«طالبان» تستأنف هجماتها ضد الحكومة الأفغانية

واشنطن: الهجوم يجري تقييمه والاتفاق مع «طالبان» مشروط بالتزامها تطبيقه

عناصر من «طالبان» يحتفلون بالهدنة الجزئية قبل أن تنهيها أمس وتستأنف الهجمات ضد القوات الحكومية (أ.ف.ب)
عناصر من «طالبان» يحتفلون بالهدنة الجزئية قبل أن تنهيها أمس وتستأنف الهجمات ضد القوات الحكومية (أ.ف.ب)
TT

«طالبان» تستأنف هجماتها ضد الحكومة الأفغانية

عناصر من «طالبان» يحتفلون بالهدنة الجزئية قبل أن تنهيها أمس وتستأنف الهجمات ضد القوات الحكومية (أ.ف.ب)
عناصر من «طالبان» يحتفلون بالهدنة الجزئية قبل أن تنهيها أمس وتستأنف الهجمات ضد القوات الحكومية (أ.ف.ب)

أعلنت حركة «طالبان»، أمس الاثنين، أنها ستستأنف هجماتها ضد القوات الأفغانية، مؤذنة بانتهاء الهدنة الجزئية التي سبقت التوقيع على الاتفاق بين المتمردين وواشنطن. وقال المتحدث باسم «طالبان» ذبيح الله مجاهد إن «خفض العنف (...) انتهى الآن، وستتواصل عملياتنا كالمعتاد». كما شدد على أن الحركة لن تشارك في مفاوضات بين الأفغان حتى يتم الإفراج عن نحو 5 آلاف من سجنائها. وقال لوكالة «رويترز» في اتصال هاتفي: «إذا لم يتم الإفراج عن سجنائنا الخمسة آلاف؛ مائة أو مئتان أقل أو أكثر لا يهم، فلن تكون هناك مفاوضات بين الأفغان». وبعيد ساعات من إعلان «طالبان» المستجد، أفادت الشرطة الأفغانية بمقتل 3 وإصابة 11 شخصاً بانفجار في شرق البلاد.
يأتي هذا بعد توقيع اتفاق في الدوحة التي تربطها علاقة جيدة مع الحركة، بين الولايات المتحدة و«طالبان»، السبت الماضي.
وأعلن حاكم إقليم خوست في أفغانستان، عن مقتل 3 مواطنين على الأقل في انفجار استهدف ملعباً محلياً لكرة القدم. وأسفر هجوم بدراجة نارية مفخخة خلال مباراة كرة قدم عن مقتل 3 مدنيين وإصابة 11 بجروح في شرق أفغانستان، كما أكد مصدر في الشرطة، في هجوم يأتي بعيد إعلان «طالبان» عن انتهاء الهدنة الجزئية. وأعلن مدير شرطة ولاية خوست سيد أحمد بابازي، لوكالة الصحافة الفرنسية، عن انفجار دراجة نارية مفخخة خلال مباراة كرة قدم في مقاطعة نادر شاه كوت بعد ظهر أمس. وقتل 3 مدنيين وأصيب 11 بجروح في الهجوم الذي لم تتبنه أي جهة حتى الآن. واحتجت الحكومة الأفغانية الأحد على بند رئيسي في الاتفاق بين الولايات المتحدة وحركة «طالبان» وهو ما ينذر بمحادثات صعبة لدى الاجتماع بين كابل والحركة الأصولية للتوصل إلى اتفاق منفصل.
وأعلن الرئيس أشرف غني الذي يواجه أزمة سياسية بعد اتهامات حول تزوير في إعادة انتخابه مؤخراً، أنه لن يلتزم ببند في الاتفاق بين الولايات المتحدة و«طالبان» يدعو «طالبان» إلى الإفراج عن نحو ألف سجين والحكومة الأفغانية إلى إطلاق سراح نحو 5 آلاف من عناصر الحركة.
والبند جزء من الاتفاق الذي تم التوصل إليه بعد عامين من المحادثات بين واشنطن و«طالبان»، وجرى التوقيع عليه السبت الماضي في الدوحة، ويضع إطاراً زمنياً مدته 14 شهراً لانسحاب جميع القوات الأجنبية من أفغانستان، إذا التزمت «طالبان» بتعهدات عدة وبدأت محادثات مع كابل من أجل التوصل إلى اتفاق سلام أوسع نطاقا. وأكد الرئيس الأفغاني الأحد أن هدنة جزئية مع المتمرّدين مدّتها 7 أيام ستتواصل، لكنه رفض بند تبادل السجناء.
وينص الاتفاق على أنه «تلتزم الولايات المتحدة بتحقيق هذا الهدف» بإطلاق سراح سجناء «طالبان»، إلا إنه لم يتضح كيف سيحدث ذلك في حال عدم موافقة كابل. وصرح غني في مؤتمر صحافي نادر: «لا يوجد التزام بالإفراج عن 5 آلاف سجين»، مشيراً إلى أن أي عملية إفراج عن السجناء «ليست ضمن صلاحيات الولايات المتحدة، إنما من صلاحيات الحكومة الأفغانية». وأضاف: «يمكن إدراج المسألة على أجندة المحادثات الأفغانية الداخلية، لكن لا يمكن أن تكون شرطاً مسبقاً للمحادثات». كما أعلن غني على «تويتر» الأحد، أنه تلقى «تهنئة» عبر الهاتف من الرئيس الأميركي دونالد ترمب حول «التقدم الكبير في عملية السلام». رغم أن مؤيدي الاتفاق يصفونه بأنه خطوة أولى مهمة باتجاه السلام، يخشى كثير من الأفغان من ألا يكون سوى «استسلام أميركي مقنّع يشهد عودة (طالبان) إلى السلطة». ويعتمد التوصل إلى ذلك على الحوار «الأفغاني - الأفغاني» بين «طالبان» وإدارة غني، وغيرهم من اللاعبين السياسيين الأفغان، إلا أن منتقدين يقولون إن غني وضع إعادة انتخابه أولوية بدلاً من الاهتمام بالتوصل إلى اتفاق مع «طالبان»، ووجد صعوبة في تحديد من الذي سيتفاوض مع المسلحين.
وتَعِدُ انتقادات غني بند الإفراج عن السجناء بمفاوضات صعبة يواجهها بلد لا تزال تمزّقه خصومات قبلية وإثنية، وحيث يبدو قادته وتجار الحرب غير قادرين على الاتفاق على المسائل المهمة. ورغم ضبابية المشهد لجهة ما يعنيه الاتفاق بالنسبة لأفغانستان، فإن سكان كابل أعربوا عن ارتياحهم للسير أخيراً في شوارع العاصمة دون التخوّف من هجمات طالبان. وقال شرطي طلب عدم الكشف عن هويته لوكالة الصحافة الفرنسية: «أشعر بسلام اليوم بعد الاتفاق، وبارتياح أكبر». وفي جلال آباد عاصمة ولاية ننغرهار الشرقية، سلم أكثر من 10 من مقاتلي «طالبان» أسلحتهم للسلطات في مراسم خاصة.
في غضون ذلك، ذكر تقرير إخباري، أمس الاثنين، أن سلسلة من الغارات الجوية الأميركية، تمت في إقليم كونار شرق أفغانستان، مما أسفر عن مقتل 6 مسلحين تابعين لتنظيم «داعش». ونقل موقع «خاما برس» الإلكتروني الإخباري، اليوم الاثنين، عن الجيش الأفغاني قوله في بيان إن طائرات من دون طيار تابعة للجيش الأميركي استهدفت مقاتلي تنظيم «داعش» في منطقة سوكي بإقليم كونار، أول من أمس. وأضاف البيان أن الغارات الجوية استهدفت أيضاً عناصر تابعين لـ«داعش» في منطقة ديواجول فالي بالإقليم، مما أسفر عن مقتل 6 على الأقل من مسلحي التنظيم الإرهابي. وأضاف الجيش أن الغارات الجوية أسفرت عن مقتل «غني» القائد المسؤول عن سجون «داعش»، وقاري زاهر وهو قائد محلي آخر بارز في التنظيم. ولم يعلق أي من الموالين لـ«داعش» على الغارات الجوية حتى الآن.
قال وزير الدفاع الأميركي مارك إسبر، إن الاتفاق الذي وقع مع «طالبان»، السبت الماضي، هو اتفاق مشروط بالالتزام بتطبيقه من قبل الحركة وبالآليات التي ستنفذ على الأرض. وأضاف في مؤتمر صحافي في البنتاغون، إلى جانب رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال مارك ميلي، أنه تتم مراقبة أفعال «طالبان» وتصرفاتهم، مضيفاً أنه يجب ألا ننسى أن الاتفاق الذي تم التوصل إليه هو نتيجة لتضحيات الجنود، طالباً من الحلفاء الاستمرار في اليقظة حتى يتم الالتزام به بالكامل. وحول الهجوم الذي جرى أمس في أفغانستان، قال إسبر إنه يتوقع أن ينخفض مستوى العنف، وعندما تحصل الهجمات علينا التحقق لمعرفة كيفية الرد، ونقوم بالتقييم خطوة خطوة، والتأكد من الذي قام بالهجوم. وأضاف إسبر، أنه ناقش في كابل، الأسبوع الماضي، احتمالات حصول عنف، مؤكداً أن الأمر ستتم متابعته بشكل تدريجي لمواصلة خفضه، وأن تطبيق الاتفاق سيتم حسب الآلية التي وردت فيه، وأن خفض القوات سيحصل خلال 135 يوماً، ويبدأ خلال 10 أيام.
ميلي، من جهته، أعلن أنه يدعم الاتفاق بالكامل، واصفاً إياه بأنه كان الطريقة الوحيدة المسؤولة لإنهاء الحرب في أفغانستان، معلناً عن امتنانه للجنود وعائلاتهم، ولوزارة الخارجية، والاستخبارات، وللدول الـ40 الحليفة التي شاركتنا المهمة هناك. وأضاف ميلي أنه لا يتوقع أن يتوقف العنف بشكل تام في أفغانستان، لكن الاتفاق يطلق العملية والحوار المنشود، مؤكداً على أن الولايات المتحدة ستبقي على قوات لمواصلة مكافحة الإرهاب. من ناحيته، قال الرئيس دونالد ترمب، إن إدارته تتواصل مع الأطراف الأفغانية لمتابعة كيفية تطبيق ما تم الاتفاق عليه، مشيراً إلى أن الهجوم الذي حصل، الاثنين، تجري متابعته، وأن تقييم ما حصل يجري بشكل جدي.



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.