جورج إليوت... نسوية ثائرة وحياة بين الرواية والفلسفة والفضائح

200 عام على ولادة أهم مثقفات بريطانيا في القرن الـ 19

جورج إليوت
جورج إليوت
TT

جورج إليوت... نسوية ثائرة وحياة بين الرواية والفلسفة والفضائح

جورج إليوت
جورج إليوت

يعتبر كثيرون جورج إليوت التي ولدت قبل 200 سنة، أهم روائية بريطانية من العصر الفيكتوري، وحققت رواياتها جميعاً أرباحاً تجارية منذ طبعاتها الأولى، وما زالت قيد التداول إلى اليوم. ورغم أنها نشرت أول أعمالها تحت اسم ذكوري مستعار بدلاً من اسمها الحقيقي (ماري آن إيفانس) خوفاً من ألا يأخذها النقاد الأدبيون على محمل الجد، فإن هؤلاء احتفلوا بها أيضاً عندما نشرت باسمها الحقيقي، وإن احتفظوا بكنيتها المستعارة تلك حتى صارت به علماً بارزاً في تاريخ الأدب الإنجليزي، بينما بالكاد يتذكر القراء اسمها بالولادة.
وتقف روايتها الأشهر «ميدل مارش - 1872» بجدارة واستحقاق، كأفضل رواية تسجل تفاصيل حياة المجتمع الإنجليزي في القرن التاسع عشر.
لكن الأضواء الساطعة لهذا المجد الأدبي العريض في عالم الرواية، كثيراً ما صرفت النظر عن معالم أخرى شاهقة في شخصية هذه السيدة الاستثنائية التي تحدت طبقتها الاجتماعية، ومجتمعها الطرفي، وفضاء لغتها المحلية، وبطريركية ثقافة عصرها، لتصبح – إلى جانب إنتاجها الروائي المُبهر – أهم فيلسوفة بريطانية أنثى في أيامها، لا يعرف كثيرون أنها أول من ترجم أعمال بنيديكت دو سبينوزا، الفيلسوف الهولندي، إلى الإنجليزية؛ بل ولأي لغة في العالم، وبقيت لسنوات طوال - وهي الفتاة المنحدرة من أصول ريفية - محررة ناجحة لمجلة لندنية ثقافية رصينة، وأن أسلوب حياتها الشخصية الصادم والمثير للجدل يضعها في مقام نموذج مبكر لرائدة نسوية ومناضلة حقيقية بالممارسة العملية، دون الاستعراضات النظرية الفارغة التي كثيراً ما غلبت على إنجاز نسويات تلك الحقبة. ولذلك فإن أي تجربة لقراءة أعمال جورج إليوت أو عبور مجمل نتاجها الأدبي، بمعزل عن معرفة تلك الأبعاد المتقاطعة في أقانيم الزمان والمكان والثقافة التي أنتجت عقلها الجميل، لا تعطي تلك النصوص حقها، ويفقد القارئ فرصة نادرة للإطلال على ديناميات روح عصر آخر مضى، كان بكل ما فيه انعطافة مهمة للتجربة البشرية بمجملها، وفضاء استوت فيه الرأسمالية البرجوازية على عرشها الذي ما برحت - رغم كل التحولات - متمسكة به بقوة.
ولدت ماري آن إيفانس في 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 1819، داخل قرية ريفية صغيرة من أعمال وورشاير، في قلب الريف الإنجليزي كابنة ثالثة. وقد منحها والدها مبكراً مساحة واسعة للقراءة والتعلم لم تكن تحظى بها عادة بنات جيلها في ذلك المجتمع الطرفي بعيداً عن المدن الكبرى، إذ إنه كان يرى محدودية فرصها في الزواج، نظراً لافتقاد ملامح وجهها للجمال التقليدي الذي يمكن أن يجذب إليها خاطبين أثرياء، وأراد لها امتلاك وسائل أخرى لكسب العيش مستقبلاً. لكن طموح ماري آن وعقلها النهم كانا أكبر بكثير من أن تنتهي في وظيفة تقليدية، وتشبعت روحها سريعاً بمزيج متفجر ملتهب من الآداب والأشعار والمعارف والعلوم واللغات، كان ليؤهلها - لو أنها من طبقة أخرى - لدور بروفسورة بارزة في «أكسفورد» أو «كامبريدج»؛ لكنها ابنة مزارع تقليدي، من قرية نائية، فيها أهم نشاط ثقافي حضور قداس الأحد في الكنيسة.
من الجلي أن ماري آن كانت تعيش اغتراباً تاماً عن واقعها، وهو ما تسبب في تمردها مبكراً على السلطات الأبوية جميعها، بداية من رفضها العلني للمفاهيم الدينية التقليدية، وتوقفها عن حضور القداس الأسبوعي، وهو مما تسبب لها في معركة مع والدها، وفضيحة محلية في مجتمعها الصغير المغلق، ولاحقاً بقرارها – المتهور - الهجرة إلى العاصمة لندن، للعمل في مهنة الكتابة.
نقطة التحول في حياتها كانت انتقال عائلتها للسكنى على أطراف مدينة كوفنتري - عاصمة الإقليم – وهي في الحادية والعشرين من العمر، إذ تعرفت هناك على مجموعة من المثقفين التقدميين الرفيعين الذين كانوا يلتقون دورياً لتبادل الآراء ومناقشة الأفكار وثمرات الكتب، مما شرع أمامها نافذة للنهل من خلاصة الأدب والثقافة العالميين وقتها.
ويبدو أنها تبحرت تلك الفترة في تاريخ الأفكار والأديان، فترجمت من الألمانية كتاب ديفيد ستراوس المفصلي «قراءة نقدية لحياة السيد المسيح» الذي جادل فيه بأن المعجزات المنسوبة للنبي الناصري في العهد الجديد لم تكن سوى تلفيقات وأساطير.
ومن فورها أصبحت ماري آن هدفاً للهجوم من السلطات الدينية النافذة في بريطانيا، لإقدامها على نقل مثل تلك الهرطقة إلى الإنجليزية، ووصف أحد كبار الأساقفة الكتاب لما وصلته نسخة من الترجمة بأنه «أسوأ كتلة فاسدة لفظها الجحيم ذاته يوماً»؛ لكنها لم ترعوِ، وانطلقت من فورها تترجم أعمال دو سبينوزا، الفيلسوف المغضوب عليه من رجال الدين.
في كوفنتري، تعرفت ماري آن على الناشر جورج تشابمان الذي أعجب بها ودعاها للانتقال للعيش معه في لندن، ومشاركته تحرير مجلة «وسيمنستمر ريفيو» التي كانت معقلاً متقدماً للفلاسفة والمفكرين البريطانيين التقدميين، أمثال جيريمي بينثام وجون ستيوارت ميل. وقد أدارت المجلة بفاعلية واقتدار، وانخرطت بكليتها في معركة التغيير المجتمعي التي كانت تشهدها بريطانيا، وتعاطفت مع الثورات الأوروبية عام 1848، ودعت إلى تعليم المرأة، والمساواة الجندرية، وساندت الحراكات النسوية دون أن تتورط في رطانة النسويات اللغوية.
سكناها مع تشامبان دون زواج لثلاث سنوات لم يكن سراً، إذ كانت تلك الفتاة الريفية الذكية غالباً المرأة الوحيدة في اجتماعات نخبة مثقفي العاصمة في منزل تشامبان بحي ستراند؛ لكنها أصبحت فيما بعد مركز فضيحة مجتمعية، بعدما انتقلت للعيش علناً مع الكاتب جورج هنري لويس الذي كان متزوجاً، فقاطعها أهلها، وامتنعت نساء المدينة عن التعاطي معها وخضن في سمعتها. خلال تلك الفترة ترجمت كتاب الفيلسوف الألماني لوديغ فيورباخ «جوهر المسيحية» الذي كان أساسياً في إطلاق الفلسفة المادية لاحقاً على يد كارل ماركس، وأنهت ترجمتها عام 1856 لتحفة دو سبينوزا وعمله الأخير «الأخلاق – 1677» الذي رغم تأثيره الكثيف على الثقافة الأوروبية لم تكن أفكاره الثورية قد عبرت بعد حاجز اللغة بين جانبي القنال الإنجليزي، ولاحقاً في 1857 استجمعت ثقتها لتنشر أول نتاجها الأدبي «مشاهد من حياة رجال الدين» وهي مجموعة قصص قصيرة تجمعها ثيمة واحدة – تحت الاسم الأدبي المستعار جورج إليوت - قبل أن تلحقها في 1859 بروايتها الأولى «آدم بيد» لتتوالى من بعدها سلسلة من الدواوين الشعرية والأعمال الروائية، صدر آخرها عام 1873 «دانيال ديروندا»، التي ربما تكون أهم أعمالها أدبياً.
وقد توفيت ماري آن في عام 1881 بعد أشهر قليلة من زواجها بأميركي يصغرها بعشرين عاماً، وللمفارقة فقد عقدت قرانها عليه في الكنيسة، وهي التي قاطعت القداديس الدينية طوال أربعة عقود تقريباً.
حياتها الثرية التجارب هذه، وثقافتها الفلسفية الرفيعة، منحت كتابتها الأدبية عمقاً فريداً ووعياً اجتماعياً مبكراً لتأثيرات الرأسمالية على حياة الأفراد، وطبيعة القلق الروحي والاغتراب الذي كانت تعيشه النساء الإنجليزيات في ظلها، كما تلك الشبكات الواهنة من العلاقات الإنسانية التي تربط المجتمعات على مستويات مختلفة في أجواء تحولات ثقافية عاصفة.
شخصيات رواياتها معقدة، وتطرح وقائعها تساؤلات فلسفية وسيكولوجية وسيسيولوجية، وتؤطر في سياقاتها المآزق الفكرية والاجتماعية لجيلها. وقد اشتهر وصف فرجينيا وولف لروايتها «ميدل مارش» بأنها «من تلك الأعمال الأدبية النادرة التي كتبت لقراء ناضجين».
وفي الحقيقة، فإنه لا خلاف بين النقاد بمن فيهم أولئك الذين عابوا عليها أحياناً تطرفاتها الفلسفية أو السياسية، في أن مجمل نتاجها الأدبي يتسم بالنزاهة الفكرية، والحكمة، وصرامة الارتباط بقضايا الإنسان، وأن تلك الروح الثائرة المتمردة كانت على الإطلاق أهم مثقفات بريطانيا في القرن التاسع عشر.



70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس
TT

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس

بعد جيلين صنعا مجد «دار الآداب»، وبمناسبة الاحتفال بمرور 70 سنة على انطلاقتها، تتحدث مديرة الدار رنا إدريس لـ«الشرق الأوسط» عن تاريخ وكواليس واحدة من أعرق دور النشر العربية وأقدمها. وهنا نص الحوار...

وضع سهيل إدريس وشريكة حياته عايدة مطرجي النواة الأولى لـ«دار الآداب»، ثم لعب الأولاد رنا وسماح ورائدة، كل منهم دوره في تطوير العمل وتحديثه. أما الحفيدة تالا فهي جاهزة لأداء المهمة، حين يطلب منها ذلك. 7 عقود من النشر والأدب سيحتفى بها في «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» بدءاً من التاسع من الشهر الحالي، بالموسيقى والندوات والتواقيع. ويعقد حوار يوم الأحد المقبل، بين د. بلال الأرفه لي ورنا إدريس تتحدث فيه عن تجربتها.

تقول رنا لـ«الشرق الأوسط»: «الدار لم تستمر بالصدفة، كان ثمة تحضير مبكر لي ولإخوتي على العمل». وتكمل: «عشنا في الدار وكبرنا. شربنا الكتب مع الحليب. ولا أذكر أننا جلسنا على غداء، إلا وكان حديث عن كتاب أو ترجمة».

خلال حياته قسّم سهيل إدريس المسؤوليات. ابنته رنا تتسلم دار النشر، ابنه سماح يدير مجلة «الآداب»، زوجته الدكتورة عايدة لها الطباعة والمستودعات. وسهيل إدريس تفرغ بعد الأدب والترجمة، للقواميس حتى أنجز «المنهل» الفرنسي - العربي، بالتعاون مع جبور عبد النور.

سهيل إدريس

المجلة أولاً

«دار الآداب» ولدت من رحم مجلة «الآداب». عام 1953 أوكلت «دار العلم للملايين» إصدار المجلة إلى سهيل إدريس، وهو في أواخر عشريناته. بعد 3 سنوات تزوج ممن ستصبح شريكة حياته عايدة مطرجي. شعر أن طموحاته وجرأته تذهبان أبعد من الممولين، فشجّعته والدته وزوجته عايدة على شراء المجلة، ثم باعتا مصاغهما، واشتراها. هكذا صارت «الآداب تساوي ثقلها ذهباً». في السنة نفسها، أي 1956، ولدت «دار الآداب» للنشر. شعر سهيل إدريس أن المرحلة تحتاج نشر نصوص كبيرة، والرواية يجب أن تكون لها مكانتها، خاصة أنه أصدر روايته الأولى «الحي اللاتيني».

كان مركز الدار بناية درويش في «الخندق الغميق». في تلك المنطقة توجد غالبية دور النشر. انتقلت بعدها «الآداب» قرب الجامعة العربية حيث كان سهيل إدريس يدرّس الترجمة، ومن ثم إلى «طريق الجديدة»، منطقة منظمة التحرير الفلسطينية. تتذكر رنا كيف كان محمود درويش يسكن قريباً من هناك وليانة بدر ومثقفون فلسطينيون كثر يترددون على الدار.

سماح إدريس

الكتب وقود الحروب

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب». قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى على مكتبة سهيل إدريس. احترقت كتب حملت إهداءات سيمون دوبوفوار، جان بول سارتر، ريجيس دوبريه، نجيب محفوظ، يوسف السباعي. وكان قبلها جزء كبير من أرشيف «دار الآداب» قد فقد خلال ثورة 1958.

«حزن والدي كثيراً على ضياع مكتبته. وانتقلت الدار إلى ساقية الجنزير». عاشت العائلة في دار النشر، أو العكس: «في فترة ما كان المنزل ودار النشر متقابلان، ووالدتي تترجم في الدار وتذهب لترضع سماح في الشقة المقابلة. الشيء نفسه بالنسبة للطبخ. كم من مرة احترقت الطبخة، وهي مشغولة في الدار». رنا عاشت الظروف نفسها: «جاء ذات مرة نزار قباني، وحين طلب منه أن ينتظر انتهائي من إرضاع ابنتي، قال ممازحاً: وهل أنا في حضانة!».

تتذكر رنا: «لم نجلس مرة إلى الغداء إلا وأسمع أمي وأبي يتحدثان عن ترجماتهما. تناقشا ذات جلسة، كيف يترجمان عنوان (الغريب) لألبير كامو ويميزانه عن عنوان كتاب كولن ولسون. وقررا بعد أخذ وردّ أن يسميا مؤلف الأخير (اللامنتمي)».

في البداية، انكبت الدار على ترجمة كتب الوجوديين، من سارتر إلى كامو وكولن ولسون. عنيت بالفكر اليساري، وكتب ماركيز، وماركس، وماو تسي تونغ، ومذكرات بن بلة: «اهتموا بسارتر بسبب موقفه المؤيد لتحرير الجزائر، وبيانه (عارنا في الجزائر)». تقول رنا: «كان أبي مصرّاً على ترجمته وتسويقه، لا لفكرة الحرية فقط، بل لأنها عنده مقرونة بالمسؤولية وليست مطلقة».

هذا انعكس على طبيعة منشورات المجلة التي شجّعت القوالب الجديدة في شعر نازك الملائكة والسياب وأحمد عبد المعطي حجازي.

كان سهيل إدريس جريئاً، حماسياً، نهضوياً في عروبته، من هنا خلافه مع رواد مجلة «شعر»: «كان حريصاً على اللغة العربية. ولا يرى النجاة إلا عبر الوحدة. رأى أنه إذا تم الاستفراد بنا واحداً وراء آخر فسنؤكل، وإذا لم نقف مع الجزائر وفلسطين فسيأتي دورنا جميعاً»، تقول رنا. واللغة العربية هي القادرة على جمعنا. «لهذا لم يكن ينظر بارتياح إلى مجلة (شعر)، وانفتاحها على العامية. شعر أن ثمة أيادي غريبة وراءها. ليست ريبة اتجاه كل كتّابها، وإنما لم يرتح لتوجهها السياسي».

بعد ثورة شمعون

بعد عام 1958، اهتمت الدار بطباعة الرواية العربية. نشرت لأصوات جديدة، أبرزها نجيب محفوظ، وروايات لحنان الشيخ وغادة السمان التي بقيت مع «دار الآداب» حتى زواجها من صاحب «دار الطليعة» بشير الداعوق. «ثم جاءت موجة حنا مينة، الذي كنا نطبع له من الكتاب 5 آلاف نسخة، ومن ثم تتوالى الطبعات. كولن ولسون كنا نطبع له 10 آلاف. لقد كان من بين الأكثر مبيعاً».

كما نشرت الدار كتب جبرا إبراهيم جبرا، ولكتّاب آخرين، واستمرت الترجمات. قرّر سهيل إدريس التوقف عن طباعة كتب سارتر بسبب موقفه السلبي من فلسطين. وبقي كذلك حتى عودة رنا من أميركا، حيث تمت مراجعة كتبه وإصدارها.

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب»... فقد قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى

فلسطين أولاً

فلسطين بالنسبة للدار والمجلة قضية محورية. ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 وضياع المكتبة الشخصية، بدأ القلق يكبر والإنتاج يتراجع. صار الهمّ الأكبر لسهيل إدريس أن تبقى المجلة في بيروت. «نظراً لعنف الأحداث، وبطلب من أصدقائه، اقتنع بأن يصدر المجلة من بغداد. لكنه كان العدد الأول والأخير الذي يصدر خارج لبنان، بسبب ضغوطات الرقابة الكثيرة التي تعرضت لها».

وهي تتبع مسار «الآداب»، تتذكر رنا إدريس ظاهرة أحلام مستغانمي: «لا يوجد كاتب حقق مبيعات في العالم العربي كما أحلام. كانت ظاهرة كما نزار قباني. (ذاكرة الجسد) أحدث دوياً آخر الثمانينات. من وقتها لم نعد نرى اسماً واحداً يحلّق في المبيعات. يمكننا الحديث عن ظاهرة إليف شافاك، مؤخراً، خاصة كتابها (قواعد العشق الأربعون)، ولكن ليس عن كاتب عربي».

رنا إدريس: الدم الجديد

عادت رنا إدريس عام 1986 من أميركا، بطلب من والدها، بعد أن مضت 5 سنوات وهي تحضر للدكتوراه. قال لها إن الدار بحاجة إلى دم جديد، ويمكنها إكمال الدكتوراه من لبنان، خاصة أن شقيقها سماح يتحضّر للذهاب إلى جامعة كولومبيا، وشقيقتها رائدة تزوجت وسافرت إلى أميركا.

عادت رنا متحمسة للتجديد. كانت موضة اليابان قد بدأت في نيويورك: «قلت لوالدي: كل شيء هناك ياباني. ويجب أن نفهم كيف زاوجوا بين التقليد والحداثة». كانت قد قرأت كتباً يابانية، واقترحت إصدار سلسلة من الأدب الياباني في 15 رواية. وهكذا كان. ترجم سهيل إدريس رواية كواباتا «حزن وجمال»، وترجمت عايدة رواية يوكيو ميشيما «البحار الذي لفظه البحر»، ومن بعدها صدر بالعربية كثير من الأدب المترجم عن اليابانية.


«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي
TT

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» كتاب جديد يضاف إلى سلسلة المؤلفات للباحثة والناقدة الدكتورة نادية هناوي.

ويضم الكتاب الصادر مؤخراً عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق مقالات غير موزعة بحسب تواريخ نشرها في الصحف والمجلات، ولكنها مرتبة بحسب ما تحويه من أفكار وآراء.

وهي تتوزع ما بين النقد الأدبي والبحث العلمي ومسائل النسوية والثقافة العربية والفكر والجمال. والغالب على المقالات أنها مخصوصة بالشأن العربي، كشفاً ومعالجة لظواهره الأدبية من شعر وسرد ونقد ونظرية أدبية وإبستمولوجيا، وما يتصل بذلك من موضوعات مجاورة للنقد الأدبي كالتاريخ والفلسفة والاجتماع والأنثروبولوجيا والفلسفة وعلم الجمال وتاريخ الأفكار. هذا فضلاً عن رصد الظواهر الثقافية المحلية خاصة، وظواهر الوضعين السياسي والحياتي في البلاد العربية بصفة عامة.

تقول المؤلفة في المقدمة: «درجتُ في كتبي السابقة على جعل كل واحد منها بوحدة موضوعية، تلتم فيها الأطراف، وتدار حولها الطروحات والأفكار. ولم ألجأ إلى جمع مقالاتي المتناثرة هنا وهناك ونشرها في كتاب مستقل كما يفعل بعض الزملاء النقاد.


«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية
TT

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن كتاب «ألف باء الفن» للكاتب الأميركي إريك غريزيمكوفسكي، بترجمة محمد السعدي، في إصدار عربي يقدّم للقارئ مدخلاً واسعاً وميسّراً إلى عالم الفن وتاريخه ومدارسه وأبرز فنانيه، ويتنقل بين النظريات والحركات الفنية والمتاحف والأعمال التي أسهمت في تشكيل تاريخ الفن وتحوّلاته عبر العصور.

ينطلق غريزيمكوفسكي في كتابه من فكرة أساسية تتمثل في تحرير الحديث عن الفن من الشعور بالرهبة الذي قد تثيره الكتب الفنية المتخصصة لدى القارئ الذي لا يمتلك تكويناً أكاديمياً في هذا المجال. ويشير في مقدمته إلى أن كثيراً من الكتب تفترض مسبقاً معرفة القارئ بمفاهيم مثل المنظور ونظرية اللون والخطوط والأشكال، في حين يسعى «ألف باء الفن» إلى البدء من هذه الأسس نفسها، وتقديم الأساليب والحركات والوسائط الفنية بطريقة يسهل فهمها، بالتوازي مع سرد حكايات عدد من أبرز الفنانين والتعريف بالمصطلحات الضرورية لفهم الأعمال الفنية ومناقشتها.

ويمنح هذا التصور الكتاب طابعاً موسوعياً مبسطاً، إذ لا يتعامل مع تاريخ الفن كسرد زمني متصل بقدر ما يفتحه أمام القارئ على هيئة موضوعات مستقلة ومترابطة في الوقت نفسه، بحيث يستطيع الانتقال بين الفنانين والمدارس والمفاهيم والمتاحف وفق اهتمامه الخاص. ويشبّه المؤلف الكتاب، في مقدمته، بمتحف يضم «قاعات» مختلفة لموضوعات تنتمي إلى أمكنة وأزمنة متباينة، بما يسمح للقارئ بالدخول إلى الفن من أبواب متعددة، من دون اشتراط معرفة مسبقة أو مسار قراءة صارم.

ويتوزع الكتاب على عشرات الموضوعات التي ترسم خريطة واسعة للفنون البصرية، بدءاً من نظرية اللون، وباوهاوس، والعلاج بالفن، والفن الجديد، والدادائية، والانطباعية، مروراً بالتكعيبية، والسريالية، والفن الحديث، والفن التجريدي، وفن عصر النهضة والمستقبلية، والباروك، والفن الشعبي، وصولاً إلى موضوعات مثل المنظور، ونظرية الجشطالت، وعناصر الفن ومبادئه، والنحت، والتصوير الضوئي، والألوان المائية، ورسومات الكهوف، وفن الجسد، والنسبة الذهبية وتحطيم الأيقونات.

ومن بين الموضوعات التي يتوقف عندها الكتاب «نظرية اللون»، إذ يشرح موقع اللون بين العناصر الأساسية للعمل الفني، وعلاقته بالخط والخامة والشكل، وكيف يستخدمه الفنان في توجيه عين المشاهد وبناء المزاج البصري للعمل، ثم ينتقل إلى مزج الألوان والألوان المتكاملة والجمعية والطرحية ودرجات اللون وتأثيراتها. كما يتناول مدرسة باوهاوس، التي أسسها والتر غروبيوس في ألمانيا عام 1919، ويشرح فلسفتها القائمة على الجمع بين الفنون الجميلة والحرف والتصميم، وعلاقتها بالصناعة والإنتاج الحديث، وصولاً إلى أثرها اللاحق في التصميم والعمارة.

ولا يتوقف «ألف باء الفن» عند الأعمال التي استقرت مكانتها في تاريخ الفن، إذ يفتح النقاش أيضاً على الأسئلة والخلافات التي رافقت بعض التجارب الفنية. ويخصص، على سبيل المثال، فصلاً لبانكسي تحت عنوان «بانكسي: فنان أم تهديد؟»، بما يضع القارئ أمام النقاش حول فن الشارع وحدود المؤسسة الفنية، كما يتناول إعادة التوظيف الفني وفن الجسد والفن العام، وهي موضوعات تكشف عن اتساع مفهوم الفن وتحولاته المستمرة.

ويستفيد الكتاب من الصور والرسوم في تقريب موضوعاته، إذ تحضر نماذج من أعمال فنانين ومدارس مختلفة إلى جانب الشروح، من «ليلة النجوم» لفنسنت فان غوخ وأعمال بول سيزان ومان راي وجورجيا أوكيف إلى أعمال دييغو ريفيرا وإدوارد هوبر وصور أنسل آدمز، بما يمنح القارئ فرصة للربط بين المفهوم النظري والمثال البصري.