أسرار الأيام الأخيرة من حكمي مبارك ومرسي

القيادي اليساري رفعت السعيد يكشف كواليس لقاءاته مع قادة المجلس العسكري ومبارك ونجله جمال.. وصراعات الإطاحة بحكم «الإخوان»

مبارك في بداية عهده يجتمع مع خالد محي الدين عضو مجلس قيادة الثورة ورفعت السعيد
مبارك في بداية عهده يجتمع مع خالد محي الدين عضو مجلس قيادة الثورة ورفعت السعيد
TT

أسرار الأيام الأخيرة من حكمي مبارك ومرسي

مبارك في بداية عهده يجتمع مع خالد محي الدين عضو مجلس قيادة الثورة ورفعت السعيد
مبارك في بداية عهده يجتمع مع خالد محي الدين عضو مجلس قيادة الثورة ورفعت السعيد

يرصد السياسي والمؤرخ المصري رفعت السعيد المتغيرات الدقيقة التي أسهمت بقوة في إنهاء حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، سواء من الشعب أو من الأجهزة المعنية. وكشف السعيد للشقيقة مجلة «المجلة»، في عددها الصادر هذا الشهر، عن كواليس الاضطرابات الكبرى التي شهدتها البلاد منذ عام 2011، ودور جماعة الإخوان المسلمين ورئيس المخابرات ورئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة في محاولة الإمساك بدفة الأحداث وسط أمواج متلاطمة من المظاهرات والفوضى الأمنية التي ضربت البلاد عقب تخلي مبارك عن الحكم. كما يتطرق السعيد لصراعات جبهة الإنقاذ التي أطاحت بحكم الرئيس المعزول محمد مرسي، ويتناول في الوقت نفسه لمحات وأسرارا من المقابلات التي جمعته مع كل من الرئيس الأسبق ونجله جمال، وعدد من قادة الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم الذي كان يرأسه مبارك حتى جرى حل الحزب بعد ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011.
وفي ما يلي ملخص لشهادة القيادي اليساري البارز رفعت السعيد الموسعة لـ«المجلة» بشأن سنوات الاضطرابات الكبرى التي مرت على مصر منذ أحداث 25 يناير إلى ثورة 30 يونيو (حزيران) 2013 التي أطاحت بالرئيس محمد مرسي وجماعة والإخوان المسلمين.

بدأ رفعت السعيد شهادته بكشف تفاصيل دعوة المجلس الأعلى للقوات المسلحة له لمقابلة عدد من قادته في أعقاب قرار الرئيس حسني مبارك بتكليف القوات المسلحة بتسلم السلطة بعد تخليه عن منصب رئيس الجمهورية مساء الجمعة 11 فبراير (شباط) عام 2011.
يقول السعيد إنه كان حاضرا في هذه المقابلة، من أعضاء المجلس العسكري الحاكم وقتها، اللواء محمد العصار، واللواء ممدوح شاهين، واللواء محمود حجازي، واللواء إسماعيل عتمان، الذي كان مسؤولا عن الإعلام (إدارة الشؤون المعنوية بالجيش)، بالإضافة إلى اللواء عبد الفتاح السيسي (رئيس الدولة الحالي) الذي كان عضوا في المجلس بحسب وظيفته كمدير للمخابرات العسكرية والاستطلاع، وذلك وفقا لما كان مكتوبا على بطاقة التعريف الخاصة به، والتي أعطاها للسعيد حيث لم تكن عليها أي أرقام هواتف، وهو أمر نادر لا تجده إلا في كروت تعريف الشخصيات المهمة.
ويتابع السعيد، الذي تعرض للاعتقال والسجن في عهد عبد الناصر، قائلا إن هذه المقابلة مع أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة جرت وقائعها بعد تخلي مبارك عن سلطاته بنحو 4 أو 5 أيام، في فندق «تيريومف» بشارع الخليفة المأمون في شرق القاهرة، واستمرت نحو 5 ساعات، ويقول إن الذي كان يتحدث في هذا اللقاء هو اللواء السيسي «لسبب لم أكن أعرفه»، ويواصل متذكرا ذلك اللقاء: «المهم جلست، وقلت لهم: حضراتكم لا تعرفونني.. أنا رجل لا أريد شيئا، ولا أتنازل عن رأيي إلا إذا اقتنعت بعكسه.. أريد فقط أن أتقدم بالنصيحة من وجهة نظري، وأن أستمع لأقدم رتبة عسكرية فيكم».
ويضيف السعيد أن أقدم رتبة بين القادة العسكريين الجالسين كان اللواء محمود حجازي، الذي بادره بالقول: «نحن، في العسكرية، لا يتكلم الأقدم أولا، ولكن يتكلم الأقل أقدمية أولا». فسأله رفعت السعيد متعجبا: «ولماذا؟»، فقال له اللواء حجازي: «لأن الأقدم رتبة لو تكلم، وكان في كلامه شيء من الخطأ، فإن الأقل منه رتبة لن يستطيع أن يقول له إنه على خطأ، وما يجب وما لا يجب. لكن عندما يتكلم الأقل أقدمية أولا فإن الأعلى رتبة منه يستطيع أن يصحح له ويقول له أنت أخطأت في كذا وينبغي كذا ولا ينبغي كذا، وعلى هذا نستطيع أن نتبادل الأفكار وأن نتفاهم مع بعضنا بعضا».
ويتابع الدكتور السعيد قائلا إن السيسي، الذي كان أقل لواءات أعضاء المجلس العسكري أقدمية في ذلك اللقاء، واصل حديثه بعد ذلك و«تكلم باستفاضة شديدة، ولا أعتقد أنه مسموح لي بأن أقول كل تفاصيل الحوارات التي جرت هناك، لكني قلت لأحد أعضاء المجلس العسكري: أنتم جيش منضبط، فما معنى أن يكون مبارك جالسا في بيته وهو ما زال رئيسا للجمهورية، وتسمحون بمرور دبابة أمام كاميرات التلفزيون مكتوب عليها يسقط مبارك.. تمر هذه الدبابة بهذه اللافتة، فمن كان يقف وراء المكتوب عليها، وهل كان ذلك دون إذن من قادة الجيش، مثلا؟». وأجاب عضو عسكري البارز قائلا: «نحن مَنْ كتبها.. هذه رسالة للعالم، ولك، ولـ(25 يناير)، ولمبارك نفسه.. رسالة لمبارك بأن الجيش لم يعد معه».
وفهم الدكتور السعيد من خلال المجريات التي أعقبت تخلي مبارك عن سلطاته بأيام أن الجيش كان قد حسم أمره قبل قرار مبارك نفسه بالتخلي عن سلطاته.

* التوريث وسقوط مبارك
* ويسترجع السعيد ذكرياته إبان حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك مبينا في حديثه أن من بين أهم المتغيرات التي أسهمت بقوة في إنهاء رئاسة مبارك ما تعكسه الرسالتان اللتان وصلتا له من أحد أشد المقربين من عائلة مبارك وقصر الرئاسة، وذلك في الأشهر الأخيرة من عام 2010، حين قال له إن الرئيس قرر أن يقف بقوة ضد رغبة بعض الأطراف الحزبية والعائلية في ترشيح جمال مبارك، نجل الرئيس، للرئاسة، التي كان موعدها في خريف عام 2011، خلفا له، ثم عاد نفس هذا الرجل، وكان عضوا مهما في مجلس الشورى (الغرفة الثانية في البرلمان)، ونقل رسالة مغايرة للسعيد، قال له فيها: «الموقف تغير.. لقد تجمَّعوا حوله، وأقنعوه بترشيح جمال».
في أواخر عام 2009 ومطلع عام 2010 كانت الأسئلة السياسية في مصر قد أخذت تكبر وتتضخم دون إجابة. والمظاهرات تتزايد في الشوارع، والحركات الشبابية والمعارضة تتشكل في القاهرة وبعض المحافظات. ومع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية التي كان مقررا التحضير لها منذ صيف 2011، أصبحت سلالم نقابة الصحافيين في العاصمة أشهر مكان تعلو فيه صيحات الرافضين لما يتردد عن اعتزام الرئيس مبارك توريث ابنه جمال الحكم، رغم أن الرئيس وقادة الحزب الحاكم كانوا ينفون هذا الأمر. وفي تلك الأثناء اقترب الدكتور السعيد من نائب كان يحظى بأهمية كبيرة بين أعضاء مجلس الشورى، لسببين: صداقته الطويلة لمبارك، وصلة القربى مع أسرته. ويقول السعيد إن الرجل تعرف على مبارك قبل عدة عقود، أي في مطلع ستينات القرن الماضي، حين كان كل منهما في بعثة دراسية في موسكو، وإنه كان حين يتحدث عن فترة الدراسة تلك يقول عنه إنه كان عسكريا مستقيما جدا، وكان يمكث طيلة الوقت في استذكار دروسه، ولا يحب الخروج. كما أن كل التقارير التي كانت تُكتب عنه وهو طالب كانت تقول إنه دؤوب، وإنه لا يخرج كثيرا ولا يشرب الخمور.
ويوضح السعيد قائلا إنه في واحدة من المرات التي كان فيها القلق كبيرا في البلاد بشأن المستقبل، خاصة أن مبارك كان قد بلغ من العمر نحو 80 عاما دون أن يعين نائبا له، سأل قريب أسرة مبارك وصديقه: «أريد أن أسألك سؤالا وتجيبني عنه بصراحة.. هل قريبك (يقصد مبارك) ينوي توريثنا لابنه؟».. فأجابه الرجل: «لا.. وحين تناقشت معه في هذا الموضوع رد مبارك قائلا إن مصر ليست عزبة أبي حتى أورثها له (لجمال). وقال لي أيضا اذهب إلى قريبتك (أي إلى سوزان مبارك) وأخبرها بأن هذا لا يصح ولا ينفع، وأنا أخشى على الولد من أن يتعرض للقتل لهذا السبب».
ويتابع السعيد أنه بعد مرور نحو شهر، وفي أحد الأيام، حين كان في قاعة مجلس الشورى، وجد الرجل نفسه يبحث عنه، وحين قابله قال له: «أريد أن أخبرك بأن المعلومة التي قلتها لك أصبحت خطأ. نجحوا في إقناعه بأن يأتي جمال رئيسا، وأن يجري إعداده لهذا الأمر.. كلهم (أعضاء من أسرة مبارك وقيادات من الحزب الوطني) تجمعوا حول الرئيس، وأخذوا يتحدثون معه ويعطون المبررات ويقنعونه حتى اقتنع.. أخبرك بهذا حتى لا يأتي يوم وتجد جمال مرشحا للرئاسة فتقول إنني كنت أكذب عليك».
ومن وجهة نظر السعيد فإن مبارك في أيامه الأخيرة «انقطع الإرسال بينه وبين الجميع وجرت محاصرته محاصرة تامة بطريقة كان يطلق عليها البعض حلقة النار، وأحد أبرز من كانوا يحيلون بين مبارك والآخرين رئيس ديوان رئيس الجمهورية، زكريا عزمي، الذي كان يشغل موقعا قياديا في الحزب الحاكم أيضا. ويتذكر السعيد إحدى الوقائع التي تخص هذا الموضوع، قائلا إنه «حين جرى تعيين أحد أصدقائي ممن كانوا يعملون في مؤسسة (الأهرام)، لرئاسة الهيئة العامة للاستعلامات (وهي واحدة من الهيئات المهمة للدولة خاصة على الصعيد الخارجي) اصطحبه مبارك معه في رحلة لإحدى الدول الأجنبية، لأنه كان يريد أن يتعرف عليه بشكل جيد». وفي الطائرة، حسب رواية السعيد، «أخذ رئيس هيئة الاستعلامات يتبادل الحديث مع مبارك، إلى أن قال له: يا ريس.. أنا عندي طلب بسيط، وهو أن تعطيني الإذن بأن أتصل بك في أي وقت، لأنه أحيانا تكون هناك معلومات تأتيني ينبغي أن تعلم بها أو أريد أن أسأل عن معلومة حتى لا أخطئ». ويضيف السعيد أنه أثناء انتقال رئيس هيئة الاستعلامات من المقعد المجاور لمبارك إلى مقعده الآخر في الطائرة، قال له المسؤول عن مكتب الرئيس: «أنت كسرت حلقة النار».. وكان يقصد حلقة النار حول مبارك. وأصيب رئيس الهيئة بالقلق، وحين عاد لمصر أبلغ السعيد عن الواقعة، فأخبره بأن ما حدث يعني أنه سيفقد موقعه، وهو ما حدث بعد نحو شهرين من تعيينه في هذا الموقع.

* السنوات العشر الأخيرة
* ويتحدث السعيد عن أن السنوات العشر الأخيرة من حكم مبارك كانت قد ازدحمت بالحديث عن الفساد والإفساد بطريقة جنونية وظاهرة للعيان، لكن كانت لديه مشكلتان أساسيتان طوال تلك المدة. الأولى تتعلق بـ«جماعة الإخوان المسلمين» والثانية تدور حول «توريث الحكم لجمال». ويزيد قائلا: «أشهد بأن مبارك كان يكره (الإخوان)، واكتشفت أنه قرأ الكتب الثلاثة التي كنت قد أصدرتها. وحين كنت أقابله في مناسبة من المناسبات، كان يقول لي: (اكتب لنا كتابا جديدا عن الإخوان.. الموضوع بسيط وليس كيمياء)».
لكن السعيد يعود ويذكر أنه، أي مبارك، كان أيضا حريصا على استخدام الإخوان كـ«فزَّاعة» لباقي قوى المعارضة ذات التوجهات المدنية والليبرالية واليسارية. وقام حزب مبارك بالتنسيق مع جماعة الإخوان في الانتخابات النيابية، ويقول السعيد إنه حين اكتشفت قوى المعارضة تحالف حزب مبارك مع «الإخوان» في انتخابات برلمان «2005 – 2010»، كان بعض المحيطين بمبارك يتحججون بأنهم يقومون بهذا الأمر في محاولة لترضية الجماعة من أجل الابتعاد عن المشاكل وتهدئة الأجواء السياسية في البلاد. ويضيف السعيد قائلا إنه وفقا لما تحصل عليه من معلومات فإن جمال مبارك كان في الأسبوعين الأخيرين من حكم والده يسيطر على الأمور، وهو من يقرر من يلتقي بمبارك.
وحضر رفعت السعيد زفاف، أو ما يسمونه في مصر «كتب كتاب»، جمال مبارك على زوجته خديجة ابنة رجل الأعمال المعروف محمود الجمَّال، والذي جرى في قصر القبة التاريخي بوسط القاهرة، في حضور أسرتي العروسين، خاصة مبارك وزوجته سوزان. وكان نجل الرئيس قد وجه الدعوة لكل رؤساء الأحزاب والشخصيات العامة للحضور. وتوجه السعيد للسلام على العروسين، ثم سار عدة خطوات للسلام على مبارك نفسه، حيث فوجئ بمبارك يقول له: «لماذا لا تكتب لنا كتابا عن مساوئ فاروق حسني». وكان فاروق حسني، وهو فنان تشكيلي بالأساس، وزيرا للثقافة، ويتعرض لانتقادات مستمرة من صحف ونواب المعارضة بشدة، ويكرهه تيار «الإخوان»، والمتطرفون. ولم يكن يعلم حتى هذه اللحظة أن مبارك يمزح معه وفي الوقت نفسه يبلغ رسالة تحذير للوزير، لأن فاروق حسني كان يقف، بنفسه، خلف السعيد، دون أن يراه. وقبل أن يلتفت خلفه قال السعيد لمبارك: «يا سيادة الرئيس.. أولا أنا أعتقد أن فاروق حسني رجل محترم، وهو صديقي.. وأريد أن أقول لك إنه بعد مرور 300 سنة سيقال إنه في زمن حسني مبارك كان هناك وزير اسمه فاروق حسني أنقذ الآثار الإسلامية والآثار القبطية من الضياع، وأعاد ترميمهما».
ويقول السعيد إن مبارك كانت له طريقته في توجيه الرسائل لمن حوله، وإن حديثه المازح عن وزير الثقافة كانت إشارة إلى أن الرئيس يريد منه أن يراجع نفسه وألا يتسبب في شيطنة منتقديه. كما أن مبارك كان أحيانا يشير إلى بطن أحد الوزراء ويبدي ملاحظة أنه أصبح أكثر انتفاخا وبروزا من قبل، مما يعني أن الرئيس يعطي إشارة تحذيرية عن أنه يراقب الأمور ويتابع المتغيرات، وأن كل مسؤول عليه أن يأخذ حذره، وألا يتجاوز حدودا معينة، كما يقول رفعت السعيد.

* مقابلة الوريث
* يضيف السعيد: «تحدث معي أحد النواب الشباب في مجلس الشورى، وكان هذا النائب يعمل بمثابة سكرتير خاص لمبارك الابن في الشؤون السياسية وغيرها. وقال: (جمال بك يريد أن يقابلك).. وكانت المقابلة في مقر الحزب الوطني على كورنيش النيل». وخلال اللقاء، وكان بالتحديد يوم 5 مايو (أيار) عام 2009، تلقى جمال مبارك نبأ عن وفاة زوجة رئيس الوزراء المصري حينذاك، الدكتور أحمد نظيف، وجرى إخطاره بموعد الجنازة، فتقرر إنهاء اللقاء من أجل الاستعداد للتوجه إلى العزاء. ومنذ ذلك الوقت تعذر انعقاد أي لقاء جديد بين الطرفين، رغم أنهما اتفقا على مواصلة مناقشة موضوع الضبعة.
ويتذكر السعيد المقابلة مع مبارك الابن ويقول إنه كان «غاية في الأدب.. لدرجة أنه نزل معي لكي يوصلني إلى باب السيارة». ويضيف أنه: «لم يكن يحبذ أن يعلم أحد بهذه المقابلة لأنها لم يكن لها شأن بالعمل السياسي، ولهذا قلت لجمال مازحا وهو يهبط معي درجات السلم خارج مكتبه: (فضحتني)، لكن، على أي حال لم يكن هناك أحد». ويصمت السعيد قليلا قبل أن يشير إلى أن نزول جمال مبارك معه حتى سيارته «ربما كان متعمدا».
وانتهت السنة، وجاءت بعهدها سنة 2010 التي خسرت فيها المعارضة مقاعدها في البرلمان، ثم تداعت الأحداث سريعا مع الشهر الأول من عام 2011. ويقول السعيد إنه: «من الخطأ أن تتأخر في إصدار القرار اللازم في الوقت المناسب. فلم تكن المظاهرات في الشوارع تطالب بإسقاط مبارك، بل كانت لديها مطالب محددة مثل العيش (توفير الخبز) والحرية والعدالة الاجتماعية. وبالتالي كان على مبارك أن يتخذ 3 أو 4 خطوات للإصلاح الجذري، سياسيا واقتصاديا، لكي ينقذ نفسه، لكنه لم يفعل».

* رئاسة مرسي وأملاك «الإخوان»
* ماذا فعل الدكتور السعيد الذي عرف على مدى نحو 3 عقود بكتاباته ومواقفه المنتقدة للإسلاميين، بعد أن فاز الدكتور مرسي برئاسة مصر في يونيو (حزيران) 2012، مع وجود أغلبية برلمانية تهيمن عليها جماعة الإخوان والإسلاميون الآخرون من سلفيين وجهاديين وغيرهم؟
يقول: «كنت واثقا أن هذا الوضع لن يستمر، ولا أعرف لماذا، إلا أنها كانت أمنية تفرض نفسها فتتحول إلى رأي. وحين سُئلت: ألا تلاحظ أنك تقول الدكتور مرسي، وليس الرئيس مرسي؟ أجبتُ: نعم أنا متعمد ذلك، لأنني لا أعده رئيسا، لسببين، الأول ما شاب الانتخابات من عوار، إضافة للتدخل الأميركي والقطري. ولم يكن مرسي يتلقى التعليمات من مكتب إرشاد (الإخوان)، ولا من المرشد، بل من خيرت الشاطر (نائب مرشد الجماعة)، وأنا أعرف من هو الشخص الذي كان ينقل التعليمات بينهما، وهو شاب حاصل على الدكتوراه من كندا، ومقبوض عليه الآن في قضايا (الإخوان)».
وظل السعيد مكروها من «الإخوان» والمتطرفين كراهية شديدة كان يشعر بها ويراها من حوله، حسب قوله، رغم أن «الإخوان» حلّوا كجيران عليه قرب منطقة سكنه فوق جبل المقطم الذي يعد من مناطق نفوذ «الإخوان»، وذلك بعد أن اشترت الجماعة مقرا لها هناك من ناحية الغرب، بينما حاصرته مجموعة أخرى من المحسوبين على «الإخوان» من حزب الوسط الذي اتخذ له مقرا هو الآخر يقع إلى الشرق قليلا من مسكن رفعت السعيد.
ويقول السعيد الذي خصصت له الدولة حراسة بسبب التهديدات التي تلقاها بالقتل: «كنت أرى من نافذة غرفة نومي قيادات حزب الوسط وهي تجتمع في مقر الحزب». ويضيف أن «الإخوان» كانوا يكرهونه، وأنه يعطيهم الحق في هذا.. «لأنني كنت أهاجم أفكارهم وأنبش في تاريخهم وأدرسه، لدرجة أن بعضهم كان يقول لي أنت درست تاريخنا أكثر مما درستْه كوادر (الإخوان)».
ويقيم السعيد في ضاحية المقطم الواقعة على رأس الهضبة الشهيرة المعروفة بنفس الاسم منذ سنين طويلة، ويعده السكان هناك بمثابة «عمدة المنطقة» حيث يرأس الجمعية الرئيسة الموجودة هناك، واسمها «جمعية البيئة بالمقطم» وكانت تقدم خدمات للأهالي وتنافس ما تقوم به أنشطة عناصر الجماعة هناك. وبدأ السعيد يشعر بالقلق من اقتراب مقرات لـ«الإخوان» من مقر سكنه. ويقول إنه بعد عدة أشهر من ثورة يناير 2011 اشترت الجماعة المبنى الأول، وهو عبارة عن فيلا، بما قيمته 8 ملايين جنيه، وأصبح المبنى هو المقر الرسمي لمكتب الإرشاد، ثم بعد قليل اشترت الجماعة أيضا قصرا مجاورا بما قيمته 12 مليون جنيه.

* جبهة الإنقاذ.. وتحالفات الساعات الأخيرة لثورة 30 يونيو
* وصلت الجماعة إلى قمة السلطة بانتخاب الدكتور محمد مرسي رئيسا لمصر، إلا أنه سريعا ما تشكلت جبهة معارضة قوية ضد نظام مرسي و«الإخوان»، وحملت هذه القوى عنوان «جبهة الإنقاذ» عقب إصدار مرسي «التعديلات الدستورية» الشهيرة التي حصن فيها نفسه من المساءلة وأدت لردود فعل غاضبة في الأوساط العامة. وضمت «جبهة الإنقاذ» العديد من رؤساء ورموز الأحزاب والشخصيات السياسية، كان من بينهم الدكتور محمد البرادعي وعمرو موسى، وغيرهما، إضافة للسعيد أيضا، والذي يضيف أن عددا من قيادات الجبهة كان في البداية ضد إسقاط حكم «الإخوان».
ويكشف السعيد، لأول مرة، عن أنه كان هناك صراع بين الدكتور البرادعي وعمرو موسى، على موقع «المنسق العام لجبهة الإنقاذ»، لكن السعيد لم يشأ التحدث في تفاصيل هذا الموضوع، لكنه يقول إن البرادعي لم يكن يخفي على أعضاء جبهة الإنقاذ أنه كان يتلقى اتصالات هاتفية من جون ماكين، النائب في الكونغرس والمرشح الأميركي السابق للرئاسة، وأنه كان يناقش معه الأوضاع في مصر. وفي إحدى المرات، كما يتذكر السعيد، أبلغه البرادعي بأن ماكين قال له إن «مشكلتكم في مصر أنكم لا تختارون شخصا واحدا يتحدث مع الجانب الأميركي»، ويضيف السعيد أن البرادعي كان يقصد نفسه بهذا «الشخص الواحد».
وبينما كانت ثورة الشعب المصري تقترب ضد حكم جماعة الإخوان، والتي جرت في 30 يونيو (حزيران) العام الماضي، عقدت جبهة الإنقاذ اجتماعا لإصدار بيان بشأن الموقف من الرئيس مرسي. ويقول السعيد: «بدأنا نتحدث عن أن نظام مرسي فقد مشروعيته، وهنا اعترض البرادعي، وقال إن معنى فقد شرعيته أي أننا ننقلب عليه، وأنا ضد الانقلاب. وحين بدأ عدد من قادة الجبهة يعكفون في الجانب الآخر على صياغة البيان، وكان الذي يقوم بكتابته هو سامح عاشور، نقيب المحامين، وعضو الجبهة، أخبرني البرادعي بأنهم إذا طالبوا في البيان بإسقاط مرسي فإنه سينسحب من جبهة الإنقاذ». ويضيف أنه أدرك من طريقة كلام البرادعي أنه لم يكن يريد الانسحاب، لكنه كان يريد الضغط بحيث لا يخرج البيان بتلك الطريقة. ويقول السعيد إن صيغة البيان التي كانت تقول «إسقاط حكم الاستبداد» كانت تزعج البرادعي، و«لكي أقوم بتهدئة الوضع والحيلولة دون انشقاق الجبهة وتصدعها تدخلت وجعلت الصيغة كالتالي (إسقاط استبداد الحكم)، وهذا أعطى فرقا كبيرا في المعني، أراح البرادعي».
وسقط حكم مرسي و«الإخوان»، في نهاية المطاف، بعد أن انتفض ملايين المصريين إلى الشوارع والميادين. وجرى تعيين البرادعي نائبا لرئيس الدولة المؤقت، المستشار عدلي منصور، لكنه استقال حين قررت السلطات فض اعتصام «الإخوان» في ميدان رابعة العدوية، وسافر إلى خارج البلاد. وبدأت جبهة الإنقاذ تفقد زخمها، رغم قرب موعد الانتخابات البرلمانية، وتلويح عدة أحزاب من تلك التي تشكل الجسم الرئيس في الجبهة بتشكيل تحالفات لخوض الانتخابات المقرر إجراؤها خلال شهرين أو ثلاثة. ويقول السعيد: «أعتقد أن كثيرا من هذه التحالفات وهمية أو شكلية، أو أن بعضها مضر، بمعنى أنها ستتسبب في كسر وحدة القوى المدنية والديمقراطية وتفتت أصواتها.. بينما سيوحد (الإخوان) والمتأخونون والسلفيون والمتأسلمون صفوفهم حتى ولو لم يعلنوا ذلك»، مشيرا إلى أن «الأحزاب والنخب المصرية في محك خطير، وعلى الجميع أن يدرك مسؤوليته تجاه الوطن، قبل فوات الأوان».



الصومال: «عفو رئاسي» عن «المُضلَّلين» يضيق الخناق على حركة «الشباب»

عناصر من الجيش الصومالي تكافح مسلحي «حركة الشباب» في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى (وكالة الأنباء الصومالية)
عناصر من الجيش الصومالي تكافح مسلحي «حركة الشباب» في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

الصومال: «عفو رئاسي» عن «المُضلَّلين» يضيق الخناق على حركة «الشباب»

عناصر من الجيش الصومالي تكافح مسلحي «حركة الشباب» في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى (وكالة الأنباء الصومالية)
عناصر من الجيش الصومالي تكافح مسلحي «حركة الشباب» في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى (وكالة الأنباء الصومالية)

اتخذت الرئاسة الصومالية خطوةً جديدةً تجاه «حركة الشباب» المتشددة، بإعلانها العفو عن «الشباب المضلَّل» الذي انخرط في صفوف الحركة، وذلك حال تخليهم عن الفكر المتطرف.

تلك الخطوة يراها خبير صومالي متخصص في الشؤون الأفريقية، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، تعزز فرص تضييق الخناق على «حركة الشباب» شريطة أن تتوفر شروط عدة منها الدمج وإعادة التأهيل.

وأفادت وكالة الأنباء الصومالية، الاثنين، بأن رئيس البلاد حسن شيخ محمود «قرر إصدار عفو عن الشبان الذين تم تضليلهم بالفكر المتطرف في صفوف ميليشيات الخوارج (مصطلح يطلق محلياً على حركة الشباب) في حال تخليهم عن الفكر المتطرف»، مضيفاً أن الدولة ستوفر لهم حياة جديدة وفرصاً لبناء مستقبلهم، ليصبحوا جزءاً لا يتجزأ من المجتمع.

يأتي ذلك بينما يشن الجيش الوطني عملية عسكرية مخططة تستهدف «فلول ميليشيات الخوارج التي تتحصن في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى، في إطار الجهود المتواصلة الهادفة إلى القضاء على الإرهاب»، حسب ما نقلته الوكالة الأحد.

استهداف مسلحين تابعين لـ«حركة الشباب» في إقليم هيران (وكالة الأنباء الصومالية)

ويستضيف الصومال بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الاستقرار، المعروفة باسم «أوصوم»، التي بدأت عملياتها رسمياً بداية من يناير (كانون الثاني) 2025، بعد اعتماد مجلس الأمن الدولي قراراً بشأنها في ديسمبر (كانون الأول) 2024 بهدف دعم الصومال في مكافحة «حركة الشباب» التي تتصاعد «عملياتها الإرهابية» في الصومال منذ 15 عاماً.

ويرى الباحث في الشأن الصومالي عبد الولي جامع بري أن العفو الذي أعلنه شيخ محمود «يمكن قراءته من ثلاث زوايا: أمنية، واجتماعية، واستراتيجية. وهو أداة مهمة، لكن نجاحه ليس مضموناً ما لم يُدعم بسياسات مكملة».

وأضاف أن العفو في حد ذاته خطوة إيجابية «لفتح باب العودة، خاصة وأن كثيراً من الشباب انضموا تحت التضليل أو الإكراه، وأن إيجاد مخرج آمن يشجع المنشقين على ترك التنظيم، فضلاً عن كونها رسالة إنسانية وسياسية تُظهر أن الدولة تفرّق بين القيادات المتشددة والشباب المغرر بهم، وتعزز صورة الحكومة كجهة حاضنة لا انتقامية».

يأتي ذلك وسط تصاعد عمليات «حركة الشباب»، حيث قال «مرصد الأزهر لمكافحة التطرف» إن «نذير الخطر الإرهابي يتصاعد على امتداد الحدود الصومالية - الكينية خلال شهر رمضان، في ظل استراتيجية دموية تنتهجها (حركة الشباب) لترهيب المدنيين وتنفيذ ضربات عابرة للحدود».

وأوضح المرصد في بيان، الاثنين، أن «هذا التصعيد الميداني بدأ ليلة السبت الماضي، حين نفذت عناصر الحركة الإرهابية إعدامات رمياً بالرصاص بحق 10 مدنيين في منطقتي بوالي بجوبا الوسطى وكونيا بارو بشبيلي السفلى جنوب الصومال»، لافتاً إلى أن الحركة تضاعف نشاطها في هذا التوقيت لاستغلال الشعور الديني العام في رمضان.

ويرى بري أن الحركة تستغل الأجواء الدينية، «لذا فإن قرار العفو وحده لا يكفي إذا لم يُربط ببرامج إعادة تأهيل حقيقية، لكي ينجح في محاصرة (حركة الشباب) عبر استمرار النصيحة الدينية والفكرية والدمج الاقتصادي ومتابعة أمنية ذكية».

Your Premium trial has ended


الحوثيون يعلنون الطوارئ تحسباً لهجوم أميركي على إيران

عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)
عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)
TT

الحوثيون يعلنون الطوارئ تحسباً لهجوم أميركي على إيران

عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)
عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)

في خطوة تعكس تصاعد القلق داخل أوساط الجماعة الحوثية من احتمال هجوم أميركي على إيران قد يتسع ليشمل أذرع طهران في المنطقة، أعلنت السلطات التابعة للجماعة في صنعاء رفع مستوى الطوارئ والاستعداد لمواجهة أي تطورات عسكرية محتملة، بالتزامن مع تصعيد خطاب التعبئة الدينية والدعوة إلى «الجهاد»، حيث لا يستبعد مراقبون أن تنخرط الجماعة في الصراع إلى جانب إيران.

وجاء الإعلان الحوثي عقب اجتماع نادر للجنة الطوارئ التابعة للحكومة غير المعترف بها دولياً، برئاسة القائم بأعمال رئيسها محمد مفتاح، حيث ناقش المجتمعون - وفق وسائل إعلام الجماعة - إجراءات رفع الجاهزية على المستويين المركزي والمحلي، وتعزيز قدرات المؤسسات المعنية بالتعامل مع الحالات الطارئة، خصوصاً الدفاع المدني والقطاعات الخدمية.

ويرى محللون يمنيون أن توقيت الاجتماع يعكس مخاوف الحوثيين من احتمال تعرضهم لتداعيات أي ضربات عسكرية قد تستهدف إيران، في ظل ارتباط الجماعة السياسي والعسكري بما يُعرف بمحور «الممانعة»، وهو ما قد يجعل مناطق سيطرتهم جزءاً من مسرح ردود الفعل الإقليمية.

وحسب المصادر الحوثية، ناقشت لجنة الطوارئ آليات تعزيز الاستجابة السريعة للأزمات، بما يشمل رفع جاهزية فرق الإنقاذ والإغاثة وتقوية البنية التشغيلية لقطاع الطوارئ، الذي يضم عدداً من الوزارات والمؤسسات المرتبطة بالأمن والخدمات.

اجتماع نادر للجنة الطوارئ في حكومة الحوثيين الانقلابية (إعلام محلي)

وأكد محمد مفتاح خلال الاجتماع أن «الوضع الاستثنائي» يتطلب استمرار الاستعداد الكامل، داعياً إلى دعم مصلحة الدفاع المدني بالكوادر والمعدات اللازمة، بما يمكّنها من الحد من الخسائر البشرية والمادية في حال وقوع هجمات أو تطورات عسكرية مفاجئة.

ويشير مراقبون إلى أن الإعلان عن اجتماعات لجنة الطوارئ يُعد أمراً غير معتاد، إذ غالباً ما تبقى تحركاتها بعيدة عن الإعلام، ما يعزز فرضية أن الجماعة تتوقع سيناريوهات تصعيد تتجاوز الإطار المحلي اليمني.

كما انتقد المسؤول الحوثي الحشود العسكرية الأميركية في المنطقة، ورأى أنها تمثل تهديداً لاستقرار دول الشرق الأوسط، ومتهماً واشنطن بالسعي إلى فرض الهيمنة على مقدرات المنطقة، وهو خطاب يتكرر في بيانات الجماعة بالتوازي مع كل توتر إقليمي.

احتواء الضغوط

وتزامنت إجراءات الطوارئ الحوثية مع تصعيد ملحوظ في الخطاب التعبوي، حيث كثّفت الجماعة الفعاليات الجماهيرية والمسيرات المناهضة للسياسات الأميركية والإسرائيلية، إضافة إلى توسيع حملات التجنيد، خصوصاً في أوساط الطلاب والشباب.

ويرى سياسيون يمنيون أن هذا التصعيد يأتي أيضاً في سياق محاولة احتواء حالة الاحتقان الشعبي الكبيرة نتيجة الأزمة الاقتصادية الحادة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات، واتساع رقعة الفقر، فضلاً عن مواجهات قبلية متفرقة في عدد من المحافظات.

تعسف الحوثيين ضد الوكالات الإغاثية حرم ملايين اليمنيين من الحصول على المساعدات (أ.ف.ب)

وحسب هؤلاء، فإن ربط الوضع المحلي بالصراع الإقليمي يمنح الجماعة فرصة لإعادة توجيه الرأي العام نحو «الخطر الخارجي»، بما يسهم في تخفيف الضغط الداخلي المتصاعد.

وفي السياق ذاته، نظمت الجماعة عروضاً عسكرية في عدد من المدن الخاضعة لسيطرتها، في استعراض للقوة العسكرية ورسائل ردع داخلية وخارجية، بينما عدّ مراقبون أن هذه التحركات تهدف أيضاً إلى ترسيخ حالة التعبئة النفسية لدى السكان.

وفي موقف أكثر وضوحاً، أصدرت رابطة رجال الدين التابعة للحوثيين بياناً دعت فيه إلى رفع مستوى التعبئة والاستعداد القتالي، مطالبة السكان بالالتزام بتوجيهات زعيم الجماعة، ومؤكدة ضرورة «النفير الواسع» لمواجهة ما وصفته بالتهديدات الأميركية والإسرائيلية.

كما أدانت الرابطة الضربات الإسرائيلية ضد مواقع مرتبطة بــ«حزب الله» في لبنان، وعدّت التهديدات الموجهة لإيران دليلاً على اتساع المواجهة، داعية إلى ما سمته «وحدة الساحات»، وهو مفهوم سياسي تتبناه القوى المتحالفة مع طهران في المنطقة.

وشدد البيان على أن «الجهاد ووحدة الصف» يمثلان السبيل الوحيد لمواجهة التحديات الراهنة، داعياً إلى مقاطعة المنتجات الأميركية والإسرائيلية وتحريض السكان على التعبئة العامة.

تصعيد ميداني

وبالتوازي مع هذه التحركات السياسية والتعبوية الحوثية، شهدت جبهات الساحل الغربي اليمني تصعيداً عسكرياً لافتاً، إذ أفادت مصادر عسكرية بسقوط قتلى وجرحى في صفوف القوات المشتركة (الحكومية) إثر هجوم حوثي واسع استهدف مواقع في مديرية حيس جنوب محافظة الحديدة.

تجنيد مستمر ضمن حملات التعبئة الحوثية (إعلام محلي)

ووفق المصادر، أسفر الهجوم عن مقتل ستة عسكريين وإصابة نحو ثلاثة عشر آخرين، بعد معارك دارت في مناطق خط حيس - الجراحي وجبال ذو بأس شمال المدينة، في محاولة للسيطرة على مواقع استراتيجية.

ويشير مراقبون إلى أن مدينة حيس تمثل موقعاً جغرافياً بالغ الأهمية، كونها تربط بين الساحل والمرتفعات الداخلية المؤدية إلى محافظتي تعز وإب، إضافة إلى كونها بوابة جنوبية رئيسية لمحافظة الحديدة المطلة على البحر الأحمر.

ويرى محللون أن التصعيد الحوثي الميداني بالتزامن مع إعلان الطوارئ يعكس استراتيجية مزدوجة للجماعة، تجمع بين الاستعداد لأي تصعيد خارجي وتعزيز مواقعها الميدانية داخلياً.


حراك حكومي واسع في عدن لتعزيز الخدمات وبناء المؤسسات

نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)
نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)
TT

حراك حكومي واسع في عدن لتعزيز الخدمات وبناء المؤسسات

نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)
نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)

مع عودة الحكومة اليمنية إلى العاصمة المؤقتة عدن وعقد أول اجتماعاتها من الداخل، بدأت مؤسسات الدولة مرحلة من الحراك التنفيذي المكثف، عكستها اجتماعات موسعة وتحركات متزامنة لعدد من الوزارات، في مؤشر على توجه حكومي لإعادة تنشيط العمل المؤسسي وتعزيز حضور الدولة في مختلف القطاعات الخدمية والتنموية.

وفي حين يشدد رئيس الوزراء شائع الزنداني على العمل من الداخل وتقليص مهام سفر الوزراء إلى الخارج، تسعى الحكومة، وفق مسؤولين، إلى تحويل عودتها الميدانية إلى نقطة انطلاق لمرحلة إصلاح إداري واقتصادي تستند إلى رفع كفاءة الأداء، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات، وتفعيل الحوكمة والرقابة، بما يسهم في تحسين الخدمات العامة وتثبيت الاستقرار في المناطق المحررة.

في هذا السياق، عقد وزير الدفاع، الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً موسعاً في عدن ضم مساعدي الوزير ورؤساء الهيئات العسكرية، بحضور نائب رئيس هيئة الأركان، اللواء الركن أحمد البصر؛ لمناقشة أولويات المرحلة المقبلة داخل المؤسسة العسكرية.

وأكد العقيلي أهمية تعزيز التنسيق والتكامل بين مختلف الهيئات العسكرية بما يحقق الانسجام في تنفيذ المهام الوطنية، مشدداً على ضرورة إجراء تقييم شامل لأداء المرحلة الماضية، ومراجعة الإنجازات والتحديات؛ بهدف تصحيح الاختلالات وتعزيز كفاءة العمل المؤسسي.

وزير الدفاع اليمني طاهر العقيلي يترأس اجتماعاً للقادة في عدن (سبأ)

وأشار إلى «أهمية تفعيل آليات الرقابة وترسيخ قيم الشفافية والنزاهة والانضباط، بوصفها ركائز أساسية لإعادة بناء مؤسسة عسكرية حديثة قادرة على مواكبة متطلبات المرحلة الراهنة».

كما شدد وزير الدفاع اليمني على المضي في تطبيق الحوكمة الإلكترونية وتطوير الأنظمة الإدارية، في خطوة تهدف إلى «تحديث بنية العمل المؤسسي وتقليل البيروقراطية»، مثمناً في الوقت ذاته دعم «تحالف دعم الشرعية» بقيادة المملكة العربية السعودية، وما يقدمه من إسناد مستمر للمؤسسة العسكرية اليمنية.

واستمع الوزير خلال الاجتماع، وفق الإعلام الرسمي، إلى تقارير تفصيلية من رؤساء الهيئات بشأن سير تنفيذ الخطط العسكرية والصعوبات التي تواجه الأداء، في إطار توجه حكومي لإرساء ثقافة التقييم الدوري والمساءلة المؤسسية.

صدارة الأولويات

بالتوازي مع التحركات العسكرية، ركزت وزارة الإدارة المحلية على إعادة تفعيل دور السلطات المحلية بوصفها محركاً أساسياً للتنمية الاقتصادية والخدمية.

وأكد وزير الإدارة المحلية، المهندس بدر باسلمة، خلال اجتماع ضم قيادات الوزارة، أهمية إجراء تقييم شامل لأداء السلطات المحلية في المحافظات؛ «بهدف تحديد مكامن الضعف وتعزيز نقاط القوة، بما يضمن تنفيذ برامج تنموية واستثمارية أعلى فاعلية».

وأوضح باسلمة أن المرحلة الحالية تتطلب تمكين السلطات المحلية اقتصادياً وتنموياً، وتعزيز التنسيق مع المنظمات الدولية والقطاع الخاص لدعم المشروعات الخدمية والتنموية، مشيراً إلى أن «منح صلاحيات أوسع للوحدات الإدارية الكفؤ يمثل خطوة أساسية نحو ترسيخ الحكم الرشيد».

وزير الإدارة المحلية اليمنية بدر باسلمة خلال اجتماع في عدن (سبأ)

وشدد الوزير على أن تعزيز اللامركزية المالية والإدارية «سيمكن السلطات المحلية من قيادة التنمية المستدامة بكفاءة أكبر، بما يسهم في تحسين مستوى الخدمات وتخفيف الأعباء عن الحكومة المركزية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس تحولاً تدريجياً نحو نموذج إداري أعلى مرونة، يمنح المحافظات دوراً أوسع في إدارة مواردها وتحقيق التنمية المحلية.

وفي قطاع التعليم، عقد وزير التعليم العالي والبحث العلمي، الدكتور أمين القدسي، سلسلة لقاءات منفصلة مع قيادات الجامعات الحكومية والأهلية، بينها جامعة عدن، والجامعة الألمانية الدولية، وجامعة العلوم والتكنولوجيا، إضافة إلى مجلس الاعتماد الأكاديمي وضمان جودة التعليم العالي.

ونوقشت في اللقاءات آلياتُ «تطوير الأداء المؤسسي للجامعات وتعزيز جودة العملية التعليمية، مع التركيز على تطبيق معايير أكاديمية حديثة تسهم في تحسين مخرجات التعليم ومواءمتها مع احتياجات سوق العمل ومتطلبات التنمية».

رهان على تنشيط قطاعات الثقافة والسياحة في اليمن بقيادة الوزير مطيع دماج (سبأ)

وأكد القدسي أن الوزارة تتحمل مسؤولية وطنية في رسم السياسات المنظمة لقطاع التعليم العالي، مشدداً على ضرورة تعزيز العمل التكاملي بين الجامعات والجهات الرقابية لمعالجة أوجه القصور وتجاوز التحديات التي فرضتها سنوات الحرب.

كما استعرضت الاجتماعات مستوى تنفيذ البرامج الأكاديمية والتحديات التي واجهت المؤسسات التعليمية، والجهود المبذولة للحفاظ على استقرار العملية التعليمية رغم الظروف الاقتصادية والأمنية المعقدة.

تحريك القطاعات الخدمية

وفي إطار الحراك الحكومي الأوسع، ترأس وزير الثقافة والسياحة، مطيع دماج، اجتماعاً لقيادات الوزارة لمناقشة إعداد استراتيجية ثقافية وسياحية جديدة، مع التركيز على إعادة تنظيم صناديق التنمية الثقافية والترويج السياحي، وتوجيه مواردها نحو تنشيط الفعاليات الثقافية وجذب الاستثمار السياحي.

ووجّه الوزير بإعداد دليل للفرص السياحية في اليمن بهدف استقطاب المستثمرين، إلى جانب وضع تصور متكامل لإدارة المواقع السياحية في سقطرى وعدن وحضرموت، وحصر المنشآت السياحية المملوكة للدولة تمهيداً لإعادة تأهيلها.

جانب من اجتماع ترأسه وزير النقل في الحكومة اليمنية محسن حيدرة (سبأ)

وفي قطاع النقل، عقد الوزير محسن حيدرة اجتماعاً موسعاً ناقش تطوير أداء الهيئات والمؤسسات التابعة للوزارة، مؤكداً أن خدمات النقل تمثل شرياناً أساسياً للاقتصاد الوطني وحياة المواطنين اليومية.

وشدد حيدرة على «ضرورة استكمال خطط تطوير القطاع وفق مصفوفة إجراءات واضحة، مع التزام تطبيق القوانين وبسط سيادة الدولة في المنافذ والموانئ، ومعالجة الاختلالات القائمة، بما يعزز التعافي الاقتصادي واستدامة الخدمات».

أما على صعيد الشباب والرياضة، فقد ناقش الوزير نايف البكري، مع مدير مكتب المبعوث الأممي إلى اليمن ألبرت سكوت، جهود الحكومة لتعزيز الاستقرار في عدن والمحافظات المحررة، مؤكداً التزام الحكومة مواصلة الإصلاحات وتقريب مؤسسات الدولة من المواطنين.

ودعا البكري المجتمع الدولي إلى تقديم دعم أكبر لجهود الإصلاح والاستقرار، مشيداً بدعم «تحالف دعم الشرعية» وجهود الأمم المتحدة في الدفع نحو عملية السلام، فيما أكد المسؤول الأممي وجود مؤشرات إيجابية في أداء الحكومة خلال المدة الأخيرة.