أسرار الأيام الأخيرة من حكمي مبارك ومرسي

القيادي اليساري رفعت السعيد يكشف كواليس لقاءاته مع قادة المجلس العسكري ومبارك ونجله جمال.. وصراعات الإطاحة بحكم «الإخوان»

مبارك في بداية عهده يجتمع مع خالد محي الدين عضو مجلس قيادة الثورة ورفعت السعيد
مبارك في بداية عهده يجتمع مع خالد محي الدين عضو مجلس قيادة الثورة ورفعت السعيد
TT

أسرار الأيام الأخيرة من حكمي مبارك ومرسي

مبارك في بداية عهده يجتمع مع خالد محي الدين عضو مجلس قيادة الثورة ورفعت السعيد
مبارك في بداية عهده يجتمع مع خالد محي الدين عضو مجلس قيادة الثورة ورفعت السعيد

يرصد السياسي والمؤرخ المصري رفعت السعيد المتغيرات الدقيقة التي أسهمت بقوة في إنهاء حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، سواء من الشعب أو من الأجهزة المعنية. وكشف السعيد للشقيقة مجلة «المجلة»، في عددها الصادر هذا الشهر، عن كواليس الاضطرابات الكبرى التي شهدتها البلاد منذ عام 2011، ودور جماعة الإخوان المسلمين ورئيس المخابرات ورئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة في محاولة الإمساك بدفة الأحداث وسط أمواج متلاطمة من المظاهرات والفوضى الأمنية التي ضربت البلاد عقب تخلي مبارك عن الحكم. كما يتطرق السعيد لصراعات جبهة الإنقاذ التي أطاحت بحكم الرئيس المعزول محمد مرسي، ويتناول في الوقت نفسه لمحات وأسرارا من المقابلات التي جمعته مع كل من الرئيس الأسبق ونجله جمال، وعدد من قادة الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم الذي كان يرأسه مبارك حتى جرى حل الحزب بعد ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011.
وفي ما يلي ملخص لشهادة القيادي اليساري البارز رفعت السعيد الموسعة لـ«المجلة» بشأن سنوات الاضطرابات الكبرى التي مرت على مصر منذ أحداث 25 يناير إلى ثورة 30 يونيو (حزيران) 2013 التي أطاحت بالرئيس محمد مرسي وجماعة والإخوان المسلمين.

بدأ رفعت السعيد شهادته بكشف تفاصيل دعوة المجلس الأعلى للقوات المسلحة له لمقابلة عدد من قادته في أعقاب قرار الرئيس حسني مبارك بتكليف القوات المسلحة بتسلم السلطة بعد تخليه عن منصب رئيس الجمهورية مساء الجمعة 11 فبراير (شباط) عام 2011.
يقول السعيد إنه كان حاضرا في هذه المقابلة، من أعضاء المجلس العسكري الحاكم وقتها، اللواء محمد العصار، واللواء ممدوح شاهين، واللواء محمود حجازي، واللواء إسماعيل عتمان، الذي كان مسؤولا عن الإعلام (إدارة الشؤون المعنوية بالجيش)، بالإضافة إلى اللواء عبد الفتاح السيسي (رئيس الدولة الحالي) الذي كان عضوا في المجلس بحسب وظيفته كمدير للمخابرات العسكرية والاستطلاع، وذلك وفقا لما كان مكتوبا على بطاقة التعريف الخاصة به، والتي أعطاها للسعيد حيث لم تكن عليها أي أرقام هواتف، وهو أمر نادر لا تجده إلا في كروت تعريف الشخصيات المهمة.
ويتابع السعيد، الذي تعرض للاعتقال والسجن في عهد عبد الناصر، قائلا إن هذه المقابلة مع أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة جرت وقائعها بعد تخلي مبارك عن سلطاته بنحو 4 أو 5 أيام، في فندق «تيريومف» بشارع الخليفة المأمون في شرق القاهرة، واستمرت نحو 5 ساعات، ويقول إن الذي كان يتحدث في هذا اللقاء هو اللواء السيسي «لسبب لم أكن أعرفه»، ويواصل متذكرا ذلك اللقاء: «المهم جلست، وقلت لهم: حضراتكم لا تعرفونني.. أنا رجل لا أريد شيئا، ولا أتنازل عن رأيي إلا إذا اقتنعت بعكسه.. أريد فقط أن أتقدم بالنصيحة من وجهة نظري، وأن أستمع لأقدم رتبة عسكرية فيكم».
ويضيف السعيد أن أقدم رتبة بين القادة العسكريين الجالسين كان اللواء محمود حجازي، الذي بادره بالقول: «نحن، في العسكرية، لا يتكلم الأقدم أولا، ولكن يتكلم الأقل أقدمية أولا». فسأله رفعت السعيد متعجبا: «ولماذا؟»، فقال له اللواء حجازي: «لأن الأقدم رتبة لو تكلم، وكان في كلامه شيء من الخطأ، فإن الأقل منه رتبة لن يستطيع أن يقول له إنه على خطأ، وما يجب وما لا يجب. لكن عندما يتكلم الأقل أقدمية أولا فإن الأعلى رتبة منه يستطيع أن يصحح له ويقول له أنت أخطأت في كذا وينبغي كذا ولا ينبغي كذا، وعلى هذا نستطيع أن نتبادل الأفكار وأن نتفاهم مع بعضنا بعضا».
ويتابع الدكتور السعيد قائلا إن السيسي، الذي كان أقل لواءات أعضاء المجلس العسكري أقدمية في ذلك اللقاء، واصل حديثه بعد ذلك و«تكلم باستفاضة شديدة، ولا أعتقد أنه مسموح لي بأن أقول كل تفاصيل الحوارات التي جرت هناك، لكني قلت لأحد أعضاء المجلس العسكري: أنتم جيش منضبط، فما معنى أن يكون مبارك جالسا في بيته وهو ما زال رئيسا للجمهورية، وتسمحون بمرور دبابة أمام كاميرات التلفزيون مكتوب عليها يسقط مبارك.. تمر هذه الدبابة بهذه اللافتة، فمن كان يقف وراء المكتوب عليها، وهل كان ذلك دون إذن من قادة الجيش، مثلا؟». وأجاب عضو عسكري البارز قائلا: «نحن مَنْ كتبها.. هذه رسالة للعالم، ولك، ولـ(25 يناير)، ولمبارك نفسه.. رسالة لمبارك بأن الجيش لم يعد معه».
وفهم الدكتور السعيد من خلال المجريات التي أعقبت تخلي مبارك عن سلطاته بأيام أن الجيش كان قد حسم أمره قبل قرار مبارك نفسه بالتخلي عن سلطاته.

* التوريث وسقوط مبارك
* ويسترجع السعيد ذكرياته إبان حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك مبينا في حديثه أن من بين أهم المتغيرات التي أسهمت بقوة في إنهاء رئاسة مبارك ما تعكسه الرسالتان اللتان وصلتا له من أحد أشد المقربين من عائلة مبارك وقصر الرئاسة، وذلك في الأشهر الأخيرة من عام 2010، حين قال له إن الرئيس قرر أن يقف بقوة ضد رغبة بعض الأطراف الحزبية والعائلية في ترشيح جمال مبارك، نجل الرئيس، للرئاسة، التي كان موعدها في خريف عام 2011، خلفا له، ثم عاد نفس هذا الرجل، وكان عضوا مهما في مجلس الشورى (الغرفة الثانية في البرلمان)، ونقل رسالة مغايرة للسعيد، قال له فيها: «الموقف تغير.. لقد تجمَّعوا حوله، وأقنعوه بترشيح جمال».
في أواخر عام 2009 ومطلع عام 2010 كانت الأسئلة السياسية في مصر قد أخذت تكبر وتتضخم دون إجابة. والمظاهرات تتزايد في الشوارع، والحركات الشبابية والمعارضة تتشكل في القاهرة وبعض المحافظات. ومع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية التي كان مقررا التحضير لها منذ صيف 2011، أصبحت سلالم نقابة الصحافيين في العاصمة أشهر مكان تعلو فيه صيحات الرافضين لما يتردد عن اعتزام الرئيس مبارك توريث ابنه جمال الحكم، رغم أن الرئيس وقادة الحزب الحاكم كانوا ينفون هذا الأمر. وفي تلك الأثناء اقترب الدكتور السعيد من نائب كان يحظى بأهمية كبيرة بين أعضاء مجلس الشورى، لسببين: صداقته الطويلة لمبارك، وصلة القربى مع أسرته. ويقول السعيد إن الرجل تعرف على مبارك قبل عدة عقود، أي في مطلع ستينات القرن الماضي، حين كان كل منهما في بعثة دراسية في موسكو، وإنه كان حين يتحدث عن فترة الدراسة تلك يقول عنه إنه كان عسكريا مستقيما جدا، وكان يمكث طيلة الوقت في استذكار دروسه، ولا يحب الخروج. كما أن كل التقارير التي كانت تُكتب عنه وهو طالب كانت تقول إنه دؤوب، وإنه لا يخرج كثيرا ولا يشرب الخمور.
ويوضح السعيد قائلا إنه في واحدة من المرات التي كان فيها القلق كبيرا في البلاد بشأن المستقبل، خاصة أن مبارك كان قد بلغ من العمر نحو 80 عاما دون أن يعين نائبا له، سأل قريب أسرة مبارك وصديقه: «أريد أن أسألك سؤالا وتجيبني عنه بصراحة.. هل قريبك (يقصد مبارك) ينوي توريثنا لابنه؟».. فأجابه الرجل: «لا.. وحين تناقشت معه في هذا الموضوع رد مبارك قائلا إن مصر ليست عزبة أبي حتى أورثها له (لجمال). وقال لي أيضا اذهب إلى قريبتك (أي إلى سوزان مبارك) وأخبرها بأن هذا لا يصح ولا ينفع، وأنا أخشى على الولد من أن يتعرض للقتل لهذا السبب».
ويتابع السعيد أنه بعد مرور نحو شهر، وفي أحد الأيام، حين كان في قاعة مجلس الشورى، وجد الرجل نفسه يبحث عنه، وحين قابله قال له: «أريد أن أخبرك بأن المعلومة التي قلتها لك أصبحت خطأ. نجحوا في إقناعه بأن يأتي جمال رئيسا، وأن يجري إعداده لهذا الأمر.. كلهم (أعضاء من أسرة مبارك وقيادات من الحزب الوطني) تجمعوا حول الرئيس، وأخذوا يتحدثون معه ويعطون المبررات ويقنعونه حتى اقتنع.. أخبرك بهذا حتى لا يأتي يوم وتجد جمال مرشحا للرئاسة فتقول إنني كنت أكذب عليك».
ومن وجهة نظر السعيد فإن مبارك في أيامه الأخيرة «انقطع الإرسال بينه وبين الجميع وجرت محاصرته محاصرة تامة بطريقة كان يطلق عليها البعض حلقة النار، وأحد أبرز من كانوا يحيلون بين مبارك والآخرين رئيس ديوان رئيس الجمهورية، زكريا عزمي، الذي كان يشغل موقعا قياديا في الحزب الحاكم أيضا. ويتذكر السعيد إحدى الوقائع التي تخص هذا الموضوع، قائلا إنه «حين جرى تعيين أحد أصدقائي ممن كانوا يعملون في مؤسسة (الأهرام)، لرئاسة الهيئة العامة للاستعلامات (وهي واحدة من الهيئات المهمة للدولة خاصة على الصعيد الخارجي) اصطحبه مبارك معه في رحلة لإحدى الدول الأجنبية، لأنه كان يريد أن يتعرف عليه بشكل جيد». وفي الطائرة، حسب رواية السعيد، «أخذ رئيس هيئة الاستعلامات يتبادل الحديث مع مبارك، إلى أن قال له: يا ريس.. أنا عندي طلب بسيط، وهو أن تعطيني الإذن بأن أتصل بك في أي وقت، لأنه أحيانا تكون هناك معلومات تأتيني ينبغي أن تعلم بها أو أريد أن أسأل عن معلومة حتى لا أخطئ». ويضيف السعيد أنه أثناء انتقال رئيس هيئة الاستعلامات من المقعد المجاور لمبارك إلى مقعده الآخر في الطائرة، قال له المسؤول عن مكتب الرئيس: «أنت كسرت حلقة النار».. وكان يقصد حلقة النار حول مبارك. وأصيب رئيس الهيئة بالقلق، وحين عاد لمصر أبلغ السعيد عن الواقعة، فأخبره بأن ما حدث يعني أنه سيفقد موقعه، وهو ما حدث بعد نحو شهرين من تعيينه في هذا الموقع.

* السنوات العشر الأخيرة
* ويتحدث السعيد عن أن السنوات العشر الأخيرة من حكم مبارك كانت قد ازدحمت بالحديث عن الفساد والإفساد بطريقة جنونية وظاهرة للعيان، لكن كانت لديه مشكلتان أساسيتان طوال تلك المدة. الأولى تتعلق بـ«جماعة الإخوان المسلمين» والثانية تدور حول «توريث الحكم لجمال». ويزيد قائلا: «أشهد بأن مبارك كان يكره (الإخوان)، واكتشفت أنه قرأ الكتب الثلاثة التي كنت قد أصدرتها. وحين كنت أقابله في مناسبة من المناسبات، كان يقول لي: (اكتب لنا كتابا جديدا عن الإخوان.. الموضوع بسيط وليس كيمياء)».
لكن السعيد يعود ويذكر أنه، أي مبارك، كان أيضا حريصا على استخدام الإخوان كـ«فزَّاعة» لباقي قوى المعارضة ذات التوجهات المدنية والليبرالية واليسارية. وقام حزب مبارك بالتنسيق مع جماعة الإخوان في الانتخابات النيابية، ويقول السعيد إنه حين اكتشفت قوى المعارضة تحالف حزب مبارك مع «الإخوان» في انتخابات برلمان «2005 – 2010»، كان بعض المحيطين بمبارك يتحججون بأنهم يقومون بهذا الأمر في محاولة لترضية الجماعة من أجل الابتعاد عن المشاكل وتهدئة الأجواء السياسية في البلاد. ويضيف السعيد قائلا إنه وفقا لما تحصل عليه من معلومات فإن جمال مبارك كان في الأسبوعين الأخيرين من حكم والده يسيطر على الأمور، وهو من يقرر من يلتقي بمبارك.
وحضر رفعت السعيد زفاف، أو ما يسمونه في مصر «كتب كتاب»، جمال مبارك على زوجته خديجة ابنة رجل الأعمال المعروف محمود الجمَّال، والذي جرى في قصر القبة التاريخي بوسط القاهرة، في حضور أسرتي العروسين، خاصة مبارك وزوجته سوزان. وكان نجل الرئيس قد وجه الدعوة لكل رؤساء الأحزاب والشخصيات العامة للحضور. وتوجه السعيد للسلام على العروسين، ثم سار عدة خطوات للسلام على مبارك نفسه، حيث فوجئ بمبارك يقول له: «لماذا لا تكتب لنا كتابا عن مساوئ فاروق حسني». وكان فاروق حسني، وهو فنان تشكيلي بالأساس، وزيرا للثقافة، ويتعرض لانتقادات مستمرة من صحف ونواب المعارضة بشدة، ويكرهه تيار «الإخوان»، والمتطرفون. ولم يكن يعلم حتى هذه اللحظة أن مبارك يمزح معه وفي الوقت نفسه يبلغ رسالة تحذير للوزير، لأن فاروق حسني كان يقف، بنفسه، خلف السعيد، دون أن يراه. وقبل أن يلتفت خلفه قال السعيد لمبارك: «يا سيادة الرئيس.. أولا أنا أعتقد أن فاروق حسني رجل محترم، وهو صديقي.. وأريد أن أقول لك إنه بعد مرور 300 سنة سيقال إنه في زمن حسني مبارك كان هناك وزير اسمه فاروق حسني أنقذ الآثار الإسلامية والآثار القبطية من الضياع، وأعاد ترميمهما».
ويقول السعيد إن مبارك كانت له طريقته في توجيه الرسائل لمن حوله، وإن حديثه المازح عن وزير الثقافة كانت إشارة إلى أن الرئيس يريد منه أن يراجع نفسه وألا يتسبب في شيطنة منتقديه. كما أن مبارك كان أحيانا يشير إلى بطن أحد الوزراء ويبدي ملاحظة أنه أصبح أكثر انتفاخا وبروزا من قبل، مما يعني أن الرئيس يعطي إشارة تحذيرية عن أنه يراقب الأمور ويتابع المتغيرات، وأن كل مسؤول عليه أن يأخذ حذره، وألا يتجاوز حدودا معينة، كما يقول رفعت السعيد.

* مقابلة الوريث
* يضيف السعيد: «تحدث معي أحد النواب الشباب في مجلس الشورى، وكان هذا النائب يعمل بمثابة سكرتير خاص لمبارك الابن في الشؤون السياسية وغيرها. وقال: (جمال بك يريد أن يقابلك).. وكانت المقابلة في مقر الحزب الوطني على كورنيش النيل». وخلال اللقاء، وكان بالتحديد يوم 5 مايو (أيار) عام 2009، تلقى جمال مبارك نبأ عن وفاة زوجة رئيس الوزراء المصري حينذاك، الدكتور أحمد نظيف، وجرى إخطاره بموعد الجنازة، فتقرر إنهاء اللقاء من أجل الاستعداد للتوجه إلى العزاء. ومنذ ذلك الوقت تعذر انعقاد أي لقاء جديد بين الطرفين، رغم أنهما اتفقا على مواصلة مناقشة موضوع الضبعة.
ويتذكر السعيد المقابلة مع مبارك الابن ويقول إنه كان «غاية في الأدب.. لدرجة أنه نزل معي لكي يوصلني إلى باب السيارة». ويضيف أنه: «لم يكن يحبذ أن يعلم أحد بهذه المقابلة لأنها لم يكن لها شأن بالعمل السياسي، ولهذا قلت لجمال مازحا وهو يهبط معي درجات السلم خارج مكتبه: (فضحتني)، لكن، على أي حال لم يكن هناك أحد». ويصمت السعيد قليلا قبل أن يشير إلى أن نزول جمال مبارك معه حتى سيارته «ربما كان متعمدا».
وانتهت السنة، وجاءت بعهدها سنة 2010 التي خسرت فيها المعارضة مقاعدها في البرلمان، ثم تداعت الأحداث سريعا مع الشهر الأول من عام 2011. ويقول السعيد إنه: «من الخطأ أن تتأخر في إصدار القرار اللازم في الوقت المناسب. فلم تكن المظاهرات في الشوارع تطالب بإسقاط مبارك، بل كانت لديها مطالب محددة مثل العيش (توفير الخبز) والحرية والعدالة الاجتماعية. وبالتالي كان على مبارك أن يتخذ 3 أو 4 خطوات للإصلاح الجذري، سياسيا واقتصاديا، لكي ينقذ نفسه، لكنه لم يفعل».

* رئاسة مرسي وأملاك «الإخوان»
* ماذا فعل الدكتور السعيد الذي عرف على مدى نحو 3 عقود بكتاباته ومواقفه المنتقدة للإسلاميين، بعد أن فاز الدكتور مرسي برئاسة مصر في يونيو (حزيران) 2012، مع وجود أغلبية برلمانية تهيمن عليها جماعة الإخوان والإسلاميون الآخرون من سلفيين وجهاديين وغيرهم؟
يقول: «كنت واثقا أن هذا الوضع لن يستمر، ولا أعرف لماذا، إلا أنها كانت أمنية تفرض نفسها فتتحول إلى رأي. وحين سُئلت: ألا تلاحظ أنك تقول الدكتور مرسي، وليس الرئيس مرسي؟ أجبتُ: نعم أنا متعمد ذلك، لأنني لا أعده رئيسا، لسببين، الأول ما شاب الانتخابات من عوار، إضافة للتدخل الأميركي والقطري. ولم يكن مرسي يتلقى التعليمات من مكتب إرشاد (الإخوان)، ولا من المرشد، بل من خيرت الشاطر (نائب مرشد الجماعة)، وأنا أعرف من هو الشخص الذي كان ينقل التعليمات بينهما، وهو شاب حاصل على الدكتوراه من كندا، ومقبوض عليه الآن في قضايا (الإخوان)».
وظل السعيد مكروها من «الإخوان» والمتطرفين كراهية شديدة كان يشعر بها ويراها من حوله، حسب قوله، رغم أن «الإخوان» حلّوا كجيران عليه قرب منطقة سكنه فوق جبل المقطم الذي يعد من مناطق نفوذ «الإخوان»، وذلك بعد أن اشترت الجماعة مقرا لها هناك من ناحية الغرب، بينما حاصرته مجموعة أخرى من المحسوبين على «الإخوان» من حزب الوسط الذي اتخذ له مقرا هو الآخر يقع إلى الشرق قليلا من مسكن رفعت السعيد.
ويقول السعيد الذي خصصت له الدولة حراسة بسبب التهديدات التي تلقاها بالقتل: «كنت أرى من نافذة غرفة نومي قيادات حزب الوسط وهي تجتمع في مقر الحزب». ويضيف أن «الإخوان» كانوا يكرهونه، وأنه يعطيهم الحق في هذا.. «لأنني كنت أهاجم أفكارهم وأنبش في تاريخهم وأدرسه، لدرجة أن بعضهم كان يقول لي أنت درست تاريخنا أكثر مما درستْه كوادر (الإخوان)».
ويقيم السعيد في ضاحية المقطم الواقعة على رأس الهضبة الشهيرة المعروفة بنفس الاسم منذ سنين طويلة، ويعده السكان هناك بمثابة «عمدة المنطقة» حيث يرأس الجمعية الرئيسة الموجودة هناك، واسمها «جمعية البيئة بالمقطم» وكانت تقدم خدمات للأهالي وتنافس ما تقوم به أنشطة عناصر الجماعة هناك. وبدأ السعيد يشعر بالقلق من اقتراب مقرات لـ«الإخوان» من مقر سكنه. ويقول إنه بعد عدة أشهر من ثورة يناير 2011 اشترت الجماعة المبنى الأول، وهو عبارة عن فيلا، بما قيمته 8 ملايين جنيه، وأصبح المبنى هو المقر الرسمي لمكتب الإرشاد، ثم بعد قليل اشترت الجماعة أيضا قصرا مجاورا بما قيمته 12 مليون جنيه.

* جبهة الإنقاذ.. وتحالفات الساعات الأخيرة لثورة 30 يونيو
* وصلت الجماعة إلى قمة السلطة بانتخاب الدكتور محمد مرسي رئيسا لمصر، إلا أنه سريعا ما تشكلت جبهة معارضة قوية ضد نظام مرسي و«الإخوان»، وحملت هذه القوى عنوان «جبهة الإنقاذ» عقب إصدار مرسي «التعديلات الدستورية» الشهيرة التي حصن فيها نفسه من المساءلة وأدت لردود فعل غاضبة في الأوساط العامة. وضمت «جبهة الإنقاذ» العديد من رؤساء ورموز الأحزاب والشخصيات السياسية، كان من بينهم الدكتور محمد البرادعي وعمرو موسى، وغيرهما، إضافة للسعيد أيضا، والذي يضيف أن عددا من قيادات الجبهة كان في البداية ضد إسقاط حكم «الإخوان».
ويكشف السعيد، لأول مرة، عن أنه كان هناك صراع بين الدكتور البرادعي وعمرو موسى، على موقع «المنسق العام لجبهة الإنقاذ»، لكن السعيد لم يشأ التحدث في تفاصيل هذا الموضوع، لكنه يقول إن البرادعي لم يكن يخفي على أعضاء جبهة الإنقاذ أنه كان يتلقى اتصالات هاتفية من جون ماكين، النائب في الكونغرس والمرشح الأميركي السابق للرئاسة، وأنه كان يناقش معه الأوضاع في مصر. وفي إحدى المرات، كما يتذكر السعيد، أبلغه البرادعي بأن ماكين قال له إن «مشكلتكم في مصر أنكم لا تختارون شخصا واحدا يتحدث مع الجانب الأميركي»، ويضيف السعيد أن البرادعي كان يقصد نفسه بهذا «الشخص الواحد».
وبينما كانت ثورة الشعب المصري تقترب ضد حكم جماعة الإخوان، والتي جرت في 30 يونيو (حزيران) العام الماضي، عقدت جبهة الإنقاذ اجتماعا لإصدار بيان بشأن الموقف من الرئيس مرسي. ويقول السعيد: «بدأنا نتحدث عن أن نظام مرسي فقد مشروعيته، وهنا اعترض البرادعي، وقال إن معنى فقد شرعيته أي أننا ننقلب عليه، وأنا ضد الانقلاب. وحين بدأ عدد من قادة الجبهة يعكفون في الجانب الآخر على صياغة البيان، وكان الذي يقوم بكتابته هو سامح عاشور، نقيب المحامين، وعضو الجبهة، أخبرني البرادعي بأنهم إذا طالبوا في البيان بإسقاط مرسي فإنه سينسحب من جبهة الإنقاذ». ويضيف أنه أدرك من طريقة كلام البرادعي أنه لم يكن يريد الانسحاب، لكنه كان يريد الضغط بحيث لا يخرج البيان بتلك الطريقة. ويقول السعيد إن صيغة البيان التي كانت تقول «إسقاط حكم الاستبداد» كانت تزعج البرادعي، و«لكي أقوم بتهدئة الوضع والحيلولة دون انشقاق الجبهة وتصدعها تدخلت وجعلت الصيغة كالتالي (إسقاط استبداد الحكم)، وهذا أعطى فرقا كبيرا في المعني، أراح البرادعي».
وسقط حكم مرسي و«الإخوان»، في نهاية المطاف، بعد أن انتفض ملايين المصريين إلى الشوارع والميادين. وجرى تعيين البرادعي نائبا لرئيس الدولة المؤقت، المستشار عدلي منصور، لكنه استقال حين قررت السلطات فض اعتصام «الإخوان» في ميدان رابعة العدوية، وسافر إلى خارج البلاد. وبدأت جبهة الإنقاذ تفقد زخمها، رغم قرب موعد الانتخابات البرلمانية، وتلويح عدة أحزاب من تلك التي تشكل الجسم الرئيس في الجبهة بتشكيل تحالفات لخوض الانتخابات المقرر إجراؤها خلال شهرين أو ثلاثة. ويقول السعيد: «أعتقد أن كثيرا من هذه التحالفات وهمية أو شكلية، أو أن بعضها مضر، بمعنى أنها ستتسبب في كسر وحدة القوى المدنية والديمقراطية وتفتت أصواتها.. بينما سيوحد (الإخوان) والمتأخونون والسلفيون والمتأسلمون صفوفهم حتى ولو لم يعلنوا ذلك»، مشيرا إلى أن «الأحزاب والنخب المصرية في محك خطير، وعلى الجميع أن يدرك مسؤوليته تجاه الوطن، قبل فوات الأوان».



«توصيف أميركي» يزيد الخناق على «الإخوان»

مقر الإخوان محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)
مقر الإخوان محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)
TT

«توصيف أميركي» يزيد الخناق على «الإخوان»

مقر الإخوان محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)
مقر الإخوان محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)

تواجه جماعة «الإخوان المسلمين» تضييقاً أميركياً جديداً، بعد أن ربطت واشنطن بينها وبين تنظيمات إرهابية مثل «القاعدة» و«داعش»، إذ وصفتها بأنها «أصل الإرهاب الحديث».

وكانت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب كشفت، مساء الأربعاء، عن استراتيجية وطنية جديدة لمكافحة الإرهاب، ركَّزت في جوهرها على «جماعة الاخوان» بوصفها المنبع الفكري لـ«الإرهاب الجهادي» الحديث.

وذكرت الوثيقة المكونة من 16 صفحة، ونشرها البيت الأبيض على موقعه تحت عنوان «الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الإرهاب لعام 2026»، أنَّ «التنظيمات الحديثة من (القاعدة) إلى (داعش) إلى حركة (حماس)، تعود جذورها الفكرية والتنظيمية إلى جماعة الإخوان، التي تمثِّل أصل الإرهاب الحديث».

وبحسب متخصصين في شؤون الجماعات المتطرفة في مصر، فإنَّ الملاحقة الأميركية لجماعة «الإخوان» ستسهم في «مزيد من تضييق الخناق على الشبكة المالية للتنظيم داخل الولايات المتحدة»، إلى جانب «الضغط على الملاذات الآمنة لقيادات الجماعة في دول أوروبا».

وتستند الوثيقة الأميركية الجديدة إلى أمر تنفيذي وقَّعه ترمب في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، بتصنيف فروع «الإخوان» في مصر والأردن ولبنان «منظمات إرهابية».

ملاحقة شاملة

ويشكِّل ربط واشنطن بين الإخوان وتنظيمات إرهابية كبرى مثل «داعش» و«القاعدة»، «ملاحقة أكثر شمولية واتساعاً لهذا التنظيم»، وفق خبير الحركات الإسلامية، وعضو مجلس الشيوخ المصري (الغرفة الثانية للبرلمان)، ثروت الخرباوي، وقال: «إن اعتبار أميركا الجماعة أصل الإرهاب، يعني اتخاذ إجراءات ضدها في مختلف أنحاء العالم».

ويرى الخرباوي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «التحرك الأميركي، يفوق تصنيف واشنطن لفروع الإخوان في مصر والأردن ولبنان بوصفها جماعة إرهابية»، متوقعاً أن تترتب على الاستراتيجية الأميركية «ملاحقات للشركات التابعة لتنظيم الإخوان داخل أميركا، ومصادرة أموالها، وغلق منصاتها الإعلامية»، كما أنَّها «ستؤثر على حواضن الجماعة وكوادرها في أوروبا، خصوصاً في بريطانيا وتركيا».

وقالت واشنطن: «إن تصنيف الإخوان تنظيماً إرهابياً أجنبياً، سيُستخدَم لمواصلة الضغط على شبكاتها العالمية، ومنعها من التجنيد أو التمويل، ضد الولايات المتحدة». وأشارت إلى أنَّ «مجموعة من التنظيمات الإرهابية، استغلت حدود أوروبا بحرية لتحويلها لحواضن وبيئة عمل سهلة للتآمر ضد الأوروبيين والأميركيين».

إجراء متأخر

لا يختلف في ذلك، الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة، منير أديب، الذي يرى أن «تنظيم الإخوان كان يجد متنفساً حركياً في أوروبا والغرب، بعد حظر نشاطه في بلد المنشأ مصر». وقال: «إن مساواة واشنطن بين الإخوان والقاعدة وداعش، إجراء جاء متأخراً، بعد أن طالبت القاهرة واشنطن عام 2014 بعدم الفصل بين التنظيم وباقي التنظيمات المتطرفة».

وتصنِّف السلطات المصرية «الإخوان» «جماعةً إرهابيةً» منذ عام 2013؛ ويقبع معظم قيادات التنظيم داخل السجون المصرية بتهم عنف وقتل، بينما هناك آخرون هاربون في الخارج مطلوبون للقضاء المصري.

تضييق الخناق

ورأى أديب، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أنَّ التحرُّك الأميركي «سيترتب عليه تضييق الخناق على ملاذات قيادات التنظيم الآمنة التي كانت تتحرَّك في حواضن بين حدود الدول الأوروبية»، إلى جانب «ملاحقة الشبكات المالية التابعة للإخوان في أميركا وأوروبا»، مشيراً إلى أنَّ «واشنطن ستتخذ عقوبات أكثر صرامة تجاه الجمعيات والمراكز التابعة للإخوان، كما ستطالب دول أوروبا باتخاذ إجراءات مماثلة»، عاداً «الجماعة تواجه ملاحقةً دوليةً غير مسبوقة، قد تؤدي إلى تفكيك التنظيم بشكل كامل».

وانحسر حضور جماعة الإخوان في السنوات الأخيرة، خصوصاً بعد الضغوط العربية على التنظيم. وستؤثر الملاحقة الأميركية على نشاط التنظيم الدولي حركياً، وفق تقدير الخبير في مكافحة الإرهاب الدولي حاتم صابر، الذي أشار إلى أنَّ «الاستراتيجية الأميركية تستهدف التعامل مع الإخوان بوصفه تنظيماً إرهابياً دولياً، ما يعني تقويض تحركاته الخارجية، خصوصاً في أوروبا».

وتوقَّع صابر، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «تزداد الملاحقات الأمنية لكوادر التنظيم الدولي في الخارج». وقال: «قد نرى مطالبات بتسليم عناصر إخوانية مقيمة في دول أوروبا وفي تركيا الفترة المقبلة».


الطاقة الشمسية تعيد تشكيل اقتصاد الكهرباء في تعز

مبانٍ في تعز تغطيها عشرات من ألواح الطاقة الشمسية (فيسبوك)
مبانٍ في تعز تغطيها عشرات من ألواح الطاقة الشمسية (فيسبوك)
TT

الطاقة الشمسية تعيد تشكيل اقتصاد الكهرباء في تعز

مبانٍ في تعز تغطيها عشرات من ألواح الطاقة الشمسية (فيسبوك)
مبانٍ في تعز تغطيها عشرات من ألواح الطاقة الشمسية (فيسبوك)

يقود أفراد ومستثمرون صغار، في مدينة تعز اليمنية، نشوء سوق محلية لتوليد وبيع الكهرباء كاستجابة فردية ومجتمعية لأزمة مزمنة، بعد أن دفع انقطاع الكهرباء الحكومية، التي يبدو أنها لن تعود قريباً، وارتفاع تكلفة الخدمة التجارية، السكان إلى التحوُّل نحو الطاقة الشمسية بديلاً رئيسياً.

ونشأت خلال الفترة الماضية استثمارات صغيرة ومتوسطة لإنتاج وبيع الكهرباء بالطاقة الشمسية في المدينة الواقعة جنوب غربي البلاد؛ ما خلق سوقاً ناشئة تتقاطع فيها احتياجات الأسر مع مصالح التجار، وسط غياب شبه كامل للأطر التنظيمية والرقابية.

وبعد أعوام من النشاط الميداني للضغط على السلطات المحلية في مدينة تعز لإعادة تشغيل محطة كهرباء عصيفرة (شمال المدينة)، التي لم تثمر شيئاً، لجأ الناشط الاجتماعي، نائف الوافي، لخوض تجربة جديدة للاستثمار في مجال الطاقة الشمسية حلاً بديلاً لخدمة الكهرباء من جهة، واستثماراً تجارياً من جهة أخرى.

واستغرقت مساعي الوافي أشهراً طويلة جرّب فيها منظومات بسيطة وبطاريات تقليدية، واتجه أخيراً إلى إنشاء منظومة طاقة شمسية متكاملة لخدمة مبنى يضم خمس شقق سكنية، حيث لم يتوقف الأمر عند حدود تأمين احتياجات منزله الخاصة، بل وإنتاج وبيع الكهرباء لسكان المبنى بسعر رمزي، في سعي لتخفيف الأعباء المالية وكسر ما يصفه بـ«احتكار» مزودي الكهرباء التجارية.

ألواح الطاقة الشمسية تعوض الكثير من سكان تعز عن انقطاع الكهرباء العمومية (إنستغرام)

ويبين الوافي لـ«الشرق الأوسط» إن الدافع الرئيسي كان الارتفاع الكبير في أسعار الكهرباء التجارية، التي تتراوح ما بين 1200 و1400 ريال يمني (الدولار يساوي 1560 ريالاً في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية) لكل كيلوواط، إلى جانب تردي الخدمة وانعدام الاستقرار، في ظل أوضاع معيشية متردية وتدني مستويات الدخل واتساع البطالة.

ويقوم النظام الذي اعتمده الوافي على ألواح شمسية وأجهزة تنظيم وإدارة التيار لنقله إلى بطاريات عالية الجودة، واتباع أساليب تضمن الكفاءة، لتجنب الأعطال التي ظهرت في السابق، ويشمل ذلك إدارة دقيقة لعمل المنظومة؛ إذ يتم الاعتماد على استهلاك التيار من الألواح الشمسية مباشرة خلال النهار، وتُستخدم البطاريات لتشغيل الأجهزة والإضاءة خلال الليل.

الحاجة إلى الرعاية والرقابة

يؤكد عدد من المستفيدين أنهم، ومنذ الأسابيع الأولى، لمسوا الفرق الكبير في الأسعار بين ما يدفعونه مقابل هذه الخدمة، ومقارنتها بالفواتير المرتفعة التي تصل إليهم من المحطات التجارية.

ويعدّ هذا الحل ضرورياً وعاجلاً في مدينة مثل تعز، بحسب الخبراء، حيث توقفت خدمات الكهرباء العمومية في معظم المحافظات، ومنها تعز، منذ اندلاع الحرب، إلى جانب الحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية عليها، قبل أن تظهر المحطات التجارية الخاصة.

عمّال في مدينة تعز يعملون على تركيب ألواح ومنظومات الطاقة الشمسية (فيسبوك)

وفي مقابل ذلك لا يُعَدّ شراء معدات الطاقة الشمسية خياراً ناجحاً أو كافياً، بسبب أسعارها التي تفوق قدرة غالبية السكان على توفيرها.

يشير محمد نجيب، وهو خبير مالي ومحاسب في إحدى مؤسسات الطاقة البديلة، إلى أن الاستثمار في مجال الطاقة الشمسية يمكن تصنيفه ضمن المشاريع الصغيرة التي ينبغي أن تحظى بدعم وتمويل من الجهات المعنية، سواء رسمية أو دولية، لكونها توجِد مصادر دخل وفرص عمل كثيرة ومتنوعة من جهة، وتوفر للسكان بدائل للطاقة بأسعار معقولة.

ويستدرك نجيب في توضيح لـ«الشرق الأوسط» أن التمويل والرعاية الرسمية والدولية تضمن الاستمرارية والجودة، لكون المشاريع الخاصة غير مضمونة في هذين الجانبين، وهو ما يستدعي وجود وسيلة لكفالتهما، وليس أفضل من ذلك أن تكون هناك شراكة فاعلة لتعزيز المسؤولية تجاه المستفيدين.

وعلى الرغم من هذه التحديات، يتوقع العاملون في القطاع أن يشهد الاعتماد على الطاقة الشمسية توسعاً أكبر خلال السنوات المقبلة، مع إمكانية تغطية نسبة كبيرة من الطلب المحلي بحلول عام 2030، خصوصاً في ظل نجاح تجارب لتشغيل مبانٍٍ كاملة باستخدام هذه التقنية.

محافظ تعز يتفقد محطة كهرباء عصيفرة المتوقفة عن العمل بسبب الحرب والحصار (سبأ)

وينبه أنس النهاري، وهو تاجر في مجال أنظمة الطاقة الشمسية بتعز، إلى أن الطلب على هذه الأنظمة يشهد نمواً مستمراً، ليس فقط داخل المدينة، بل في مختلف المحافظات، مدفوعاً بارتفاع تكاليف الكهرباء والوقود، حيث لم تعد تُستخدم لتغطية الاستهلاك المنزلي فقط، بل تحولت إلى فرصة استثمارية، وتُستخدم للحصول على دخول إضافية عبر بيع الكهرباء داخل المباني أو المجتمعات المحلية.

ويضيف النهاري لـ«الشرق الأوسط» أن الأنظمة تتراوح بين حلول منزلية صغيرة وأخرى أكبر مخصصة للمؤسسات، مع تزايد الاعتماد على بطاريات الليثيوم بوصفها أكثر كفاءة على المدى الطويل.

إلا أن هذا النمو السريع يترافق مع تحديات وعقبات متنوعة، أبرزها تفاوت جودة المنتجات في السوق، وظهور معدات منخفضة الجودة تُباع تحت تسميات مضللة وبعلامات تجارية مقلدة أو مزورة، ما يعرّض المستهلكين لمخاطر فنية ومالية، إلى جانب ضعف القدرة الشرائية وغياب خيارات التمويل.

الطاقة الشمسية في تعز تحولت إلى استثمار ومشاريع صغيرة (فيسبوك)

ويتفق الوافي والنهاري على أن الطاقة الشمسية ما زالت تواجه عوائق عدة، مثل ضعف القدرة الشرائية وغياب التسهيلات التمويلية، وغياب التنظيم وترك السوق دون رقابة، إلى جانب استمرار هيمنة مزودي الكهرباء التجارية على جزء من المشهد.

مستقبل مجهول لكهرباء تعز

لا تزال محافظة تعز بما فيها المدينة حيث مركز المحافظة تعيش سخطاً شعبياً بسبب استمرار انقطاع الكهرباء العمومية منذ بدء الحرب والحصار الحوثي، مقابل انتشار محطات الكهرباء التجارية باهظة التكلفة، والتي يتسم أداؤها بالعشوائية وغياب الرقابة.

وبرَّر مصدر في كهرباء مدينة تعز عدم عودة محطة عصيفرة للعمل بسبب غياب الدعم الحكومي، وعدم توفر غالبية القطع الرئيسية لإصلاح المولدات، في حين لم يفِ رجال الأعمال بوعودهم بتقديم المساعدات المالية.

وأبدى المصدر، الذي طلب من «الشرق الأوسط» التحفظ على بياناته لحساسية منصبه، حسرته لعدم استجابة الحكومات المتعاقبة لطلبات الدعم التي تم تقديمها، والتي تركت السلطة المحلية في المحافظة وحيدة في مواجهة هذه الأزمة التي أدَّت إلى سخط شعبي واسع، رغم كل المذكرات التي جرى رفعها لأعلى المستويات، والجهات المختصة، مثل وزارات الكهرباء والمالية والنفط.

محطة كهرباء مدينة تعز بحاجة إلى دعم وتمويل كبيرين لإعادة تشغيلها (سبأ)

ونوه بأن الأضرار التي ألحقتها الجماعة الحوثية بمحطة عصيفرة وشبكة التوزيع كبيرة للغاية، وضاعفتها فترة التوقف الطويلة، وأعمال النهب والسرقة والاعتداء المستمرة.

وأدانت «مؤسسة الكهرباء» في تعز، أواخر الشهر الماضي، اعتداءً طال خطوط الضغط العالي غرب المدينة، فيما وصفته بالجريمة التي تستهدف المال العام والبنية التحتية لقطاع الكهرباء في المحافظة، وأعلنت عن أسماء أفراد العصابة التي نفذت الاعتداء.

وكان ناشطون ومنظمات محلية تبنوا حملة مجتمعية استمرت أعواماً بهدف الضغط لإعادة تشغيل محطة الكهرباء، ورغم الجهود التي بُذِلت في هذا الجانب، إلا أن الأمر لم يتوّج بالنجاح.


الحرب تفرِّق آلاف الأسر السودانية... والأمم المتحدة تبحث عن ذوي 58 ألف طفل

حشد من الأطفال السودانيين اللاجئين يتدافعون للحصول على الطعام بمخيم أدري فيما رجل يحمل سوطاً يحاول السيطرة عليهم (نيويورك تايمز)
حشد من الأطفال السودانيين اللاجئين يتدافعون للحصول على الطعام بمخيم أدري فيما رجل يحمل سوطاً يحاول السيطرة عليهم (نيويورك تايمز)
TT

الحرب تفرِّق آلاف الأسر السودانية... والأمم المتحدة تبحث عن ذوي 58 ألف طفل

حشد من الأطفال السودانيين اللاجئين يتدافعون للحصول على الطعام بمخيم أدري فيما رجل يحمل سوطاً يحاول السيطرة عليهم (نيويورك تايمز)
حشد من الأطفال السودانيين اللاجئين يتدافعون للحصول على الطعام بمخيم أدري فيما رجل يحمل سوطاً يحاول السيطرة عليهم (نيويورك تايمز)

مع دخول الأزمة السودانية عامها الرابع، حذّرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين من تفاقم الكارثة الإنسانية واتساع نطاقها، مؤكدة أن ما يجري في السودان تحوّل إلى أكبر أزمة نزوح في العالم، في ظل تداعيات مدمّرة طالت ملايين المدنيين، وعلى رأسهم الأطفال.

وكشفت المفوضية عن وجود نحو 58 ألف طفل سوداني لاجئ يعيشون في دول اللجوء من دون مرافقة ذويهم، بعدما فرّقت الحرب بينهم وبين عائلاتهم، بينما يعاني عدد كبير منهم من إصابات جسدية وصدمات نفسية عميقة نتيجة العنف والنزوح.

وقالت المتحدثة الإقليمية باسم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فيث كاسينا، لـ«الشرق الأوسط»، إن «المفوضية، ورغم عدم قدرتها على تقديم معلومات تفصيلية بشأن الأطفال غير المصحوبين بذويهم لأسباب تتعلق بالخصوصية، تعمل بشكل متواصل على تتبّع أفراد أسرهم المباشرين أو العائلات الممتدة والأقارب بهدف إعادة لمّ شملهم».

نازحات سودانيات فررن من مخيم زمزم يتجمعن قرب بلدة الطويلة في شمال دارفور فبراير2025 (أ.ف.ب)

وأضافت كاسينا أن الأطفال الذين يتم العثور عليهم من دون ذويهم يُنقلون مؤقتاً إلى أسر حاضنة مختارة، تتلقى دعماً من المنظمات الإنسانية والإغاثية، إلى حين التوصل إلى أسرهم الأصلية أو أقاربهم. وأكدت أن المفوضية تواصل مطالبة المجتمع الدولي بتوفير مزيد من الدعم والخدمات المتخصصة للأطفال غير المصحوبين والمنفصلين عن عائلاتهم، إضافة إلى الفئات الأكثر ضعفاً وذوي الاحتياجات الخاصة.

نقص في التمويل

وفيما يتعلق بأزمة التمويل، أوضحت كاسينا أن المفوضية وشركاءها من المنظمات الإنسانية يواصلون بذل كل الجهود الممكنة لمواجهة النقص الحاد في تمويل الاستجابة الإنسانية للأزمة السودانية، عبر إطلاق نداءات دولية تهدف إلى توفير الحماية والمساعدات لملايين اللاجئين والنازحين داخلياً والعائدين والمجتمعات المضيفة. وبيّنت أن المفوضية والمنظمات الإنسانية وشركاء التنمية يحتاجون خلال العام الحالي إلى 1.6 مليار دولار لتقديم مساعدات منقذة للحياة لنحو 5.9 مليون شخص في سبع دول تستضيف اللاجئين الفارين من السودان.

نازحون من مدينة الجنينة بمنطقة دارفور على شاحنة للجيش الفرنسي تنقلهم إلى ملاجئ مؤقتة على مشارف أدري بتشاد (رويترز)

ورغم أن حجم التمويل الذي تم توفيره حتى الآن لا يتجاوز 10 في المائة من إجمالي الاحتياجات المطلوبة، شددت كاسينا على التزام المفوضية بمضاعفة جهودها مع الجهات المانحة لضمان استمرار الاستجابة الإنسانية، وتمكين الشركاء من تلبية الاحتياجات العاجلة للمتضررين من النزاع.

وأشارت إلى أن المؤتمر الدولي الثالث بشأن السودان، الذي عُقد في برلين منتصف أبريل (نيسان) الماضي، بدعوة من ألمانيا والاتحاد الأوروبي وفرنسا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأفريقي، أسفر عن تعهدات مالية تجاوزت 1.5 مليار يورو لدعم جهود الاستجابة الإنسانية في السودان ودول الجوار.

كما أوضحت أن المؤسسات التنموية الدولية رفعت مستوى استثماراتها المخصصة للسودان ودول اللجوء، مشيرة إلى أن محفظة البنك الدولي الخاصة بالسودان ارتفعت من 130 مليون دولار خلال عام 2024 إلى 540 مليون دولار متوقعة بحلول نهاية عام 2026، مع توقعات باستمرار نموها خلال السنوات المقبلة.

تحديات العودة

وأكدت كاسينا أن مؤسسات التنمية في دول الخليج، إلى جانب شركاء دوليين مثل البنك الأفريقي للتنمية والاتحاد الأوروبي، كثّفت مشاركتها لدعم المجتمعات المضيفة، وتعزيز قدرة اللاجئين والنازحين على الصمود، وتحقيق الاعتماد على الذات على المدى الطويل.

وشددت على أن الأزمة السودانية لا تزال أكبر أزمة نزوح في العالم، وأكثرها معاناة من نقص التمويل، محذّرة من أن استمرار البرامج الإنسانية سيكون مهدداً بشكل كبير إذا لم يتم توفير الموارد المالية الكافية من قبل الجهات المانحة.

وفي ختام حديثها، جدّدت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين دعوات الأمم المتحدة إلى ضرورة الالتزام بالقانون الدولي الإنساني، وضمان حماية المدنيين، وتأمين وصول المساعدات الإنسانية المنقذة للحياة إلى جميع المحتاجين، خصوصاً في مناطق القتال وممرات النزوح واللجوء.