«حرب القمم» حول إدلب تعكس تضارب المصالح فيها

TT

«حرب القمم» حول إدلب تعكس تضارب المصالح فيها

اختلطت أوراق القمم المقترحة لمعالجة تدهور الوضع حول إدلب، ومواجهة احتمالات انزلاق الموقف نحو مواجهة واسعة. وبعد الاتفاق على عقد قمة تجمع غداً الرئيسين فلاديمير بوتين ورجب طيب إردوغان، وهو اتفاق مر بصعوبات بالغة قبل التوصل إليه، أعلن الكرملين أن ترتيبات تجري لعقد قمة ثلاثية لضامني آستانة، في حين استبعد خيار المشاركة في قمة أخرى، كانت أنقرة سعت إلى تنظيمها لتجمع زعماء روسيا وتركيا وألمانيا وفرنسا.
بدا «تنافس» القمم المقترحة لافتاً، خصوصاً إذا ما أضيفت إليه اقتراحات جانبية للقاءات على مستوى أقل، مثل الاجتماع الثلاثي الذي اقترحت طهران تنظيمه بين ممثلين عن الحكومة السورية وإيران وتركيا، بهدف محاولة تقريب وجهات النظر بين أنقرة ودمشق، وهو اقتراح بدا سريعاً أنه غير قابل للتنفيذ، فضلاً عن كونه أثار استياءً في موسكو، لأن الروس رأوا فيه محاولة إيرانية للقفز عنهم.
عكس الاتفاق بعد على ترتيب القمة الروسية - التركية بعد مماطلة استمرت لأسابيع من جانب موسكو، أن الطرفين أدركا أن جولات الحوار على مستوى الخبراء العسكريين والدبلوماسيين مهما نجحت في وضع تصورات مشتركة، فهي لن تنجح في إعلان اتفاق شامل على مسألة خلافية كبرى مثل إدلب، وأن الحاجة لتدخل حاسم على المستوى الرئاسي باتت ضرورية قبل أن تنزلق الأمور أكثر، وهو ما عبر عنه الناطق باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، عندما أعلن أن بلاده تعول على وقف تدهور الموقف، وتأمل أن تنطلق أنقرة من القناعة ذاتها.
عقد الرئيسان بوتين وإردوغان 6 قمم ثنائية في العام الماضي، وأجريا عشرات الاتصالات الهاتفية، كانت كلها تقريباً حاسمة، ونجح بعضها في رسم ملامح عدد من الاتفاقات الأساسية، التي وإن كانت لم تنفذ كلها مثل «اتفاق سوتشي»، لكنها شكلت قاعدة للاتصال والتنسيق المتواصل.
لا تخفي موسكو الرغبة في التوصل إلى تفاهم مع أنقرة يخفف حدة التوتر، ويوقف تدهور الموقف، لكن التوصل إلى حلول وسط في إدلب ازداد صعوبة مع سعي كل طرف إلى رفع سقفه التفاوضي إلى أعلى درجة، ولفتت أوساط روسية إلى أن القيادة الروسية راقبت بدهشة إصرار إردوغان على الذهاب بعيداً في تصعيد المواجهة، ليس فقط مع النظام، بل وفي إطار الحرب الكلامية مع الروس أيضاً. في هذا الإطار يبدو الحل الوسط المقبول، وفقاً لمصادر مقربة من الكرملين، هو إعادة رسم خريطة النفوذ على أساس أن تضمن موسكو السيطرة الحكومية الكاملة على الطريق الدولية «إم 5» مع ما يمنح ذلك من سيطرة مطلقة على حلب، في حين تتراجع بعض الشيء عن مواقف سابقة تتعلق بالطريق «إم 4»، ليبقى هذا الملف مفتوحاً لمرحلة أخرى من المفاوضات، وبدا إعلان موسكو دخول شرطتها العسكرية إلى سراقب إشارة واضحة في هذا المجال، على الرغم من أن الحكومة السورية لم تحكم سيطرتها على كل أجزاء المدينة بعد.
بهذه الآلية، يمكن للطرفين إعادة التأكيد على الالتزام باتفاق سوتشي، ويمكن لإردوغان أن يبرر داخلياً «انتصاره» بعدما كبد القوات الحكومية خسائر فادحة، رغم أن الواقع الميداني يشير إلى تقلص مساحة نفوذ تركيا بعد هذه المواجهة.
هكذا يضع البعض في موسكو الملامح العامة لاتفاق متوقع، ينهي هذه المرحلة من الأزمة المتصاعدة، لكنه لا يحسم نهائياً المعركة المفتوحة في إدلب. ومع هذه القمة التي ينتظر أن تكون صعبة، لأنها تناقش تفاصيل وخرائط وآليات للتعامل اللاحق مع المرحلة الجديدة، وهي تفاصيل لم ينجزها بعد الخبراء، تتجه الأنظار إلى قمة لاحقة ينتظر أن يتم التوافق بشأنها خلال لقاء بوتين وإردوغان، وهذه القمة الثلاثية لمحور آستانة، التي قال بيسكوف إن التوافق بشأن موعدها يجري وأنه سيحدد بعد «ضبط الساعات» مع الطرفين التركي والإيراني، رغم أنها ستناقش الوضع الميداني، خصوصاً على خلفية تصاعد المخاوف الإيرانية بسبب الضربات القوية التي تعرض لها النظام أخيراً، ولأن نيران تركيا طاولت «حزب الله» والقوات الحليفة لإيران، لكن العنصر البارز فيها هو البعد السياسي في ظروف تراجع الثقة بقدرة محور آستانة على مواجهة التعقيدات المتصاعدة، وعلى خلفية حملة غربية قوية ضد هذا المسار برزت في اجتماع مجلس الأمن الأخير حول سوريا. هنا تتشابك مصالح موسكو وطهران في الحفاظ على «الثلاثي»، وإعادة الروح إليه، فيما يبقى الموقف التركي ملتبساً تجاهها، بسبب ما وصفه معلقون روس بأنه اتساع الهوة وتزايد تضارب المصالح بين أطراف المحور.
في المقابل، بدا عدم الحماس الروسي واضحاً، لعقد قمة رباعية كانت أنقرة اقترحتها، بهدف إشراك فرنسا وألمانيا في مناقشة الوضع في إدلب، وأعلن بيسكوف أن بلاده لا تناقش عقد مثل هذه القمة حالياً. ولا يقتصر موقف الكرملين على رفض إشراك الأوروبيين في معالجة الوضع حول إدلب، لأن موسكو رأت في الدعوة محاولة من أنقرة لتشديد الضغوط عليها، خصوصاً أن القلق الأوروبي تزايد بسبب تعمد أنقرة إعادة تحريك ملف اللاجئين والتلويح بإرسال موجات جديدة من اللاجئين إلى أوروبا.
ولا ترغب موسكو، من زاوية أخرى، في مواجهة ضغوط أوروبية في مجال الوضع الإنساني في إدلب ومحيطها، وهو أمر تصر على طرحه البلدان الأوروبية. ومع إعلان موسكو عن رفضها تقريراً أممياً اتهمها بشن هجمات على منشآت طبية ومدنية، فهي سعت إلى التقليل من أهمية التقارير التي تحدثت عن لجوء نحو مليون سوري إلى المنطقة الحدودية مع تركيا، خلال الشهور الأخيرة، وقال الوزير سيرغي لافروف، إن عدد من تجاوزوا الحدود لا يزيد عن 35 ألف شخص، وأعاد خلال زيارته، الثلاثاء، إلى فنلندا، التأكيد على أن موسكو لن توقف الحرب على الإرهاب من أجل تسوية الوضع المتعلق باللاجئين.
ومع أن الأوساط الروسية ترى أن قدرة أوروبا على ممارسة ضغوط جدية على موسكو، تبدو محدودة بالنظر إلى أن الغرب استخدم كل طاقته في فرض رزم العقوبات المختلفة، وبات عاجزاً عن القيام بخطوات جدية أخرى، لكن موسكو رأت ضرورة قطع الطريق على المناورة التركية للدعوة إلى القمة الرباعية حول سوريا.



تمديد ولاية المؤسسات الصومالية وتأجيل الانتخابات... انقسام جديد بلا أفق حل

الرئيس الصومالي خلال لقاء سابق مع أعضاء ومسؤولي مجلس المستقبل للمشاركة في جلسات التشاور التي نظمتها الحكومة الفيدرالية (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي خلال لقاء سابق مع أعضاء ومسؤولي مجلس المستقبل للمشاركة في جلسات التشاور التي نظمتها الحكومة الفيدرالية (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

تمديد ولاية المؤسسات الصومالية وتأجيل الانتخابات... انقسام جديد بلا أفق حل

الرئيس الصومالي خلال لقاء سابق مع أعضاء ومسؤولي مجلس المستقبل للمشاركة في جلسات التشاور التي نظمتها الحكومة الفيدرالية (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي خلال لقاء سابق مع أعضاء ومسؤولي مجلس المستقبل للمشاركة في جلسات التشاور التي نظمتها الحكومة الفيدرالية (وكالة الأنباء الصومالية)

أثارت تعديلات الدستور الصومالي، بعد اعتمادها رسمياً في الرابع من مارس (آذار)، خلافات سياسية بين الحكومة التي قالت إن ذلك يترتب عليه مد عمل مؤسسات البلاد عاماً ما يعني تأجيل انتخابات 2026، والمعارضة التي ترفض إقرار الدستور على هذا النحو.

ذلك المشهد الذي ترى المعارضة الصومالية أنه يحمل «نذر اضطرابات سياسية وأمنية بالبلاد» المثقلة بهجمات «حركة الشباب» المتشددة، يعتقد خبراء في الشأن الأفريقي أنه يقود لانقسام سياسي عميق بلا أفق حل في المدى القريب.

وحذر ائتلاف المعارضة الصومالية المعروف باسم «مجلس مستقبل الصومال»، الاثنين، من أي «محاولة لتمديد ولاية مؤسسات الحكومة الفيدرالية في ظل التعديلات الأخيرة التي أُدخلت على الدستور الفيدرالي وجعلت مدة ولاية الرئيس والبرلمان خمس سنوات».

وقال المجلس المعارض في بيان إن مدة ولاية البرلمان الفيدرالي، وفق الدستور المؤقت لعام 2012، تنتهي في 14 أبريل (نيسان) 2026 فيما تنتهي ولاية الرئيس حسن شيخ محمود في 15 مايو (أيار) من العام نفسه، مضيفاً أنه يرفض «بشكل واضح وصريح أي محاولة لتمديد فترة الولاية بعد المواعيد المحددة في الدستور المؤقت لعام 2012».

ولفت إلى أن الصومال «سبق أن شهد تداعيات سلبية نتيجة محاولات تمديد الولاية»، مشيراً إلى الأزمة السياسية التي شهدتها البلاد عام 2021، عندما أدى مقترح لتمديد ولاية المؤسسات إلى مواجهات مسلحة بين فصائل من قوات الأمن في شوارع العاصمة مقديشو.

وأكد المجلس أن تلك التجربة تمثل تحذيراً واضحاً من العودة إلى مسار قد يقود إلى اضطرابات سياسية وأمنية جديدة في البلاد.

وكان رئيس مجلس النواب، آدم محمد نور مدوبي، قد أعلن عقب إقرار الدستور قبل نحو أسبوع تمديد ولاية المؤسسات الدستورية لمدة عام بموجب الدستور الجديد المعتمد يوم الأربعاء الماضي.

وأوضح أن جميع المؤسسات الدستورية ستعمل وفق الدستور المعدل الذي وقّعه الرئيس، وينص على أن تكون مدة ولاية الرئيس والبرلمان خمس سنوات بدلاً من أربع.

وقال الخبير في الشؤون الأفريقية ومدير «مركز دراسات شرق أفريقيا» في نيروبي، عبد الله أحمد إبراهيم، إنه رغم عدم صدور قرار رسمي من الرئاسة، فإن إعلان رئيس البرلمان تمديد فترة الرئاسة والبرلمان على حسب الدستور الذي تم إقراره يُعد تأكيداً رسمياً، معتقداً أن الخلافات الحالية ستثير «انقساماً وتباعداً أكبر بين الحكومة والمعارضة».

ويشير الخبير في الشؤون الأفريقية، علي محمود كلني، إلى أن الدستور الجديد يتضمن تعديلات جوهرية في بنية النظام السياسي في البلاد، مثل تعزيز صلاحيات الحكومة الفيدرالية المركزية على حساب بعض الصلاحيات التي كانت تتمتع بها الولايات الفيدرالية، وتقليص أو إلغاء بعض السلطات التي كانت بأيدي حكومات الولايات، إضافة إلى تمديد مدة الولاية الدستورية لكل من رئيس الجمهورية والبرلمان من أربع إلى خمس سنوات.

ونبه إلى أن «هذه التعديلات تمثل تحولاً مهماً في شكل العلاقة بين الحكومة الفيدرالية والولايات، كما تعكس توجهاً نحو مركزية أكبر في إدارة الدولة، وهو ما يكشف سبب الخلافات».

وفي حال استمرار هذا الخلاف السياسي من دون التوصل إلى تسوية، فإن ذلك قد ينعكس سلباً على العملية السياسية في البلاد، ومن أبرز السيناريوهات المحتملة أن تجد حكومة الرئيس حسن شيخ محمود مبرراً لتمديد ولايتها، وهو ما تخشاه قوى المعارضة، بحسب كلني، الذي لم يستبعد احتمال انقسام المعارضة نفسها مع مرور الوقت نتيجة طول أمد الأزمة.

وعقب إقرار الدستور، خاطب الرئيس الصومالي السياسيين المعارضين الذين أعربوا عن مخاوفهم من آلية مراجعة الدستور، داعياً إياهم إلى احترام النتائج والحفاظ على الدستور الجديد، مؤكداً أن أي تعديلات مستقبلية ستتم من خلال الإجراءات الدستورية المعتمدة.

وشدد شيخ محمود على حل أي نزاعات سياسية مستقبلية وفقاً للأطر الدستورية، بدلاً من اللجوء إلى اتفاقات سياسية خارج الدستور، مؤكداً أن الدستور هو اتفاق اجتماعي يحدد صلاحيات السياسيين ويضع قواعد إدارة الدولة.

وفي ضوء تمسك الحكومة والمعارضة بموقفيهما، لا يرى إبراهيم، مدير «مركز دراسات شرق أفريقيا»، بوادر أي تحرك دبلوماسي أو مبادرة لحل المشكلة، خاصة أن المعارضة هددت بالاجتماع في غاروى عاصمة بونتلاند في 10 أبريل، وهو موعد انتهاء عمل المؤسسات، للمشاورة واحتمال إجراء انتخابات موازية وتشكيل حكومة موازية.

في حين يرى كلني أن الحل الأكثر واقعية للأزمة يتمثل في التزام الحكومة الحالية بإنهاء ولايتها الدستورية في مايو القادم، والعمل على تهيئة الظروف لإجراء الانتخابات في موعدها المحدد دون تأجيل، وإرجاء تطبيق الدستور الجديد إلى عهد الحكومة القادمة التي ستنبثق عن الانتخابات.

ومن دون ذلك، فهناك احتمال حدوث اضطرابات أمنية وسياسية إذا تم اللجوء إلى التمديد أو استخدام القوة لقمع المعارضة، وفق تقديرات كلني.


احتجاز مشتبَه به من «حماس» في قبرص مطلوب لألمانيا

عناصر من جهاز مكافحة الإرهاب في ألمانيا (أرشيفية-متداولة)
عناصر من جهاز مكافحة الإرهاب في ألمانيا (أرشيفية-متداولة)
TT

احتجاز مشتبَه به من «حماس» في قبرص مطلوب لألمانيا

عناصر من جهاز مكافحة الإرهاب في ألمانيا (أرشيفية-متداولة)
عناصر من جهاز مكافحة الإرهاب في ألمانيا (أرشيفية-متداولة)

قال ‌ممثلو الادعاء الألمان، الثلاثاء، إن السلطات القبرصية احتجزت عضواً مشتبهاً ​به في حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية «حماس» مطلوباً في ألمانيا بتُهم تتعلق بشراء أسلحة وذخيرة لاستخدامها في هجمات على منشآت إسرائيلية أو يهودية.

وأضافوا، في بيان، أن المشتبه ‌به المولود ‌في لبنان، والذي ​لم ‌يجرِ الكشف عن ​هويته سوى باسم «كامل م.»، تماشياً مع قواعد الخصوصية الألمانية، جرى احتجازه في مطار لارنكا بقبرص، في السادس من مارس (آذار)، عند وصوله من لبنان.

وذكر ممثلو الادعاء أن ‌المشتبه به ‌مطلوب في قضية ​نقل 300 ‌طلقة ذخيرة حية. ولم يوضح البيان مصدرها أو وجهتها المحتملة. وأشاروا إلى أن«العملية كانت بمثابة استعداد (حماس) لتنفيذ هجمات قاتلة تستهدف مؤسسات ‌إسرائيلية أو يهودية في ألمانيا وأوروبا».

وفتشت الشرطة شقة المشتبه به في برلين. وأفاد البيان بأنه بمجرد تسليم «كامل م.» إلى ألمانيا، سيتولى القاضي تحديد ما إذا كان سيُحتجز على ذمة المحاكمة.


إجراءات يمنية لتنظيم تجارة الذهب ومكافحة غسل الأموال

يمني يحصل على معونة غذائية بمحافظة الحديدة حيث يعيش ملايين السكان تحت خط الفقر (أ.ف.ب)
يمني يحصل على معونة غذائية بمحافظة الحديدة حيث يعيش ملايين السكان تحت خط الفقر (أ.ف.ب)
TT

إجراءات يمنية لتنظيم تجارة الذهب ومكافحة غسل الأموال

يمني يحصل على معونة غذائية بمحافظة الحديدة حيث يعيش ملايين السكان تحت خط الفقر (أ.ف.ب)
يمني يحصل على معونة غذائية بمحافظة الحديدة حيث يعيش ملايين السكان تحت خط الفقر (أ.ف.ب)

وضعت السلطات اليمنية مجموعة من القواعد التنظيمية الجديدة لضبط تجارة الذهب والمجوهرات في البلاد، في إطار مساعٍ حكومية لتعزيز جهود مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، بالتوازي مع خطوات مُوازية لمكافحة التهرب الضريبي والجمركي وتشديد الرقابة على المنافذ التجارية.

تأتي هذه الإجراءات ضِمن خطة أوسع لتقوية مؤسسات الدولة المالية والرقابية، وتحسين كفاءة إدارة الإيرادات العامة، في ظل التحديات الاقتصادية التي تواجهها البلاد منذ سنوات نتيجة الحرب والانقسام المالي والإداري.

ووفق مصادر حكومية، استكملت وحدة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في البنك المركزي اليمني، بالتعاون مع الهيئة اليمنية للمواصفات والمقاييس وضبط الجودة، إعداد القواعد الرقابية النهائية الخاصة بتنظيم تجارة الذهب والأحجار الكريمة، وذلك بعد مراجعة فنية شاملة للمسوَّدة الأولية وإجراء نقاشات موسّعة مع الجهات المعنية.

وشهد اجتماع مشترك بين المسؤولين في المؤسستين الحكوميتين استعراض نتائج مراجعة الهيئة لمسوَّدة الضوابط التنظيمية الخاصة بتجارة الذهب والمجوهرات، حيث جرى إقرارها بصيغتها النهائية بعد إدخال تعديلات فنية تهدف إلى تعزيز الشفافية وتطوير آليات الرقابة على هذا القطاع الحيوي.

قيود يمنية جديدة على تراخيص محالّ بيع الذهب أو تجديدها (إعلام محلي)

وتتضمن القواعد الجديدة، وفق المصادر، إلزام تجار الذهب والمجوهرات بتعيين «مسؤول امتثال» ونائب له داخل كل منشأة تجارية، بوصف ذلك شرطاً أساسياً للحصول على ترخيص مزاولة النشاط أو تجديده. ويهدف هذا الإجراء إلى ضمان التزام التجار بالمعايير الرقابية المتعلقة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

كما تشمل الضوابط اعتماد أنظمة إلكترونية لتوثيق جميع المعاملات التجارية المرتبطة ببيع وشراء الذهب والأحجار الكريمة، بما يسمح بتتبُّع العمليات المالية بشكل أكثر دقة ويعزّز قدرة الجهات الرقابية على مراجعة البيانات والتحقق من سلامة الإجراءات.

وتنص القواعد أيضاً على إنشاء وحدة اتصال فنية داخل الهيئة العامة للمواصفات والمقاييس وضبط الجودة، تكون مهمتها تسهيل تبادل المعلومات والبلاغات مع وحدة جمع المعلومات المالية التابعة للبنك المركزي، بما يسهم في تحسين التنسيق بين الجهات المعنية وتعزيز فاعلية الرقابة.

ويرى مسؤولون حكوميون أن هذه الخطوات ستساعد في تنظيم سوق الذهب والمجوهرات، التي تُعد من القطاعات التجارية الحساسة؛ نظراً لإمكانية استخدامها في عمليات غسل الأموال بسبب سهولة تحويل الذهب إلى أصول مالية قابلة للنقل والتداول.

آليات تفتيش وعقوبات

تُعزز الضوابط اليمنية الجديدة الدور الرقابي للهيئة العامة للمواصفات والمقاييس، حيث خوّلتها ممارسة صلاحيات التحقق الميداني من التزام التجار بالقواعد التنظيمية، وإجراء عمليات تفتيش دورية على محالّ بيع الذهب والمجوهرات.

كما تتضمن الإجراءات وضع آليات واضحة لاتخاذ تدابير إدارية وقانونية بحق المخالفين، قد تشمل تعليق أو سحب التراخيص التجارية، إضافة إلى إحالة القضايا التي تنطوي على شُبهات جنائية إلى الجهات القضائية المختصة.

وأقرّ المسؤولون استكمال الإجراءات القانونية للمصادقة النهائية على هذه القواعد، إلى جانب تطوير آليات الرقابة على عمليات الاستيراد والتصدير المرتبطة بتجارة الذهب والأحجار الكريمة، مع تنفيذ برامج تدريب وتأهيل للكوادر الفنية في هيئة المواصفات ووحدة مكافحة غسل الأموال؛ لضمان التطبيق الفعلي لهذه الإجراءات في السوق المحلية.

التزام يمني بمكافحة التهرب الجمركي والضريبي وتشديد الرقابة على المنافذ (إعلام حكومي)

وترى الحكومة أن هذه الخطوة ستسهم في تعزيز قدرة مؤسسات الدولة على تنظيم القطاع التجاري وحماية حقوق التجار والمستهلكين، فضلاً عن الحد من الممارسات غير المشروعة التي قد تؤثر سلباً على الاستقرار الاقتصادي.

حملة مكثفة

بالتوازي مع تنظيم قطاع الذهب، كثّفت الحكومة اليمنية جهودها لمكافحة التهريب والتهرب الجمركي والضريبي، حيث ترأس رئيس الحكومة شائع الزنداني اجتماعاً للجنة العليا لمكافحة التهريب خُصص لمراجعة الإجراءات المتخَذة لتعزيز الرقابة على المنافذ البرية والبحرية.

وتناول الاجتماع، وفق الإعلام الحكومي، تنفيذ خطة للتدوير الوظيفي للقيادات والموظفين العاملين بالمنافذ الجمركية، في خطوةٍ تهدف إلى الحد من مظاهر الفساد وتعزيز النزاهة في إدارة هذه المواقع الحيوية.

انقلاب الحوثيين المدعومين من إيران تسبَّب في تدمير الاقتصاد اليمني (رويترز)

كما ناقش المسؤولون الإجراءات الرامية إلى تصحيح أوضاع المنافذ التجارية، وتعزيز سُلطة الدولة فيها، إضافة إلى رفع مستوى التنسيق بين الجهات الأمنية والجمركية والرقابية؛ لضمان تنفيذ القوانين والأنظمة بصورة فعالة.

وأكد رئيس الحكومة ضرورة تفعيل التشريعات المتعلقة بمكافحة التهريب وتطبيقها بصرامة، مشدداً على أهمية مضاعفة الجهود لمواجهة ما وصفه بـ«الآفة» التي تلحق أضراراً كبيرة بالاقتصاد الوطني والأمن القومي وصحة المواطنين والبيئة.

وتندرج هذه الخطوات ضمن أولويات البرنامج الحكومي الذي يهدف إلى تحسين إيرادات الدولة ومنع الجبايات غير القانونية، وإنهاء الازدواجية التي كانت قائمة في تحصيل الرسوم والضرائب، خلال السنوات الماضية.

البنك المركزي اليمني يواصل تعزيز قبضته على مكافحة غسيل الأموال (إعلام حكومي)

ويقول مسؤولون حكوميون إن جزءاً كبيراً من الإيرادات العامة كان يتجه، خلال السنوات الماضية، إلى جهات غير قانونية نتيجة الانقسام الإداري وتعدد نقاط الجباية، وهو ما أسهم في انتشار الرسوم غير الرسمية على البضائع خلال تنقلها بين المحافظات.

وتعهدت الحكومة بتطبيق الإجراءات القانونية بصرامة لمنع هذه الممارسات، إلى جانب تعزيز جهود مكافحة الفساد في مختلف المؤسسات، في خطوة تهدف إلى استعادة ثقة المستثمرين والتجار وتحسين بيئة الأعمال بالبلاد.