3 آلاف حالة وفاة... حصيلة «كوفيد ـ 19» في 3 أشهر

نائب الرئيس الأميركي يتوقّع انطلاق التجارب السريرية لإيجاد علاج خلال 6 أسابيع

صينيون يعقّمون سيدة تعافت من المرض قبل دخولها الحجر الصحي في ووهان أمس (أ.ف.ب)
صينيون يعقّمون سيدة تعافت من المرض قبل دخولها الحجر الصحي في ووهان أمس (أ.ف.ب)
TT

3 آلاف حالة وفاة... حصيلة «كوفيد ـ 19» في 3 أشهر

صينيون يعقّمون سيدة تعافت من المرض قبل دخولها الحجر الصحي في ووهان أمس (أ.ف.ب)
صينيون يعقّمون سيدة تعافت من المرض قبل دخولها الحجر الصحي في ووهان أمس (أ.ف.ب)

باتت حصيلة فيروس «كوفيد - 19» تقارب ثلاثة آلاف وفاة من أصل أكثر من 86 ألف إصابة في نحو ستين بلدا، من بينها أكثر من 80 ألف إصابة و2870 وفاة في الصين وحدها، حيث أدّت التدابير الصارمة المتّخذة منذ نهاية يناير (كانون الثاني) إلى احتواء انتشار المرض نسبيا، إلا أنها تسببت كذلك في شل النشاط الاقتصادي.
ومع تراجع الحصيلة اليومية للإصابات داخل الصين، يواصل الفيروس تمدده عبر العالم مع تسجيل أولى الوفيات في الولايات المتحدة وأستراليا وتايلند، وارتفاع عدد الحالات المؤكدة داخل إيران وإيطاليا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وكوريا الجنوبية.
ومع رفع منظمة الصحة العالمية الخطر إلى أعلى مستوى، تسابق جهات صحية عبر العالم الوقت لإيجاد لقاح للفيروس. وقال مايك بنس، نائب الرئيس الأميركي، إنه يتوقع البدء في تجارب سريرية على علاج لكورونا الجديد خلال 6 أسابيع، مستبعدا في الوقت ذاته أن يتم التوصل إلى لقاح في الفصل الحالي.

- عودة الارتفاع في الصين
خارج مقاطعة هوباي الصينية، بؤرة الوباء، ظهرت بوادر انتعاش في النشاط الاقتصادي ولا سيما مع ظهور زحمة سير مجددا في بعض نقاط العاصمة بكين في ساعات الذروة كما ذكرت وكالة الصحافة الفرنسية. لكن البلد لم يتخلص بعد من الفيروس الذي ظهر في ديسمبر (كانون الأول).
وأعلنت اللجنة الوطنية للصحة التي تقوم بمقام وزارة للصحة، أمس، في حصيلتها اليومية عن 573 إصابة جديدة، وهي أعلى حصيلة منذ أسبوع. ولا يزال هذا الرقم أدنى بكثير من الأعداد المسجلة خلال النصف الأول من فبراير (شباط)، حين كانت الإصابات الجديدة اليومية تتخطى الألف. لكن حصيلة الإصابات الجديدة ترتفع لليوم الثاني على التوالي، بعد أن تراجعت الجمعة إلى 327 أدنى حصيلة يومية منذ أكثر من شهر.
أما حصيلة الوفيات، فواصلت التراجع مع إعلان 35 حالة وفاة، مقابل 47 السبت.
ويبدو أن الوباء يبقى متركزا بشكل أساسي في مقاطعة هوباي، فجميع الوفيات المعلن عنها أمس باستثناء واحدة فقط حصلت في المقاطعة، وكذلك جميع الإصابات الجديدة باستثناء ثلاث فقط.
وإن كان انتشار العدوى تراجع بصورة عامة في الصين بفضل تدابير حجر صحي شملت أكثر من خمسين مليون شخص، فإن دولا أخرى تصبح بدورها مراكز لانتشار وباء «كوفيد - 19»، وفي طليعتها كوريا الجنوبية وإيطاليا وإيران.

- استنفار أميركي
أعلنت الولايات المتحدة، أول من أمس، عن أول وفاة لديها بسبب المرض لرجل في الخمسينات من عمره في ولاية واشنطن. وقال مسؤولون إن حالتين من بين ثلاث حالات في الولاية مرتبطتان بدار رعاية ظهرت على عشرات المقيمين فيها أعراض المرض. ونقلت محطة «سي إن إن» عن مايك بنس، نائب الرئيس الأميركي والمشرف على استراتيجية البلاد لمواجهة تفشي الفيروس، قوله إنه على الرغم من أن أغلب الأميركيين ليسوا في خطر داهم بسبب «كوفيد - 19»، فإنه من الممكن أن يكون الإعلان عن المزيد من الوفيات في الولايات المتحدة وشيكا بعد الإعلان عن أول حالة، كما نقلت وكالة «رويترز».
وأضاف بنس «نعلم أنه سيكون هناك مزيد من الحالات»، في تصريح مماثل لما أدلى به الرئيس دونالد ترمب في وقت سابق، وقال فيه إن وجود حالات إضافية هو «أمر مرجح». وأوضح ترمب ومسؤولون أميركيون كبار في إفادة صحافية في البيت الأبيض أن المسافرين القادمين من إيطاليا وكوريا الجنوبية سيخضعون لعمليات فحص إضافية، وحذّروا الأميركيين من السفر للمناطق التي ظهرت بها إصابات بالمرض في الدولتين.
وتابع بنس أن نطاق حظر على دخول المسافرين من إيران سيتسع ليشمل أي أجنبي زار إيران في الأربعة عشر يوما الماضية. وأشار المسؤولون إلى أن الولايات المتحدة قد تفرض قيودا كذلك على السفر عبر حدودها الجنوبية مع المكسيك، لكنهم حثّوا الأميركيين على التنقل في أنحاء البلاد بما يشمل ولايات سجلت بعض حالات الإصابة التي فاقت الستين في البلاد حاليا.
وعرقل تفشي المرض الطلب على رحلات الطيران واضطرت الكثير من الشركات لوقف أو تعديل الرحلات الجوية بسبب ذلك. وبعد الإفادة الصحافية أول من أمس السبت، أجرى البيت الأبيض اتصالا بشركات الطيران في البلاد لمناقشة فرض قيود جديدة على السفر.
وأعلنت شركة «أميركان إيرلاينز» في وقت متأخر السبت تعليق كل رحلاتها من الولايات المتحدة إلى مدينة ميلانو الإيطالية.

- حالات دولية جديدة
أعلنت الإكوادور، السبت، عن أول حالة إصابة لامرأة زارت مدريد، بينما أعلنت المكسيك عن أربع حالات لأفراد جميعهم زاروا إيطاليا. وأكد مسؤولون في البرازيل تسجيل ثاني حالة في البلاد لمريض في ساو باولو زار إيطاليا مؤخرا. فيما أعلنت كل من أرمينيا وإيرلندا ولوكسمبورغ عن تشخيص أولى الحالات المؤكدة بالفيروس.
وكثفت الحكومات حول العالم جهودها لاحتواء انتشار الفيروس. وأعلنت فرنسا حظرا مؤقتا على التجمعات العامة التي تضم أكثر من خمسة آلاف شخص في أماكن مغلقة. وأبلغت فرنسا عن وجود 16 حالة جديدة لديها مما رفع الإجمالي إلى 73 إصابة، كما ألغت سباقا للعدو بمشاركة نحو 40 ألف عداء كان مقررا أمس الأحد.
بدورها، قالت سويسرا إنها حظرت كل الفعاليات التي تجتذب أكثر من ألف شخص. وظلّ أكثر من 700 سائح رهن الحجر الصحي في فندق في جزر الكناري، بعد أن تم تأكيد إصابة عدد من الضيوف الإيطاليين هناك بفيروس كورونا الجديد.
وستبقى المدارس والجامعات في ثلاث مناطق في شمال إيطاليا مغلقة للأسبوع الثاني على التوالي. وتشهد إيطاليا أسوأ تفش للمرض على مستوى القارة الأوروبية إذ سجلت إصابة أكثر من 1100 و29 وفاة.
وقال وزير الصحة البريطاني مات هانكوك، أمس، إن بلاده تضع خططا تحسبا لتفاقم انتشار المرض ووصفه بأنه «تحد غاية في الأهمية».

- تعبئة كورية «شاملة»
في كوريا الجنوبية، أعلن الرئيس مون جاي - إن أمس قيام حكومته بتعبئة «شاملة». وقال إنه «عقب رفع التنبيه إلى درجته الأعلى، على الحكومة الآن القيام بتعبئة شاملة».
حتى هذا اليوم، ألغيت عشرات الفعاليات في شبه الجزيرة، وفرض أكثر من 70 بلدا قيودا على الرحلات القادمة من كوريا الجنوبية.
وأعلنت السلطات الصحية في كوريا الجنوبية أمس 586 جديدة مؤكدة بفيروس كورونا الجديد في البلاد، ما يرفع العدد الإجمالي للإصابات المؤكدة إلى 3736، بحسب ما ذكرته وكالة بلومبرغ للأنباء. وقد سجلت سيول حالة وفاة بالفيروس، ليبلغ إجمالي حالات الوفيات 21 حالة وفاة على الأقل.
ويعتبر هذا التفشي هو الأكبر خارج الصين، التي بدأ بها انتشار الفيروس في ديسمبر 2019، وتم تسجيل الغالبية العظمى من حالات الإصابة الجديدة في مدينة دايغو، وفقا للمركز الكوري الجنوبي للسيطرة على الأمراض والوقاية منها. وينتمي 333 شخصا من المصابين الجدد لمدينة دايغو في جنوب شرقي البلاد، مقر كنيسة يعتقد أنها بؤرة تفشي المرض في كوريا الجنوبية.


مقالات ذات صلة

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended