67 مليون فرنسي يعيشون حجراً بالغ التشدد

الأمن الفرنسي انتشر في شوارع باريس أمس لفرض قواعد «الحجر» (إ.ب.أ)
الأمن الفرنسي انتشر في شوارع باريس أمس لفرض قواعد «الحجر» (إ.ب.أ)
TT

67 مليون فرنسي يعيشون حجراً بالغ التشدد

الأمن الفرنسي انتشر في شوارع باريس أمس لفرض قواعد «الحجر» (إ.ب.أ)
الأمن الفرنسي انتشر في شوارع باريس أمس لفرض قواعد «الحجر» (إ.ب.أ)

لم تعرف فرنسا، في زمن السلم، وفي تاريخها الحديث، حجراً مشدداً كالذي فرضته سلطاتها ليل الاثنين إلى الثلاثاء في محاولة منها لإبطاء التفشي المثير للقلق، لا بل الهلع، لوباء «كوفيد - 19». ذلك أن 67 مليون فرنسي مدعوون للبقاء في منازلهم والامتناع عن الخروج، إلا لأسباب «وجيهة» كالذهاب إلى العمل أو الرجوع منه أو التبضع من مخازن الأغذية أو شراء الدواء.
ومنذ منتصف نهار أمس، توقفت الحركة في البلاد بنسبة مرتفعة للغاية، مع إغلاق المدارس والجامعات والمواقع السياحية والمسارح ودور السينما والمطاعم والمقاهي، وحتى الحدائق العمومية كما فعلت بلدية باريس. وأصدرت وزارة الداخلية تعميماً يفيد بأن أي مواطن أو مقيم يرغب في مغادرة منزله، ملزَم بأن يحمل شهادة موقّعة يبرر فيها خروجه، وإلا فإنه يتعرض لدفع غرامة يمكن أن تصل إلى 135 يورو.
ومن أجل تطبيق هذه التدابير بالغة الصرامة التي تجعل فرنسا تقتدي بما سبقتها إليه إيطاليا وإسبانيا، فإن وزارة الداخلية عمدت إلى تعبئة 100 ألف رجل شرطة ودرك ونشرهم في أنحاء الجمهورية كافة، بحيث يشكّلون «الجيش» الذي أراده الرئيس إيمانويل ماكرون لخوض «الحرب» التي تحدّث عنها في كلمته المتلفزة الأخيرة ليل أول من أمس، إلى الفرنسيين، والتي كرّرها ست مرات.
وللتدليل على حراجة الموقف، تكفي الإشارة إلى أن 35 مليون مواطن شاهدوا رئيسهم يتوجه إليهم عبر الشاشة الصغيرة، حيث قرّعهم من جهة بسبب «خفّتهم» في التعاطي مع التوصيات الحكومية. وأنهض، من جهة أخرى، عزيمتهم بتأكيد أن فرنسا «ستخرج منتصرة» من حربها مع هذا العدو «غير المرئي» ومن «نوع جديد». أما رسالة ماكرون الثالثة، فكانت الدعوة إلى الاتحاد والالتحام والتحلي بحس المسؤولية والتشديد على أهمية التقيد بالتوصيات التي فصّلها لاحقاً كريستوف كاستانير، وزير الداخلية. ومقابل هذه الدعوات، ركّز ماكرون على أنّ همّ الدولة الأوحد اليوم هو محاربة الفيروس القاتل، الذي أودى حتى ظهر أمس بحياة 148 شخصاً وأصاب 6650 في فرنسا.
والمقلق أن تفشّيه يقوى أكثر فأكثر، حيث إنه أصاب 1200 شخص في 24 ساعة، وهو أعلى رقم منذ وصوله إلى الأراضي الفرنسية ما يبرر التدابير الحكومية المتخطية بأشواط ما تسمى «المرحلة الثالثة» من مواجهة الفيروس. واستعانت الحكومة بوحدات متخصصة من الجيش في قطاع الصحة لإنشاء مستشفى ميداني شرق فرنسا، وهي المنطقة الأكثر تعرضاً للفيروس. كذلك، أصدرت وزارة الداخلية قراراً «يصادر» سيارات النقل «تاكسي» وبعض الفنادق لوضعها بتصرف المستشفيات، التي تعاني من دفق لا يتوقف من المصابين بالفيروس أو الحالات المشتبه بها.
ومنذ ظهر أمس، أي منذ أن دخل الحظر حيز التنفيذ، خيّمت أجواء غريبة على البلاد. ففي باريس، فرغت الساحات من روادها والشوارع من المارة والطرق من السيارات. والازدحامات الوحيدة ظهرت، كما في الأيام الأخيرة، أمام محال المواد الغذائية والصيدليات والمخابز. وأصدرت وزارة الداخلية لائحة مفصلة لما هو متاح وما هو ممنوع.
كذلك، أبرزت على موقعها نماذج للشهادة التي يتعيّن على كل شخص خارج من منزله أن يحملها. ومن الذين يتمتعون بأكبر قدر من حرية الحركة، الأطباء والممرضون والصحافيون. وقال أحد الرياضيين الذي كان يركض في غابة بولونيا الواقعة على مدخل باريس الغربي، إن رجال الشرطة أوقفوه وطلبوا منه العودة إلى منزله لأنه يمارس رياضته «بعيداً عن مسكنه».
وعملياً، لا يتعين أن يبتعد أكثر من 500 متر عن بيته، ولا يحق له الجري أو ركوب الدراجة الهوائية مع أفراد عائلته أو أصدقائه، حتى إن الغداءات العائلية قد مُنعت. لكن التعميم الحكومي سمح لأصحاب الكلاب إخراجها في نزهات لا تتجاوز الشارع أو الحي الذي يسكن فيه أصحابها. وحثّت وزارة الصحة المواطنين على الإقلال من الاحتكاكات التي يجب ألا تزيد على الخمسة في اليوم.
وبيّنت ريبورتاجات القنوات الإخبارية المناطق السياحية الرئيسية فارغة تماماً، كما في مدينة نيس الواقعة على الساحل المتوسطي، حيث بدا ما يسمى «متنزه الإنجليز» حزيناً من غير زواره، كما بدت مدينتا دوفيل وبياريتز على الشاطئ الأطلسي مقفرتين.
وأمس، انتشرت وحدات الشرطة في شوارع المدن منذ الظهيرة لتطبيق التدابير الحكومية، فيما عمدت وحدات الدرك، خارج المدن، إلى إقامة حواجز متنقلة للسؤال عن دوافع التنقل وطلب إبراز الشهادة الضرورية. وكان اللافت مسارعة الآلاف من سكان العاصمة والمدن الرئيسية، مثل ليون ومارسيليا، إلى الرحيل باتجاه الأرياف هرباً من الانحباس في شقق المدن الضيقة مع الأطفال والأولاد المحرومين من مدارسهم.
وتفيد المشاهدات بأن الفرنسيين المعروفين، كما بقية الشعوب اللاتينية، باستخفافهم بالممنوعات، أنهم يتقبلون هذه المرة بطيبة خاطر القرارات الحكومية ويعملون بوحيها. وقال جان دانيال لونورمان، وهو مهندس متقاعد متقدم في السن، إن ما يعيشه اليوم «يذكّره» بفترة الحرب، حيث كان الناس يتهافتون على المخابز والمخازن الغذائية صباحاً، ويسارعون بعدها إلى العودة إلى منازلهم لاحترام قوانين منع التجول.
وفي كلمته، أفاد ماكرون الذي لم يستخدم أبداً كلمة «حجر»، بأن العمل بالقواعد الجديدة سيدوم أسبوعين قابلين للتمديد. إلا أن الفرنسيين لا يصدقون رئيسهم، وقناعتهم بأن فترة تقييد تحركاتهم ستدوم أسابيع إن لم تكن شهوراً، إذ لا أحد يصدق السيطرة على «كوفيد - 19» خلال أسبوعين.
يبقى أن الضحية السياسية الأولى للفيروس كانت الانتخابات المحلية، التي أعلن ماكرون إرجاءها إلى زمن لم يحدده، فيما اقترح رئيس حكومته إدوار فيليب، تأجيلها إلى 21 يونيو (حزيران) المقبل، «إذا سمحت الظروف» بذلك.
وفي سياق موازٍ، فصّلت الحكومة خطتها لمواكبة الشركات والمؤسسات مادياً واقتصادياً، في مرحلة بالغة الصعوبة. وأكد ماكرون أن الدولة «مستعدة للدفع»، ورصدت 300 مليار يورو لضمان القروض التي ستحتاج إليها الشركات المتوقفة أعمالها. وتقدر وزارة الاقتصاد أن فرنسا ستعرف انكماشاً اقتصادياً قد يزيد على 2%.

لذا، فإن ماكرون يجهد لتعبئة الاتحاد الأوروبي لإطلاق خطة جماعية لمواجهة «كورونا» وتمدده، ولكن أيضاً لاستيعاب تبعاته الاقتصادية. وجرت، أمس، قمة لقادة الاتحاد الأوروبي عبر دوائر تلفزيونية مغلقة للتفاهم عليها، حيث بدا أن التدبير الأول هو إغلاق حدود الاتحاد الخارجية، فيما تحولت أوروبا إلى بؤرة انطلاق وتفشٍّ لـ«كوفيد - 19».


مقالات ذات صلة

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.