«ليست مدينة أشباح»... ووهان تحارب «كورونا» والإشاعات

طالب لبناني يروي لـ«الشرق الأوسط» تجربته مع توثيق يوميات بؤرة الفيروس

ممرض يقود تمارين لمصابين بفيروس «كورونا» في أحد مستشفيات ووهان (أ.ف.ب)
ممرض يقود تمارين لمصابين بفيروس «كورونا» في أحد مستشفيات ووهان (أ.ف.ب)
TT

«ليست مدينة أشباح»... ووهان تحارب «كورونا» والإشاعات

ممرض يقود تمارين لمصابين بفيروس «كورونا» في أحد مستشفيات ووهان (أ.ف.ب)
ممرض يقود تمارين لمصابين بفيروس «كورونا» في أحد مستشفيات ووهان (أ.ف.ب)

رفض الشاب اللبناني أدهم السّيد الرحيل عن مدينة ووهان الصينية، بؤرة تفشي فيروس «كورونا المستجد»، التي احتضنته خمس سنوات. أبى إلّا أن يشارك أهلها الأيام المرّة كما شاركهم الحلوة لسنوات. فكان واحداً من أهل «مدينة الأشباح»، حسبما أطلقت عليها غالبية الصّحف العالمية، وهو لقب يرفضه ويرى فيها «مدينة تقاوم».
ويقول السيد لـ«الشرق الأوسط»: «الفرق شاسع بين الاسمين، فمدينة الأشباح هي تلك المهزومة المستسلمة للموت، بينما ووهان لم تستسلم قط، ولسان حال أهلها في اليوم الثالث على إقفالها وعزلها يقول بصوت واحد: كوني قويّة ووهان، مؤكّدين حبّهم لمدينتهم ودعمهم لها».
أدهم السيد، شاب في الثلاثينات من عمره، من قرية برجا اللبنانية في قضاء الشوف بمحافظة جبل لبنان. سافر في عام 2015 إلى الصين لإكمال دراسة دكتوراه في الاقتصاد الكمّي بجامعة «هواتشونغ للعلوم والتكنولوجيا» بمدينة ووهان، عاصمة مقاطعة هوباي وأكبر مدنها التي يفوق عدد سكانها الـ11 مليون نسمة، وهي سابع أكثر مدن الصين اكتظاظاً بالسكان.
وبين العزل والمشاركة في حملة المساعدة على العلاج وتأمين المواد الغذائية والطبية يوميّاً لووهان، تقاسم أهلها الأعمال. وكان أدهم واحداً منهم، معتبراً نفسه «جزءاً من هذه المعركة من أجل البشرية»، كما كتب على صفحته في «فيسبوك».
علّل أدهم قرار بقائه، بأنّ منظّمة الصّحة العالمية والجهات الرسمية الصينية صرّحت بأنّه لا داعي لإجلاء الرعايا الأجانب من المدينة، بل على العكس فإنّ بقاءهم أضمن لهم. وأضاف في اتصال مع «الشرق الأوسط»: «هناك إمكانية للبقاء والصّمود، وقد يكون قرار الرّحيل تهوّراً، فلو كنت حاملاً للفيروس من الطبيعي أن أنشره بين أهلي وأصدقائي، وجميعنا يعلم أنّه لا إمكانية لحكومتنا اللبنانية للتعامل معه ومع الإصابات».
قد يرى كثيرون في قراره ضرباً من الانتحار، لكنّه يجيب: «أنا لا أخاطر بنفسي، ولدي إمكانية للصمود في ووهان، هذه المدينة التي احتضنني أهلها خمس سنوات وقدّموا لي كثيرا من المساعدة والدّعم، وأنا بقيت هنا رداً للجميل. فهذا الشّعب لا يعرف التمييز والعنصرية. وكنّا نحن الطّلاب الأجانب جزءاً منهم، مواطنين عاديين وأفضل. وفي هذا الوضع الاستثنائي رأيت أنّني أستطيع نقل الحقيقة إلى العالم في وجه كل التشّويه الذي يطال الصين والإشاعات الكاذبة التي تُنشر على مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها».

- تصوير مباشر من قلب ووهان
يقول أدهم: «بدأت التصوير لدحض الإشاعات والتضليل الإعلامي الذي يُظهر ووهان وكأنّها مدينة أشباح، فحملت الموبايل وخرجت أوثّق من قلب الحدث. الفكرة جاءتني صدفة فأنا لست من هواة التصوير المباشر، وبدأت بنشر لقطات فيديو من شوارع المدينة ومن دون أي مونتاج، هذا أقل ما أستطيع القيام به تجاه هذا الشّعب».
يصف الوضع مع هجمة الفيروس وانتشاره السّريع بأنّه «حرب في وجه البشرية». ويوضح: «لو انتشر الفيروس منذ اليوم الأوّل خارج الصين لكانت فعلاً كارثة كبيرة، وبعد ثلاثة أشهر من ظهوره بدأ بالانتشار، وها هو العالم الآن لا يعرف ماذا يفعل. والصين تقاتل عن البشرية بكاملها في خط المواجهة الأول».

- أوّل إصابة بالفيروس
يقول أدهم، إنّ أوّل ظهور لحالة مصابة كان في 9 ديسمبر (كانون الأول). ويستطرد: «علمنا بالأمر في 19 ديسمبر (كانون الأول). وقتها بدأنا بمتابعة الأخبار وكانت الحالات قليلة. وفي 10 يناير (كانون الثاني) أصبحنا نتابع كل جديد لحظة بلحظة... كنت عملياً أتّجه إلى الأبحاث، خصوصاً أنّ الفيروس مستجد ولم تكن هناك معطيات. وسريعاً استطاع العلماء الصينيون وغير الصينيين نشر أعداد كبيرة من الأبحاث، فبتّ وكل من يعيش في البلاد على علم بالكثير عنه. وكان العلماء يتعرفون على الفيروس للمرّة الأولى، فكانوا يكتبون عنه بطريقة تعريفية، هذا بالإضافة إلى المعطيات التي كانت تصلنا لنحمي أنفسنا بصفتنا طلبة أجانب، من الجامعة أو من السلطات الصينية عبر الجامعة».
ويوضح أن «المعطيات باتت كبيرة بين أيدينا، فبدأت منذ 23 يناير، اليوم الأوّل من العزل، بجمع كل ما يصدر من أرقام عن منظّمة الصّحة العالمية وعن السّلطات الصينيّة الرّسمية، عدا المواقع في الصين التي كانت تزوّد الجميع بالإحصائيات اليومية، من حالات إصابات جديدة ووفيات وخروج المتعافين من المستشفى وغيرها، وتمكّنت بطبيعة تخصّصي في الرياضيات والإحصاء وعملي في الوصول إلى البيانات وتحليلها، من المقارنة بين البيانات المختلفة واستخدامها على طريقتي».
المغامرة والتعاطي مع المرضى
أستطيع القول إنّها «حالة استثنائية في التعاطي مع المصابين بالفيروس». وأضاف: «يعتقد كثيرون أنّني أبالغ في حديثي أو أحاول الدّفاع عن الصّين، ولكن لننظر إلى عدد الإصابات اليوم في لبنان مثلاً، فالحكومة غير قادرة على أن تطلب من عشر أو عشرين حالة مشكوك بأمرها أن تلتزم منازلها، فهي لا تستطيع أخذ خطوة إلى الأمام، بينما هنا في الصين وبقرار واحد وليلة واحدة من 22 إلى 23 يناير أُخذ قرار بالتزام الناس بيوتها، وهذا ما حدث فعلاً. مثل آخر، في إيطاليا اضطرّ الجيش للنزول إلى الشارع لأنّ الناس لم يلتزموا قرار العزل بل ولم يأخذوا الأمر بجدّية، ولدي كثير من الأصدقاء في إيطاليا ونحن على تواصل مستمر بشأن الفيروس وما يحدث على الأرض».

- نظرية المؤامرة
من يُتابع صفحة أدهم على «فيسبوك»، يدرك ماذا يحاول شرحه، فهو حريص حسب قوله على نقل الأخبار من مصادر موثوقة أو نشر كلمة مصوّرة لمسؤول يتحدّث بالصوت والصّورة عن كل ما يحيط بـ«كورونا»، ويتابع: «لم أعتمد يوماً على معلومة بناء على (قيل وقال)، فما يفيد اليوم من إشاعات قد يضرّ غداً والعكس صحيح، والواقع الذي نعيشه لا يحتمل الأكاذيب والتضليل. ومن طباع الصينيين حسب معرفتي بهم، أنّهم قليلو الكلام ولا يصدر عنهم إلّا لزاماً. حتى اليوم، نظريّة المؤامرة وأنّ الفيروس مفتعل أو أنّه من صنع الإنسان، لم يؤكدها أحد في الصين، بل على العكس، الأميركيون هم من يدفعون بالقول إنّه خرج من مختبر بيولوجي في ووهان، وهو كلام غير مؤكّد لا علميّاً ولا رسميّاً من الجهات الحكومية ومؤسساتها السياسية، ونفته الصّين نفياً قاطعاً. فيما قد يصحّ القول إنّ الحديث عن الاستفادة من الفيروس وانتشاره موجود، فالأميركيون اليوم مستفيدون منه ويحاولون تسييسه. هناك ما يُسمّى (المعادلة الصّفريّة) التي تُمارس اليوم، المستفيد واحد والمتضرّر هو البشريّة جمعاء».
المأكولات الشّعبية في الصين
«ليس كل ما يُنشر صحيحاً. فمجموعة كبيرة من مقاطع الفيديو التي ظهرت مؤخراً للعالم هي للأسف، جزء من الحملة الجاهزة الموجودة منذ الحرب التجارية مع هونغ كونغ واستمرّت مع ظهور الفيروس. وهي لم تصوّر في الصين، تحديداً في موضوع المأكولات، فالكلاب والأفاعي الضخمة والخفافيش كلّ هذه الوجبات ليست أكلات شعبية خاصة في ووهان التي تُعرف بمدينة المائة بحيرة وهي مشهورة بأكل السمك. ثانياً إنّ الفيروس لا يأتي من أكل هذه الحيوانات، بل من ملامستها أو تفاعل هذه الحيوانات مع بعضها، وما أستطيع قوله وأؤكده أنّ هذه الأكلات غير موجودة في ووهان بتاتاً. وهناك كثير من اللحوم البرّية الممنوعة في الصين. فالخفافيش أكلة شعبية في إندونيسيا، والكلاب أكلة شعبية في كوريا الجنوبية وتايلند وليس في الصين. هذا فيما يخص الأكل، ومعظمه جزء من دعاية لتحميل الصين والصينيين مسؤولية الفيروس».

- مشاهدات يومية
لم يصادف أدهم حالات لأشخاص مصابين بالفيروس، ولكنّه يخبرنا عن مصادفته أموراً جميلة يقول: «في مثل هذا الوقت يحتفل الصينيون بعطلة الرّبيع وهو أهمّ عيد لديهم، فيذهب الجميع إلى قراهم، والمجتمع الصيني بمعظمه مجتمع ريفي وقليلون جداً من هم أبناء المدن. وفي فترات العيد تفرغ المدينة من سكّانها ولا يبقى فيها سوى مليون أو مليونين، ما حدث أنّهم أقفلوا المدينة قبل خروج سكانها ولا يتعدّى عدد الخارجين سوى أربعة ملايين». ويروي أدهم بعضاً من مشاهداته فيقول: «يعيش مقابل منزلي رجل وزوجته أتى ابنهما مع عائلته لزيارتهما وما لبث أن وجد نفسه خاضعاً للعزل الذي فُرض على المدينة، ما فعله أنّه تطوّع وزوجته لتقديم المساعدة لمن يحتاج إليها وترك أبناءه بعهدة أمّه وأبيه، كنت أرى أولاده يخرجون في كل صباح مشمس للعب ساعة أو ساعتين بكرة الطّاولة وكنت أحبّ مشاهدتهم يلعبون. وهناك فيديوهات كثيرة يرسلها لي أصدقائي تُظهر كيف أنّ هذا الشّعب لا يستسلم أبداً، فقد بدأوا العمل من المنازل والتعليم عن طريق الإنترنت».


مقالات ذات صلة

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

الولايات المتحدة​ سُجّل نحو 840 ألف وفاة بكورونا في شهادات الوفاة خلال عامي 2020 و2021... لكن فريقاً من الباحثين قدّر أن ما يصل إلى 155 ألف وفاة إضافية غير معترف بها ربما حدثت خلال تلك الفترة خارج المستشفيات (رويترز)

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

أظهرت دراسة جديدة أن حصيلة الوفيات في المراحل الأولى من جائحة كورونا كانت أعلى بكثير من الأرقام الرسمية في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك مكملات فيتامين «د» تبدو واعدة في تقليل خطر الإصابة بـ«كوفيد طويل الأمد» (أرشيفية- رويترز)

دراسة: مكملات فيتامين «د» قد تساعد في تخفيف أعراض «كوفيد طويل الأمد»

تشير دراسة حديثة إلى أن مكملات فيتامين «د» قد توفر مؤشرات جديدة تساعد الباحثين على فهم الأعراض التي تستمر لدى بعض المصابين بعد التعافي من «كوفيد-19».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم عاملون مختبريون يفحصون عينات فيروس «كوفيد» ميدانياً

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

الفيروسات تتطور بشكل عادي لدى الحيوانات، إلا أنها تتطور بشكل جذري عند إصابتها الإنسان.

كارل زيمر (نيويورك)
صحتك اللقاح يُعطى عن طريق الأنف عبر رذاذ أنفي (أرشيف - أ.ب)

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

طوَّر باحثون أميركيون لقاحاً جديداً قادراً على الوقاية من عدة فيروسات في آنٍ واحد، بما في ذلك «كوفيد-19» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

التطعيم يحمي الأم ووليدها

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».


مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، الولايات المتحدة إلى إنهاء التحقيق الذي تجريه بشأن الضربة الجوية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية الشهر الماضي، ونشر نتائج التحقيق.

وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف خلال جلسة طارئة دعت إليها إيران: «أكد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن الضربة قيد التحقيق. أدعو إلى إنهاء هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن، ونشر نتائجه».

وأضاف: «لا بد من تحقيق العدالة بشأن هذا الأمر المروع».

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن الضربة الدامية التي تعرّضت لها مدرسة في جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت «هجوماً مدروساً» من واشنطن.

وندد في كلمة عبر الفيديو أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ«الهجوم المدروس والمُنفَّذ على مراحل» على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب «حيث قُتل أكثر من 175 من التلامذة والمعلمين بدم بارد». وأضاف: «التصريحات المتناقضة للولايات المتحدة التي تهدف إلى تبرير جريمتها، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلها تتنصل من مسؤوليتها»، واصفاً الهجوم بـ«جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».


وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
TT

وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)

قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، الجمعة، إن الولايات المتحدة وإيران أجرتا مفاوضات غير مباشرة، وإن ممثلين للجانبين يعتزمون الاجتماع قريباً في باكستان.

وقال لإذاعة «دويتشلاند فونك»: «بناءً على المعلومات التي لدي، جرت اتصالات غير مباشرة، وهناك استعدادات للقاء مباشر. ويبدو أن ذلك سيتم قريباً جداً في باكستان».

إلى ذلك، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه سيمدد مهلة لإيران حتى السادس من أبريل (نيسان) للتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب قبل تدمير منشآت الطاقة فيها، مشيراً إلى أن المحادثات تسير «بشكل جيد جداً»، لكن طهران رفضت الاقتراح الأميركي ووصفته بأنه غير عادل.