روّاد التنوير الراديكالي - بـ«الخرافات السياسيّة» والموروثات البالية.
يعيد البروفسور إسرائيل جذور التنوير الراديكالي إلى مجموعة مثقفين تجمعوا حول الفيلسوف الهولندي الشهير باروخ سبينوزا (1632: 1677) واستكشفوا نقد السلطة - الدينية، والسياسيّة والاجتماعية - في مرحلة الجمهوريّة الهولنديّة، حيث كانت الانقسامات المجتمعيّة قد أفرزت ميلاً إلى التوحّد في إطار منظومة ديمقراطيّة - بعكس معاصريهم في قلب أوروبا، الذين استكانوا للحكم الأرستقراطي. ويبدو أن هذه الأفكار تسرّبت مع مرور الوقت إلى مثقفي وسط أوروبا عبر كتابات نخبوية متداولة على نطاق محدود بداية، ولاحقاً عبر كتب واسعة الانتشار. وقد وظّفها هؤلاء في نقدهم للكنيسة والدّولة، وما لبثت أن تبلورت تياراً يدعو للعلمنة، والأممية، وحريّة التعبير والحقوق المتساوية، في موازاة قطيعة صريحة وجريئة مع المفاهيم التقليديّة المشغولة من الخزعبلات التراثيّة. في أجواء هذا التيّار نمت بذور الثورة الفرنسيّة، قبل أن يأتي اليعاقبة الذين صعدوا على أكتاف الثورة - وفق البروفسور إسرائيل دائماً - وأقاموا ديكتاتوريّة شعبويّة ديدنها العنف المفرط والقمع، قضت على كل الأصوات المعارضة، وأبعدت المفكرين والعقلاء لفائدة الدهماء بنهاية التجربة برمتها.
يفرد البروفسور إسرائيل مساحة واسعة من كتابه لاستعراض تلك الحلقة الدمويّة من التاريخ الفرنسي التي وصفها الفيلسوف أنطون ديستو دي تراسي (1754: 1836) بأنها «ثورة عمياء، بلا عقل، ضد العقلانيّة ذاتها»، وتسببت في تقبل الجمهور للحكم الديكتاتوري الملطّف لنابليون بعد أن نجحت سنوات الإرهاب القاسية في زعزعة النبض الديمقراطي الذي أطلقه الهولنديّون. ورغم محاولات متكررة لاستعادة التنوير الراديكالي مجدداً بعد الانقلاب الذي أطاح بروبسبير ورفاقه (1794)، فإن الجهات المحافظة لم توفّر الفرصة لوصم الثورة بالإرهاب، وبذلت غاية جهدها لدفنها نهائياً على نحو يمكن معه القول إن «التنوير الراديكالي» في أوروبا انتهى بلا رجعة منذ عام 1820 تقريباً.
بالطبع فثقافة التنوير وإن خسرت معركتها السياسيّة بسبب اليعاقبة، فقد بقيت أفكارها النبيلة ولم تضمحل كليّة، لكنها انتقلت لملكيّة الثورة المضادة التي استعادت معها الدّين مجدداً إلى الحياة العامّة، والتراتبات الاجتماعية المتمحورة حول هيمنة الطبقة الأرستقراطيّة والعائلات الملكيّة، لينشأ من هذا الخليط ميل إلى التغيير المتدّرج نقيض للثورات الجذريّة، ما لبث أن تمظهر في تيارات السياسة المحافظة التي نجحت عدّة مرّات وفي غير بلد أوروبي (بداية من بريطانيا عام 1815) في استيعاب غضب الفئات الشعبيّة عبر التنازلات الشكليّة دون المساس بأساسيات النّظام الجديد.
وترافقت هذه التمظهرات مع صعود شخصيّات فكريّة مهادنة من أمثال ديفيد هيوم ومونتسكيو التي تجنّبت النقد المباشر للدين، وحرصت على التفاوض مع الموروثات بدل القطيعة التامّة معها. ويلحظ المؤلف هنا أيضاً أن الكنيسة رغم إعادة الاعتبار لها في إطار منظومة الثورة المضادة، فإنها لم تتعافَ قط نتيجة مصادرة معظم أملاكها إبّان الثورة، وتفشي الأفكار التقدميّة للتنوير الراديكالي على نطاق واسع بين الجماهير.
ويتهم البروفسور إسرائيل التيارات الثوريّة الاشتراكيّة في القرن التاسع عشر بخيانة شعلة التنوير الراديكالي رغم انتسابها النظري له. فكارل ماركس وتلامذته انتحوا عن أفكار التنوير الراديكالي الديمقراطيّة الطابع إلى إشعال حروب طبقيّة، وإلى أولويّة لجهات على حساب أخرى في إطار صراع دائم على المصالح الاقتصادية بين أطراف المجتمع الواحد.
بالطبع فإن مشروعاً فكرياً ضخماً في أكثر من 4000 صفحة يدّعي تقديم تصور شمولي لمرحلة تاريخيّة حاسمة كان لها تأثير عميق في تشكيل لحظتنا المعاصرة لا بدّ وأن يتلقى كثير نقد. ومنه محاولة غير مقنعة للمؤلف بربط الثورة الأميركيّة بالثورة الفرنسيّة مستنداً إلى أفكار شخصيّات متنورة (تنويراً راديكاليّاً) مثل بنجامين فرانكلين وتوماس جيفرسون، مع أن أفكار التيار المحافظ والمتدين كانت غالبة على صياغة الدستور الأميركيّ، فيما اضمحلت ثقافة التنوير الراديكالي بعد موت توماس بين في 1809. كذلك انتقده آخرون - لا سيّما داخل فرنسا - لإعطائه وزناً غير مبرر للكتابات النظريّة ومقالات المطبوعات الثوريّة خلال فترة الثورة الفرنسيّة في إطار صياغة استنتاجاته عن المجتمعات، وعلى حساب العوامل الأخرى الممكنة بطبيعة الحال.
ومع ذلك، فإن مهمّة صياغة تصوّر كلي عن مرحلة شديدة التعقيد مثل عصر التنوير لن تسلم من الجدل، لا سيما أن إسرائيل يضع قائمة متخمة بأسماء الشخصيات التاريخيّة، بعضها ليس معروفاً على نطاق واسع، بوصفها شريكة في أحد التنْويرَينِ دون الآخر مع أن مواقف تلك الشخصيات - وفق المصادر التاريخيّة عن المرحلة - قد لا تكون بالضرورة واضحة المعالم على نحو يكفي لتعليب أحدها في ضفّة دون أخرى. وقد اتهمه آخرون أيضاً بأنّه يمنح سبينوزا - على أهميته بالطبع - حجماً أكثر من حقيقة مساهمته الفعليّة في صياغة التنوير.
وفق المؤلف، فإننا اليوم بشكل أو آخر نعيش مرحلة أقرب لنكون فيها عيالاً لديفيد هيوم، الذي انتصر رمزيّاً على سيّد التنوير الراديكالي باروخ سبينوزا. وهي دون شكّ حالة تاريخيّة ستؤدي إلى وقت ضائع كثير للبشريّة في محاولتها التعايش مع التقاليد المتوارثة الجامدة، ومزجها بغرائبيّات ما بعد الحداثة الفاسدة - على حد تعبيره. لقد أُجهض التنوير الراديكالي، وانتصر التنوير المضاد، وهذا الأخير لا يبدو في أي مزاج للانصراف في وقت قريب.



محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً